مصر أرض المجددين | ح 35 | الشيخ شهاب الدين القرافي | أ.د. علي جمعة - شخصيات إسلامية, مصر أرض المجددين

مصر أرض المجددين | ح 35 | الشيخ شهاب الدين القرافي | أ.د. علي جمعة

26 دقيقة
  • الإمام شهاب الدين القرافي كان نقطة فارقة في التجديد الفقهي، تلميذًا للعز بن عبد السلام الذي توفي سنة 660 هـ، بينما توفي القرافي سنة 684 هـ.
  • قامت منهجية القرافي التجديدية على توليد العلوم ومراجعة المذهب الفقهي وإعادة التصنيف.
  • أسس علم الفروق بكتابه "الفروق" الذي ميز فيه بين القواعد الفقهية المتشابهة ظاهريًا.
  • كتب "الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام" موضحًا الفرق بين المفتي والقاضي، فالفتوى غير ملزمة بينما الحكم القضائي ملزم ويغير الواقع.
  • لم يكن متعصبًا للمذهب، بل راجعه وتجاوز ما كان مخالفًا للإجماع أو المقاصد أو المصالح.
  • تميز بالفكر العميق والتدبر، فلم يكتفِ بنقل العلم بل طور أدوات فهم أعمق.
  • اعتبر أن الفتاوى السابقة كانت مناسبة لزمانها، لكنها قد لا تناسب العصر الحالي.
  • استمر تأثير فكره التجديدي حتى عصرنا الحاضر بعد ثمانمائة سنة من وفاته.
محتويات الفيديو(26 أقسام)

دعاء افتتاحي بطلب المغفرة والشفاء والرحمة من الله تعالى

اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرجته، ولا عسيرًا إلا يسرته، ولا كربًا إلا نفسته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا مديونًا إلا سددت عنه، يا رب برحمتك وعافيتك.

نحن في بحبوحة من العيش، ارحم ضعفنا واستجب دعاءنا، واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا. توكلنا عليك فأنت نعم المتوكل عليه، توكلنا عليك فأنت رب العالمين.

تقديم الإمام شهاب الدين القرافي عالم زمانه والفقيه المجدد في القواعد الفقهية

[المذيع]: هو عالم زمانه والفقيه المجدد الذي برع في القواعد الفقهية وفي الأصول، حارب القوالب الخاصة بالفتوى التي كانت تستمد من فتاوى في عصور سابقة، حارب هذا الفكر على الإطلاق وكان مجددًا في الفتاوى.

هو الإمام شهاب الدين القرافي في مصر أرض المجددين. يُعدّ مشروع شهاب الدين القرافي التجديدي في بنائه لتقعيد القواعد الفقهية وبيان الفروق بينها، وموقفه من التراث من حيث المقاصد ومن حيث اللغة ومن حيث المنطق، ومحاولة تطوير الدرس الفقهي. رحم الله الإمام القرافي ونفعنا الله بعلومه.

كيف تأثر مشروع القرافي التجديدي بنشأته العلمية على يد العز بن عبد السلام

[المذيع]: أهلًا بكم فضيلة الدكتور، أهلًا وسهلًا بكم، أهلًا بفضيلتكم. لو بدأنا الحديث عن الشيخ شهاب الدين القرافي وتحدثنا عن ما يُسمى بمفتاح مشروعه التجديدي، كيف تأثر مشروعه التجديدي بالنشأة العلمية له؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الشهاب القرافي نقطة فارقة وعلامة واضحة في ما نسميه بالتجديد؛ لأنه في الحقيقة أرسى أسسًا سنراها سويًا الآن.

لكن في النشأة العلمية هو تلميذ العز ابن عبد السلام. العز بن عبد السلام توفي سنة ستمائة وستين، وصاحبنا الشهاب القرافي توفي سنة ستمائة وأربعة وثمانين، أي بعد شيخه بأربعة وعشرين سنة. إذن فهو عاش مع شيخه، ونهل من علمه، وتربى وتعلم وتدرج على يد العز بن عبد السلام.

والعز بن عبد السلام معروف في العالم كله بأنه سلطان العلماء، وكان جريئًا في الحق.

مقولة العز بن عبد السلام في أن الفقيه يرى الواضح واضحًا والمشكل مشكلًا

وكان العز بن عبد السلام يقول مقولة نستطيع أن نفتح بها مفتاح المشروع التجديدي للشهاب القرافي، كان يقول: الفقيه من رأى الواضح واضحًا والمشكلة مشكلة.

يعني الفقيه الصحيح الذي فيه ملكة فقهية والذي يستطيع أن ينسب الأحكام الشرعية إلى الأفعال البشرية، الأمور تكون واضحة عنده واضحة، الواضحات واضحة. كما حضرتك دائمًا تقول إن الدنيا عنده ليست مُشَوَّشة، ليست مُشَوَّشة، والمُشكِل يعرف أنه مُشكِل وأين إشكاله.

تشبيه الفقيه بالطبيب الذي لا يخطئ في التشخيص ويعرف حدود علمه

هذا يذكرني بما كان يقوله الأطباء قديمًا، يقولون إن الطبيب الذي درس الطب وتخرج وأتم كل شيء ومارس الطب لا يخطئ في التشخيص أبدًا. الذي يخطئ في التشخيص هو شخص يعرف ذلك أنه أخطأ في التشخيص.

لكن التشخيص - كون أن أعرف الصفات الفلانية وأنها تعني المرض الفلاني وحافظها من الكتاب - لا يمكن أن أغلط، لا يمكن أن أغلط.

فذكرني ذلك بكلام العز [بن عبد السلام] وهو يقول أن يرى الواضحة واضحًا والمشكلة مشكلة. الطبيب يمكن أن يقول لا أدري، لكن ليس من الممكن أن يخطئ إلا إذا كان مستهينًا.

كيف يتعامل الفقيه مع المتشابهات والمشكلات بالبحث والاستقراء

[المذيع]: كيف تعامل [القرافي] مع المتشابهات إذا تصبح من المشكلات؟

[الشيخ]: يكون مدركًا وعارفًا أنه غير عارف قرارها، وأن الواضح واضح والمشكل مشكل بالضبط. يقول: هذه تحتاج إلى مزيد من البحث والقراءة والفحص والتتبع والاستقراء، وسنجد لها حلًّا ريثما نفهمها ونحل إشكالها، لكن الواضح واضح.

طبعًا هذا الواضح هو أغلب الفقه يعني.

مشروع القرافي في توليد العلوم وإنشاء علم الفروق بين القواعد الفقهية

فالإمام القرافي مشروعه جاء في هذه القضية التي نسميها توليد العلوم. توليد العلوم: أنشأ علومًا، أنشأ علومًا لم تكن معروفة قبل، لم تكن موجودة وهو أنشأها؛ لأن الواضح واضح، والمشكل مشكل.

أتى للقواعد الفقهية وقال: لكن هذه بينها وبين بعضها فروق، فما الفروق؟ وذهب ألّف كتابًا ماتعًا جامعًا مانعًا اسمه الفروق.

هذا الكتاب وأنت تقرأه يحدث لك ريٌّ مثل ري المياه بالضبط؛ لأنه يسبب ارتواء العلم هكذا. نعم، كنت عطشانًا فشربت وارتويت.

منهج القرافي في التأمل والتدبر وإيجاد الفروق بين ما ظاهره التشابه

[المذيع]: ما هذا؟ [أي ما طبيعة هذا العمل العلمي؟]

[الشيخ]: تأمل وتدبر في كل الجزئيات ومحاولة إيجاد الفروق بين ما ظاهره التشابه. الظاهر من الخارج هكذا أنه متشابه، لكن هو يأتي ويقول: لا، يوجد فرق هنا، وهذا الفرق ترتب عليه فرق في التطبيق، فرق في الأحكام، فرق في التناول.

إذن نستطيع أن نقول من توليد العلوم هذا أن هذا الرجل كان يدعو إلى الفكر العميق: لا تتلقَ العلم من الكتب وحسب، بل تدبر فيه.

الفرق بين العلم والفكر وأن القرافي كان مفكرًا يولّد العلوم بالتدبر العميق

[المذيع]: نعم، ما الفرق بين العلم والفكر؟

[الشيخ]: الفكر سيّال، نهر سيّال مثل المياه الجارية هكذا. هو العلم يأتي ويضعه في إطار، في نطاق، يأخذ منه دلوًا، هذا الدلو يمكن أن تعطيه لغيرك فهو قابل للنقل.

لكن الفكر ليس قابلًا للنقل، الفكر مُوَّار، الفكر متداخل، قدرة شخصية منه يعني، وفيه جزء شخصي، وفيه تطور. واليوم أفكر وغدًا أضيف إليها جزءًا، وبعد ذلك اكتشف أنه لا، هذا في مكان ثالث ناقص.

فالرجل هذا كان مفكرًا، إن المشروع كله مبني على قضية توليد العلوم التي بُنيت على الفكر العميق، الذي بُني على إيضاح الواضحات أو معرفة الواضحات والوقوف عند المشكلات.

الفرق بين الرواية والشهادة كنموذج على علم الفروق عند القرافي

هذا هو مسمى التفريق ما بين القواعد الفقهية، عمل الكتاب هذا. ثم يأتي مثلًا ليقول لك ماذا؟ تعال عندك هنا: ما الفرق بين الرواية والشهادة مثلًا؟

فيقول: والله الرواية أقبل فيها واحدًا. فعندما يقول سيدنا عمر: أنا سمعت الرسول وهو على المنبر يقول:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»

عمر فقط هو الذي يقول لي هكذا فأصدقه. أما عندما آتي أمام القاضي وأريد أن أروي حادثة معينة، فتُروى بشاهدين.

صحيح، مضبوط، لا يصلح شاهد واحد. هو شاهد، هذا الشخص كاذب؟ لا، ولكن من الممكن أن يخطئ. حسنًا، لماذا لم نفعل ذلك في الرواية؟ لماذا لم نقبل أي رواية إلا عندما يكونان اثنين وليس واحدًا؟

الفرق الجوهري بين الرواية للأمر العام والشهادة للأمر الخاص عند القرافي

فقال: نعم، إذن لابد أن أفكر في الفرق بين الرواية والشهادة. صحيح، هذا هو تفكيره الذي سيضعه لي في الفروق: أن الرواية لأمر عام والشهادة لأمر خاص.

نعم، الخاص ذو حساسية أكبر من الرأي العام. يعني عمر هو يقول:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»

هذا للجميع، للأمة كلها إلى يوم القيامة، «إنما الأعمال بالنيات»، ليس له فيها غرض، ليس له فيها مصلحة، ليس فيها شيء خصوصي.

أما إذا كان سيدنا عمر يريد أن يثبت أن قطعة الأرض هذه له أو ليست له، فلابد أن يُحضر شاهدين، ولا نقبل منه الرواية أنها له إلا بشاهدين.

علم الفروق علم جديد ابتكره القرافي للتمييز بين ما ظاهره الاشتراك

فهذا تفكير جديد لم يكن موجودًا قبل القرافي، أن تتدبر في الأمور التي ظاهرها الاشتراك وتبين تميز كل حاجة بحاجتها. هو علم الفروق، وعلم الفروق هذا علم جديد تعلمناه من سيدنا القرافي المتوفى سنة ستمائة وأربعة وثمانين، لم يكن موجودًا بعد ذلك [أي قبل ذلك].

إذن مشروعه في التجديد لم يكن حلقة صماء في رواية ما سبق لمن لحق، لا، لم يكن الأمر هكذا. فهذا ليس مجرد تدبر ومقارنة، بل هو تدبر وفهم وتوثيق وتعمق وربط واستعمال لكل هذه المنظومة، حتى استخرج لنا علمًا جديدًا يعلمنا ويمنحنا أدوات لفهم أعمق ولتطبيق أعمق ولوضعية أعمق.

كتاب الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام القضائية من توليد علوم القرافي

إذن، الإمام القرافي في هذه الجوانب - وهي توليد العلوم - ألّف كتبًا لم تُؤلَّف من قبل. أي شيء؟ هي مثل ماذا؟ الكتب التي لم تؤلَّف: ألّف كتابًا اسمه الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام.

انظر، انظر الكلام: الأحكام شيء محدد، يعني في تمييز الفتاوى عن الأحكام القضائية. ما الفرق بين المفتي والقاضي؟

[المذيع]: طيبًا، أستأذن فضيلتك لنعرف الإجابة على السؤال المهم هذا بعد الفاصل. هذا هو ما سيكون في القسم الثاني إن شاء الله. أشكر فضيلتك، أرجوكم ابقوا معنا.

نبذة عن القرافة الكبرى ومدفن الإمام شهاب الدين القرافي ومدرسته الفقهية الخالدة

هنا القرافة الكبرى والتي اعتبرها العرب الأوائل في قديم الزمن مسكن الموتى، ولكن بمرور الوقت أصبحت مأوى للأحياء بمختلف الأطياف والأجناس والأديان والمذاهب.

تسكن روح عالمنا الجليل شهاب الدين القرافي، والذي سُمي القرافي نسبة إلى القرافة، والتي لم يسكنها شهاب الدين طوال حياته، ولكن كُتب له أن تسكن روحه في ثرى القرافة الكبرى، تاركًا وراءه مدرسة فقهية خالدة على مدار الزمان.

الفرق بين المفتي والقاضي في كتاب القرافي وأن الفتوى غير ملزمة والحكم القضائي ملزم

[المذيع]: نرحب بحضراتكم مرة أخرى وأجدد ترحيبي بفضيلة العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة. فضيلة الدكتور، قبل الفاصل حضرتك مشكورًا يعني تفضلت وقلت لنا أن الشيخ شهاب الدين القرافي ميّز حتى ما بين المفتي والقاضي، فأرجع إليك لتقول لنا بعض الفروق.

[الشيخ]: نعم، يعني أنا الآن شهاب الدين القرافي هذا رجل مجدد، جدّد في ماذا؟ جدّد بأن هو ولد علومًا. فمن ضمن هذه التوليدات الفرق بين المفتي والقاضي، وكتب الكتاب الماتع الجميل - ربما لا نعرف مثله - الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام.

يوجد فرق بين الفتاوى (أو الفتاوى، الاثنان صحيح) وبين الأحكام القضائية. ما الفرق؟ الفتوى غير ملزمة، لكن الحكم القضائي ملزم. الفتوى لا تستطيع أن تغير الواقع، لكن الحكم القضائي يغير الواقع.

مثال عملي على الفرق بين الفتوى والحكم القضائي في مسألة الطلاق

يعني مثلًا اثنان ذهبا - الرجل وزوجته - إلى المفتي وقالا له: يا حضرة المفتي، نحن قلنا كذا وفعلنا كذا وما إلى ذلك، فهل يقع الطلاق أم لا؟ قال لهم: في الحقيقة، الواقع الذي ذكرتموه لا يقع به الطلاق. فتوى.

فالسيدة لم يعجبها الكلام، فالسيدة تريد أن تترك زوجها، فلم يعجبها الكلام، فذهبت ورفعت قضية طلاق أمام القاضي. وعندما سمعت هكذا من فضيلة المفتي أن الكلام الذي تقولونه هذا لا يقع به الطلاق، قالت له: حسنًا، طلقني أنت ودع هذا الرجل يرحل عن طريقي.

قال: إنها ليست في يدي. الفتوى التي أنا مصدرها أنا يدي بالكاد تقول لك أن القصة التي أنتم تذكرونها هذه لا يقع بها الطلاق.

سلطة القاضي في تغيير الواقع بالتفريق بين الزوجين بخلاف المفتي

فتذهب [الزوجة] إلى القاضي: حضرة القاضي، الرجل هذا يفعل كذا وكذا وأنا ضقت ذرعًا وأريد أن أُطلَّق. فيطلقها القاضي. فيقول الزوج للقاضي: لكنني غير موافق. فيقول له: أنت حر، لا توافق وهذه المرأة ستعتد بعد الحكم وستتزوج غيرك بعد العدة.

فينبغي أن يرى القاضي بحكمته كيف يغير الواقع. والواقع هنا ما هو؟ هو قيام الزوجية. فماذا فعل القاضي بقضائه؟ حكم بالفصل بينهما، بالتفريق بينهما، فيقع التفريق في حين أن هذه السلطة ليست موجودة بيد المفتي.

وقد أفاض [القرافي] في هذا كثيرًا في كتابه.

الركن الثاني في مشروع القرافي التجديدي وهو مراجعة المذهب دون تعصب

ولكن الحقيقة مشروع الإمام القرافي التجديدي كان لديه نقطة أخرى تمامًا وركن آخر تمامًا غير توليد العلوم، وهو مراجعة المذهب. لم يكن متعصبًا، وهذا انتقل إليه أيضًا من أستاذه [العز بن عبد السلام] الذي بدأ هذه العملية في صورة المقارنة بين المالكية والشافعية.

الحوار الفقهي الذي يتم بين المذهبين من أجل إنضاج الحكم الشرعي. ثم سيدنا القرافي خطى خطوة أبعد من ذلك، وأن المذهب لا بد أن يُراجَع.

فإذا وجدنا فيه ما يخالف الإجماع، ووجدنا فيه ما يعتمد على الرأي الضعيف، ووجدنا فيه ما هو مخالف للشريعة أو مخالف للمقاصد أو مخالف للمصالح، يجب علينا أن نتجاوزه حتى لو كان عند الأئمة الكبار. هذا ما يسمى بمراجعة المذهب، لم يكن أحد لديه هذه الجرأة وهذا الوضوح الذي أبداه الإمام القرافي.

الفرق بين الإصلاح والتجديد وأن القرافي كان مجددًا لا متمردًا على التراث

[المذيع]: هل هذا يفسر أن مولانا [القرافي] تمرد على نظرية القوالب السابقة في الفتاوى، خصوصًا في العصور السابقة له، وكانت الفتاوى أو الآراء مواكبة لظروف عصرها؟

[الشيخ]: يعني فهو تمرد على هذه القوالب. في الحقيقة ليس تمردًا، إنه عقل راجح. هو لم يتمرد، هو يقول ماذا؟ يقول: هذه الأشياء يا إخواننا كانت توائم زمنها لتحقيق المقاصد الشرعية، هي مناسبة، لكنها مناسبة لبيئتها بالضبط، للعرف القائم عليه، لظروف ناسها، لظروف ناسها وزمنها وأهدافها.

كانت مناسبة في وقتها، لكنها لا تنفعنا الآن. هذا هو العقل، هذا ليس تمردًا.

انظر إلى الفرق بين الإصلاح والتجديد: الإصلاح يفترض أن السابق خطأ ويجب علينا أن نغيره لأنه خطأ. أما التجديد فلا يقول إن الماضي خطأ، لكن سنتجاوزه. هو في وقته كان صحيحًا ومناسبًا، لكن الأنسب مناسب لوقته، مضبوط، أن الزمن والعصر جزء منه، جزء لا يتجزأ من هويته.

التجديد يتجاوز الماضي دون إلغائه بخلاف الإصلاح الذي يحكم بالخطأ على السابق

فالتجديد لا يلغي، التجديد يتجاوز، لكن الإصلاح يلغي ويقول إن الزمن الماضي هذا كان خطأً وصدر خطأً، نريد أن نصحح الخطأ فيكون إصلاحًا. لكن الثاني يقول: الزمن الماضي صحيح لكننا لن نتوقف عنده، فيكون هنا التجديد.

فالإمام [القرافي] وهو يتحدث في مراجعة المذهب كان يعني التجديد وليس الإصلاح، فهو لا يحكم على الماضي بالبطلان. بل بالعكس هو يقول إن كثيرًا من الماضي طبعًا هو هو في ذاته.

كانت عملية متحدة ما بين الإصلاح في بعض الأشياء والتجديد في بعض الأشياء، لكنه ليس متمردًا ولا يقول هذا الكلام يجب أن نثور عليه وهكذا. لا، هو لا يقول هكذا، لا يقول بالهدم، هو يقول بالتعمير والبناء.

أثر فكر القرافي التجديدي على مكونات العقل والمعرفة وإدراك الواقع والتراث

في هذه الصورة وهي صورة مراجعة المذهب التي كانت ركنًا أساسيًا في مشروعه التجديدي.

[المذيع]: كيف أثر هذا الفكر المستنير في التجديد والانفتاح وتحديد الفوارق بين القواعد الفقهية؟ كيف أثر فكره ومن ثم تأثيره على محيطه الاجتماعي في مصر في وقت كان فيه العديد والعديد من العلماء؟ كيف أثر في مكونات مجتمعه؟

[الشيخ]: مكونات العقل اتضحت: عرفنا موقفنا من التراث الموروث، عرفنا موقفنا من إدراك الواقع، عرفنا موقفنا من الصياغة الجديدة. صحيح، عرفنا موقفنا من المعرفية، من مكونات المعرفية والمنهجية.

الإجابة على سؤالك تتمثل في الخمسة هؤلاء: المنهجية والمعرفية، إدراك الواقع، وإدراك التراث وموقفنا منه.

منهج الأصالة مع المعاصرة عند القرافي وأثره على من جاء بعده عبر ثمانمائة سنة

نحن موقفنا من التراث ليس نبذ التراث، ولا موقفنا من التراث حكاية التراث [أي ترديده كما هو]، ولا نخرج منه لا هذا ولا ذاك. نحن نريد الأصالة مع المعاصرة.

فالأصالة مع المعاصرة ليست ألفاظه، لكنها كانت منهجه الذي علّمه لمن بعده، وأثّر هذا في من جاء بعده. يعني نقول لك ستمائة أربعة وثمانين توفي سيدنا الشهاب القرافي المالكي، إلى اليوم بعد كم يا ترى؟ ثماني مائة سنة أو ثماني مائة وسبع مائة سنة أو أكثر.

ثماني مائة سنة، بعد ثماني مائة سنة نأتي في عصرنا الحاضر ونطبع كتبه وندرسها ونتتبع كلامه.

التجديد جزء لا يتجزأ من الإسلام والقرافي أحد المجددين بتوليد العلوم ومراجعة المذهب

وهكذا تحدث [القرافي] عن التجديد منذ ثماني مائة سنة، منذ ثماني مائة سنة؛ لأن التجديد جزء لا يتجزأ من ديانة الإسلام وعلومها. فستجد في كل عصر كما قلنا مجددًا:

قال رسول الله ﷺ: «يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لأمتي أمر دينها»

فكان القرافي في الحقيقة أحد هؤلاء المجددين. بتلك النقطة ماذا نتج عنه؟ نتج عنه توليد العلوم بالإضافة إلى مراجعة المذهب، ما نسميه بإعادة التصنيف. فكان هؤلاء الثلاثة هم الذين يمثلون أركانًا يعني تجديد الإمام القرافي رحمة الله عليه.

ختام الحلقة وشكر فضيلة العلامة الدكتور علي جمعة

[المذيع]: أنا شاكر فضل حضرتك فضيلة العلامة، شكرًا جزيلًا لحضرتك.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: شكرًا جزيلًا، فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة، شكرًا جزيلًا لحضرتك. والشكر موصول لحضراتكم، نراكم على خير إن شاء الله، إلى اللقاء.

التحذير من خلع الحجاب وبيان حكم الشريعة بفرضيته على المرأة المسلمة

من السلوكيات الخاطئة أن تخلع المرأة المسلمة الحجاب، وذلك تأثرًا بتوجهات لا علاقة لها بالعلم ولا بالتقوى. كثير من الفتيات خلعن الحجاب.

وحكم الشريعة بالإجماع أن الحجاب فرض على المرأة المسلمة، لا يظهر منها إلا وجهها وكفيها.

دعاء ختامي بالشفاء والرحمة والمغفرة وصرف السوء

اللهم اشفِ مرضانا وارحم موتانا واغفر لحيّنا وميتنا وحاضرنا وغائبنا. اصرف عنا السوء بما شئت وكيف شئت وأنى شئت.

اللهم نسألك شفاءً لا يغادر سقمًا. اللهم آمين.