ما شفرة التراث الإسلامي وكيف تُفهم القواعد الفقهية الكبرى في ضوئها؟
التراث الإسلامي مكتوب بشفرة تشمل التصورات الكلية للوجود والمعرفة، والمصطلحات الدقيقة، والقواعد الفقهية الكبرى الخمس كالضرر يزال والعادة محكمة. فهم هذه الشفرة شرط لازم للتعامل مع التراث تعاملًا حقيقيًا لا وجدانيًا. ومن لم يدرك هذه الشفرة وجد كلام العلماء غامضًا، ومن أدركها وجد نفسه أمام علماء في غاية الإبهار.
- •
كيف غيّر عصر الخديوي إسماعيل نمط حياة المصريين وأدى إلى ترك الصلاة وانهيار المنظومة اليومية للعبادة؟
- •
التراث الإسلامي بدأ مع تدوين العلوم في القرن الأول الهجري وجعل النص القرآني والسنة محورًا لكل العلوم والفنون.
- •
أنشأ المسلمون عشرين علمًا لتوثيق المصدر من علوم الرجال والأسانيد والجرح والتعديل، وتفرد القرآن بأسانيد متصلة لا مثيل لها.
- •
التراث مكتوب بشفرة تشمل التصورات الكلية للوجود والمعرفة، والمصطلحات الدقيقة، والقواعد الفقهية الكبرى الخمس التي تفرعت إلى أكثر من ألف قاعدة وضابط.
- •
الفرق بين العالم والمثقف أن العالم يمتلك منهجًا ونسقًا مترابطًا، بينما المثقف يملك معلومات مفردة بلا ربط ولا استعمال.
- •
فهم التراث يستلزم إدراك شفرته أولًا ثم سنوات من الدراسة المتخصصة، وهو عقبة كؤود لمن يريد الاجتهاد لكنه ثمرة لمن يصبر عليه.
- 0:00
التراث الإسلامي نتاج عقلي ضخم يمتد عبر قرون، ويُحدَّد قانون الآثار المصري ما قبل مائة سنة أثرًا، وكان التحديد السابق مرتبطًا بعصر الخديوي إسماعيل.
- 0:54
عصر الخديوي إسماعيل نقطة فارقة غيّرت كل شيء في مصر، وأحدثت اضطرابًا شاملًا في الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
- 2:02
ازدواجية التعليم بدأت مع محمد علي بإنشاء التعليم المدني موازيًا للأزهر، فأنتجت صراعًا ثقافيًا بين العمامة والطربوش لا يزال أثره قائمًا.
- 3:00
الساعة الغروبية كانت تنسجم مع العبادة إذ تُضبط مع أذان المغرب، فلما تغيّرت إلى الساعة الأوروبية اختلّ فهم الناس لأوقات العبادة.
- 4:11
كان المسلمون يعيشون تناسقًا تامًا بين برنامجهم اليومي وعباداتهم، يدركون الثلث الأخير من الليل ولا يفوتهم وقت صلاة.
- 5:09
دخول الأوبرا وتغيير الأزياء أفضيا إلى ترك الصلاة بين عِلية القوم، إذ أصبح لبس الجوارب دليلًا على الخروج من المنظومة الدينية.
- 6:25
انتشر ترك الصلاة لأن العبادة صارت عادة، فلما تغيّرت العادات بتغيير نمط الحياة سهُل تركها وخرج الناس من الدين أفواجًا.
- 7:15
عصر الخديوي إسماعيل حد فاصل بين التراث وما بعده، وما قبله يُعدّ تراثًا بما فيه إنتاج الشيخ الباجوري المتوفى سنة 1856م.
- 8:00
التراث الإسلامي جعل النص القرآني والسنة محورًا، وبنى عليهما منظومة من المقاصد الشرعية والقيم والسنن الكونية امتدت قرونًا.
- 9:14
جعل المسلمون النص معيارًا ومرجعًا فولّدوا علومًا كالفقه والأصول والنحو والبلاغة والخط كلها لخدمته وجعله محور حضارتهم.
- 10:31
ابتكر ابن مقلة المسدس الدائري لرسم الحروف العربية، والخط العربي هو الوحيد في العالم الذي يتضمن نسبة طبيعية كنسبة الدائرة.
- 11:38
الفنون الإسلامية كلها في خدمة النص المحوري، واقتضى وجود النص سؤال التوثيق: هل ما بين أيدينا هو ما نطق به النبي فعلًا؟
- 12:48
أُنشئ عشرون علمًا لتوثيق المصدر من علوم الرجال والأسانيد والجرح والتعديل، وتفرّد القرآن بأسانيد متصلة لا مثيل لها في كتب العالم.
- 13:55
نقل القرآن يتميز بالتواتر عن آلاف في كل طبقة، وأورد ابن الجزري في النشر ألف طريق للقرآن مما يجعل توثيقه لا مثيل له.
- 15:12
بالمقارنة تتضح هيمنة توثيق القرآن؛ فالتوراة لها سندان فقط والإنجيل ترجمة مجهولة المترجم، بينما القرآن موثق بآلاف الأسانيد المتصلة.
- 16:19
مقارنة توثيق القرآن بالكتب المقدسة الأخرى تُثبت أن الإسلام دين حفظه الله وجعله مهيمنًا، وأسانيد الترجمات الأخرى مجهولة.
- 16:58
بلغ منهج البخاري في توثيق الرواة حد رد من أوهم بهيمته بالطعام ثم حرمها منه، اقتداءً بإنكار النبي لمثل هذا الفعل.
- 18:14
امتد منهج توثيق المصدر من الحديث إلى كتب العلماء فنشأ علم الأثبات والمسانيد، وألّف الشوكاني إتحاف الأكابر بأسانيد الدفاتر.
- 19:35
علم الحديث والقراءات أثّرا على عقلية المسلم فجعلا التوثيق ضروريًا في كل حياته، وأفرزا طلب أسانيد الدفاتر لحفظ طريقة النقل.
- 20:15
أرشد ابن الصلاح النساخ إلى التصحيح في الهامش لا في أصل النسخة، حفاظًا على حق الآخرين في النظر وتجنبًا للدكتاتورية العلمية.
- 21:54
السماعات على النسخ تُحدد الشخص والزمان والمكان، مما يُمكّن من التمييز بين الرواة وكشف التلاعب والزيادات المحرَّفة.
- 22:53
العلم نسق مرتبط له منهج واستعمال بخلاف المعلومات المفردة، والعالم يمتلك الملكة والمنهج بينما المثقف يملك معلومات بلا ربط.
- 23:58
طرق تحمل العلم ثمانية، أضبطها أن يقرأ الشيخ والتلميذ يسمع، وأقلها ضبطًا أن يقرأ التلميذ والشيخ يسمع.
- 25:07
الوجادة أدنى طرق تحمل العلم وهي قراءة الكتاب دون شيخ، وهي ما يفعله معظم الناس اليوم مع ما يفوتهم من نقل الملكات والمناهج.
- 25:36
حضارة المسلمين نائمة لا ميتة، واستمرت حركة التراث بعد إنشاء المطبعة الأميرية سنة 1821م التي بدأت بطباعة كتب الجهادية والعلوم.
- 26:20
تأخرت طباعة المصحف اثنين وثلاثين عامًا بسبب اعتراض المشايخ لأمرين: خشية الأخطاء الفادحة، وادعاء أن الأسطوانة من جلد الخنزير.
- 27:17
أصدر محمد علي قرار طباعة المصحف رغم المعارضة، وطُبع مائتا نسخة ظهرت فيها أخطاء فاحشة كلّف تصحيحها ثلاثة عشر جنيهًا ذهبًا.
- 28:01
المصححون المطبعيون في الأميرية كانوا من كبار العلماء كالشيخ قطة العدوي والهوريني، وليسوا كمصححي اليوم الذين لا يعرفون عن أنفسهم شيئًا.
- 29:16
الطبعة الأميرية أصبحت المعتمدة بفضل جهود التوثيق، وبدأ أحمد باشا تيمور تكشيف التراث في موسوعته التيمورية بجمع الفوائد والقواعد.
- 30:19
ألّف أحمد تيمور أكثر من ثلاثين كتابًا طُبع أغلبها بعد وفاته لأنها ملفات تكشيف مفتوحة كان يلقي فيها الدرر من بحار التراث.
- 30:38
برجستراسر أول من كتب في علم نقد النصوص مستقلًا، ثم تبعه عبد السلام هارون وأحمد شلبي، وقام علماء الأمة بالحفاظ على التوثيق أثناء الانتقال من المخطوط للمطبوع.
- 31:33
نشر التراث محققًا يستلزم فهارس ومقارنة نسخ ونسخة معتمدة، واستُفيد من مناهج الشرق والغرب مع اختلاف المصطلحات واتحاد الهدف.
- 32:24
الرفض والقبول الوجدانيان للتراث كلاهما خطأ لأنهما بلا فهم، والموقف الصحيح هو فهم التراث فهمًا حقيقيًا قبل الحكم عليه.
- 33:19
أول عناصر شفرة التراث هو التصور الكلي للكون والوجود، وهو مفقود عند كثيرين، وتنبّه إليه طنطاوي جوهري في كتابه بهجة العلوم.
- 34:16
التصورات الكلية لشفرة التراث موجودة مشتتة في علم الكلام والحكمة العالية والمنطق، وألّف ابن بدران المدخل لإلقاء الضوء عليها.
- 35:12
اهتم الأتراك بفهم شفرة التراث لأن الدولة العثمانية ناطقة بالتركية، فأسهمت مؤلفاتهم في حل كثير من عناصر تلك الشفرة.
- 35:44
تقسيم الوجود إلى جوهر وعرض سيطر على جميع العلوم الإسلامية من نحو وفقه وأصول، ولا بد من فهمه بقراءة علم المقولات.
- 36:42
إدراك شفرة التراث شرط لازم للتعامل معه بفهم عميق، وبدونها يبدو كلام العلماء سخيفًا، ومع إدراكها يتجلى عبقريتهم.
- 36:58
استخدم العلماء المنظومات والأغاني لنقل العلم بسهولة ودقة، كمنظومة المقولات العشر التي تجمع الجوهر والعرض في بيت شعري واحد.
- 38:32
قسّم السلف الإدراك إلى يقين وظن وشك ووهم، واليقين المطابق للواقع الثابت عن دليل هو العلم، وغير الثابت عن دليل هو التقليد.
- 39:33
خرائط الشفرة من تقسيم الوجود والعلم وغيرها مكونات لا غنى عنها، ومن جهلها استهزأ بالتراث، ومن أدركها انبهر بعبقرية علمائه.
- 40:32
الجهل بالتراث يُنتج أزمة في الأمة؛ المستهزئ يفعل ذلك عن جهل، والمتمسك يفعله عن علم، وتزداد الفجوة بين العمامة والطربوش.
- 41:31
المبادئ العشرة مقدمة لكل علم تشمل حده وموضوعه وواضعه وفائدته، وهي جزء من شفرة التراث كان طلاب الأزهر يحفظونها بالمنظومات.
- 42:36
كان طلاب الأزهر يترنمون بمنظومة المبادئ العشرة في الأروقة، ولا يشرعون في علم قبل معرفة حده واسمه وموضوعه ومسائله.
- 43:14
النظريات الحاكمة لكل علم تُمكّن الطالب من الفهم السريع والنقاش، وبدونها يتحول العلم إلى معلومات مجزأة لا يفهمها الطالب خارج المقرر.
- 44:14
نظرية المحل في النحو تتخيل مستطيلات كالرفوف يُوضع فيها الكلام، وهي من النظريات الحاكمة التي تجعل النحو من ألذ العلوم عند من يفهمها.
- 45:59
نظريات العمل والنسبة والتعلق في النحو تصف التأثير بين الكلمات والعلاقات بين المحلات والارتباط العضوي بين عناصر الجملة.
- 46:49
فهم النظريات الحاكمة يُمكّن الطالب من مناقشة البصريين والكوفيين بحجة، وفهم الجمل ذات المحل وغيرها، والتمييز بين العمل المعنوي واللفظي.
- 47:48
التعامل مع التراث عن علم يُنتج إمامًا مضيفًا، بينما التعامل عن جهل وتخبط لا يُنتج شيئًا، والفارق هو إدراك الشفرة والنظريات الحاكمة.
- 48:01
مصطلحات التراث دقيقة: تأمل للدقة وفتأمل لدقة زائدة، وبالجملة للكليات وفي الجملة للجزئيات، ومن خلط بينها خرج عن المنهج العلمي.
- 49:24
الحاصل لشرح القليل والمحصَّل لتلخيص الكثير، وهما عكس بعضهما، ومن خلط بينهما خرج عن المنهج العلمي الدقيق للتراث.
- 50:21
دلالة لقب القاضي والإمام تختلف باختلاف العلوم والمذاهب، وهذا التدقيق جزء من منهج توثيق المصدر لمنع التحريف والتلاعب.
- 51:43
القواعد الفقهية الكبرى أمور كلية مفتاحية تُشكّل العقل المسلم، وقواعد الفقه الشافعي مردودة إلى خمس قواعد كبرى جامعة.
- 52:44
القواعد الفقهية الكبرى الخمس تفرعت إلى أكثر من ألف قاعدة وضابط تضبط الفقه والفتوى وتكوّن العقلية الفقهية للمسلم.
- 53:30
النحت الخطي في المخطوطات اختصار للكلمات والأسماء برموز، كحينئذ بالحاء وابن القاسم بسم، ومن الأدب نطقها بالاسم الكامل.
- 54:43
قراءة التراث دون معرفة أصحاب الأقوال ورموزهم قراءة بلا فهم، ولا بد من معرفة من يرمز إليه كل رمز للتعامل الصحيح مع التراث.
- 55:07
فهم التراث يُمكّن من استنباط مناهج السلف وتطويرها وإضافة ما يوافق العصر، وهذا هو تطبيق الشريعة في معناه الصحيح.
- 56:04
من مناهج السلف ربط العلم بالعمل وربط المنظومات بالعقيدة وربط النقل بالصياغة اللغوية، مما جعلهم في اتجاه واحد يتطورون دائمًا.
- 57:05
النظريات الفقهية بُذل فيها مجهود كبير، والمطلوب الآن الانتقال إلى صناعة النظم التي لم تنل الكتابة الكافية بعد.
- 58:05
تطوير التراث يمر بثلاث مراحل: تطوير تدريسه، ثم تطوير مادته بالبناء لا الهدم، ثم إعلام المشتغلين بالعلوم الاجتماعية بمناهجه.
- 59:15
حجية التراث أُرجئت لمحاضرة مستقلة، والمخطوطات المراد تحقيقها ثلاثة أنواع: مجهول المؤلف، ومنسوب بلا فهرسة، وناقص في أجزائه.
- 59:48
الكلام عن التراث يختلف عن الكلام في التراث، والعقلية الفارقة من مناهج السلف تُمكّن من التمييز بين الشيء وسببه وثمرته وجزئه.
- 61:08
المحاضرة العامة تُعلّم وجود شفرة للتراث، لكن فهمه الحقيقي يحتاج تدريسًا متخصصًا قد يستغرق سنوات حسب مستوى الهدف المطلوب.
- 62:10
التراث عقبة كؤود لمن يريد الاجتهاد لأنه يستلزم عشرين سنة من الدراسة، وهذا ما أدركه طبيب درس سنوات ثم أدرك بُعد الاجتهاد.
- 63:06
الدكتور حسام بعد سنوات من الدراسة المكثفة ودخول كلية الشريعة أدرك أن الاجتهاد بعيد، مما يؤكد أن التراث عقبة كؤود لمن يريده.
- 64:11
الاجتهاد تخصص يحتاج عقودًا من الدراسة المكثفة، والتدين مباح للجميع بسؤال أهل الذكر، ولا بد في الأمة من متخصصين يحترقون بالتراث.
- 64:52
استبدال كتب التراث بالمذكرات في الأزهر مصيبة بدأت مع التطوير بنية حسنة لكنها أنتجت مذكرات مليئة بالأخطاء بدلًا من الكتب الأصيلة.
- 65:40
ربط الترقي الأكاديمي بالإنتاج العلمي أشاع الكتابات في البداية، ثم تدهور الأمر وشاعت الفوضى في الكتابات الأكاديمية.
- 66:05
صدر قرار بألا تقل كتب التراث عن خمسين بالمائة من التدريس، وقررت كلية الدراسات إلغاء جميع المذكرات والعودة إلى كتب التراث.
- 66:51
التدريب على شفرة التراث يحتاج دورات تدريبية متخصصة تنتقل من الكلام عن التراث إلى الكلام فيه وتفتح آفاق التواصل مع مناهج السلف.
- 68:06
أُدخلت الكتب السبعة في الحاسوب على مدى عشر سنوات وأُنجزت ستة عشر فهرسًا، لكن لا يُعتمد عليها حتى تبلغ التقنيات مبلغ الأمان.
- 69:17
إدخال كتب الحديث في الحاسوب يحتاج وقتًا طويلًا؛ ستمائة عنوان لم يُنجز منها إلا سبعة في عشر سنوات، والحل البدء والاستمرار.
- 70:13
محورية النص تعني أنه المنطلق والمرجع والخدمة والسلوك، وهو الدافع لتوليد العلوم وإنشاء المناهج وصدور الفنون في الحضارة الإسلامية.
- 70:55
مبدأ مع المحبرة إلى المقبرة يعني طلب العلم حتى الممات، وطبّقه الشيخ العزاوي بتدريسه للكبار ثم جلوسه طالبًا للمنطق عند غيره.
- 72:18
مصحف الملك فؤاد كتبه الشيخ الحسيني الحداد بعد جدل حول استدعاء خطاط تركي، وخطه هو الموجود في المصحف إلى اليوم.
- 73:21
مصحف الملك فؤاد فاز بالجائزة الأولى في معرض ألمانيا لخلوه من الأخطاء، وله سبعمائة شكل للحرف أُعيد استخراجها بالحاسوب.
- 74:18
فهرسة التراث الإسلامي لم تكن حكرًا على المستشرقين؛ فالمراغي فهرس الأزهرية وعلي مبارك أنشأ الخديوية، وللدكتور صيام مجهودات في التصنيف الجديد.
- 75:28
مشروع المفاهيم جمع خمسمائة لفظة شُوِّه معناها كالعلم والدين والحضارة، وتشويه هذه المصطلحات يُحدث فارقًا كبيرًا يسدّ الحوار مع الغرب.
- 76:23
كلمة التراث أشاعها طه حسين بتأثيرات يونانية، وكان الكوثري يُعبّر عنها بالفقه الموروث، وأُقرّ استعمالها مع إعادتها لمفهومها الصحيح.
- 77:30
كلامنا اليوم سيصير تراثًا بعد مائة عام، والتراث يقبل القبول والرد كما في الإسرائيليات، فليس مقدسًا كله ولا مردودًا كله.
ما المقصود بالتراث الإسلامي وما حجمه الحقيقي؟
التراث الإسلامي موضوع ضخم لا يمكن الإلمام به في جلسات معدودة، وهو نتائج العقل البشري المسلم عبر قرون بعيدة. ويُحدَّد في قانون الآثار المصري بما سبق مائة سنة حتى يُعدّ الشيء أثرًا، وكان التحديد السابق يرتبط بعصر الخديوي إسماعيل.
ما أثر عصر الخديوي إسماعيل على مصر والشرق؟
كان عصر الخديوي إسماعيل نقطة فارقة في تاريخ مصر والشرق، إذ أراد إخراج مصر من سياقها التاريخي لتصبح قطعة من أوروبا. أفضى ذلك إلى اضطراب اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي واسع، وغيّر نمط حياة الإنسان المصري من برنامجه اليومي إلى تقويمه وساعته وأزيائه.
كيف بدأت ازدواجية التعليم في مصر وما أثرها على المجتمع؟
بدأت ازدواجية التعليم مع محمد علي الذي ترك الأزهر وأنشأ موازيًا له تعليمًا مدنيًا وأرسل البعثات إلى أوروبا. نتج عن ذلك انقسام بين من يدرس الشرع ويتعامل مع التراث ومن لا يستطيع ذلك، وأفضى إلى معركة بين السلفي والعصري عُبِّر عنها بالصراع بين العمامة والطربوش.
كيف كانت الساعة الغروبية تنسجم مع العبادة وما الذي تغيّر بعدها؟
كانت الساعة الغروبية تُضبط مع أذان المغرب فتتناسق مع العبادة، فيفهم الناس معنى الساعة الأولى والثانية من الليل كما في حديث البخاري عن صلاة الجمعة. بعد التغيير أصبحت الثانية عشرة وسط النهار، وأصبح اليوم يتفاوت بين أربع وعشرين ساعة وسبع عشرة دقيقة زيادة أو نقصانًا، مما أربك الفهم.
كيف كان المسلمون يكيّفون حياتهم اليومية مع العبادة قبل التغيير؟
كان المسلمون يكيّفون أنفسهم مع شعائرهم فتنطبق تمامًا مع برنامجهم اليومي دون تنافر أو فوات للصلاة. كانوا ينامون بعد العشاء ويستيقظون قبل الفجر، ويدركون معنى الثلث الأخير من الليل الذي يستجيب الله فيه الدعاء، وكان هناك تفاعل حقيقي مع النظام اليومي المرتبط بالعبادة.
كيف أدى دخول الأوبرا وتغيير الأزياء إلى ترك الصلاة؟
اضطر الناس إلى خلع سراويلهم المغربية القريبة من شروط ستر العورة ولبس الأزياء الإفرنجية التي تفسد بالماء، فأصبح لبس الجوارب علامة على ترك الوضوء والخروج من المنظومة الدينية. وذهب عِلية القوم إلى دار الأوبرا عند المغرب وسهروا حتى الساعة الثانية ليلًا، فضاعت عليهم صلاة المغرب والعشاء والفجر.
لماذا انتشر ترك الصلاة بسرعة بعد تغيير العادات؟
انتشرت ظاهرة عدم الصلاة لأن العبادة عند هذا الجيل كانت قد صارت عادة، فلما تغيّرت عاداتهم سهُل عليهم تركها. وبمجرد تغيير نمط الحياة خرج كثيرون من الدين أفواجًا، وشاع ترك الصلاة بالكلية في المدن التي ابتُليت بمثل الأوبرا.
لماذا يُعدّ عصر الخديوي إسماعيل نقطة فاصلة بين التراث وما بعده؟
يمكن اعتبار عصر الخديوي إسماعيل حدًا فاصلًا بين التراث وما بعده، كما يُحدَّد في قانون الآثار، فما قبله يُعدّ تراثًا. والشيخ الباجوري توفي سنة 1856م وإسماعيل جاء سنة 1864م، فيدخل إنتاج الباجوري ضمن التراث.
ما المحور الذي بنى عليه المسلمون تراثهم الفكري؟
جعل المسلمون النص محورًا لتراثهم الفكري، وهو الكتاب والسنة بما اشتملا عليه من أحكام ومقاصد شرعية وقيم. وتعمل هذه المنظومة في مجال السنن الكونية الإلهية التي خلقها الله في الكون والنفس والمجتمع، وامتد هذا التراث من القرن الأول الهجري حتى عصر الشيخ الباجوري.
كيف جعل المسلمون النص محورًا لحضارتهم وما العلوم التي ولّدوها لخدمته؟
جعل المسلمون النص معيارًا للتقويم ومنطلقًا للخدمة ومرجعًا يرجعون إليه، فولّدوا علومًا كثيرة كالفقه والأصول والنحو والصرف والبلاغة وعلم الوضع، كلها لخدمة النص. وامتد ذلك إلى علم الخط الذي قال عنه ابن مقلة إن كتاب الله نزل على نسبة إلهية فاضلة فلا بد أن يُكتب بخط مبني على نسبة إلهية.
ما اختراع ابن مقلة في الخط العربي وما تميّزه عن سائر خطوط العالم؟
ابتكر ابن مقلة المسدس الدائري الذي رسم فيه الألف واستطاع بميزانه رسم جميع الحروف داخل الدائرة. وقال أبو حيان إن الله أوحى تسديس الخط لابن مقلة كما أوحى للنحل بتسديس بيوتها. والخط العربي هو الخط الوحيد على وجه الأرض الذي تتضمن نسبته نسبة طبيعية كنسبة الدائرة 22/7.
ما العلاقة بين الفنون الإسلامية وخدمة النص وما أول سؤال يطرحه التوثيق؟
الفنون الإسلامية من رسم وتشكيلات نباتية وأشكال هندسية وألوان كلها محاولة للوصول إلى خدمة النص الذي جعله المسلمون محورًا لحياتهم. واقتضى وجود النص مسألة التوثيق، وأول سؤال يطرحه هو: هل الذي بين يدي الآن هو الذي نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
كم علمًا أُنشئ للإجابة عن سؤال توثيق المصدر وما تميّز القرآن في هذا الشأن؟
أُنشئ ما يقرب من عشرين علمًا للإجابة عن سؤال توثيق المصدر، تشمل علم الرجال والأسانيد والجرح والتعديل ومصطلح الحديث. وليس هناك كتاب على وجه الأرض له أسانيد متصلة كالقرآن، إذ يذكر كل قارئ متحمّل للقراءة شيخه بكامل بياناته من اسمه وتاريخ ميلاده ووفاته.
كيف يتميز نقل القرآن عن نقل الكتب الأخرى من حيث الأسانيد والتواتر؟
نقل القرآن ليس عن شخص واحد يمكن أن يكذب أو يخطئ، بل عن آلاف في كل طبقة. وأورد ابن الجزري في كتابه النشر ما يقرب من ألف طريق للقرآن، وكل طريق يمثل ألفًا تلقّوا عن ألف من مشايخهم وهكذا، والأمر أعظم من ذلك بكثير.
ما الفرق بين أسانيد القرآن وأسانيد التوراة والإنجيل؟
أُنشئ في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية معهد لمقارنة نسخ المصحف. وبالمقارنة يتضح أن التوراة كما يقول ابن حزم لها سندان فقط وآخر شخص في السند بينه وبين موسى ألف سنة، أما الإنجيل فنسخته الأصلية غير موجودة وما يوجد ترجمة يونانية مجهولة المترجم.
ما دلالة مقارنة توثيق القرآن بالكتب المقدسة الأخرى على صحة الإسلام؟
المقارنة الظاهرية السطحية تُثبت من كل جهة أن الإسلام دين حفظه الله سبحانه وتعالى، وأن دين الله دافع عنه وجعله مهيمنًا على ما بين يديه من الأديان والكتب. وأسانيد الترجمات الأخرى مجهولة المصدر مما يجعل الوضوح البيّن للقرآن أمرًا محيّرًا لمن لا يؤمن.
كيف وصل منهج البخاري في توثيق الرواة إلى رد من أوهم بهيمته؟
رحل البخاري لطلب الحديث فوجد راويًا يمسك عشبًا ليجذب بهيمته، فلما جاءت رمى العشب، فتركه البخاري قائلًا إنك قد كذبت عليه. وذكر البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر مثل هذا الفعل عندما أرادت امرأة أن تحرم ابنها من تمرة وعدته بها، فقال لو فعلتِ لكذبتِ.
كيف امتد منهج توثيق المصدر من الحديث إلى كتب العلماء؟
أثّر منهج توثيق المصدر تأثيرًا كبيرًا في عقلية المسلمين فامتد من الكتاب والسنة إلى كتب الناس، فنشأ علم الأثبات والمسانيد الذي يُثبت السند إلى المؤلف لا إلى رسول الله. وألّف الشوكاني كتابًا سمّاه إتحاف الأكابر بأسانيد الدفاتر يتعلق بأسانيد الكتب لا بأسانيد الأحاديث.
ما أثر علم الحديث والقراءات على عقلية المسلم في التعامل مع الكتب؟
أثّر علم الحديث وعلم القراءات على عقلية المسلم كمنهج، فأصبح طلب التوثيق ضروريًا في كل حياته. وأصبح هناك طلب لقضية أسانيد الدفاتر لحفظ الوسيلة والطريقة التي بها النقل، لا مجرد حفظ المضمون.
ما إرشادات ابن الصلاح للنساخ في التعامل مع الأخطاء في النصوص؟
أرشد ابن الصلاح في مقدمته الطلبةَ والنساخ إلى ألا يصلحوا في أصل النسخة عند وجود سقط أو خطأ، بل يصلحوا في الهامش ويشيروا بعلامة صح فوق الكلمة. وذلك حتى يُتاح للآخرين من بعدهم النظر في النسخة دون قطع الطريق عليهم أو تحريف كلام الناس أو فرض رأي واحد دكتاتوريًا.
كيف تُثبَت السماعات على النسخ وما دورها في كشف التلاعب؟
تُثبَت السماعات على النسخة بذكر اسم الشيخ وتاريخ السماع ومكانه، فيُحدَّد الشخص والزمان والمكان. وهذا يُمكّن من التمييز بين المشايخ المتشابهي الأسماء، ويكشف الكذب والزيادات المحرَّفة، فلا يمكن ادعاء السماع من شيخ توفي قبل تاريخ السماع المدّعى.
ما الفرق بين العالم والمثقف وبين المعلومات والعلم؟
المعلومات مفردة منفصلة، أما العلم فنسق مرتبط بعضه مع بعض له منهج واستعمال. والمثقف لديه معلومات كثيرة في مادة معينة لكنه ليس عالمًا فيها، بينما العالم يعي المنهج وطرق الاستعمال والربط بين المعلومات. وهذه الملكات هي ما يُفتقد الآن.
ما طرق تحمل العلم الثمانية وأيها أضبط؟
وضع العلماء ثمانية طرق لتحمل العلم مأخوذة من علم الحديث. من أبرزها أن يقرأ الشيخ والتلميذ يسمع وهو أضبط، أو أن يقرأ التلميذ والشيخ يسمع وهو أقل ضبطًا لأن الشيخ قد يسرح ذهنه والقارئ قد يخطئ دون أن ينتبه الشيخ.
ما الوجادة وما مكانتها بين طرق تحمل العلم؟
الوجادة هي أن يجد الإنسان كتابًا فيقرأه دون قراءة على عالم، وهي أدنى طرق التحمل. وهذا ما يفعله معظم الناس الآن، إذ يفتقرون إلى عالم يصحح وينقل الملكات والمناهج بل والمعلومات.
هل ماتت حضارة المسلمين أم أنها نائمة وما دور المطبعة الأميرية؟
حضارة المسلمين لم تمت بل نامت فقط، والنائم يستيقظ. واستمرت حركة التراث بعد دخول المطبعة الأميرية التي أنشأها محمد علي سنة 1821م، وكانت تطبع في البداية كتبًا للجهادية والدفاع والفنون والصنائع والزراعة والطب.
لماذا تأخرت طباعة المصحف في المطبعة الأميرية وما حجج المشايخ؟
تأخرت طباعة المصحف اثنين وثلاثين عامًا بسبب اعتراض المشايخ لأمرين: أمر موضوعي وهو خشية الأخطاء الفادحة وضرورة الكتابة اليدوية للتأكد، وأمر شكلي وهو ما سمعوه من أن الأسطوانة التي يدور عليها ورق الطباعة مصنوعة من جلد الخنزير فلا ينبغي تدنيس صفحات المصحف.
كيف أصدر محمد علي قرار طباعة المصحف وما الأخطاء التي ظهرت؟
أصدر محمد علي باشا قرارًا بطباعة المصحف ولو كان حرامًا، وكانت هذه علامة فارقة في التخلص من ارتباط الأحكام الشرعية بالسياسة. طُبع مائتا نسخة في البداية وظهرت فيها أخطاء فاحشة صُحِّحت بتكلفة بلغت ثلاثة عشر جنيهًا ذهبًا.
من كان المصححون المطبعيون في دار الطباعة الأميرية وما مكانتهم العلمية؟
كان المصححون المطبعيون في دار الطباعة الأميرية من كبار العلماء، أبرزهم الشيخ قطة العدوي والشيخ نصر الهوريني. وللهوريني دباجة على القاموس المحيط لا يؤلفها إلا من هو أعلم من الفيروزآبادي نفسه، مما يدل على أن التصحيح المطبعي كان مهنة العلماء الكبار لا مهنة من لا مهنة له.
كيف أصبحت الطبعة الأميرية معتمدة وما جهود أحمد تيمور في تكشيف التراث؟
أصبحت الطبعة الأميرية من أي كتاب هي العمدة والمعتمدة بفضل اهتمام كبير بالتوثيق والنقل. وبدأ أحمد باشا تيمور ما يُطلق عليه تكشيف التراث في التذكرة التيمورية والموسوعة التيمورية، إذ كان يقرأ ويأخذ الفوائد والشوارد والقواعد ويضعها في نظام خاص.
كم كتابًا ألّف أحمد تيمور ولماذا طُبع أغلبها بعد وفاته؟
ألّف أحمد تيمور أكثر من ثلاثين كتابًا في الاتجاه الأدبي اللغوي، وطُبع أغلبها بعد وفاته لأنها لم تكتمل في حياته. وذلك لأنها ملفات تكشيف مستمرة كان يفتحها ولا يغلقها، إذ كان يلقي فيها الدرر التي يلتقطها من بحار التراث.
من أول من كتب في علم نقد النصوص ونشرها علميًا وما جهود العرب في هذا المجال؟
أول من كتب في علم نقد النصوص ونشرها نشرًا علميًا مستقلًا هو برجستراسر الذي كتب كتابه بالعربية مجموعةً من محاضراته في جامعة القاهرة. وبعده كتب من العرب عبد السلام هارون، وترجم شيئًا ما الدكتور أحمد شلبي، وقام كثير من علماء الأمة بالحفاظ على التوثيق أثناء الانتقال من المخطوط إلى المطبوع.
ما شروط نشر التراث نشرًا محققًا وكيف استُفيد من مناهج الشرق والغرب؟
نشر التراث نشرًا محققًا يستلزم فهارس ومقدمة ومقارنة بين النسخ وإخراج نسخة معتمدة وفق شروط محددة. واستُفيد في هذا المجال مما توصل إليه الإنسان في الشرق والغرب، واختلفت المصطلحات لكن المقصود واحد وهو الحفاظ على التراث وتوثيقه.
ما موقف الرافضين والقابلين للتراث وما الموقف الصحيح منه؟
كثير من الناس يرفضون التراث رفضًا وجدانيًا لأنهم لم يفهموه أصلًا، وكثيرون يقبلونه قبولًا وجدانيًا لأنهم لم يفهموا ما قبلوه. القابل خير من الرافض لانتمائه إلى سلفه الصالح، لكن لا بد من فهم التراث فهمًا حقيقيًا لا مجرد موقف وجداني.
ما أول عناصر شفرة التراث الإسلامي وكيف تنبّه إليها العلماء؟
أول عناصر شفرة التراث هو التصور الكلي للكون والوجود والعدم، وهو مفقود عند جماهير المسلمين المشتغلين بالتراث. وتنبّه إلى هذا الشيخ طنطاوي جوهري فألّف كتابه بهجة العلوم محاولًا إلقاء الضوء على التصورات الكلية التي كانت في أذهان السلف الصالح.
أين توجد التصورات الكلية لشفرة التراث في العلوم الإسلامية؟
توجد التصورات الكلية في مقدمات علم الكلام وفي علم الحكمة العالية الذي موضوعه الوجود والعدم ولم يعد يُدرَّس، وفي المنطق الصوري العربي. وهي موجودة مشتتة في عبارات العلماء، وألّف عبد القادر بن بدران كتابًا سمّاه المدخل يحاول فيه إلقاء الضوء على جانب من هذه الشفرة.
كيف اهتم الأتراك بفهم شفرة التراث الإسلامي؟
اهتم الأتراك كثيرًا بفهم شفرة التراث لأن الدولة العثمانية ناطقة بالتركية أرادت أن تفهم التراث العربي. فكان علماؤهم يريدون أن يفهموا ويُفهِموا بعمق، فاشتملت مؤلفاتهم على كثير من حل تلك الشفرة.
ما تقسيم الوجود إلى جوهر وعرض وكيف سيطر على العلوم الإسلامية؟
كان العلماء يتصورون أن الوجود ينقسم إلى ما له حيّز ويسمى الجوهر، وما ليس له حيّز ويسمى العرض. وهذه القضية سيطرت على النحو والصرف والبلاغة والمنطق والفقه والأصول وكل الكتب، ولا بد من فهمها بتوسع ودقة بقراءة المقولات التي ألّف فيها الباجوري وكانت تُدرَّس في الأزهر.
لماذا لا يمكن التعامل مع التراث بفهم عميق دون إدراك شفرته؟
لا يمكن التعامل مع التراث بدقة وفهم عميق دون إدراك الشفرة التي كُتب بها، لأن كلام العلماء يصبح غاية في السخافة وقلة العقل لمن لا يدرك تلك الشفرة. ومن أدركها وجد نفسه أمام علماء في غاية الإبهار.
كيف استخدم العلماء الأناشيد والمنظومات لنقل العلم بسهولة ودقة؟
لجأ العلماء إلى المنظومات والأغاني لنقل العلم بدقة وسهولة واتساع، حتى في التجويد كمنظومة تحفة الأطفال. ومن أمثلة ذلك منظومة المقولات العشر: زيدٌ الطويلُ الأزرقُ بنُ مالكٍ في بيتِهِ بالأمسِ كان مُتَّكِئًا بيدِهِ غصنٌ لواهُ فالتوى، فهذه عشر مقولات تجمع الجوهر والعرض.
كيف قسّم السلف الإدراك والعلم إلى يقين وظن وشك ووهم؟
قسّم السلف الإدراك إلى تصور وتصديق، والتصور هو حصول صورة الشيء في الذهن. وهذا الإدراك إما يقين أو غيره، وغير اليقين إما راجح فيسمى ظنًا أو مساوٍ فيسمى شكًا أو مرجوح فيسمى وهمًا. أما اليقين المطابق للواقع الثابت عن دليل فهو العلم، وغير الثابت عن دليل هو التقليد.
ما خرائط الشفرة المتعددة في التراث وما أثر إدراكها أو جهلها؟
خرائط الشفرة تشمل تقسيم الوجود وتقسيم العلم وغيرها من الصفحات الكثيرة. من لا يدرك هذه الخرائط يجد كلام العلماء غاية في السخافة وقلة العقل والدين، أما من أدركها فيجد نفسه أمام علماء في غاية الإبهار لأن ما بين يديه مجهود قرون لا قرن واحد.
كيف تسبب الجهل بالتراث في أزمة وفجوة داخل الأمة الإسلامية؟
تحدث أزمة في الأمة لأن من لم يدرس التراث يستهزئ به عن يقين وكبر، بينما من درسه يتمسك به حتى يضحي بنفسه لأنه يعلم أنه الحق. وتزداد الفجوة بين العمامة والطربوش كما كان يعبّر يحيى حقي، وهي فجوة بين من يعرف ومن يجهل.
ما المبادئ العشرة لكل علم وكيف تساعد في فهم التراث؟
المبادئ العشرة هي مقدمة لكل علم تشمل: الحد والموضوع والواضع والنسبة والمستمد منه والفضل والحكم والاسم والفائدة والمسائل. وهي جزء من شفرة التراث لا بد من دراستها جيدًا لفهم أي علم، وكان طلاب الأزهر يترنمون بمنظومتها في الأروقة والطرقات.
كيف كان طلاب الأزهر يتعلمون المبادئ العشرة للعلوم؟
كان طلاب الأزهر الصغار يسيرون في أروقته وحواريه يترنمون بمنظومة المبادئ العشرة ويعدّونه من ذكر الله. وكان لا بد من معرفة حد العلم واسمه وموضوعه ومسائله قبل الشروع في دراسته، لأنه لا يمكن التشوق لعلم دون معرفة ما هو.
ما النظريات الحاكمة لكل علم وما أثرها في تسهيل الفهم والنقاش؟
النظريات الحاكمة هي نظريات كلية قائمة في أذهان العلماء لكل علم، إذا عُلِّمت للطلاب فهموا سريعًا وقبلوا ورفضوا وأضافوا وناقشوا. أما إذا لم تُفهَم هذه النظريات تحوّل العلم إلى معلومات مجزأة، وأصبح الطالب عاجزًا عن الفهم خارج المقرر.
ما نظرية المحل في النحو وكيف تُسهّل فهمه؟
نظرية المحل في النحو هي تخيّل مستطيل بجواره مستطيل آخر كالرف يمكن وضع شيء فيه، وهي من النظريات الحاكمة لعلم النحو. وعلم النحو من أصعب العلوم على كثير من الدارسين لكنه من ألذها عند العارفين، وقد بكى المتحدث عند قراءة ابن عقيل حين فهم ما يريده.
ما نظريات العمل والنسبة والتعلق في النحو العربي؟
نظرية العمل في النحو هي أن بعض المواد مُشعّة تؤثر في غيرها كأشعة تخرج منها لتؤثر فيما يشغل المحل الآخر. ونظرية النسبة هي العلاقة بين محل ومحل آخر. ونظرية التعلق هي نوع من الارتباط العضوي بين شيء وآخر.
كيف يُمكّن فهم النظريات الحاكمة الطالبَ من مناقشة علماء النحو؟
بعد شرح النظريات الحاكمة في النحو يفهم الطالب قضايا الجمل التي لها محل من الإعراب وتلك التي ليس لها محل. ويصبح قادرًا على الاختيار بين مذاهب النحاة كالبصريين والكوفيين بحجة وعلم، ويستطيع إزالة كلمة ووضع جملة مكانها ومعرفة العامل المعنوي واللفظي.
ما الفرق بين من يتعامل مع التراث عن علم ومن يتعامل معه عن جهل؟
من يتعامل مع التراث عن علم يصبح إمامًا في مجاله ويضيف إليه شيئًا جديدًا إن أراد. أما من يتعامل معه عن جهل وتخبط واستغفال فلا يُنتج شيئًا نافعًا. والفارق هو إدراك الشفرة والنظريات الحاكمة.
ما الفرق بين مصطلحات تأمل وفتأمل وبين وبالجملة وفي الجملة في التراث؟
تأمل تدل على أن الكلام السابق فيه دقة وتفصيل، وفتأمل تدل على دقة وتفصيل زائدة، والتزم العلماء بذلك فهمًا وكتابةً. وبالجملة تتعلق بالكليات بينما في الجملة تتعلق بالجزئيات، وكان أي طالب يخلط في هذه الأشياء لا يُقبل لأنه خرج عن المنهج العلمي.
ما الفرق بين الحاصل والمحصَّل في مصطلحات التراث؟
الحاصل يُستخدم عند شرح كلام قليل، بينما المحصَّل يُستخدم عند تلخيص كلام كثير، فهما عكس بعضهما. وكان أي طالب يخلط بينهما لا يُقبل لأنه خرج عن المنهج العلمي، مما يدل على أن العلماء كانوا يتعاملون بمناهج دقيقة يمكن تأملها وصياغتها.
كيف تختلف دلالة لقب القاضي والإمام باختلاف العلوم والمذاهب؟
لقب القاضي يقصد به في التفسير البيضاوي، وفي علم الكلام الباقلاني، وفي الشافعية القاضي حسين. ولقب الإمام في الأصول يقصد به الرازي، وفي الفقه الجويني إمام الحرمين، إلا عند ابن الحاجب الذي أطلقه على الجويني فقط. وهذا التدقيق جزء من منهج توثيق المصدر حتى لا يقول من شاء ما شاء في دين الله.
ما القواعد والضوابط الفقهية وكيف تُشكّل العقل المسلم؟
القاعدة والضابط الفقهي هو أمر كلي يشتمل على أحكام جزئياته غالبًا، وهي من الأمور المفتاحية التي تفتح كثيرًا من الفهم في التراث. وقواعد الفقه الشافعي مردودة إلى خمس قواعد كبرى: الضرر يزال، والعادة محكمة، والمشقة تجلب التيسير، والشك لا يرفع المتيقن، وخلوص النية.
ما القواعد الفقهية الكبرى الخمس وكم قاعدة تفرعت منها؟
القواعد الفقهية الكبرى الخمس هي: الضرر يزال، والعادة محكمة، والأمور بمقاصدها، واليقين لا يزال بالشك، والمشقة تجلب التيسير. تفرعت منها قواعد وصلت إلى المائتين ثم إلى أكثر من ألف قاعدة وضابط تضبط الفقه كله وتضبط الفتوى وتكوّن العقلية الفقهية.
ما النحت الخطي في المخطوطات وكيف كان السلف يختصرون الكلمات؟
النحت الخطي هو اختصار الكلمات في المخطوطات برموز، كاختصار حينئذ في حرف الحاء، واختصار اسم ابن القاسم العبادي في حرفي السين والميم سم. ومن أدب السلف في التعامل مع هذه الرموز أن تُنطق بالاسم الكامل فيقال قال ابن القاسم لا قال سم.
ما خطورة قراءة التراث دون معرفة أصحاب الأقوال ورموزهم؟
من يمسك كتابًا من كتب التراث دون أن يعرف من أين جاءت الأقوال ومن قالها ومن يرمز إليه الرمز يقرأ دون فهم حقيقي. ولا بد من معرفة أصحاب الرموز على الأقل حتى يمكن التعامل مع التراث بصورة صحيحة.
كيف يمكن استنباط مناهج السلف من التراث وتطويرها لخدمة العصر؟
يمكن بفهم التراث ملاحظة مناهج كثيرة توصّل إليها السلف واستقرت عندهم، ولا بد من متابعتها وتنميتها وإضافة ما يوافق العصر لتحقيق مقاصدهم. كما يمكن إضافة مناهج أخرى لوصف الواقع والتعامل معه وتهيئته لنزول النص عليه، وهذا هو تطبيق الشريعة في معناه الصحيح.
ما أبرز مناهج السلف الصالح في التعامل مع العلم والتراث؟
من أبرز مناهج السلف ربط العلم بالعمل ربطًا عضويًا أساسيًا، وربط المنظومات الفكرية بالرؤية الكلية والعقيدة مما يجعلهم في اتجاه واحد يتطورون دائمًا إلى الأحسن. ومنها أيضًا ربط النقل بالصياغة اللغوية والمنطقية مما يدخل في فلسفة اللغة وعلم السيمانتيك.
ما الفرق بين النظريات الفقهية وصناعة النظم وأيهما أحوج إليه الفقه الآن؟
النظريات الفقهية كنظرية العقد والحق والنيابة قد بُذل فيها مجهود كبير في جامعات الدول الإسلامية. أما صناعة النظم فلم يُكتب فيها الكتابة الكافية حتى الآن، وهي المرحلة التالية المطلوبة للانتقال من الأحكام المفصلة والنظريات المجمعة إلى نظم متكاملة.
ما المراحل المطلوبة لتطوير التراث وتدريسه بصورة أفضل؟
المرحلة الأولى تطوير تدريس العلوم المنقولة بشكلها الحالي لجعل الطالب أكثر فهمًا وأسرع في وقت أقصر. والمرحلة الثانية أشد صعوبة وهي تطوير المادة المدروسة نفسها بالبناء لا الهدم. والمرحلة الثالثة إعلام المشتغلين بالعلوم الاجتماعية والإنسانية بهذه المناهج والشفرات.
ما الموقف الصحيح من المخطوطات المراد تحقيقها وما أنواعها؟
أُرجئت نقطة حجية التراث إلى محاضرة مستقلة. أما الموقف الصحيح من المخطوطات فيشمل: مخطوط مجهول المؤلف، ومخطوط منسوب لعالم لكن ليس في فهارس أعماله، ومخطوط به نقص في أوله أو وسطه أو آخره، وكل نوع له طريقة تعامل خاصة.
ما الفرق بين الكلام عن التراث والكلام في التراث وما العقلية الفارقة؟
هناك فارق كبير بين الكلام عن الشيء والكلام في الشيء، فهذه المحاضرة تتحدث عن التراث لا في التراث. والعقلية الفارقة من مناهج السلف هي التي تفرق بين الشيء وسببه وثمرته وجزئه وغيره، وهي التي تُمكّن من التقويم والفهم الصحيح.
ما الذي يمكن تعلمه من محاضرة عامة عن التراث وما الذي يحتاج تدريسًا متخصصًا؟
المحاضرة العامة تُعلّم أن للتراث شفرة ينبغي أن تُدرك، لكن التطبيق الفعلي يحتاج إلى تدريس متخصص قد يستغرق سنة أو سنتين أو عشرًا أو عشرين حسب الهدف. ولا يمكن لأحد أن يقوم من محاضرة وقد فهم التراث.
لماذا يُعدّ التراث عقبة كؤود لمن يريد الاجتهاد؟
التراث عقبة كؤود لمن يريد الاجتهاد لأنه يستلزم عشرين سنة من الدراسة المتخصصة. وهذا ما أدركه الدكتور حسام الطبيب الذي درس أربع سنوات بعد الفجر أصول الفقه والمنطق والنحو وعلم الكلام، ثم دخل كلية الشريعة واجتاز المرحلة الأولى بشبه امتياز، فأدرك أن الاجتهاد لا يزال بعيدًا.
كيف أدرك الدكتور حسام بُعد الاجتهاد بعد سنوات من الدراسة؟
بعد أن تعلّم الدكتور حسام ودخل كلية الشريعة واجتاز المرحلة الأولى بشبه امتياز، أدرك أن الاجتهاد بعيد. وجلس في المحاضرة يريد أن يسمع جديدًا فكأنه لم يسمع لأنه قد سمع ذلك خلال سنوات عشر، وقال إن فهم التراث كله عقبة كؤود صحيح.
ما الفرق بين طلب الاجتهاد وطلب التدين وما واجب الأمة في التخصص؟
الاجتهاد يحتاج إلى عشر ساعات يوميًا لعشرين أو ثلاثين سنة وهو تخصص لا يُطلب من الجميع. أما التدين فمباح لعموم المسلمين وعليهم سؤال أهل الذكر. ولا بد أن يكون في الأمة من يحترق بالتراث ومن يأخذ الثمرة جاهزة، وهذا فرض كفاية.
ما مشكلة استبدال كتب التراث بالمذكرات في الأزهر وما أسبابها؟
استبدال كتب التراث بالمذكرات في الأزهر داهية ومصيبة بدأت مع التطوير، وكان الغرض منها دفع الأساتذة للكتابة وصياغة التراث بشفرة جديدة مقبولة ترفع عبء الشفرة القديمة. لكن النتيجة كانت مذكرات بها أخطاء وألفاظ غير لائقة.
كيف أدى ربط الترقي بالإنتاج العلمي إلى انتشار الفوضى في الكتابات؟
وضع الشيخ محمد محمد المدني عميد كلية الشريعة شرط الإنتاج العلمي للترقي إلى أستاذ مساعد ثم أستاذ، فشاعت الكتابات وانتشرت. ثم مع تطور وتدهور الزمان حدث ما حدث وشاعت الفوضى في هذه الكتابات.
ما الإجراءات المتخذة لعودة كتب التراث إلى التدريس في الأزهر؟
هناك اتجاه يتبناه الإمام الأكبر لعودة الكتب التراثية إلى الجامعة، وصدر قرار بألا يقل المدرس من كتب التراث عن خمسين بالمائة من التدريس. وفي كلية الدراسات اجتمع المجلس وقرر إلغاء جميع المذكرات والعودة إلى كتب التراث.
كيف يمكن تدريب طلبة العلم على شفرة التراث ومناهج السلف؟
يحتاج طلبة العلم إلى من يفتح لهم آفاقًا جديدة لكيفية التواصل مع مناهج السلف الصالح، وهذا مرتبط بالتدريب على الشفرة. والمحاضرة العامة كلام عن ذلك، ثم لا بد من الانتقال إلى الكلام فيه في دورة تدريبية متخصصة.
ما جهود استخدام الحاسوب في تيسير التراث وفهرسة الكتب السبعة؟
بُذلت مجهودات كبيرة في استخدام الحاسوب لتيسير التراث، وعلى مدى عشر سنوات أُدخلت الكتب السبعة في الحاسوب وأُنجزت ستة عشر فهرسًا تُمكّن من استرجاع أي شيء في أي شيء. وهذه البرامج جُرِّبت ونجحت لكن لا يُعتمد عليها حتى تبلغ التقنيات مبلغ الأمان.
ما تحديات إدخال كتب الحديث المطولة في الحاسوب وما الحل؟
هناك ما يقرب من ستمائة عنوان لكتب تذكر الأحاديث بالأسانيد، وفي عشر سنوات لم يُنجز إلا سبعة عناوين فقط. ولم يُنتهَ بعد من مسند الإمام أحمد ومصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق وسنن البيهقي. والحل هو البدء والاستمرار لأن كل من سار على الدرب وصل.
ما المقصود بمحورية النص في الحضارة الإسلامية؟
محورية النص تعني أن النص هو الدافع للإنسان في عمله وتوليد علومه وإنشاء مناهجه وصدور الفن الجميل منه. يرجع إليه عند إرادة القيام بالأشياء وبذل المجهود وإنشاء النظم. وخلاصة المحورية أن النص هو المنطلق وإليه الرجوع وله الخدمة وحوله السلوك.
ما مبدأ مع المحبرة إلى المقبرة وكيف طبّقه الشيخ العزاوي؟
مبدأ مع المحبرة إلى المقبرة يعني استمرار طلب العلم حتى الممات. وطبّقه الشيخ العزاوي الذي كان يُدرّس الفقه الشافعي لأكابر الطلاب في الأزهر، ثم يخرج ليدرس المنطق على الشيخ مخلوف، فكان أستاذًا كبيرًا يدرّس للكبار ثم يجلس طالبًا عند غيره.
ما قصة طباعة مصحف الملك فؤاد وما الجدل الذي أثاره؟
استدعى الملك فؤاد الشيخ عبد العزيز الرفاعي من تركيا لكتابة المصحف فغضب العلماء المصريون وقالوا إنهم أصل الخط. فحُرم الرفاعي من الكتابة وكتب المصحف الشيخ الحسيني خلف الحسيني الحداد شيخ المقال، وخطه هو الموجود في مصحف فؤاد إلى اليوم.
لماذا فاز مصحف الملك فؤاد بالجائزة الأولى في معرض ألمانيا؟
فاز مصحف الملك فؤاد بالجائزة الأولى في معرض ألمانيا لأنه لم يوجد كتاب في ذلك العصر خالٍ من الخطأ بهذا الشكل. وعند البحث عن أصول الحروف في المطبعة الأميرية وُجدت قد تلفت، فأُدخلت على الحاسوب وكُبِّرت فوُجد أن هناك سبعمائة شكل للحرف الخاص بمصحف فؤاد.
من قام بفهرسة مكتبات التراث الإسلامي وهل كان المستشرقون وحدهم؟
لم يكن المستشرقون وحدهم من قاموا بالفهرسة؛ فالذي فهرس الأزهرية هو الشيخ المراغي المصطفى، والذي أنشأ الخديوية وفهرسها هو علي باشا مبارك. وللدكتور محمد صيام مجهودات ضخمة في التصنيف الجديد المنبثق من الفلسفة الإسلامية.
ما مشروع المفاهيم وما الألفاظ التي شُوِّه معناها في الثقافة المعاصرة؟
مشروع المفاهيم جمع خمسمائة لفظة من الألفاظ التي صارت في الثقافة المعاصرة كالتراث والدين والحضارة والثقافة والسياسة والحكومة والحرية والقيم، وبُدِّل معناها وأُدخل فيها ما ليس منها. ومثال ذلك كلمة العلم التي أصبحت ترجمة لكلمة ساينس وفقدت معناها الأصيل.
ما أصل كلمة التراث ومن أشاعها في الثقافة العربية الحديثة؟
كلمة التراث نشأت بتأثيرات طه حسين عندما أنشأ سلسلة تراثنا، وكانت في البداية تُسمى من كنوز العرب ثم نشأت في هيئة الكتاب بتأثيرات إغريقية يونانية. وكان الشيخ محمد زاهد الكوثري قبل شيوعها يُعبّر عنها بالفقه الموروث. وأقرّت جماعة علمية استعمال كلمة التراث مع إمكانية احتلالها وإعادتها إلى مفهومها الصحيح.
هل كلامنا اليوم سيصير تراثًا وهل التراث يُقبل كله أو يُرد كله؟
بعد مائة عام سيصير كلامنا اليوم تراثًا، مما يعني أن التراث ليس شيئًا مقدسًا ثابتًا بل هو إنتاج بشري متجدد. والتراث يقبل القبول والرد كما في قضية الإسرائيليات، فليس كل ما في التراث مقبولًا ولا كل ما فيه مردودًا.
القواعد الفقهية الكبرى جزء من شفرة التراث الإسلامي التي لا يُفهم التراث دونها، وفهمها يفتح آفاق الاجتهاد الحقيقي.
القواعد الفقهية الكبرى خمس قواعد جامعة هي: الضرر يزال، والعادة محكمة، والأمور بمقاصدها، واليقين لا يزال بالشك، والمشقة تجلب التيسير. تفرعت منها قواعد وصلت إلى أكثر من ألف قاعدة وضابط تضبط الفقه كله وتكوّن العقلية الفقهية. وهي عنصر مفتاحي من عناصر شفرة التراث الإسلامي التي كتب بها العلماء مؤلفاتهم.
التراث الإسلامي لا يُقرأ بمجرد الوجادة، بل يحتاج إلى إدراك شفرته الكاملة: التصورات الكلية للوجود والمعرفة، والمصطلحات الدقيقة كالفرق بين تأمل وفتأمل، ودلالات الألقاب كالقاضي والإمام باختلاف العلوم، فضلًا عن النظريات الحاكمة لكل علم. ومن أدرك هذه الشفرة وجد نفسه أمام علماء في غاية الإبهار، ومن جهلها استهزأ بالتراث عن جهل.
أبرز ما تستفيد منه
- القواعد الفقهية الكبرى خمس تفرعت إلى أكثر من ألف قاعدة تضبط الفقه والفتوى.
- التراث مكتوب بشفرة من التصورات الكلية والمصطلحات والقواعد لا يُفهم دونها.
- توثيق المصدر منهج إسلامي أصيل أنتج عشرين علمًا لضبط الرواية والنقل.
- الفرق بين العالم والمثقف أن العالم يمتلك منهجًا ونسقًا لا مجرد معلومات مفردة.
- فهم التراث يستلزم سنوات من الدراسة المتخصصة وليس مجرد حضور محاضرة.
ضخامة موضوع التراث الإسلامي وامتداده عبر القرون البعيدة
والحقيقة أن موضوع التراث موضوع كبير وضخم، ولا يمكن أن نُلِمَّ به في جلسة أو جلستين أو جلسات؛ فهو نتائج العقل البشري، نتائج العقل البشري المسلم عبر تلك القرون البعيدة.
وفي قانون الآثار المصري يُحدَّد مائة سنة سابقة حتى نعتبر الشيء في عالم الأشياء أثرًا، وهو تحديد كان يسبقه أيضًا تحديد سابق وهو عصر الخديوي إسماعيل.
عصر الخديوي إسماعيل نقطة فارقة في تاريخ مصر والشرق
وكان عصر الخديوي إسماعيل نقطة فارقة من النقاط الفارقة في تاريخ مصر وفي تاريخ الشرق، تغيَّر فيه كل شيء. وأراد الخديوي إسماعيل أن يُخرج مصر من سياقها التاريخي لتصبح قطعة من أوروبا، فجاءها خير كثير من هذا وجاءها شر أكثر.
وحدث هذا التغيير وحدث معه شيء كثير من الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي في مصر. غيَّر الخديوي إسماعيل نمط حياة الإنسان المصري، غيَّر برنامجه اليومي، غيَّر التقويم، غيَّر الساعة، غيَّر الأزياء، غيَّر نمط المعيشة.
بدايات ازدواجية التعليم في مصر مع محمد علي والصراع بين العمامة والطربوش
هذه بدايات بدأت مع محمد علي؛ بدأ محمد علي التعليم الموازي، ترك الأزهر في حاله وأنشأ موازيًا له تعليمًا سمّاه التعليم المدني، وأرسل البعثات إلى أوروبا. فحدث بعد ذلك ما أسميناه بازدواجية التعليم.
أصبح هناك من يدرس الشرع ومن يطّلع على التراث ومن يستطيع أن يتعامل معه، وهناك أيضًا من أصحاب العلوم والفنون من لا يستطيع أن يتعامل مع هذا التراث. وسُمِّي هذا بالسلفي وهذا بالعصري، وأصبحت هناك معركة ما كنا نودّ أن تكون بين الطربوش والعمامة.
تغيير نظام الساعة الغروبية وأثره على فهم المسلمين للعبادات
وظل هذا في ازدياد إلى عصر الخديوي إسماعيل. كانت ساعتنا ساعة غروبية تتناسق مع العبادة؛ الساعة الثانية عشرة نضبط الساعة مع أذان المغرب، فنعرف مُضِيَّ الساعة الأولى من الليل، الساعة الثانية من الليل، الساعة الثالثة من الليل.
فعندما نقرأ حديث البخاري أن من ذهب إلى صلاة الجمعة في الساعة الأولى فله كذا وفي الساعة الثانية فله كذا، يفهمه الناس لأنهم يعرفون ما هي الساعة الأولى وما هي الساعة الثانية.
اختلف الحال وأصبحت الساعة الثانية عشرة هي وسط النهار، والنهار أصلًا ليس أربعًا وعشرين ساعة، بل يختلف باختلاف الأيام في السنة؛ أربع وعشرين ساعة وسبع عشرة دقيقة، أو أربع وعشرين إلا سبع عشرة دقيقة.
اختلاف أوقات الأذان وتكيّف المسلمين مع البرنامج اليومي للعبادة
وفي هذه الأربع والثلاثين دقيقة يختلف أذان الظهر عندنا الآن، فنجده مرة يُؤذَّن في الحادية عشرة وخمس وثلاثين دقيقة، ومرة في الثانية عشرة وسبع دقائق؛ لأن هذه المساحة هي التي يختلف فيها اليوم واقعيًّا.
كان المسلمون يكيّفون أنفسهم وتجعل هذه الشعائر التي يطبقونها تنطبق تمامًا مع البرنامج اليومي الذي يعيشونه. لم يكن هناك أي تنافر ولا اضطراب ولا ضيق ولا فوات للصلاة.
كانوا ينامون بعد العشاء ويستيقظون قبل الفجر، كانوا يدركون ما معنى الثلث الأخير من الليل الذي يستجيب الله فيه الدعاء. كان هناك تفاعل حقيقي مع هذا [النظام اليومي المرتبط بالعبادة].
دخول الأوبرا وتغيير الأزياء وأثره على ترك الصلاة بين الناس
دخلت الأوبرا واضطُرّوا إلى أن يخلعوا سراويلهم المغربية التي كانت أقرب إلى مسألة ستر العورة في الصلاة، ويلبسوا الأزياء الإفرنجية والياقات البيضاء المُنشّاة التي لو جاء عليها ماء لفسدت.
فأصبح من علامات الفسق لبس الجوارب، وأصبح كما كانوا يقولون: كفر بفلان يا أولاد ولبس الجوارب؛ لأن لبسه للجوارب كان دالًّا على أنه لا يتوضأ، وكان دليلًا على أنه خرج من منظومة ومن نسقٍ معين ودخل في نسقٍ آخر.
ترك الناس الصلاة لأنهم ذهبوا عند المغرب إلى دار الأوبرا، والذين يذهبون إلى الأوبرا كانوا من عِلْيَة القوم. سهروا هناك حتى الساعة الثانية ليلًا، فضاع عليهم صلاة المغرب والعشاء، وضاع عليهم الفجر.
انتشار ترك الصلاة وخروج الناس من الدين بسبب تغيير العادات
تعطّل سائق السيارة فلم يصلّوا هم الآخرون، وانتشرت ظاهرة عدم الصلاة بين الناس، وشاع ترك الصلاة بالكلية. وأصبحوا وكأنهم - ورأيت الناس يخرجون من دين الله أفواجًا.
وفجأة وبسرعة وبمجرد أنه قد غيَّر لهم عاداتهم؛ لأن العبادة عندهم قد صارت عادة، فسهُل عليهم وعلى هذا الجيل من البشر أن يتركوها. المدن التي ابتُليت بمثل الأوبرا مثلًا، هذا شيءٌ بسيط لا نقف عنده الآن.
تحديد عصر الخديوي إسماعيل كنقطة فاصلة بين التراث وما بعده
لكن هذه اللحظة الفارقة، لحظة عصر الخديوي إسماعيل، كانت لحظة يمكن أن نعدّ ما قبلها من التراث، حتى يدخل إنتاج الشيخ الباجوري في ذلك. الشيخ الباجوري توفي سنة ألف وثمانمائة وستة وخمسين، وإسماعيل جاء سنة أربعة وستين.
فلا بأس أن نعدّ عصر الخديوي إسماعيل كما عدّه قانون الآثار أنه مرحلة ما قبلها يُعدّ من الآثار، وكذلك ما قبلها يُعدّ تراثًا.
امتداد التراث الإسلامي من تدوين العلوم إلى عصر الشيخ الباجوري
هذا التراث الذي بدأ مع تدوين العلوم عند المسلمين الأوائل في القرن الأول الهجري، أو في أواخر القرن الأول الهجري على التحديد، وامتدّ إلى عصر الشيخ شيخ الإسلام الباجوري شيخ الجامع الأزهر الذي توفي سنة ألف وثمانمائة وستة وخمسين.
هذا التراث والنتاج الفكري جعل لنفسه محورًا وهو النص؛ الكتاب والسنة. النص بما اشتمل عليه من أحكام ومن مقاصد شرعية، تشتمل هذه المقاصد على قيم، وهذه المقاصد والقيم تعمل في وسط قواعد، وتعمل كل هذه المنظومة في مجال السنن الكونية الإلهية التي خلقها الله سبحانه وتعالى في الكون والنفس والمجتمع.
جعل النص محورًا للحضارة الإسلامية وتوليد العلوم لخدمته
جعلوا النص محورًا لحضارتهم، ومحور الحضارة معناه أنهم جعلوه معيارًا للتقويم، جعلوه منطلقًا للخدمة، جعلوه مرجعًا يرجعون إليه.
ولذلك نجد أنهم قد ولّدوا علومًا كثيرة: علم الفقه، علم الأصول، علم النحو، علم الصرف، علم الوضع وهكذا، علم البلاغة، كلها يريدون بها أن يخدموا النص.
علم الخط يريدون به أن يخدموا النص. هذا الخط العجيب الذي يقول عنه ابن مقلة: إن كتاب الله قد نزل على نسبة إلهية فاضلة، نسبة عجيبة معجزة، فلا بد أن يُكتب بخط مبني على نسبة إلهية فاضلة.
ابتكار ابن مقلة للمسدس الدائري وتفرد الخط العربي بالنسبة الطبيعية
وتفتّق ذهن ابن مقلة على مسألة المسدس الدائري الذي رسم فيه الألف واستطاع بميزان الألف أن يرسم الحروف كلها، فرُسِمت كل الحروف داخل المسدس داخل الدائرة.
يقول أبو حيان: لقد أوحى الله تسديس الخط لابن مقلة كما أوحى الله للنحل بتسديس بيوتها.
وليس هناك خط على وجه الأرض وإلى يومنا هذا هناك علاقة فيها نسبة طبيعية مثل نسبة الدائرة اثنين وعشرين على سبعة داخل الخط سوى الخط العربي. وما تفتّق ذهن المسلمين بذلك إلا لأنهم قد خدموا النص وأرادوا خدمته وجعلوه محورًا واضحًا لحياتهم.
الفنون الإسلامية وخدمتها للنص ومسألة توثيق المصدر
الفنون وما حدث فيها من رسم وتشكيلات نباتية وتلاعب بالخطوط الهندسية والأشكال الهندسية، كل هذا والتلاعب بالألوان، إنما يحاولون به أن يصلوا إلى خدمة شيء معين جعلوه محورًا ينطلقون منه في حياتهم.
aقتضى وجود النص مسألة التوثيق، ومسألة التوثيق هي السؤال الأول الذي يطرح نفسه على الإنسان الذي يسعى إلى معرفة الحق:
هل الذي بين يدي الآن هو الذي نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
هذا سؤال توثيق المصدر، سواء كان هذا هو القرآن أو كان هذا هو السنة الصادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
نشأة علوم الرجال والأسانيد للإجابة عن سؤال توثيق المصدر
فمن أجل الإجابة على هذا السؤال [سؤال توثيق المصدر] وُجد ما يقرب من عشرين علمًا تتعلق بعلم الرجال وعلم الأسانيد وعلوم الجرح والتعديل وعلوم مصطلح الحديث. علوم كثيرة تحاول أن تضبط المسألة.
ليس هناك كتاب على وجه الأرض له تلك الأسانيد المتصلة التي يقول كل قارئ للقرآن - والقارئ هنا معناه مُتحمِّل القراءة، عالم القراءة -: لقد سمعت هذا الكلام حرفًا بالتشكيل وعلى هذا الخط الموجود أمامنا من شيخي الذي وُلد يوم كذا ومات يوم كذا وكان اسمه كذا، وكان يضحك وكذلك كان يبكي في المواقف المذكورة.
تفرد القرآن بالأسانيد المتصلة والنقل عن جموع لا عن أفراد
تاريخ حياته كله موجود في ملف في هذا العلم [علم الرجال]. الذي يقول هذا الشيخ أنه سمع هذا الكلام عن شيخ آخر وله كل هذه المواصفات. ليس هناك أحد في هذا السند من المجاهيل التي لا نعرفها، فنحن نعرف كل واحد.
وهذا النقل ليس عن شخص واحد يمكن أن يكذب، يمكن أن يخطئ، ويمكن أن يضعف في موقف معين. ليس عن اثنين فقط، بل عن ثلاثة، أربعة، عن ألف، بل قد يكون عن آلاف.
ابن الجزري في كتابه [النشر] أورد ما يقرب من ألف طريق للقرآن، وهو كتاب واحد حصر ألف طريق. كان هناك ألف قد تلقّى عنهم ابن الجزري، وهؤلاء الألف قد تلقّوا عن ألف من مشايخهم وهكذا. والأمر أعظم من هذا بكثير.
إنشاء معهد ألماني لمقارنة نسخ المصحف وضعف أسانيد الكتب الأخرى
قبل الحرب العالمية الثانية أُنشئ في ألمانيا معهد لمقارنة نسخ المصحف. ملّ بعض المستشرقين من افتخار المسلمين بكتابهم وأنه محفوظ عليهم، وأنه وارد إليهم بالأسانيد التي لو قارناها بكتب الديانات الأخرى لوجدنا أن التوراة مثلما يقول ابن حزم لها سندان فقط، آخر شخص في السند بينه وبين سيدنا موسى ألف سنة.
وأن الإنجيل نسخته الأصلية لا توجد، إنما الذي يوجد له ترجمة يونانية. طيب، لا بأس، من المترجم؟ لا نعرف. مسألة مضحكة ومحزنة ومخزية أن يظل العقل البشري في حيرة من أمره أمام هذا الوضوح البيّن.
هيمنة الإسلام على الأديان السابقة وضعف أسانيد ترجمات الكتب المقدسة
بين مقارنة ظاهرية سطحية تُثبت من كل جهة قبل التعمق أن هذا الدين دينٌ حفظه الله سبحانه وتعالى، ودين الله قد دافع عنه الله وجعله مهيمنًا على ما بين يديه من تلك الأديان والكتب.
من المترجم [للإنجيل]؟ لا نعرف. ما هي الأسانيد حتى إلى تلك الترجمة؟ لا نعرف.
دقة البخاري في توثيق الرواة ورفضه لمن أوهم بهيمته
في السند عندنا [المسلمين] وصل به الحال إلى أن رحل البخاري رضي الله تعالى عنه لطلب الحديث، فذهب إلى شخص للرواية، فوجده ممسكًا بعشب في يده يحاول أن يجذب إليه بهيمته، فرسه أو حماره.
فلما جاء الحمار أو الفرس إليه، أمسك به ورمى العشب. فتركه البخاري وسار، قال: إنك قد كذبت عليه [أي على الحيوان]. إلى هذا الحد يتم عندنا الرد؛ هذا شخص غير محترم [في نظر البخاري لأنه أوهم بهيمته بالطعام ثم حرمها منه].
وذكر البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا [أي أنكر مثل هذا الفعل] عندما وجد امرأة تريد أن تمسك بصبيها وابنها، فأعطت له تمرة، ثم لما أمسكت به أرادت أن تحرمه منها،
فقال [النبي ﷺ]: «لو فعلتِ لكذبتِ»
أثر منهج توثيق المصدر في عقلية المسلمين ونشأة علم الأثبات والمسانيد
هذا المنهج، منهج توثيق المصدر، أثّر تأثيرًا كبيرًا في عقلية المسلمين، وامتدّ ذلك التوثيق من المصدر [الكتاب والسنة] إلى كتب الناس.
ولذلك هناك علمٌ قد نشأ اسمه علم الأثبات والمسانيد. علم الأثبات: السند ينتهي إلى المؤلف وليس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأصبحنا إذا ما أردنا أن نقرأ كتابًا لا بد علينا أولًا أن نتوثق أن هذا الكتاب منسوب نسبة صحيحة إلى مؤلفه بالسند المتصل.
أيضًا ألّف الشوكاني كتابًا ماتعًا سمّاه «إتحاف الأكابر بأسانيد الدفاتر»، وليست بأسانيد الأحاديث النبوية. هذا أمر آخر في علم الحديث.
تأثير التوثيق على عقلية المسلم وضرورة أسانيد الدفاتر
لكن علم الحديث وعلم القراءات وما حدث فيهما من توثيق أثّر على عقلية المسلم كمسلم وكمنهج، فأصبح طلب التوثيق ضروريًّا في كل حياته. فأصبح هناك طلب لقضية أسانيد الدفاتر.
هذا يحفظ الشكل، فلا بد علينا أن نحفظ الوسيلة والطريقة التي بها النقل.
إرشادات ابن الصلاح في كيفية نقل النصوص وتصحيحها في الهامش
نرى ذلك عند ابن الصلاح في مقدمته عندما يُرشد الطلبة والنُّسّاخ إلى كيفية كتابة النصوص ونقلها والتأكد من صحتها بمصطلحات هي أنقى وأبرّ من مصطلحات المستشرقين وأضبط.
ومن ضمن ما ذكر ابن الصلاح أنه ينبغي عليَّ عند القراءة إذا وجدت سقطًا أو خطأً ألّا أصلح في أصل النسخة خشية أن يكون ما أظنه سقطًا أو خطأً ليس كذلك، بل عليَّ أن أصلح في الهامش وأن أشير بعلامة «صح» فوق الكلمة وأخرج في الهامش وأقول ما أريد، سواء كان من لديَّ أو كان من نسخة أخرى.
حتى أدَع للآخرين من بعدي أن ينظروا في هذه النسخة، ولا أقطع عليهم الطريق، ولا أحرف كلام الناس، ولا تصبح لديَّ دكتاتورية في العلم بأن ما ذهبت إليه أنا قطعي، وأن ما ذهبت إليه أنا لا بد على الناس جميعًا أن يمتثلوا فيه.
إثبات السماعات على النسخ وتحديد الشخص والزمان والمكان لكشف التلاعب
وتُثبَت السماعات على النسخة. والسماعات هذه: سمعت هذا الكتاب من الشيخ الفلاني حيث قال لي أنه سمعه من الشيخ الفلاني بتاريخ كذا في المكان الفلاني. فيُحدَّد الشخص والزمان والمكان.
حتى إذا كان هناك اشتباه في الأسماء بين المشايخ يحدث تمييز، وإذا كان هناك كذب أو زيادة قد حرّفها محرِّف أو وضعها واضع تتضح هذه عند العلماء الذين يعرفون.
فلا يمكن أن تقول قرأت عليه سنة خمسة وتسعين وهو قد توفي سنة ثلاثة وتسعين؛ هذا مرفوض، فهناك خطأ بالتأكيد. وقد كُشِف بهذا الأسلوب كثير من أنواع التلاعب، وهذا علم قائم بذاته.
الفرق بين المعلومات والعلم وبين العالم والمثقف
في الحقيقة، أن تتحول المناهج إلى تلك الملكات هي [ما] نفتقدها نحن الآن. نحن أصبح لدينا معلومات ولم يعد لدينا علم.
والفرق بين المعلومات والعلم أن المعلومات مفردة، والعلم نسق مرتبط بعضه مع بعض، له منهج وله استعمال.
وهذا هو الفرق بين العالم والمثقف؛ فالمثقف لديه كثير من المعلومات في مادة معينة، لكنه ليس عالمًا في هذه المادة، بل قد تفوق معلوماته معلومات بعض علماء هذه المادة. لكن لا بد علينا أن نعي المنهج، وأن نعي طرق الاستعمال، وأن نعي الربط بين المعلومات، وأن نعي المعلومات أيضًا حتى نحصل على علم معين.
طرق تحمل العلم الثمانية وأنواع الأداء بين الشيخ والتلميذ
وضعوا ثمانية طرق من طرق التحمل - تحمُّل العلم - أيضًا أخذوها من الحديث. بعضها يتعلق بطريقة الأداء:
- •
فيمكن أن يقرأ الشيخ والتلميذ يسمع ويقول قد سمعت هذا، وهذا يكون أضبط لأن الشيخ عندما يقرأ صحيحًا.
- •
وقد يكون التلميذ هو الذي يقرأ والشيخ يسمع، وهذه أقل في الضبط لأن الشيخ قد يعزب ذهنه ويسرح، والقارئ قد يخطئ ولا ينتبه الشيخ، أو يغفل أو يشرد.
فهي أقل دقة لكنها قوية أيضًا.
الوجادة أدنى طرق التحمل وأهمية القراءة على عالم متخصص
في التدرج إلى ما يسميه العلماء بالوجادة، والوجادة هي أن يجد كتابًا فيقرأه، وهو ما نفعله جميعًا الآن من غير قراءة على عالم يستطيع أن يصحح وأن ينقل وأن ينقل الملكات والمناهج، بل والمعلومات.
حضارة المسلمين نائمة لم تمت واستمرارها بعد دخول المطبعة الأميرية
على كل حال، حضارة المسلمين لم تمت، حضارة المسلمين نامت فقط، والنائم يستيقظ والله سبحانه يبعث من في القبور.
على أن هذا النائم [التراث الإسلامي] استمرت [حركته] عند المسلمين بعد دخول المطبعة الأميرية التي أنشأها محمد علي سنة ألف وثمانمائة وواحد وعشرين. كانت تطبع كتبًا للجهادية والدفاع وما إلى ذلك، والفنون والصنائع والزراعة والطب.
تأخر طباعة المصحف بسبب اعتراض المشايخ وأسبابهم الموضوعية والشكلية
ثم بعد ذلك بدأت [المطبعة الأميرية] في طباعة المصحف بعد اثنين وثلاثين عامًا؛ لأن المشايخ حرَّموا طباعة المصحف ابتداءً بأمرين:
-
أمر موضوعي: أنه سيكون فيه أخطاء فادحة، وأنه لا بد علينا أن نكتبه بأيدينا حتى نتأكد من عدم وجود الأخطاء.
-
أمر شكلي: أنهم قد سمعوا أن الأسطوانة التي يدور عليها ورق الطباعة مصنوعة من جلد الخنزير، فلا ينبغي أن تُدنَّس صفحات المصحف بجلد الخنزير.
فتأخر طباعة المصحف.
قرار محمد علي بطباعة المصحف وتكلفة تصحيح الأخطاء الفادحة
ثم بعد ذلك أصدر محمد علي باشا قرارًا بأنه سيطبع المصحف ولو كان حرامًا، لننتهِ إذن من هذه القضية. وكانت هذه خطوة أيضًا وعلامة فارقة في التخلص من ارتباط الأحكام الشرعية بالسياسة.
طُبع المصحف، طُبع مائتي نسخة منه في أول الأمر، واتضح فيه أيضًا أخطاء فاحشة فصُحِّحت. وقد تكلّف التصحيح ثلاثة عشر جنيهًا ذهبًا لأجل تصحيح المصحف المطبوع.
دور علماء المطبعة الأميرية في تصحيح الكتب وجهود الشيخ الهوريني
وبعد ذلك بدأت دار الطباعة الأميرية بعد ثلاثين أو أربعين سنة في إنتاج أوائل منتجاتها الأدبية. فقام علماء المطبعة الأميرية من المصححين المطبعيين - وكانوا من كبار العلماء -:
الشيخ قُطّة العدوي والشيخ نصر الهوريني. الشيخ الهوريني له دباجة على القاموس المحيط و«القاموس الوسيط فيما ذهب من لغة العرب شماطيط»، فألّف الدباجة. والدباجة لا يؤلفها إلا من هو أعلى من الفيروزآبادي الذي جعل الأمر شماطيط.
لكن هذا يبيّن لك من المصحح. وليس المصحح المطبعي الآن [الذي] لا يدري عن نفسه شيئًا، وهي مهنة من لا مهنة له. لا، بل كان من كبار العلماء ويتكلم بالشَّكلة وبالفَصلة وبغير ذلك إلى آخره.
اعتماد الطبعة الأميرية وجهود العلماء في فهرسة التراث وتكشيفه
لقد ترى اهتمامًا كبيرًا في قضايا التوثيق والنقل حتى أصبحت الطبعة الأميرية من أي كتاب وإلى يومنا هذا هي العمدة والمعتمدة.
الشيخ قُطّة العدوي، كذلك حسن بك حسني، كذلك أحمد باشا زكي شيخ العروبة، كذلك أحمد باشا تيمور أيضًا. وبدأ أحمد باشا تيمور فيما نُطلق عليه الآن بتكشيف التراث في التذكرة التيمورية وفي الموسوعة التيمورية.
فقد كان يقرأ ويأخذ الفوائد والشوارد والقواعد وغيرها ويضعها في نظام خاص. طُبع حتى بعد وفاته لأنه كان يفتح الملفات ولا يغلقها؛ لأنها دائمًا يُلقي فيها الدرر التي يلتقطها من بحار التراث.
مؤلفات أحمد تيمور في تكشيف التراث واستمرار ملفاته المفتوحة
في اتجاهه الأدبي اللغوي إلى أن ألّف أكثر من ثلاثين كتابًا على هذا النحو، وأغلبها قد طُبع بعد وفاته لأنها لم تكتمل حتى في حياته، إذ إنها مستمرة، وإنما هي ملفات تكشيف.
جهود العلماء في الحفاظ على التوثيق أثناء الانتقال من المخطوط إلى المطبوع
قام كثير من علماء الأمة ممن عرفناهم وممن لم نعرفهم من الجنود المجهولين بالحفظ على قضية التوثيق أثناء الانتقال من المخطوط إلى المطبوع.
وأول من كتب في العلم المستقل وهو علم نقد النصوص ومحاولة نشرها نشرًا علميًّا هو برجستراسر، حيث كتب كتابه بالعربية، وكان عبارة عن مجموعة من المحاضرات التي كان يلقيها على طلبته في جامعة القاهرة.
بعد ذلك كتب من العرب عبد السلام هارون رحمه الله، وترجم شيئًا ما الدكتور أحمد شلبي.
تتابع الكتب في كيفية نشر التراث محققًا والاستفادة من مناهج الشرق والغرب
ثم تتابعت بعد ذلك الكتب التي تتحدث عن كيفية نشر التراث نشرًا محققًا مخدومًا له فهارس وله مقدمة، وكيف نقارن بين النسخ، وكيف نخرج نسخة معتمدة، وما هي شروط تلك النسخ.
واستُفيد في هذا المجال بكثير مما توصل إليه الإنسان في الشرق والغرب، واختلفت المصطلحات ولكن المقصود هو الوصول إلى المضمون والمعنى، وهو أن نحافظ على التراث وأن نوثقه.
هذه إطلالة سريعة على قضية توثيق التراث قديمًا وحديثًا.
موقف الرافضين والقابلين للتراث بين الرفض الوجداني والقبول الوجداني
إلا أن هذا التراث الذي بين أيدينا في الحقيقة لا بد لنا أن نفهمه. وكثير من الناس يرفضون التراث رفضًا تامًّا، وهذا الرفض رفض وجداني فقط؛ لأنه لم يفهم التراث أصلًا حتى يرفض ما فيه.
وكثير من الناس يقبلون التراث قبولًا تامًّا، وهذا أيضًا قبول وجداني؛ لأنه لم يفهم ما فيه، لم يفهم ما الذي قبِله. هذا [القابل] هو خير من الأول لأنه ينتمي إلى آبائه الصالحين وإلى سلفه الأماجد، لكن ليس هكذا يا سعد تُورَد الإبل.
لا بد علينا أن نفهم التراث.
التراث مكتوب بشفرة وأول عناصرها التصور الكلي للكون والوجود
والتراث مكتوب بشفرة. هذه الشفرة نريد أن نلقي شيئًا من الضوء عليها.
أول هذه الشفرة هو التصور الكلي للكون والوجود والعدم، وهذا مفقود عند جماهير المسلمين من العلماء المشتغلين بالتراث.
تنبّه إلى هذا وإلى شيء منه الشيخ طنطاوي جوهري رحمه الله، فألّف كتابه الماتع «بهجة العلوم» محاولًا أن يُلقي ضوءًا على تلك التصورات الكلية التي كانت في أذهان السلف الصالح.
مصادر التصورات الكلية في علم الكلام والحكمة العالية والمنطق
هذه التصورات نجدها في مقدمات علم الكلام، ونجدها في علم لم يعد يُدرَّس اسمه الحكمة العالية وموضوعه الوجود والعدم.
نجد مثل هذه التصورات عند التأمل والتدبر في عباراتهم، ونجدها في المنطق الصوري العربي وهكذا. نجدها مشتتة.
وألّف عبد القادر بن بدران كتابًا سمّاه «المدخل» يحاول فيه أن يلقي الضوء على جانب آخر من هذه الشفرة التي كُتب بها التراث.
اهتمام الأتراك بفهم شفرة التراث ومساهمتهم في حلها
اهتم الأتراك كثيرًا بمثل ذلك حتى يفهموا؛ فالدولة العثمانية وهي ناطقة بالتركية أرادت أن تفهم. فكان العلماء يريدون أن يفهموا ويُفهِموا بعمق حتى يساهموا في ذلك، فكانت مؤلفاتهم تشتمل على كثير من حل تلك الشفرة.
تقسيم الوجود إلى جوهر وعرض وسيطرته على جميع العلوم الإسلامية
فالعنصر الأول من هذه العناصر [عناصر الشفرة] هو التصور الكلي للوجود. كانوا يتصورون أن الوجود ينقسم إلى ما هو له حيّز وما ليس له حيّز؛ ما له حيّز يسمونه الجوهر، وما ليس له حيّز يسمونه العرض.
هذه القضية نجدها في النحو، نجدها أنها سيطرت على الصرف وعلى البلاغة وعلى المنطق وعلى الفقه وعلى الأصول وعلى كل الكتب الموجودة تحت أيدينا.
مسألة الجوهر والعرض لا بد أن نفهمها بتوسع وأن نفهمها بدقة.
فأين نفهمها؟ لا بد علينا أن نقرأ المقولات. ما المقولات؟ هذه علم، ألّف فيه الشيخ الباجوري وكان يُدرَّس في الأزهر، وهو غير علم المنطق وغير الحكمة العالية وغير كذا وكذا.
ضرورة إدراك شفرة التراث قبل التعامل معه بفهم عميق
ولكن كيف يخرج الإنسان ليتعامل مع التراث بدقة وبفهم عميق دون أن يدرك الشفرة التي كُتب بها التراث؟
استخدام الأناشيد والمنظومات لنقل العلم بسهولة ودقة واتساع
وهنا نجدهم وقد أرادوا للعلم أن ينتقل، وأن ينتقل بدقة وبسهولة وباتساع، يلجأون إلى النص وإلى الأغاني. إلى الأغاني التي كان يغني بها الأطفال، حتى في التجويد تُسمى المنظومة «تحفة الأطفال».
فبدل ما كان يدندن بأغاني «قدر أحمق خطاه»، كان يغني: «زيدٌ الطويلُ الأزرقُ بنُ مالكٍ في بيتِهِ بالأمسِ كان مُتَّكِئًا بيدِهِ غصنٌ لواهُ فالتوى، فهذه عشرُ مقولاتٍ سوى».
وهذه قد جمعت الجوهر والعرض على رأي الحكماء. حتى إذا ما نسي شيئًا معينًا يعيد الشيء: زيد هو الجوهر، الطويل الكمّ، الأزرق الكيف، بن مالك النسبة، في بيته المكان، بالأمس الزمان، كان متكئًا الوضع، بيده الملك، غصن لواه الفعل، فالتوى الانفعال. فهذه عشر [مقولات].
تصور الإدراك عند السلف وتقسيم العلم إلى يقين وظن وشك ووهم
معرفة عندهم: تصور للإدراك، لقضية الإدراك. يقول: العلم تصور وتصديق، والتصور هذا إدراك يعني حصول صورة الشيء في الذهن.
وهذا الإدراك إما أن يكون على سبيل اليقين وإما أن يكون ليس كذلك. ليس يقينًا: والذي ليس يقينًا إما أن يكون راجحًا فيسمى ظنًّا، أو مساويًا فيسمى شكًّا، أو مرجوحًا فيسمى وهمًا.
أما اليقين فقد يكون منه ما هو مطابق للواقع وما هو مخالف للواقع. والمطابق للواقع قد يكون ثابتًا عن دليل أو ليس ثابتًا عن دليل. والثابت عن دليل هو العلم، والذي ليس ثابتًا عن دليل هو التقليد.
وذلك اليقين المطلق هو اعتقاد، سواء طابق الواقع فيكون صحيحًا، أو لم يطابق فيكون فاسدًا.
خرائط الشفرة المتعددة وأهميتها في فهم كلام العلماء
هناك خريطة لقضية المعرفة، لقضية الإدراك عندهم. هذه صفحة من صفحات الشفرة: تقسيم الوجود، تقسيم العلم، تقسيم كذا وكذا. صفحات كثيرة مثل هذا لا يتسع الوقت لعرضها.
لكن هذه الخرائط هي مكونات تلك الشفرة التي لا يمكن عليَّ أن أدرك ما يقولون، بل إن كلامهم يصبح غاية في السخافة والسماجة وقلة العقل والدين إذا لم ندرك تلك الشفرة.
فإن أدركناها وجدنا أنفسنا أمام علماء في غاية الإبهار ونحن نكون في غاية الانبهار؛ لأنه مجهود قرون وليس قرنًا واحدًا أو قرنين، وليس عالمًا واحدًا أو عالمين.
أزمة الأمة بين من يستهزئ بالتراث جهلًا ومن يتمسك به علمًا
هذه أمم مرت على قرون متطاولة وخدمت النص الشريف.
ومن هنا تحدث أزمة في الأمة؛ لأن الذي لم يدرس هذا [التراث] وقرأ وضحك واستهزأ وتركه وراء ظهره يفعل ذلك عن يقينٍ وبكل كِبْرٍ وخُيَلاء. والذي درس ذلك وعرفه يتمسك به إلى أن يضحي بنفسه وحياته في سبيله؛ لأنه يعلم أن هذا هو الحق وهذا هو العلم وهذا هو الاحترام وهذا هو كذا.
فتزداد الفجوة ما بين العمامة والطربوش كما كان يعبّر يحيى حقي رحمه الله.
ضرورة فهم شفرة التراث في التصورات الكلية والمبادئ العشرة لكل علم
هنا ينبغي علينا إذا ما أردنا أن نفهم التراث أن نفهم شفرته في التصورات الكلية عن الوجود والمعرفة مثلًا؛ لأنها صفحات يتكلمون فيها عما يُسمى بالمبادئ العشرة.
يجعلون هناك مقدمة للعلم، هذه المقدمة لا بد علينا أن ندرسها دراسة جيدة حتى نفهم ما هو ذلك العلم:
«من رام فنًّا فليقدم أولًا علمًا بحدِّه وموضوعٍ تلا، وواضعٍ ونسبةٍ وما استُمِدّ منه وفضلِه وحكمٍ معتمد، واسمٍ وما أفاد والمسائلِ، فتلك عشرٌ للمُنى وسائل. وبعضهم فيها على البعض اقتصر، ومن يكن يدري جميعها انتصر».
ترنم طلاب الأزهر بالمنظومات العلمية وأهمية معرفة حدود العلم قبل دراسته
يغني بها الطلاب الصغار في أروقة الأزهر وما حوله من حواري وطرقات، يسيرون يترنمون بهذا ويعدّونه من ذكر الله.
كيف أتشوق لعلم دون أن أعلم ما هو ذلك العلم؟ ما هو حدُّه، ما اسمه، ما موضوعه، من الذي دوَّنه، ما هي المسائل التي فيه، الجمل المفيدة إلى آخره. نصٌّ من الشفرة.
النظريات الحاكمة لكل علم ودورها في تسهيل الفهم والنقاش
النظريات الحاكمة: هناك نظريات حاكمة لكل علم من العلوم كانت قائمة في أذهانهم. إن علَّمناها للطلاب ودخلنا إليهم بها فإنهم يفهمون سريعًا ويقبلون ويرفضون ويضيفون ويناقشون؛ لأنهم قد فهموا القضية، فهموا الشفرة، فهموا اللعبة بلغة السياسة، لأن معنا أستاذ السياسة.
لكن لو لم يفهموا النظريات الحاكمة أصبحت جزئيات، تحوّل العلم إلى معلومات. فإذا امتحنّاهم في الاختبار الشفهي وقلنا لهم شيئًا، يجلس يبكي ويقول: أنا لا أفهم شيئًا، لا أعرف خارج المقرر.
نظرية المحل في النحو كمثال على النظريات الحاكمة للعلوم
إذن، مثال لهذه النظريات الحاكمة - وأرجو من سعادة الرئيس أن ينبهني إذا ما تجاوزت حدي وطغيت -:
وفي النحو مثلًا، وهو من أصعب العلوم على قلوب كثير من الدارسين، إلا أنه من ألذها وأحلاها عند العارفين. ولقد مررت أنا شخصيًّا في فترة من فترات حياتي إلا أنني كنت أبكي عندما أقرأ في ابن عقيل، في حين أنني لم أكن أبكي تمامًا عندما أقرأ القرآن. وذلك أنني في هذه المرحلة كنت أفهم ابن عقيل أكثر لأنني فهمت ما الذي يريده.
فمن النظريات الحاكمة لعلم النحو مثلًا نظرية المحل. هي تخيُّل أن هناك مستطيلًا بجواره مستطيل آخر، وأن هذا المستطيل كالرف نستطيع أن نضع فيه شيئًا مثل الكوة أو الرف، محل نستطيع أن نضع فيه شيئًا.
نظريات العمل والنسبة والتعلق في النحو العربي
هناك نظرية أخرى في النحو هي نظرية العمل؛ أن بعض المواد التي نضعها في هذه المحلات مُشعّة تؤثر في غيرها، تلقي الضوء على غيرها فتؤثر فيه، كأنها أشعة هكذا خرجت منها وذهبت لتؤثر في ما يشغل المحل الآخر.
هناك نظرية يمكن أن نسميها بنظرية النسبة وهي العلاقة بين هذا المحل وذاك المحل.
هناك نظرية أخرى يمكن أن نسميها بنظرية التعلق وهي نوع من أنواع الارتباط العضوي بين شيء وبين آخر.
أثر شرح النظريات الحاكمة في فهم الطالب للنحو ومناقشته للعلماء
بعد هذه النظريات، ولو شُرحت تلك النظريات الحاكمة في علم النحو مثلًا لرأينا الطالب يفهم كثيرًا قضايا الجمل التي لها محل من الإعراب والجمل التي ليس لها محل من الإعراب.
وكذلك لأنه يقول: أنا سأُزيل هذا وسأضع مكانها جملة، وهذا الحرف عامل، وهذه في عمل معنوي، وهذا عمل ليس بمعنوي، وهكذا. وتُحلّ كثير من شفرة وصعوبة الشيء الذي أمامي.
بعد تفهيم الطالب المعرفة [أي] تعني هذه النظريات، فإننا نجده يناقش ويقول: لا، أنا سأختار كلام البصريين هو المعقول، ثم يفكر بعد ذلك ويقول: ولكن أيضًا الكوفيين لهم حق، فما هي حجتهم؟ لديهم حجة كذا وكذا، لكن أنا مع البصريين أكثر، واضحة عندي أنهم البصريون.
الطالب يصبح إمامًا في النحو عندما يفعل عن علم لا عن جهل
وهكذا يكون إمامًا في النقاء ويضيف لو أراد شيئًا جديدًا للفعل، لكنه يفعل عن علم لا عن جهل وتخبط واستغفال.
المصطلحات كعنصر من عناصر شفرة التراث والفرق بين تأمل وفتأمل
من الشفرة التي يُفهم بها التراث، ومن مكوناتها قضية المصطلحات، سواء كانت هذه المصطلحات عبارة عن أشخاص أو ألفاظ أو تعريفات أو جمل.
فرقٌ بين «تأمل» و**«فتأمل»** و**«فلتتأمل»**. وقالوا إن «تأمل» إذا وردت بعد كلام فهذا الكلام فيه يكون فيه دقة وتفصيل. أما «فليتأمل» ففيه دقة وتفصيل زائدة. والتزموا بذلك فهمًا وكتابةً.
فرّقوا بين قولهم «وبالجملة» و**«في الجملة»**، فقالوا إن هذه تتعلق بالكليات وهذه تتعلق بالجزئيات، والتزموا بهذا كتابةً وفهمًا.
الفرق بين الحاصل والمحصل ودقة المنهج العلمي في التراث
فرّقوا مثلًا بين «والحاصل كذا» و**«والمحصَّل كذا»**. فإذا كان هناك كلام قليل يريد أن يشرحه قال: «والحاصل» ويبدأ الشرح. أو كان كلامًا كثيرًا يريد أن يختصره يقول: «والمحصَّل» ويلخّص. فهذه عكس هذه.
وكان أي طالب علم يخلط في هذه الأشياء لا يُقبل؛ لأنه قد خرج عن المنهج العلمي.
إذن، فهذا نفهم منه ونستنبط أنهم كانوا يتعاملون بمناهج يمكن أن نتأملها وأن نصيغها.
اختلاف دلالة لقب القاضي والإمام باختلاف العلوم والمذاهب
القاضي قال، الإمام قال، الشيخ [قال]: فهذه تختلف باختلاف العلوم. يقصدون في التفسير القاضي البيضاوي، لكنهم في علم الكلام يقصدون الباقلاني، لكنهم في الشافعية يقصدون القاضي حسين، وهكذا.
الإمام: يقول إذا ذُكر الإمام في الأصول فهو الرازي، على أنه إن ذُكر في الفقه فهو الجويني إمام الحرمين. ولم يخالف في ذلك إلا ابن الحاجب فإنه أطلق الإمام في مختصر الأصول على الجويني فقط، فيجب أن يُنبَّه أنه حصل هنا اختلاف.
لأنه لو لم يُنبِّهوا هكذا لكنا سنحمله على الرازي. وماذا يضيرني في ذلك يعني؟ ما يهم أن يكون رازيًّا أو جوينيًّا؟ فتوثيق المصدر أصبح ملكة عندهم في توثيق المصدر حتى لا يقول من شاء ما شاء الله في دين الله. لا بد علينا أن نكون موثقين وواضحين في هذا المجال.
القواعد والضوابط الفقهية كعنصر مفتاحي من عناصر شفرة التراث
من عناصر الشفرة القواعد والضوابط، وهذه أيضًا من الأمور المفتاحية التي تفتح لنا كثيرًا من الفهم في التراث.
القواعد والضوابط: فالقاعدة والضابط هو أمر كلي يشتمل على أحكام جزئياته غالبًا. وهذه القواعد والضوابط مهمة تشكّل العقل المسلم.
فمثلًا في علم الفقه، قواعد علم الفقه وضوابطه مردودة إلى خمسة:
«خمسٌ محررةٌ قواعدُ مذهبي للشافعي بهِ تكونُ بصيرة: ضررٌ يُزال، وعادةٌ قد حُكِّمت، وكذا المشقةُ تجلبُ التيسير، والشكُّ لا ترفعْ به متيقَّن، وخلوصُ نيةٍ إن أردتَ أجورا».
القواعد الفقهية الخمس الكبرى وتفرعها إلى أكثر من ألف قاعدة
هذه القواعد: الضرر يُزال، العادة محكّمة، الأمور بمقاصدها... نسيت الاثنين الآخرين، نأتي مرة أخرى: باليقين الذي لا يزال بالشك، وهكذا نأتي بهم دائمًا.
فهذه القواعد تفرّعت منها قواعد أخرى إلى أن وصلت إلى المائتين، وتفرّعت من المائتين قواعد إلى أن أصبحت أكثر من ألف قاعدة وضابط وما إلى ذلك، تضبط الفقه كله وتضبط الفتوى وتكوّن العقلية.
وهنا الأهم هي أنها تساعد في الفهم.
النحت الخطي في المخطوطات واختصار الكلمات والرموز عند السلف
من ضمن الشفرة هذه لها عناصر كثيرة، مهمتنا أن نلقي الضوء الآن على أنه لا بد علينا أن نفك هذه الشفرة.
من ضمن هذه الشفرة ما يسمى بالنحت الخطي. وجدنا في المخطوطات «وحا» ويكتب حاءً هكذا، فإنه كذا وكذا. ما هذه الحاء؟ وماذا بعد؟ في النهاية قال: «وحينئذ». من كثرة الكتابة اختصروا كلمة «حينئذ» في الحاء.
وهكذا قال: «سم». ماذا؟ فسألنا بعضنا: ماذا تقصد بـ«سم» يا مولانا؟ فقال: هذا عالم من العلماء. طيب، هل كان اسمه «سم»؟ لا، اسمه ابن القاسم العبادي ورُمز له بحرف السين والميم.
ومن ضمن أدب السلف الصالح في [التعامل مع هذه الرموز أننا إذا] أتينا إليها نطقناها بالنطق الأول، فنقول: قال ابن القاسم، قال زيد، لا، قال الزيادي، قال حج، لا، قال ابن حجر، وهكذا.
التعجب ممن يقرأ التراث دون معرفة أصحاب الأقوال ورموزهم
أتعجب من شخص يمسك الكتاب وهو لا يدري من أين جاءت الأقوال، ولا من الذي قالها، ولا مَن هذا، ولا «سم» هذا مين. حتى طيب، قلها «سم»، طيب، فقط اعرف مَن هو «سم».
الذي لا بد علينا أن نتجرّع هذا السم في هذه القضية [أي أن نصبر على صعوبة فك هذه الرموز].
إمكانية استنباط مناهج السلف من فهم التراث وضرورة تطويرها
إننا نستطيع بفهم التراث أن نلحظ مناهج كثيرة قد توصّل إليها السلف واستقرت عندهم، ولا بد علينا من أن نتابعها، ومن أن ننميها، ومن أن نضيف إليها ما يوافق عصرنا لتحقيق مقاصدهم وغاياتهم.
وأن نضيف إليها مناهج أخرى نستطيع بتلك المناهج أن نصف الواقع وأن نتعامل معه وأن نهيئه لنزول النص عليه، وأن تصبح عندنا ملكات حتى في التعليم لإدراك ذلك النص وكيفية تحويله إلى إجراءات قابلة للتطبيق في الواقع. وهذا هو تطبيق الشريعة في معناه الصحيح.
من مناهج السلف ربط العلم بالعمل وربط المنظومات بالعقيدة
فنلحظ من مناهج السلف ربط العلم بالعمل؛ لم يكن عندهم العلم مجردًا، بل كان العلم مرتبطًا ارتباطًا عضويًّا وأساسيًّا وكجزء من العلم بالعمل.
ربط المنظومات الناتجة من الذهن المفكر بالرؤية الكلية بالعقيدة. هناك انبثاق دائمًا، ولذلك تجدهم في اتجاه واحد ويتطورون دائمًا إلى الأحسن.
ونجد عندهم منهج ربط النقل بالصياغة اللغوية والمنطقية، وهذه تدخلنا في فلسفة اللغة وفي علم السيمانتيك.
صياغة النظريات الفقهية وضرورة الانتقال إلى صناعة النظم
نريد أن ننشئ ونصوغ نظريات تكون متسقة وتهيئنا. وقد فعلنا هذا؛ ففي مجال الفقه، قام علماء الشريعة وعلماء الحقوق في جامعات الدول الإسلامية كلها بمجهود كبير جدًّا في استخراج النظريات في الفقه الإسلامي: نظرية العقد، نظرية الحق، نظرية النيابة، نظرية كذا. وكثرت مثل هذه المجهودات.
نريد أن ننتقل إلى مجهود آخر وهو صناعة النظم؛ لأن النظم لم يُكتب فيها حتى الآن الكتابة التي كُتبت في الأحكام المفصلة أو المفردة وفي النظريات المجمعة.
تطوير تدريس العلوم المنقولة وتطوير المادة المدروسة نفسها
نستطيع بذلك أن نطوّر تدريس العلوم المنقولة بشكلها وبحالها تطويرًا يجعل الطالب أكثر فهمًا للتراث وأسرع في أقصر وقت.
ونريد أيضًا أن نطوّر المادة نفسها المدروسة، وهذه مرحلة أشد صعوبة وتحتاج إلى مجهود أكبر حتى لا نخطئ ولا نرفض، إنما نبني ولا نهدم.
ونريد أيضًا أن نُعلِم المشتغلين بالعلوم الاجتماعية والإنسانية [بهذه المناهج والشفرات].
إرجاء نقطة حجية التراث إلى محاضرة مستقلة والموقف من المخطوطات
أما النقطة الثالثة وهي نقطة حجية التراث فإنني أرجئها إلى محاضرة مستقلة بذاتها.
الموقف الصحيح من مخطوط هذا حاله ويُراد تحقيقه: مخطوط لم يُعلم مؤلفه، ومخطوط منسوب لأحد العلماء وليس لفهارس أعماله، ومخطوط به نقص في أوله أو وسطه أو آخره. وشكرًا.
طبيعة المحاضرة العامة والعقلية الفارقة عند السلف الصالح
لا بد أن نعلم عن طبيعة المحاضرة العامة.
ومن مناهج السلف الصالح أن عقليتهم كانت عقلية فارقة تفرق بين الشيء وسببه، وبين الشيء وثمرته، وبين الشيء وجزئه، وبين الشيء وغيره، وهكذا.
والعقلية الفارقة هي التي تمكننا من التقويم والفهم الصحيح أيضًا، وهذا جزء من الشفرة.
هذه المحاضرة تتحدث عن [التراث] ولا تتحدث في [التراث]، وهناك فارق كبير بين الكلام عن الشيء وبين الكلام في الشيء. فلا نستطيع في ساعة أن نذكر وأن نتحدث في تدوين التراث وفي فهم التراث وفي حجية التراث، إنما نحن نتكلم عن ذلك، فيكفي لنا وضع الأطر.
الانتقال من الكلام عن التراث إلى التطبيق الفعلي يحتاج تدريسًا متخصصًا
هذا سؤال فني نستطيع أن نجيب عنه بتدريس ذلك العلم الذي يبيّن لنا كيف نتعامل مع هذا الشيء. هكذا انتقلنا خطوة أخرى إلى التطبيق الفعلي، والمحاضرة ليس من شأنها ذلك.
هذا الكلام أيضًا يرد على الأستاذ عبد الرحمن فراج، إنما أنه لم يفهم كيف يُفهم التراث من هذه المحاضرة؟ وهذا أمر طبيعي، فلا يمكن أن تفهم الآن وتقوم من هذه المحاضرة وقد فهمت التراث.
الذي تعلمه من هذه المحاضرة أن للتراث شفرة ينبغي أن تُدرك، ثم تجلس سنةً أو سنتين أو عشرة أو عشرين طبقًا لما تريد ولهدفك.
التراث عقبة كؤود لمن يريد الاجتهاد وتجربة الدكتور حسام في طلب العلم
ماذا تريد أن تكون؟ إن كنت من علماء التراث، لا بد لك أن تمكث عشرين سنة. ولا بد لك أن تقع فيما يقول الدكتور حسام في أنه يرى أن التراث عقبة كؤود.
بهذا المعنى نعم، هو عقبة كؤود بهذا المعنى؛ لأنك تتعامل معه من منطلق أنك تريد أن تكون مجتهدًا.
الدكتور حسام طبيب تخرج في الطب القاهرة، وكان ممتازًا في تحصيل الطب، ويعمل بالطب إلى الآن. درس عليَّ أربع سنوات بعد الفجر يأتيني فنصلي الفجر ونقرأ. فقرأ عليَّ أصول الفقه، وقرأ عليَّ المنطق، وقرأ عليَّ النحو، وقرأ عليَّ علم الكلام.
طموح الدكتور حسام للاجتهاد وإدراكه بُعد المسافة بعد سنوات الدراسة
والآن هو مجتهد. سألته: ماذا تريد يا دكتور حسام؟ قال: أريد أن أكون مجتهدًا. قلت له: حسبنا الله ونعم الوكيل! هكذا مباشرة أيها الطبيب تصبح مجتهدًا؟!
فهو يتعامل مع هذا المستوى، هو يريد أن يكون مجتهدًا. بعدما تعلّم وعرف ودخل كلية الشريعة واجتاز المرحلة الأولى بشبه امتياز، فإنه علم أن الاجتهاد بعيد.
هو يقول هذا، شعر أن الاجتهاد بعيد. جلس في المحاضرة وهو يريد أن يسمع جديدًا، فكأنه لم يسمع لأنه قد سمع هذا مني خلال سنوات عشر قضيناها سويًّا.
فقال: أنريد فهم التراث كله؟ يعني نحن هكذا نريد أن نفهم التراث كله؟ نعم، عقبة كؤود صحيح.
الفرق بين طلب الاجتهاد وطلب التدين وواجب التخصص في الأمة
ولا بد علينا أن نحترق وأن نقرأ عشر ساعات يوميًّا لمدة عشرين أو ثلاثين سنة، وهذا لا بأس، هذا علم وهذا تخصص.
أما الذي تدعو إليه فهو التدين وهذا مباح لعموم المسلمين.
قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ [التوبة: 122]
لم يقل كل الناس. فلا بد من أن هناك من سيحترق بالتراث، ولا بد من أن هناك من سيأخذ الثمرة جاهزة.
شكوى طالب أزهري من غياب كتب التراث واستبدالها بمذكرات مليئة بالأخطاء
الأخرى: شيخنا الفاضل، جزاك الله خيرًا. إنني طالب في إحدى كليات الشريعة بالأزهر، ولم أجد كتابًا من كتب التراث العظيمة مقررة في الأزهر، بل هي مجموعة من - أي كما يقول - المذكرات التي بها أخطاء، أو وجدت فيها ألفاظ أو ما شابه.
هذه داهية ومصيبة بدأت في الأزهر مع التطوير. وكان الغرض منها دفع الأساتذة للكتابة ولصياغة التراث بشفرة جديدة مقبولة ترفع عبء الشفرة القديمة التي قد تكون عائقًا في فهم التراث.
دور الشيخ محمد المدني في ربط الترقي بالإنتاج العلمي وشيوع الفوضى لاحقًا
وكان الشيخ محمد محمد المدني عميد كلية الشريعة قد وضع أنه لا يترقى إلى أستاذ مساعد ثم إلى أستاذ إلا من قدّم إنتاجًا علميًّا، فشاعت الكتابات وانتشرت.
ثم بعد ذلك ومع تطور وتدهور الزمان حدث ما حدث وشاعت الفوضى في هذه الكتابات.
اتجاه الإمام الأكبر لعودة الكتب التراثية وقرار كلية الدراسات بإلغاء المذكرات
هناك اتجاه يتبناه فضيلة الإمام الأكبر بعودة الكتب التراثية مرة أخرى إلى الجامعة. وصدر منذ سنتين أو ثلاثة قرار لرئيس الجامعة بأن لا يقل المدرس من كتب التراث عن خمسين في المائة من التدريس، إلا أنه يحتاج إلى مزيد من الجهد لجدية التنفيذ.
ونحن في كلية الدراسات قد اجتمعنا اليوم من أجل هذا وقررنا في مجلس الكلية أن نلغي جميع المذكرات وأن نرجع إلى كتب التراث.
حاجة طلبة العلم لمن يفتح لهم آفاق التواصل مع مناهج السلف والتدريب على الشفرة
السؤال لأحد طلبة العلم الذي كثيرًا ما شُغل بالغموض في كتب التراث أو شيء من هذا القبيل، وهو في أشد الحاجة لمن يفتح له آفاقًا جديدة لكيفية التواصل مع مناهج السلف الصالح.
وهذا يبدو أنه مرتبط أيضًا بالتدريب على الشفرة، يعني تكون هذه المحاضرة كلامًا عن ذلك، ثم لا بد علينا أن ننتقل في خطوة أخرى في الكلام فيه.
ونقترح أن نصنع هذا في رمضان القادم إن شاء الله في دورة تدريبية يقوم بها المعهد لمحاولة إلقاء الضوء على تلك الشفرة، ويكون من مدرسي هذه الدورة الدكتور حسان، فإنه لا بد عليه أن يرد الدين الذي في عنقه من ناحية، ولا بد عليه أن يساهم في هذا من ناحية أخرى. أنا لي عندك كم ساعة، طيب.
استخدام التقنيات الحديثة والحاسوب في تيسير التراث وفهرسة الكتب السبعة
فهناك: إلى أي مدى استخدام التقنيات الحديثة في تيسير التراث وبخاصة الحاسوب؟
هناك مجهودات كبيرة كما أشار الأستاذ عادل عبد الجواد في هذا الشأن، ويكتنفها بعض ما قد ذكره فعلًا من عدم الدقة، ولكن هذه وسائل ولا بد علينا أن نتدرب عليها.
وأنا منذ عشر سنوات وأنا أشرف على إدخال الكتب السبعة في الحاسوب. ما عملنا حزمة أو مجموعة من البرامج التي تمكّن من التدريب والاسترجاع. وعلى مدى عشر سنوات استطعنا أخيرًا أن نفعل شيئًا: ستة عشر فهرسًا للكتب نستطيع بموجبها أن نسترجع أي شيء في أي شيء، وقد جربنا هذه البرامج ونجحت.
تحديات إدخال كتب الحديث المطولة في الحاسوب وضرورة البدء والاستمرار
لكننا لا نعتمد عليها إلا إذا بلغت التقنيات مبلغ الأمان. ستكون جاهزة للتشغيل بين أيدينا.
الآن ما يقرب من ستمائة عنوان لكتب تذكر الأحاديث بالأسانيد. انتهينا في عشر سنوات من إدخال سبعة فقط، سبعة عناوين فقط، وهي سبعة قليلة ليست كثيرة. يعني حتى في كَمّ الأحاديث التي بها لم ننتهِ بعد من مسند الإمام أحمد، ومصنف ابن أبي شيبة، ولم ننتهِ بعد من مصنف عبد الرزاق وسنن البيهقي من المطوّلات.
فالأمر يحتاج إلى زمن طويل، فعلينا أن نبدأ ولا تقل قد ذهبت أربابه، فكل من سار على الدرب وصل.
معنى محورية النص وأنه المنطلق والمرجع والخدمة والسلوك
هناك سؤال عن معنى محورية النص.
محورية النص تعني أن النص هو الدافع للإنسان في عمله، وفي توليد علومه، وفي إنشاء مناهجه، وفي صدور الفن الجميل منه. في مسيطر عليه وحوله.
يريد أن يقوم بالأشياء فيرجع إلى النص، يريد أن يبذل المجهود فيرجع إلى النص، يريد أن ينشئ النظم فيرجع إلى النص.
هذا معنى المحورية: أنه منه المنطلق وإليه الرجوع وله الخدمة وحوله السلوك.
من السلف من قال مع المحبرة إلى المقبرة وقصة الشيخ العزاوي في طلب العلم
وتعليقات سريعة حول ما سمعت من أساتذتنا. الدكتور حمد الغفير، هناك من السلف وهو يقول في قضية تعليم الكبار العبارة المشهورة: «مع المحبرة إلى المقبرة».
وكان هناك أحد مشايخنا وهو الشيخ العزاوي، وكان يدرّس الفقه الشافعي لأساتذتنا الذين أدركناهم وهم كبار. فحكوا عنه أنه كان يدرّس لهم الفقه الشافعي في الأزهر، وفي جيب الجبة (الكاكولا) ما يُسمى بالتغيرة، والتغيرة هي الملزمة يطويها ويضعها من الداخل فتنتفخ الجبة فيظهر فيها شكل الأشياء.
ويقول لهم: يا أصلاء يا أبناء، سأدرّس لكم الفقه الشافعي وسأذهب إلى مسجد محمد بك أبو الذهب حتى أقرأ المنطق على الشيخ أبي حسنين - أبي حسنين الذي هو الشيخ مخلوف رحمة الله عليهما.
فكان أستاذًا كبيرًا يدرّس لأكابر الطلاب في الأزهر ثم يخرج ليدرس على أبي حسنين المنطق.
أهمية الساجد قبل المساجد وقصة طباعة مصحف الملك فؤاد
قالوا: أستاذ محمد مأمون، أريد أن أقول لك أن خبرة تجوالي في العالم قد بيّنت لي أن الساجد قبل المساجد.
وأريد أن أتكلم عن قضية طباعة المصحف. لقد فتحت طباعة المصحف الآفاق للمسلمين. وهذا أيضًا فيه تعليق على الأستاذ عادل؛ لأنه مصحف الملك فؤاد استدعى الشيخ عبد العزيز الرفاعي من تركيا حتى يكتب له المصحف.
فغضب العلماء هنا وقالوا: أليس لدينا خطاطون؟ فنحن أصل الخط كله! فحُرِم الشيخ عبد العزيز الرفاعي من كتابة المصحف، وكتب المصحف الشيخ الحسيني خلف الحسيني الحداد شيخ المقال، وخطه هو الموجود في مصحف فؤاد إلى الآن.
فوز مصحف الملك فؤاد بالجائزة الأولى في معرض ألمانيا لخلوه من الأخطاء
وقامت المطابع الأميرية بطباعته وليس فيه ذرة خطأ. ودخل في معرض ألمانيا وفاز بالجائزة الأولى؛ لأنه لم يوجد كتاب في هذا العصر ليس فيه خطأ بهذا الشكل إلا القرآن، المصحف بطبعة الملك فؤاد.
مصحف الملك فؤاد: عندما بحثنا عن الأصول أو الأمهات الخاصة بالحروف في المطبعة الأميرية وجدناها قد تلفت، فُقدت وذهبت. فأدخلناها على الحاسوب وكبّرنا الحرف حتى عاد مرة أخرى.
فوجدنا أن هناك سبعمائة شكل للحرف الخاص بمصحف فؤاد، وأصبحنا الآن قادرين عن طريق الحاسوب أن نكتب أي نص بخط مصحف [الملك فؤاد].
جهود الدكتور صيام في التصنيف الجديد وتأكيد دور العلماء المسلمين في الفهرسة
والدكتور محمد صيام طبعًا له مجهودات، الدكتور صيام له مجهودات ضخمة في قضية التصنيف الجديد الذي ينبثق من فلسفتنا ورؤانا. ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يتمم له بالخير.
على أنني أريد أن أشير بالضبط إلى هذا، أي أن ليس المستشرقين فقط هم الذين قاموا بالفهرسة. فالذي قام بفهرسة الأزهرية هو الشيخ المراغي المصطفى. يعني الذي قام بفهرسة الخديوية التي أنشأ الخديوية التي هي دار الكتب علي باشا مبارك.
لا، في الحقيقة أننا قد أقام الله فينا من يفعل ومن يقوم ومن يدافع ومن ينقل. فإن اهتم المستشرقون هنا أو هناك فلا بأس، أهلًا وسهلًا بهم، ولكننا لا نريد أن تكون مجهوداتهم كالشمس ومجهوداتنا كالقمر، والواقع العكس.
مشروع المفاهيم وجمع خمسمائة لفظة شُوّه معناها في الثقافة المعاصرة
الدكتور محمد الشحات: فهمت منه أنه يعترض على استعمالنا [لكلمة] تراث. المعهد يقوم بمشروع يُسمى بمشروع المفاهيم، جمعنا فيه خمسمائة لفظة من الألفاظ التي صارت في ثقافتنا كالتراث والدين والحضارة والثقافة والسياسة والحكومة والحرية والقيم.
مثل هذه الألفاظ التي بُدِّل معناها وأُدخِل فيها ما ليس منها. شُوِّهت كلمة العلم مثلًا وأصبحت ترجمة لكلمة «ساينس»، ولم تعد هي الإدراك الجازم المطابق للواقع عن دليل. فانتهى الأمر.
الفارق بيننا وبين الغرب كبير يسدّ الحوار بيننا.
إقرار استعمال كلمة التراث وأصلها عند الشيخ الكوثري وطه حسين
وقد جلست جماعة علمية كبيرة، وفي نهاية المناقشات يبدو أنهم أقرّوا استعمال التراث. نحن نعلم أن فيها خلافًا، لكنه ليس مقطوعًا به، بل هناك توجه إلى استعمالها، وأنه لا بأس أن نستعملها الآن.
والشيخ محمد زاهد الكوثري قبل أن تشيع هذه الكلمة كان يُعبَّر عنها بالفقه الموروث في كتبه، هكذا يقول: فقه الموروث.
كلمة التراث طبعًا نشأت بتأثيرات طه حسين عندما أنشأ سلسلة «تراثنا»، وكانت في البداية تُسمى «من كنوز العرب» وليست من تراثنا ولا غير ذلك، ولكنها نشأت بعد ذلك في هيئة الكتاب على يد طه حسين بتأثيرات إغريقية يونانية.
لكننا نستطيع أن نستعمل بعض هذه الكلمات إذا ما قد احتللناها مرة أخرى وجعلناها على المفهوم الصحيح.
كلامنا اليوم سيصير تراثًا بعد مئة عام والتراث يقبل القبول والرد
وعلى ذلك، فبعد مئة عام سيصير كلامنا هذا تراثًا.
ونحن لم نتكلم في القبول والرد؛ لأنه يمكن أن نرد ويمكن أن نقبل كما ورد في قضية الإسرائيليات.
هذا ملخص ما أردت أن أذكره، وشكرًا لكم، وإلى لقاء قريب إن شاء الله.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما القواعد الفقهية الكبرى الخمس التي يرتكز عليها الفقه الإسلامي؟
الضرر يزال، والعادة محكمة، والأمور بمقاصدها، واليقين لا يزال بالشك، والمشقة تجلب التيسير
إلى كم قاعدة وضابط تفرعت القواعد الفقهية الكبرى الخمس؟
أكثر من ألف قاعدة وضابط
ما أول عناصر شفرة التراث الإسلامي التي لا يُفهم التراث دونها؟
التصور الكلي للكون والوجود والعدم
ما الفرق بين العالم والمثقف في التراث الإسلامي؟
العالم يمتلك منهجًا ونسقًا مترابطًا، والمثقف يمتلك معلومات مفردة بلا ربط
ما الذي ابتكره ابن مقلة في الخط العربي؟
المسدس الدائري الذي رسم فيه الألف واستطاع بميزانه رسم جميع الحروف
كم علمًا أُنشئ للإجابة عن سؤال توثيق المصدر في التراث الإسلامي؟
ما يقرب من عشرين علمًا
لماذا ترك البخاري راويًا وجده يمسك عشبًا ليجذب بهيمته؟
لأنه أوهم البهيمة بالطعام ثم حرمها منه فعدّه كاذبًا
ما الوجادة في طرق تحمل العلم؟
أن يجد الإنسان كتابًا فيقرأه دون قراءة على عالم
ما الفرق بين مصطلح الحاصل والمحصَّل في كتب التراث؟
الحاصل لشرح كلام قليل، والمحصَّل لتلخيص كلام كثير
ما الكتاب الذي أورد فيه ابن الجزري ما يقرب من ألف طريق للقرآن؟
النشر في القراءات العشر
ما تقسيم الوجود عند علماء التراث الإسلامي؟
ما له حيّز يسمى الجوهر، وما ليس له حيّز يسمى العرض
ما الكتاب الذي ألّفه الشوكاني في أسانيد الكتب لا أسانيد الأحاديث؟
إتحاف الأكابر بأسانيد الدفاتر
ما الذي يقصده العلماء بلقب الإمام في كتب أصول الفقه؟
الرازي
لماذا تأخرت طباعة المصحف في المطبعة الأميرية اثنين وثلاثين عامًا؟
بسبب اعتراض المشايخ لخشية الأخطاء الفادحة وادعاء أن الأسطوانة من جلد الخنزير
ما المقولات العشر في الفلسفة الإسلامية كما وردت في المنظومة؟
الجوهر، الكم، الكيف، النسبة، المكان، الزمان، الوضع، الملك، الفعل، الانفعال
ما المحور الذي جعله المسلمون أساس حضارتهم وعلومهم؟
جعل المسلمون النص القرآني والسنة النبوية محورًا لحضارتهم، فجعلوه معيارًا للتقويم ومنطلقًا للخدمة ومرجعًا يرجعون إليه، وولّدوا من أجله علومًا كالفقه والأصول والنحو والبلاغة والخط.
ما الفرق بين الظن والشك والوهم في تقسيم الإدراك عند السلف؟
الظن هو الإدراك الراجح غير اليقيني، والشك هو الإدراك المتساوي بين الاحتمالين، والوهم هو الإدراك المرجوح. أما اليقين المطابق للواقع الثابت عن دليل فهو العلم.
ما علم الأثبات والمسانيد وما الفرق بينه وبين علم الحديث؟
علم الأثبات والمسانيد هو علم يُثبت السند إلى المؤلف لا إلى رسول الله، فيُتحقق من أن الكتاب منسوب نسبة صحيحة إلى مؤلفه بالسند المتصل. أما علم الحديث فيُثبت السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ما المبادئ العشرة التي لا بد من معرفتها قبل دراسة أي علم؟
المبادئ العشرة هي: الحد، والموضوع، والواضع، والنسبة، والمستمد منه، والفضل، والحكم، والاسم، والفائدة، والمسائل. وكان طلاب الأزهر يحفظونها بمنظومة شعرية.
ما الفرق بين تأمل وفتأمل في مصطلحات التراث؟
تأمل تدل على أن الكلام السابق فيه دقة وتفصيل، أما فتأمل فتدل على دقة وتفصيل زائدة. والتزم العلماء بهذا الفرق فهمًا وكتابةً، ومن خلط بينهما خرج عن المنهج العلمي.
ما الفرق بين وبالجملة وفي الجملة في كتب التراث؟
وبالجملة تتعلق بالكليات، أما في الجملة فتتعلق بالجزئيات. والتزم العلماء بهذا الفرق كتابةً وفهمًا، وكان أي طالب يخلط بينهما لا يُقبل.
ما نظرية العمل في النحو العربي؟
نظرية العمل في النحو هي أن بعض المواد مُشعّة تؤثر في غيرها، كأشعة تخرج منها وتذهب لتؤثر فيما يشغل المحل الآخر، وهي من النظريات الحاكمة لعلم النحو.
ما الذي يقصده العلماء بلقب القاضي في كتب التفسير وكتب علم الكلام؟
في التفسير يقصدون بالقاضي القاضي البيضاوي، وفي علم الكلام يقصدون الباقلاني، وفي الشافعية يقصدون القاضي حسين. وهذا التدقيق جزء من منهج توثيق المصدر.
ما الكتاب الذي ألّفه طنطاوي جوهري لإلقاء الضوء على التصورات الكلية في التراث؟
ألّف الشيخ طنطاوي جوهري كتاب بهجة العلوم محاولًا إلقاء الضوء على التصورات الكلية التي كانت في أذهان السلف الصالح والتي تُعدّ أول عناصر شفرة التراث.
ما الذي يقصده العلماء بالنحت الخطي في المخطوطات؟
النحت الخطي هو اختصار الكلمات والأسماء في المخطوطات برموز، كاختصار حينئذ في حرف الحاء، واختصار اسم ابن القاسم العبادي في حرفي السين والميم. ومن الأدب نطق هذه الرموز بالاسم الكامل.
ما الذي يميز الخط العربي عن سائر خطوط العالم وفق ما ذكره ابن مقلة؟
الخط العربي هو الخط الوحيد على وجه الأرض الذي تتضمن نسبته نسبة طبيعية كنسبة الدائرة 22/7، وقال أبو حيان إن الله أوحى تسديس الخط لابن مقلة كما أوحى للنحل بتسديس بيوتها.
ما الفرق بين الرفض الوجداني والقبول الوجداني للتراث؟
الرفض الوجداني هو رفض التراث دون فهمه أصلًا، والقبول الوجداني هو قبوله دون فهم ما فيه. كلاهما خطأ، والقابل خير من الرافض لانتمائه لسلفه، لكن لا بد من الفهم الحقيقي.
ما الذي يقصده العلماء بمصطلح السماعات على النسخ؟
السماعات هي إثبات على النسخة بأن فلانًا سمع هذا الكتاب من الشيخ الفلاني بتاريخ كذا في المكان الفلاني، فيُحدَّد الشخص والزمان والمكان لكشف التلاعب والتحريف.
ما الكتاب الذي ألّفه عبد القادر بن بدران لإلقاء الضوء على شفرة التراث؟
ألّف عبد القادر بن بدران كتابًا سمّاه المدخل يحاول فيه إلقاء الضوء على جانب من الشفرة التي كُتب بها التراث، وتشمل التصورات الكلية عن الوجود والمعرفة.
ما الذي يقصده العلماء بمحورية النص في الحضارة الإسلامية؟
محورية النص تعني أن النص هو المنطلق وإليه الرجوع وله الخدمة وحوله السلوك، وهو الدافع للإنسان في عمله وتوليد علومه وإنشاء مناهجه وصدور الفن الجميل منه.
ما الذي يقصده العلماء بمصطلح الوجادة وما مكانتها بين طرق التحمل؟
الوجادة هي أن يجد الإنسان كتابًا فيقرأه دون قراءة على عالم، وهي أدنى طرق تحمل العلم الثمانية، وهي ما يفعله معظم الناس اليوم مع ما يفوتهم من نقل الملكات والمناهج.
ما الذي يقصده العلماء بمصطلح تكشيف التراث كما فعله أحمد تيمور؟
تكشيف التراث هو قراءة كتب التراث وأخذ الفوائد والشوارد والقواعد ووضعها في نظام خاص يُمكّن من الاسترجاع، وهو ما فعله أحمد باشا تيمور في التذكرة التيمورية والموسوعة التيمورية.
ما الذي يقصده العلماء بمصطلح العقلية الفارقة في مناهج السلف؟
العقلية الفارقة هي العقلية التي تفرق بين الشيء وسببه، وبين الشيء وثمرته، وبين الشيء وجزئه، وبين الشيء وغيره. وهي التي تُمكّن من التقويم والفهم الصحيح وهي جزء من شفرة التراث.
ما الذي يقصده العلماء بمصطلح تطبيق الشريعة في معناه الصحيح؟
تطبيق الشريعة في معناه الصحيح هو امتلاك ملكات تُمكّن من إدراك النص وتحويله إلى إجراءات قابلة للتطبيق في الواقع، وذلك بفهم مناهج السلف وتطويرها وإضافة ما يوافق العصر.
ما الذي يقصده العلماء بمصطلح مشروع المفاهيم وما هدفه؟
مشروع المفاهيم جمع خمسمائة لفظة من الألفاظ التي شُوِّه معناها في الثقافة المعاصرة كالتراث والدين والحضارة والعلم، بهدف إعادتها إلى مفهومها الصحيح وسدّ الفجوة مع الغرب.
