#حديث_الجمعة | السيرة النبوية | سرية طي - السيرة, سيدنا محمد

#حديث_الجمعة | السيرة النبوية | سرية طي

25 دقيقة
  • يروي النص قصة عدي بن حاتم الطائي الذي أتى إلى المدينة بعد نصيحة أخته سفانة، متوكلاً على الله دون سابق أمان.
  • استقبل النبي صلى الله عليه وسلم عدياً وأخذه إلى بيته، فتأثر عدي ببساطة حياة النبي.
  • حاور النبي عدياً حواراً دعوياً حكيماً، مستفسراً عن سبب هروبه من الإسلام ومواجهاً إياه بتناقضه في أخذ المرباع من قومه رغم أن دينه يحرمه.
  • أسلم عدي وشهد لاحقاً تحقق نبوءات النبي عن انتشار الأمن وفتح كنوز كسرى.
  • يؤكد النص أن الإسلام دين الأخلاق حيث تمثل أحكام القرآن والسنة نسبة بسيطة (5% و3%) بينما بقية الدين يتعلق بالأخلاق المرتبطة بالعقيدة.
  • ينتقد النص من يشوهون صورة الإسلام بالعنف والتطرف، ويؤكد أن القتال في الإسلام للدفاع ورد العدوان فقط.
  • يشير النص إلى تجهيزات الروم لغزو المدينة مما مهد لغزوة تبوك.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

فضل النبي وسفانة الطائي مفتاح هداية أخيها عدي

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع سيرة المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم نعيش هذه اللحظات، نلتمس منها الهدى والتقى والعفاف والغنى. فإن فضل رسول الله ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفمه، صلى الله عليه وآله وسلم. تحدثنا عن سرية "طي" في السنة التاسعة بعد فتح مكة، وأن في هذه السرية وقعت سفانة بنت حاتم الطائي في الأسر، حتى عفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرحلت إلى أخيها الهارب "عدي" في الشام ونصحته بأن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت له: "والله يا عدي لو أن أباك كان حيًا ما فعل مثل ما فعل محمد". عدي عنده حاتم هذا شيء كبير أبوه وكريم العرب ليس هناك مثله. فقالت له هكذا،

بساطة النبي تثير إعجاب عدي وتلهمه نحو الإيمان

قالت له: "والله يا عدي، لو أن أباك كان حيًا ما فعل أكثر مما فعل محمد صلى الله عليه وسلم". فاستشعر عدي بالأمان، وذهب إلى المدينة من غير سابق اتفاق، ولا أمان ولا تأشيرة، يعني أنه يعد مخالفا بالإجراءات الحديثة التي نعرفها، فيكون مخالفاً لأنه عبَر وهو مطلوب القبض عليه. لكنه ذهب هكذا متوكلاً على الله كما نصحته أخته. وتحدث أهل المدينة أن عدياً قد وصل، فخرج له رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لاقاه، فأخذه من يده، وعندما أخذ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فقد حصل على التصريح، وانتهى الأمر، فاطمأن عدي. عندما مشى معه لم يذهب به إلى المسجد ليجلسا -فهذا يعني أن الأمر رسمي). لا، بل ذهبا إلى البيت، إذن هذه مسألة أخرى. قال [عدي]: "فلما دخلتُ وجدتُ وسادة من ليف، ولا يوجد بالبيت شيء"، أي أنه قد اعتاد على القصور المزينة بالذهب وما شابه، فوقع في قلبي أنه لا يفعل ذلك إلا نبي الله. إنه نائم على قطعة حصيرة وقطعة وسادة، وإذا كان على سرير، فهو سرير من سعف النخل. قال: "والله ما يفعل هكذا إلا نبي"، هذا ما كان

حوار النبي مع عدي حول الدين والأخلاق وإسلامه

[في قلبه]. فأجلسني رسول الله فقال لي: "يا عدي ممَّ تهرب؟ أتهرب من لا إله إلا الله؟" قال: "والله إني لأعلم أنه لا إله إلا الله". قال صلى الله عليه وسلم: "يا عدي ممَّ تهرب؟ أتهرب من أني رسول الله آمركم بمكارم الأخلاق؟". انظر إلى هذا المدخل، فها هو يعيش طوال عمره يقول: نحن أصحاب مكارم الأخلاق".[عدي مفتخراً] قال: "إن أبي كان يحب مكارم الأخلاق". قال صلى الله عليه وسلم: له: "طيب، أفررت من الإسلام؟" فقال: "نحن أسلمنا وجهنا لله"، أي أنني أيضًا على ديانة، وهذه الديانة أنا أسلمت وجهي لله فيها، نحن أسلمنا وجهنا لله. قال صلى الله عليه وسلم: "أو أنت على دين؟" قال: "نعم". قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألست من الأريسيين؟" قال [عدي]: "أتعلم الآريسيين؟" هؤلاء الآريسيون هم جماعة قليلة من الناس، والمسيحية لا تعترف بهم، أي بحقيقة نبيهم سيدنا عيسى. لكنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وإذا كنت من الآريسيين فلماذا لا تتبع دينهم؟" قال: "وكيف لا أتبع دينهم؟" قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا تأخذ المرباع من قومك ودينك يحرمه؟" المرباع هو شيء مثل الضريبة. لكي تكون قريبة [في التشبيه] أي شيء مثل الضريبة، قال له: "ألا تأخذ الضريبة من قومك، ودينك يقول لك لا تأخذ منهم شيئاً: "قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ ۗ" [الشورى: ٢٣]، فدينك يقول هكذا". قال: "فعرفت أنه يعرف ما يُجهل، ولا يعرف ما يُجهل إلا نبي" أول ما قال له: ألا تأخذ المرباع من قومك، أهذا هو دينك؟ أنت تقول أنا أريسي ، حسناً، والأريسيون يقولون لك لا تأخذ، فلماذا تأخذ إذاً؟ "أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ" [البقرة: ٨٥] قال [عدي]: "إذن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله".

إسلام عدي ونبوءات النبي عن الأمن والرخاء للمسلمين

قال: فلما قلتها انفرجت أساريره وفرح كثيراً، ابن حاتم [حاتم الطائي: أشتهر بالكرم الكبير] دخل الإسلام، ومنّ الله عليه بالإسلام، وكان عابداً ومخلصاً أيضاً، لكنه كان يقع في بعض الأخطاء مثل مسألة "المرباع" هذه. ومع ذلك كان مخلصاً، فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى فيه الإخلاص، وكان النبي يحب أن يقول: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا". فجلستُ عنده، فجاءه رجلٌ. كل هذا في سنة تسع يا إخواننا، كل هذا بعد سرية "طي" وما شابهها، وريثما تحركت سفانه [شقيقة عدي بن حاتم الطائي] وجاء هو [عدي] بعد عدة شهور. ها نحن في منتصف سنة تسع. قال: فجاءه رجلٌ يشكو إليه الفاقة. قال له: لقد تعبنا الآن يعني، حسناً. ثم جاءه يشكو إليه قطع السبيل، ويقول له: كثيراً ما يخرج علينا أناس يسرقوننا ويضربوننا ولا يوجد أمن، فيكون هذا هو الجوع والخوف اللذان ذكرهما ربنا في القرآن. فقال صلى الله عليه وسلم: "يا عدي، إن امتد بعمرك وانظر"، والكلام دقيق بعض الشيء. "يا عدي، أطال الله في عمرك، فترى الظعينة [المسافرة]، والظعن هو السفر، فترى الظعينة تسير من الحيرة إلى بيت الله تحجه لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها، يبقى في أي أمن، وليفتحن الله عليكم خزائن كسرى بن هرمز [آخر ملوك الإمبراطورية الفارسية قبل الفتح الإسلامي]، الذي في فارس، وليجلس الرجل في حجره ذهباً في حجره، وليجلس الرجل في حجره الذهب، يطوف به على الناس فلا يجد من يأخذه. قال [عدي]: "فرأيت الظعينة بعيني رأسي بعد ذلك، ثم بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم، تسير من الحيرة إلى البيت الحرام لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها". لقد تحقق الأمن، وكنت ممن فتح كنوز كسرى بن هرمز. ولئن مدّ الله في أعماركم - وهو يقول للتابعين - لترون الثالثة التي بشر بها الصادق المصدق صلى الله عليه وسلم، وقد كان، في عصر عمر بن عبد العزيز، يطوف أحدهم بما في حجره من ذهب فلا يجد من يأخذه،

تحقيق النبوءات: رخاء المسلمين واستقرار الدولة بعد الفتح

وسيدنا عمر بن عبد العزيز نادى في الشباب حينئذٍ، حين تكومت الزكاة ولم نجد مصارف للزكاة، فنادى في من كان يريد أن نعينه على زواج زوجناه، فصرف الزكاة في الزيجات. النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الشام بهذا الكيف جلس عنده عدي يتعلم منه ويناقشه، وكانت قصة عدي هذه قصة تبين أن المسلمين قد اشتغلوا بتبليغ الدعوة وبتعليم الدين بعد فتح مكة اشتغالاً تاماً، وأنهم اطمأنوا وأن الأمور استقرت والحمد لله رب العالمين،

منهج النبي: استقرار الدولة وأولوية الأخلاق في التشريع

عليه وآله وسلم. مما كان قد سبب واقعة ومعركة وغزوة مؤتة، فنرى بعد الفاصل ما الذي كان مع سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. نعيش هذه اللحظات نلتمس من هداه، ومن أسوته الحسنة، ومن شريف حياته في مواقفه، في سكناته، في حركاته. "لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا" [الأحزاب: ٢١]، وكنا قد وصلنا إلى السنة التاسعة، وهذه السنة بعد فتح مكة استقرت فيها الأمور، واشتغل فيها المسلمون أغلب أوقاتهم بالدرس والتدريس، ونقل الأحكام، وتعليم الديانة والأخلاق. ومن المعلوم أن دين الإسلام قد اشتمل على مصادر هي القرآن وسنة النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم. أما القرآن، فآيات الأحكام فيه لا تزيد على ثلاثمائة آية، وبقيته وهو أكثر من ستة آلاف آية كلها في الأخلاق المرتبطة بالعقيدة. ثلاثمائة على ستة آلاف تُعادل خمسة في المائة. أما السنة، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ستين ألف حديث، ألفان منهم في كل الشريعة، والباقي في الأخلاق المرتبطة بالعقيدة بالله، وإحسان النية، والإخلاص له برجاء الثواب بخوف العقاب والحساب، ولذلك فهي لا تزيد عن ثلاثة بالمئه، وبقية الدين خمسة وتسعين في المائة، أو سبعة وتسعين بالمائة في الأخلاق.

الرفق والأخلاق أساس الإسلام وفهم الجهاد الدفاعي

هذا هو الذي تعلمناه فدخلنا الدين من قبيل "بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ"، دخلنا الدين من قبيل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه". دخلنا الدين من قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ومن قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا رحمة مُهداة"، ومن قوله صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في السماء ومن الظلم ظلمات في الأرض يرحمكم من يوم القيامة كذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"اتقِ دعوة المظلوم ولو كان كافراً"، إلى آخر ما هنالك. هذا أساس الهرم، فلما وصلنا إلى أعلاه، وقرأنا قوله تعالى: "وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ" [البقرة: ١٩٠]، عرفنا معناها، وأنها تكليف، وتربية، وإعداد، وسماح لنا بالدفاع عن أنفسنا مع حرمة العدوان.

خطورة تشويه الإسلام: العنف وتحريف المفاهيم الدينية

أما من لم يتعلم الديانة وقرأ وحده مع شيطانه، فانقلب الهرم عليه، وجعل الأساس قمة والقمة أساساً، فضاع وأضاع، ورأيناه وهو يشوه صورة الإسلام في العالمين. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسّن صورة الإسلام في العالمين حتى أسلم الناس على يديه، أما الذي يتخذ العنف سبيلاً ويهدم ما فعله الرسول. الله صلى الله عليه وسلم، ويحكم بالبطلان على الديانة بأسرها -ديانة المسلمين- فإنه ملعون في الدنيا والآخرة. بعض الناس يتساءل: "ما هذا؟" أو "هل هذا من الدين؟"، والفاجر يقول: "نعم، هو من الدين". خسِئَ وخسِئَ مسعاه، وضلَّ سعيه. ما هذا من الدين، بل إنه قلب الدين رأساً على عقب،

خطر الانتقائية في فهم القرآن وعواقب تحريف آيات الجهاد

بعد ذلك تكلم عن الأساس الذي أسس لنا به العلماء الأتقياء الأنقياء الأولياء، وهو أنه: "فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ"[الكهف: ٢٩]، و"لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ"[الكافرون: ٦] و"مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ" [المائدة: 99]، و"لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ" [الغاشية: 22]. ولكن هذا جاء يبتر الآيات فيقول: "وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ"[البقرة: ١٩١]، ولم يتكلم عن قوله تعالى: "وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ"[البقرة: ١٩١]، هذا هو الذي أباحه لنا الإسلام: الدفاع ورد العدوان ورفع الطغيان. لكنه يأخذ من هنا ومن هناك، ويلتقط من هنا ومن هناك. "أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ"[البقرة: ٨٥]

الحجاج بن يوسف: مثال على تشويه صورة الإسلام رغم الأعمال

لقد شوَّهوا الإسلام، وكل من أراد أن يشوِّه الإسلام ضيَّع الله عمله حتى لو كان صالحاً. فالحجاج بن يوسف الثقفي أقر العمارة، وكتب المصحف وجزَّأه ونشر الدين، إلا أنه كان بتاراً جباراً وقتل سعيد بن جبير. يروى أن الحجاج دخل عليه طفل. فقال: "أمعك شيء من القرآن؟" قال: "نعم". قال: "اقرأ". وكان الحجاج في الأصل مُحفِّظاً للقرآن في ثقيف بالطائف، كان هو وأبوه فاتحَيْن الكُتَّاب [مثل مدرسة غالبا تكون بالقرى المصرية معنية بتحفيظ القرآن في الأغلب بجانب أساسيات اللغة العربية] فقال: "إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجاً". فقال: "يا ولد، يدخلون". قال: "هذا كان على أيام النبي، وأما في أيامك يَخرجون، اغتاظَ منه الحجاج وهو طفلٌ صغير، لكن هذه القصة فيها حكمة أن الحجاج بن يوسف الثقفي شوَّه الصورة، وكأن الإسلام يدعو إلى القتل، وكأن الإسلام يستهين بالدم. ولذلك حتى لو خَلُصَت نيته بأنه يريد الاستقرار أو يريد كذا إلى آخره،

تحذير من الخوارج ومعركة مؤتة والاستعداد لغزوة تبوك

فإنه شوَّه الصورة. هذا هو الذي يقوم به بعض الخوارج ممن حذرنا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال: "الخوارج كلاب النار" [ أخرجه البزار]. إذن في السنة التاسعة استقرت الأمور، وبدأ رسول الله وأصحابه يشيعون في الناس الخير، ودخل في دين الله أفواج كثيرة، ولكن تكلمنا قبل ذلك في "مؤتة" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل سفيراً له كان اسمه الحارث بن عمير الأزدي فأخذه شرحبيل بن عمرو الغساني وقتله، شيء لا يصدقه عقل. قتل السفراء لا يجوز حتى لو كان كافراً، حتى لو كان فاسقاً، حتى لو كان عدواً، لا يجوز. فالنبي صلى الله عليه وسلم أرسل للثأر زيد بن حارثة ومات زيد، ومات جعفر، ومات عبد الله بن رواحة، واستطاع خالد [خالد بن الوليد] أن يلملم الجيش ويعود، ولكن كانت مؤتة لها أثر حسن في سمعة المسلمين، أنهم ذهبوا بثلاثة آلاف فقط إلى الروم. بدأت أخبار تأتي مع الأنباط، هؤلاء موجودون في الشام، ماذا يفعلون؟ يأتون ليبيعوا لنا الزيت، فمع الأنباط يأتون ليبيعوا الزيت. الزيتون في الشام مشتهرة كلها بزيت الزيتون وأشياء أخرى، فهم قاعدون يتسامرون فيما بيننا واشترينا ذلك ونسهر. عرف المسلمون أن شُرحبيل هذا هو الغساني، أي أنه يُعِدّ جيشاً لغزو المدينة، وأن هرقل بعد فتح المدينة غاضب، وقالوا: "وبعد ذلك إنه جالس يأخذ كل فترة قطعة"، فجهز جيشاً من أربعين. ألَّفَ وضمَّ إليهم قبيلةً اسمها لخم وقبيلةً أخرى اسمها جذام، لخم وجذام وهكذا، وأربعين ألف فارسٍ من فرسان الروم قادمين لكم. هذا الكلام يأتينا من طريق مَن؟ من طريق التجار ومن طريق الأنباط ومن طريق سراياه. هكذا بدأت تأخذ شكلاً، وكان سيدنا عمر خائفاً، فمرةً جاءه أحدهم يقول له هذا النبي عليه الصلاة والسلام طلق زوجاته فطرق (الباب) فقام إليه وقال له: "هل أتى الغساني؟" يعني هل جاء متأهباً بشدة كأنه يخبرهم بأن هناك خطراً داهماً قادماً إليهم. كانت هذه بدايات غزوة تبوك التي لم يقاتل فيها المسلمون، بل أرعبوا الرومان وعادوا بسلام، والحمد لله رب العالمين.

خاتمة المحاضرة: الدعاء والوداع

انتهى الوقت مع سيدنا صلى الله عليه وسلم يسير سريعًا، ولذلك فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.