#نوادر_الصحابة | الحلقة العاشرة | الصحابي " سعد بن عبادة الأنصاري "
- •سعد بن عبادة من أنصار الرسول صلى الله عليه وسلم، كان من النقباء ومن المبايعين في العقبة، وتعرض للضرب الشديد من قريش بعد بيعة العقبة.
- •عُرف سعد بكرمه العظيم حيث كان يُهدي للنبي صحفة طعام تكفي جميع بيوته، وكان يأخذ ثمانين رجلاً من أهل الصُفة ليطعمهم بينما كان غيره يأخذ واحداً أو اثنين.
- •ولاه النبي الراية في فتح مكة، لكنه قال: "اليوم يوم الملحمة، اليوم أُذِلّ الله فيه قريشاً"، فأمر النبي بأخذ الراية منه وإعطائها لابنه قيس.
- •صحح النبي مقولته قائلاً: "كذب سعد، اليوم يوم المرحمة"، مؤسساً لمبدأ الصفحة الجديدة والعفو.
- •اتسم سعد بالصراحة والشفافية عندما أخبر النبي أن قومه وجدوا في أنفسهم من توزيع الفيء على قريش دونهم.
- •عاش سعد بعد النبي وتوفي سنة 15 هجرية، بينما توفي سعد بن معاذ بعد غزوة الخندق بشهر.
مقدمة الحلقة والتعريف بالصحابي سعد بن عبادة الأنصاري
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اليوم نعيش هذه اللحظات مع صحابي جليل من الأنصار، مع سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه. كان يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السعدين؛ سعد بن معاذ وقد مات بعد غزوة الخندق بنحو شهر، وسعد بن عبادة الذي عاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات في عام خمسة عشر من الهجرة.
قصة القبض على سعد بن عبادة بعد بيعة العقبة في مكة
سعد بن عبادة كان في بيعة العقبة وتخلف قليلًا، وأدرك أهل مكة أن شيئًا ما يحدث من أهل يثرب [المدينة]، فسألوا عبد الله بن أُبيّ بن سلول ولكنه أنكر لأنه لا يعرف [بأمر البيعة].
وقبضوا على سعد بن عبادة حينئذٍ وكان من النقباء. سعد بن معاذ أسلم على يد مصعب بن عمير في المدينة، ولكن سعد بن عبادة كان ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة في بيعة العقبة.
تعذيب قريش لسعد بن عبادة ونجاته بجوار ابن عم العاص بن وائل
قبضوا عليه وضربوه ضربًا شديدًا حتى قال: كأنني نُصُبٌ قد احمرّ من دم الضحايا؛ كانوا يلطخون الصنم بالدم، فكأنه هكذا من شدة ما ضربوا سعد بن عبادة حتى يُقِرّ ويعترف عما حدث بينه وبين محمد [صلى الله عليه وسلم] في هذا اللقاء، ولكنه لم يتكلم.
قال له أحدهم: أليس لك مجيرٌ؟ قال: ليس لي مجيرٌ إلا أننا كنا نكرم العاص بن وائل إذا نزل عندنا. فسمع ابن عمٍّ للعاص بن وائل هذه المقولة وقال: إذن فأنت في جواري، لا تقربوه فإنه كان يكرم ابن عمي العاص بن وائل. وهذا هو الذي أنقذه من قريش.
كرم سعد بن عبادة وإهداؤه الطعام لبيوت النبي صلى الله عليه وسلم
كان سعد بن عبادة بن دُلَيم بن حارثة كريمًا من أصل كريم، من آبائه وأجداده من الكرماء الكبار وممن يطعمون الطعام.
كان سعد بن عبادة يُهدي للنبي صلى الله عليه وسلم صحفة طعام، هذه الصحفة تمر على جميع بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ولا تنفد؛ إذن فالطعام كان كثيرًا جدًا. كان سعد بن عبادة يُطعم به الناس ويهدي به ويقدمه للخلق، كان كريم النفس جدًا.
أهل الصُّفة وإطعام سعد بن عبادة لثمانين رجلاً منهم
وكان هناك ما يُسمى بـأهل الصُّفة، وأهل الصُّفة جماعة من المتفرغين للعلم، منهم أبو هريرة [الذي] أسلم بعد ذلك في عام خيبر، منقطعين للعلم كأنهم في منحة دراسية، يتفرغون حتى ينالوا العلم دراسةً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فكان الرجل من الأنصار أو من المهاجرين يأتي فيأخذ معه رجلًا من أهل الصُّفة حتى يأكل عنده غداءً أو عشاءً، وهناك من كان يأخذ اثنين، وهناك من كان يأخذ جماعة؛ ثلاثة أو أربعة أو خمسة. ويأتي سعد بن عبادة فيأخذ منهم نحو ثمانين رجلًا.
هذا هو الفرق بين بيت سعد المشهور بالكرم أبًا عن جد وبين عموم أهل المدينة الذين كانوا يعيشون في ضيق من العيش، لكن سعد بن عبادة كان سيدًا من سادات الأنصار رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
حمل سعد بن عبادة الراية يوم فتح مكة وقوله يوم الملحمة
سعد بن عبادة ولّاه النبي صلى الله عليه وسلم الراية في فتح مكة، وعندما دخل مكة قال كلمة شديدة، قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم أُذِلَّ الله فيه قريشًا، اليوم يوم الملحمة. يعني كان الدم فيها إلى الرُّكَب، يعني هو يتكلم عن مذبحة وأن الله قد أذلّ قريشًا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب إلى سعد - بعد أن بلغه أنه قال هكذا - فخذ منه الراية. فذهب عليٌّ [بن أبي طالب] إلى سعد وأخذ منه الراية، ومعنى هذا أنه قَبِل استقالته من هذا اللواء أو من هذه الراية.
الفرق بين اللواء والراية وتولي قيس بن سعد الراية بدلاً من أبيه
الفرق بين اللواء والراية أن اللواء يكون واحدًا؛ فلواء الجيش كله يكون واحدًا، لكن الراية كانت لكل قبيلة راية خاصة بها.
حتى لا يغضب سعد - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه - فعيّن مكانه وأخذ الراية من عليٍّ قيسُ بن سعد بن عبادة. وكان قيس طويل القامة، وكان إذا ركب الخيل رجله في الأرض، يعني بمعنى ذلك أنه كان يبلغ طوله نحو مترين ونصف مثلًا.
قيس بن سعد بن عبادة ودوره في حفظ الأمن كشرطة النبي
وكان قيس [بن سعد بن عبادة] من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وهو الذي نسميه على شرطته. بعض الناس يظنون أنه لم تكن هناك هيئة للشرطة حينئذٍ، نعم، ولكنه كان يقوم بالوظائف التي تقوم بها الشرطة في عصرنا الحاضر.
حتى قال العلماء الأقدمون: كان على شرطة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ليس أن هناك كيانًا اسمه الشرطة عند الرسول، ولكن كان هناك من يحفظ الأمن الداخلي، فكان قيس بن [سعد بن] عبادة ممن يحفظون الأمن الداخلي.
تسليم الراية من سعد لابنه قيس وصفاء قلوب الصحابة
قيس [بن سعد] تولى الراية حينئذٍ من سعد بن عبادة. انظر إلى هذه القلوب الصافية؛ الأب يعطي الابن من غير مشكلات ومن غير [اعتراض]، لأنه وقع في خطأ سياسي، وهو أنه وصف هذا اليوم [يوم فتح مكة] بأنه يوم الملحمة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما بلغه هذا:
«كذب سعد، اليوم يوم المرحمة»
وهذا تأسيس لقضايا الصفحة الجديدة، القضايا التي بعد ذلك قلّدوها في المصارحة والمصالحة، وهذه التعبيرات السياسية الحديثة.
عفو النبي عن أهل مكة يوم الفتح وإطلاق سراحهم كطلقاء
لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهل مكة معاملة مختلفة؛ لم ينتقم بالرغم من كل ما فعلوه في تلك الحروب المتتالية، لم ينتقم بالرغم من كل هذا الكفر الذي هو وثني وإشراك بالله، لم ينتقم بالرغم من أنهم قد آذوه في ماله وفي أهله وفي شخصه.
لم ينتقم وإنما بدأ صفحة جديدة وقال: ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. فقال:
«اذهبوا فأنتم الطلقاء»
فما كان ينبغي لسعد بن عبادة أن يقول: اليوم يوم الملحمة؛ لأن هذا عكس ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم من قضية المؤلفة قلوبهم ومن قضية الطلقاء.
صفوان بن أمية وعطاء النبي الذي لا يعطيه إلا نبي
صفوان بن أمية أعطاه [النبي صلى الله عليه وسلم] حتى قال له:
«يا رسول الله، والله لا يعطي هذه العطية إلا نبي»
صدق سعد بن عبادة وشفافيته مع النبي في قسمة الفيء
جاء سعد بن عبادة بشفافية وصدق وقال له: يا رسول الله، إن بعض قومي [من الأنصار] قد وجدوا في أنفسهم مما فعلت في الفيء؛ وزّعت على أهل مكة ولم توزع علينا.
قال [النبي صلى الله عليه وسلم]: كيف أنت يا سعد؟ وأنت أيضًا وجدت في قلبه [شيئًا من ذلك]؟ قال: يا رسول الله، أنا من قومي.
انظر إلى الصراحة، إلى الشفافية، إلى الصدق الذي كان يمكن لسعد أن يقول: لا يا رسول الله، طبعًا أنا كذا. لا، قال ما في قلبه، لا يكذب على رسول الله ولا يوارب ولا يواري.
خطبة النبي في الأنصار وتذكيرهم بنعم الله عليهم وبكاؤهم ورضاهم
فقال له [النبي صلى الله عليه وسلم]: إذن فادعُ قومك. فدعا [سعدٌ قومه] وقال [النبي صلى الله عليه وسلم] لهم: كيف أنتم وقد ذهب الناس بالأموال ومتاع الدنيا، وذهبتم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبكى القوم.
فقال: ألم تكونوا ضُلّالًا فهداكم الله؟ ألم تكونوا متفرقين فألّف الله بين قلوبكم؟ ألم تكونوا شتاتًا فجمعكم الله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، كنا كذلك، والفضل والمنة لله ولرسوله.
قال: إن كنتم صادقين - تصدقون فتصدقون - لقلتم: ألم تكن مخذولًا فنصرناك؟ ألم تكن مطرودًا فآويناك؟ ألم تكن ضعيفًا فقويناك؟ فسكت القوم.
قال: ألا ترضون أن تعودوا برسول الله ويعود الناس بمتاع الدنيا؟ أوكلتكم إلى إسلامكم وأردت أن أؤلف بين قلوبهم. فضجّ القوم بالبكاء ورضوا بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
خاتمة الحلقة والدروس المستفادة من صفاء قلوب الصحابة وزهدهم
هكذا يكون الصفاء، هكذا يكون التوكل، هكذا تكون اليد التي الدنيا في اليد وليست في القلوب.
مثال عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه كان مثالًا عظيمًا. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
