ما هي التصورات الكلية التي حكمت كتّاب التراث الإسلامي وكيف تؤثر في فهم الجوهر والعرض ومراتب الوجود؟
التصورات الكلية هي المنظومة الفكرية التي انطلق منها علماء التراث الإسلامي في تصورهم للوجود، وتشمل الأحكام العقلية الثلاثة: الواجب والممكن والمستحيل، وتقسيم الموجود إلى جوهر وعرض، ومراتب الوجود الأربع: الأعيان والأذهان واللسان والبنان. فهم هذه التصورات ضروري لقراءة النصوص التراثية بعمق، إذ بدونها يقع القارئ في اضطراب في فهم المصطلحات والعبارات الفقهية والكلامية.
- •
هل يمكن فهم النصوص الفقهية والكلامية دون معرفة التصورات الكلية التي بنى عليها العلماء كتاباتهم؟
- •
التصور الإسلامي للوجود يقوم على ثلاثة أحكام عقلية: الواجب الذي لا يُتصور عدمه، والمستحيل الذي لا يُتصور وجوده، والممكن الذي يقبل الوجود والعدم.
- •
الموجود ينقسم إلى جوهر متحيز في الفضاء وعرض غير متحيز، وللعرض سبعة أحكام تشمل الزيادة على الجوهر وعدم البقاء زمنين وعدم الانتقال بين المحال.
- •
الأشاعرة يرون أن الأعراض تتجدد خلقاً مستمراً، وأن الله يمد الكون بالوجود لحظة بلحظة، وهذا التصور يُعمّق معنى قول لا حول ولا قوة إلا بالله.
- •
مراتب الوجود الأربع: الأعيان والأذهان واللسان والبنان، وهي أساس التفريق بين الكلي والجزئي وبين الدال والمدلول في علوم اللغة والفقه.
- •
التصورات الكلية نشأت في القرنين الأول والثاني الهجريين استجابةً للأسئلة الفلسفية، وشاعت في التدوين حتى أصبحت مسلمات بدهية، ثم انقطع عنها كثير من الناس بسبب ازدواجية التعليم الحديث.
- 0:00
مقدمة تعريفية بالتصورات الكلية التي حكمت كتّاب التراث الإسلامي، وبيان أنها تبدأ من تصور قضية الوجود.
- 0:55
التصور الإسلامي للوجود يقوم على الخلق والفناء والحساب يوم القيامة، وهو ما يميز الفكر الإسلامي عن سواه.
- 2:04
الفلسفات الغربية تتجاهل الجانب الإيماني الذي شكّل البنية الفكرية لكتّاب التراث الإسلامي في تصورهم للوجود.
- 3:10
الفارق بين المخلوق والخالق أساس في التصور الإسلامي، وصفات الله خارجة عن التقسيم الذي يجري على المخلوق فقط.
- 4:30
تقسيم الوجود إلى واجب وممكن ومستحيل، حيث الله واجب الوجود والمخلوق ممكن يقبل الوجود والعدم.
- 5:54
قضايا الوجود تدور بين الوجوب والإمكان، وقضايا العدم بين الاستحالة والإمكان، والمخلوق الممكن يقبل الأمرين.
- 6:25
الأحكام العقلية الثلاثة عند المتكلمين: الواجب والممكن والمستحيل، يدركها العقل بنفسه دون حاجة إلى دليل خارجي.
- 7:09
تقسيم الوجود إلى متحيز له حيز في الفضاء وغير متحيز لا يشغل مكاناً، وهو أساس التفريق بين الجوهر والعرض.
- 7:48
المتحيز البسيط يُسمى الجوهر أو الجزء الذي لا يتجزأ، والمركب من جواهر متعددة يُسمى جسماً.
- 8:59
نفي الجسمية والجوهرية والعرضية عن الله مبني على التصور الكلي للوجود، إذ الله خارج عن تقسيم المخلوقات.
- 10:02
الجوهر له حيز في الفضاء، والعرض لا حيز له كالأفعال والصفات كالذكاء والجمال والفقر.
- 11:17
العرض يحتاج إلى جسم يحل فيه ولا يقوم بذاته، والكيفيات والألوان والحالات كلها أعراض تظهر من خلال محلها.
- 12:08
النسبة بين الأشياء عرض غير متحيز يحتاج إلى أطراف متعددة حتى يتحقق في الوجود، كالأمامية والخلفية.
- 13:08
الأمور النسبية كالأمامية والخلفية أعراض نسبية تنشأ من مقابلة الأشياء، وغير المتحيز تسعة أقسام بالاستقراء.
- 13:45
المقولات العشر تصف جميع الموجودات تحديداً تاماً، وتشمل الجوهر والكم والكيف والنسبة والزمان والمكان والوضع والملك والفعل والانفعال.
- 14:57
تحديد الشيء تحديداً تاماً يكون بتحديد المقولات العشر كلها، وعند اتحادها لا يمكن تكرار الشيء عقلاً.
- 15:56
اتحاد المقولات العشر يجعل تكرار الشيء مستحيلاً عقلاً، فلا يمكن وجود شيء في مكانين في نفس الزمن.
- 16:49
قاعدة إذا انفكت الجهة فلا تعارض تعني أن انفكاك إحدى المقولات العشر يرفع التعارض الظاهر بين الأوصاف.
- 17:31
بيت شعري يجمع المقولات العشر: زيد الطويل الأزرق ابن مالك في بيته بالأمس كان متكئاً بيده غصن لواه فالتوى.
- 18:57
التصور الأساسي للوجود بين الجوهر والعرض أثّر في الفقه، لا سيما في التفرقة بين الأعيان والمنافع وتعريف المال.
- 20:11
أحكام العرض تشمل مسألة بقائه زمنين وقيامه بمحلين، وهي مسائل دقيقة تؤثر في تصور الخلق المستمر.
- 20:49
الأشاعرة يرون أن الأعراض تتجدد خلقاً مستمراً ولا تبقى زمنين، وأن الخلق الإلهي مستمر لحظة بلحظة.
- 21:41
تشبيه العالم بشريط السينما يعكس تصور الخلق المتجدد المستمر، وهذا التصور يؤثر عميقاً في النفس البشرية وسلوكها.
- 22:44
تصور الحاجة الدائمة إلى الله المبني على تجدد الأعراض يجعل قول لا حول ولا قوة إلا بالله ذا معنى يقيني عميق.
- 24:02
الجوهر لا يخلو عن العرض لأن التحيز نفسه عرض، والعرض لا يخلو عن جوهر لأنه يحتاج إلى محل يقوم به.
- 24:57
هدف الدورة فهم التصورات الكلية لفك شفرة التراث، لا تقويمه أو الاعتراض عليه قبل الفهم.
- 25:43
الخطوة الأولى في قراءة التراث هي فهم تصور أهله للكون والوجود، ثم القراءة، ثم النقد أو الموافقة.
- 26:08
المستحيل والواجب كل منهما ذو وجه واحد، أما الممكن فله وجهان: الوجود والعدم، وهو جوهر مفهوم الإمكان.
- 27:21
أول أحكام العرض أنه زائد على الجوهر وليس عينه، أي أن العرض شيء مستقل يضاف إلى الجوهر.
- 28:53
زيادة العرض على الجوهر توظَّف في إثبات وجود الله، إذ يتصور المتكلمون الجوهر والعرض شيئين مستقلين.
- 29:26
العرض لا يقوم بنفسه في الوجود بل يحتاج إلى محل يوصف به، كالفقر والجمال والكفر والإيمان.
- 30:02
العرض لا ينتقل من جوهر إلى جوهر ولا يبقى زمنين ولا يقوم بمحلين، وعند انتهائه تنشأ حالة جديدة.
- 30:55
السكون عرض مخلوق متجدد لا يبقى، وهذا التصور يُثير إشكالاً في السببية لكنه يعكس تصور الخلق المستمر.
- 31:53
الأحكام السبعة للعرض تشمل الزيادة والقيام والانتقال والانفكاك والكمون وإعدامه وإنشاء غيره، وكلها تصف طبيعة الأعراض.
- 32:48
كل حادث له بداية، لكن الخلق يمتد في المستقبل إلى ما لا نهاية، فالله قادر على الخلق المستمر إلى غير حد.
- 33:52
اللاتناهي جائز في المستقبل لأن أحداثه مقدرة، لكنه مستحيل في الماضي لأن أحداثه محققة موجودة ولا بد أن تكون محصورة.
- 34:51
الموجودات محصورة ومعدودة، لذا يستحيل وجود ما لا يتناهى في الماضي، بخلاف المستقبل الذي أحداثه غير موجودة بعد.
- 35:40
ملخص التصورات الكلية: الأحكام العقلية الثلاثة، وتقسيم الموجود إلى جوهر متحيز وعرض غير متحيز بتسعة أنواع وسبعة أحكام.
- 36:29
نظرية الوجود إحدى النظريات الكبرى الضابطة التي تؤثر في كل العلوم الإسلامية ترتباً وتولداً.
- 36:54
تصور القوة والفعل يُمثَّل له بالسكين: هي قاطعة بالقوة حين تكون في الدرج، وقاطعة بالفعل حين تقوم بالقطع.
- 38:09
القاطع بالفعل يقوم بالقطع الآن، والقاطع بالقوة من شأنه القطع لكنه لا يقطع في هذه اللحظة.
- 39:08
الفارق بين ما هو بالفعل وما هو بالقوة ضروري لفهم التراث، إذ استعمله المتكلمون والفقهاء والنحويون جميعاً.
- 40:01
مراتب الوجود الأربع: الأعيان والأذهان واللسان والبنان، وهي من التصورات الكلية الأساسية في التراث الإسلامي.
- 40:52
الخارج مصطلح تراثي يعني الوجود في الأعيان خارج الذهن، في مقابل الوجود الداخلي الذهني.
- 41:44
جهل معنى مصطلح الخارج يُوقع في اضطراب في فهم التراث، وهو ببساطة ما هو خارج عن الذهن في مقابل الوجود الذهني.
- 42:25
وجود اللسان مرتبة ثالثة في الوجود، وهو الألفاظ التي تنقل الصور الذهنية وتدل على الموجودات في الخارج.
- 43:41
اللغة تُغني عن إحضار الأشياء بنقل صورها الذهنية عبر الألفاظ، وهذه هي مهمة وجود اللسان في مراتب الوجود.
- 44:45
الدال هو اللفظ والمدلول هو الشيء في الخارج، والتفريق بينهما من التصورات الكلية الأساسية في التراث الإسلامي.
- 45:38
الخط واللفظ كلاهما دال على المدلول، وجهل الدال يُوقع في حجاب يحول دون الوصول إلى المدلول.
- 46:17
أبحاث العلماء في علاقة اللفظ بالذهن والخارج ووضع اللغات تنضبط بفهم التفريق بين الدال والمدلول ومراتب الوجود.
- 47:11
مراتب الوجود الأربع تتعدد عباراتها في التراث: الخارج للأعيان، والداخل للأذهان، واللفظ للسان، والخط للبنان.
- 47:50
الصياغة البلاغية لمراتب الوجود أعيان أذهان لسان بنان لمسة جمالية، لكن الأهم تجاوز الألفاظ إلى المعاني.
- 48:40
التصورات الكلية الأربع: الموجود والمعدوم، والجوهر والعرض، والقوة والفعل، والأعيان والأذهان، تُطبَّق على النصوص الفقهية.
- 49:41
لفظ البيع يجمع مراتب الوجود: هو لفظ على اللسان أو خط في البنان، ويشير إلى حدث في الأعيان وماهية في الأذهان.
- 50:57
الماهية والحقيقة والمفهوم ألفاظ لما في الذهن، والهوية والمصداق لما في الأعيان، وهذا التمييز أساس في فهم التراث.
- 51:57
مصطلح الهوية مشتق من هو، أي هو في الذهن هو في الخارج، وهذا الاشتقاق نفسه يعكس التصور الكلي للعلاقة بينهما.
- 52:28
الماهية في الذهن واحدة وإن تعددت أفرادها في الخارج، فالبيع واحد في الذهن لكنه بيوع متعددة في الواقع.
- 53:25
الكلي أمر ذهني لا وجود له في الخارج، وهو ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه كمفهوم الإنسان.
- 54:22
القدر المشترك بين الأفراد هو الكلي الذهني، وبإضافة التشخيص إليه يصبح جزئياً موجوداً في الخارج.
- 55:12
الإنسان الكلي لا وجود له في الخارج، والموجود هو الأفراد المشخصون بعد إضافة ما يميز كل فرد عن غيره.
- 55:46
الإنسان كلي تقع الشركة في تصوره، وإبراهيم عليه السلام جزئي مشخص لا تقع الشركة فيه.
- 56:26
معرفة التصورات الكلية تُعمّق فهم التراث بصورة كبيرة، وجهلها يجعل القراءة أقل فهماً وأقل قدرة على النقد البناء.
- 57:12
الاعتبار الذهني يؤثر في تعريف البيع والشراء، إذ يمكن إطلاق اسم البائع على المشتري من جهة ذهنية معينة.
- 58:18
الذهن يستطيع تفريق ما وحّده الخارج وتوحيد ما فرّقه، وهذا أساس كثير من التعريفات الفقهية.
- 58:59
المسلم والمؤمن مختلفان في المفهوم الذهني لكنهما متحدان في الخارج، وهذا مثال على قاعدة واحد بالذات مختلف بالاعتبار.
- 60:04
واحد بالذات مختلف بالاعتبار تعني اتحاد الشيء في الخارج مع اختلاف النظر إليه ذهنياً، كالبائع والمشتري في عقد البيع.
- 60:53
التعبير بالتمليك والتملك في تعريف البيع مبني على التصور الذهني، والبيع بمعنى العقد هو مقابلة شيء بشيء معاوضةً.
- 61:30
التصورات الكلية المذكورة مؤشر لا حصر شامل، وهي العنصر الأول الذي ينبغي الاهتمام به لفهم التراث الإسلامي.
- 62:32
ملخص التصورات الكلية: الوجود والعدم، والأحكام العقلية، والجوهر والعرض، ومراتب الوجود، والقوة والفعل.
- 63:31
التصورات الكلية موجودة في مقدمات علم الكلام، وأبرز مصادرها الأربعين للغزالي والرازي وشرح المقاصد للتفتازاني.
- 64:14
الكتب المرجعية للتصورات الكلية: المواقف للإيجي، وشرح المقاصد للتفتازاني، والأربعين للغزالي والرازي، والمباحث المشرقية.
- 65:04
التصورات الكلية كانت مسلمات بدهية شائعة في الجو العلمي، يصدق بها الجميع ويتعاملون معها كوصف للواقع.
- 65:44
استيعاب التصورات الكلية يكون من مقدمات علم الكلام والقراءة الواسعة، وهي تختلف عن النظريات الحاكمة بعموميتها.
- 66:21
تصور الحاجة الدائمة إلى الله يجعل الإنسان أقرب إلى التوبة، إذ يشعر دائماً بأنه مرتبط بالله في كل لحظة.
- 67:37
علماء الكلام متفقون على الخلق المتجدد، وحتى ابن السبكي الذي قال ببقاء العرض زمنين يُقر بأن الخلق متجدد.
- 68:24
الخلق المتجدد إمداد إلهي دائم يختلف عن مبدأ الصيرورة، فهو يعني أن الوجود مستمر بإمداد الله لا بذاتية الأشياء.
- 69:00
دعاء لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين مبني على تصور الخلق المتجدد، إذ انقطاع الإمداد الإلهي يعني الفناء الفوري.
- 69:45
مقولة لا يستحم في نهر مرتين تعبّر عن التجدد من جانب المخلوقية، بينما الخلق المتجدد هو الإمداد الإلهي من جانب الخالقية.
- 70:22
يمكن تصور بداية للخلق مع لا نهاية في المستقبل، لكن يستحيل تصور عدم البداية في الماضي لأن الموجودات محصورة.
- 71:19
العقيدة تقتضي أن للكون بداية ونهاية، والدليل الرياضي والمنطقي يُثبت أن الكون لا بد أن له بداية.
- 72:15
ابن تيمية وقع في إشكال تسلسل الحوادث في الماضي إلى ما لا نهاية، وهو ما عدّه العلماء من أخطائه.
- 73:01
الفرق بين المحقق الماضوي والمقدر المستقبلي يُثبت استحالة اللاتناهي في الماضي، لأن الموجودات محصورة ومعدودة.
- 73:47
العلماء عدّوا قول ابن تيمية بتسلسل الحوادث في الماضي من أخطائه، ويُرجَّح أنه كان سيرجع عنه لو امتدت به الحياة.
- 74:15
الله خالق بالقوة لا بالفعل صلوحياً لا تنجيزياً، وهذا يمنع القول بقِدَم العالم الذي لا يقول به المسلمون.
- 75:09
تثبيت التصورات الكلية يكون بجعلها حاضرة في الذهن أثناء القراءة، وهي شرط لفهم الكتب التراثية فهماً صحيحاً.
- 75:46
التصورات الكلية لم تنتهِ لكن العارفين بها أصبحوا قلة، والحل إعادة نشرها لتأهيل الناس لفهم التراث.
- 76:40
التصورات الكلية نشأت في القرنين الأول والثاني الهجريين استجابةً للأسئلة الفلسفية التي أثارها غير المسلمين وفلسفة اليونان.
- 77:43
قضية خلق القرآن كانت محطة فارقة في تأسيس التصورات الكلية، وفيها ضُرب الإمام أحمد بن حنبل على رفضه المصطلحات الجديدة.
- 78:29
الإمام أحمد بعد المحنة قال إن كلام الله صفته غير مخلوقة، والسمع مخلوق والمسموع غير مخلوق، ولفظه بالقرآن مخلوق.
- 79:20
الإمام أحمد رجع عن عبارة لفظي بالقرآن مخلوق لأنها أُسيء فهمها، وعدّ من قالها كافراً لأن صفة الله لا تكون مخلوقة.
- 79:58
العلوم الإسلامية تأسست في القرنين الثاني والثالث الهجريين على يد الأشعري والماتريدي والشافعي والخليل، ثم شاعت التصورات الكلية.
- 80:30
ازدواجية التعليم التي أسسها محمد علي باشا أدت إلى انفصال الناس عن التراث الإسلامي وضياع التصورات الكلية إلا عند قلة.
- 81:25
تقويم التراث بتصورات معاصرة قبل فهمه يُنتج ارتباكاً، لأن الفهم شرط لازم قبل أي حكم أو تقويم.
- 82:09
المنهج الصحيح: فهم التراث أولاً بحل شفرته، ثم الحكم عليه بالقبول أو الرفض، ولا يصح العكس.
- 82:37
تقويم التراث بأدوات خارج الدورة مقبول بعد الفهم، أما الحكم عليه بغير أدوات الفهم المناسبة فغير مقبول.
ما المقصود بالتصورات الكلية التي حكمت كتّاب التراث الإسلامي؟
التصورات الكلية هي المنظومة الفكرية الشاملة التي انطلق منها علماء التراث الإسلامي في كتاباتهم. تبدأ هذه التصورات من تصورهم لقضية الوجود، وهي الأساس الذي يُبنى عليه فهم سائر العلوم الإسلامية.
كيف يتصور الإسلام قضية الوجود وما الذي يميزه عن غيره من الأفكار؟
الإسلام يُقر بأن الإنسان والكون والحياة مخلوقة لخالق، وأن هذه الحياة إلى فناء وستقوم الساعة، ثم يكون يوم القيامة بحسابه وعقابه وثوابه. يفترق الفكر الإسلامي عن غيره بهذا الإقرار المبدئي بأن الإنسان مخلوق مردود إلى الله للحساب.
كيف تتعامل الفلسفات الغربية مع الجانب الإيماني الذي شكّل البنية الفكرية للتراث الإسلامي؟
الفلسفات الغربية تُنحّي الجانب الإيماني المتعلق بالخلق والحساب والفناء، وهو الجانب الذي كان يمثل البنية الفكرية والأفق الذهني لكتّاب التراث الإسلامي. غياب هذا الجانب يجعل فهم التراث الإسلامي من منظور غربي قاصراً.
ما الفارق بين المخلوق والخالق في التصور الإسلامي وكيف يؤثر في تقسيم الوجود؟
المسلمون آمنوا بفارق جوهري بين المخلوق والخالق، فالرب رب والعبد عبد. صفات الخالق خارجة عن التقسيم، أما التقسيم فيجري على الحادث المخلوق سواء كان مرئياً أو غير مرئي، محسوساً أو غير محسوس.
ما معنى الواجب والممكن والمستحيل في تقسيم الوجود عند علماء التراث؟
الممكن هو ما يقبل الوجود والعدم، والله واجب الوجود لا يُتصور عدمه، والمستحيل معدوم لا يمكن وجوده أصلاً. الموجودون الآن ممكنون، ومن سيُخلق غداً معدوم الآن لكنه قابل للوجود، وهناك ما لا يمكن وجوده أبداً وهو المستحيل.
كيف تدور قضايا الوجود والعدم بين الوجوب والإمكان والاستحالة؟
قضايا الوجود دائرة بين الوجوب والإمكان، وقضايا العدم دائرة بين الاستحالة والإمكان. المستحيل معدوم في ذاته لا يمكن أن يوجد، والواجب موجود في ذاته لا يمكن أن يعدم، والمخلوق الممكن يمكن أن يوجد ويمكن ألا يوجد.
ما الأحكام العقلية الثلاثة عند المتكلمين وكيف يدركها العقل؟
الأحكام العقلية الثلاثة هي الواجب والممكن والمستحيل. العقل يدرك في نفسه أن هناك واجباً لا يتصور عدمه، ومستحيلاً لا يتصور وجوده، وممكناً هو ما بين الوجود والعدم. سمّاها المتكلمون الأحكام العقلية لأن العقل يدركها بذاته.
ما معنى المتحيز وغير المتحيز في تقسيم الوجود عند علماء التراث؟
الوجود ينقسم إلى متحيز وغير متحيز. المتحيز هو ما له حيز في الفضاء أي يشغل مكاناً في الفراغ، وغير المتحيز هو ما ليس له حيز في الفضاء أو الفراغ.
ما الفرق بين الجوهر والجسم في تقسيم المتحيز عند المتكلمين؟
المتحيز إما بسيط وإما مركب. المتحيز البسيط كالخلية الأولى يُسمى الجوهر أو الجزء الذي لا يتجزأ. أما المركب من جوهرين أو أكثر فيُسمى جسماً، وقد يكون سطحاً أو له عمق وطول وعرض فيُسمى الجسم الطبيعي.
لماذا يقول علماء الكلام إن الله ليس جسماً ولا جوهراً ولا عرضاً وما علاقة ذلك بالتصور الكلي؟
لأن خريطة الوجود عند المتكلمين تقسم الموجود إلى جوهر وجسم وعرض، وهذه كلها مخلوقات. والله خارج عن هذا التقسيم لأن الرب رب والعبد عبد وهناك فارق بين المخلوق والخالق. من يقرأ عبارة الله ليس جسماً ولا جوهراً ولا عرضاً دون معرفة هذا التصور الكلي لا يدركها بعمقها المناسب.
ما الفرق بين الجوهر والعرض وما أمثلة الأعراض في الواقع؟
الجوهر له حيز في الفضاء كالجسم، أما العرض فهو ما لا حيز له كالأفعال الصادرة من البشر. الفعل والانفعال لا تحيز لهما، وكذلك الصفات كالذكاء والغباء والفقر والغنى والجمال والقبح، كل هذه أعراض لا تحيز لها.
لماذا يحتاج العرض إلى جسم يحل فيه وما أمثلة الأعراض من الكيفيات والألوان؟
العرض لا يقوم بذاته بل يحتاج إلى جسم يحل فيه حتى يظهر، في حين أن الجوهر يقوم بذاته. الكيفيات من الأعراض، والألوان من الأعراض، والحالات من الأعراض؛ فالوقوف مثلاً حالة كيف من الكيفيات لا تؤثر في الجسم طولاً ولا عرضاً ولا وزناً.
كيف تكون النسبة بين الأشياء عرضاً غير متحيز وما الذي تحتاجه حتى توجد؟
النسبة بين الأشياء موجودة ولها حقائق لكنها غير متحيزة، بل تحتاج إلى أطراف متعددة حتى تتم في الوجود. فالأمامية والخلفية لا وجود لها بذاتها بل تنشأ من وجود شيء وشيء آخر ومقابلة بينهما، فهي عرض يحتاج إلى غيره.
كم قسماً لغير المتحيز وما طبيعة الأمور النسبية في الوجود؟
الأمور النسبية كالأمام والخلف واليمين واليسار أمور نسبية منسوبة إلى شيء آخر، تنشأ من مقابلة الأشياء على جهة مخصوصة. وغير المتحيز بالاستقراء تسعة أقسام.
ما هي المقولات العشر وكيف تصف جميع الموجودات؟
المقولات العشر هي: الجوهر، والكم، والكيف، والنسبة، والزمان، والمكان، والوضع، والملك، والفعل، والانفعال. سُميت مقولات لأننا نقولها ونصف بها كل الموجودات، إذ لا يخرج الموجود عنها، وبتحديدها يتم التحديد التام للشيء.
كيف يتم تحديد الشيء تحديداً تاماً من خلال المقولات العشر؟
يتم التحديد التام للشيء بتحديد ذاته وكيفه وكمه ونسبته إلى غيره ومكانه وزمانه ووضعه وملكه وفعله وانفعاله. فإذا حُددت هذه العشرة لشيء ما تحدد تماماً ولا يمكن تكراره عقلاً إذا اتحدت تلك العشرة.
لماذا يستحيل تكرار الشيء عقلاً إذا اتحدت مقولاته العشر؟
لأن كل شيء محدد بذاته ومكانه وزمانه ووضعه ونسبته وفعله وانفعاله، فإذا اتحدت هذه العشرة لا يمكن وجود الشيء في مكانين في نفس الوقت. فلا يمكن مثلاً وجود شخص هنا وفي مكان آخر في نفس الزمن مع بقاء المقولات العشر متحدة.
ما معنى قاعدة إذا انفكت الجهة فلا تعارض وكيف تُطبَّق في التراث؟
الجهة تعني واحدة من المقولات العشر، فإذا انفكت إحداها زال التعارض. فيمكن أن يكون شخص في مكانين مختلفين إذا انفك الزمان، أو في وضعين مختلفين إذا انفك الجوهر. هذه العبارة يستعملها كثير من العلماء في التراث.
ما البيت الشعري الذي يجمع المقولات العشر ويسهل حفظها؟
البيت هو: زيد الطويل الأزرق ابن مالك في بيته بالأمس كان متكئاً بيده غصن لواه فالتوى. زيد يشير إلى الجوهر، الطويل إلى الكم، الأزرق إلى الكيف، ابن مالك إلى النسبة، في بيته إلى المكان، بالأمس إلى الزمان، متكئاً إلى الوضع، بيده غصن إلى الملك، لواه إلى الفعل، فالتوى إلى الانفعال.
كيف يؤثر التصور الأساسي للوجود في التفرقة الفقهية بين الأعيان والمنافع وتعريف المال؟
التصور الأساسي للوجود بتقسيمه إلى جوهر وعرض أثّر في الصياغة الفقهية، فالتفرقة بين الأعيان والمنافع مبنية على التفريق بين الجوهر المتحيز والعرض غير المتحيز. وهذا أثّر في الخلاف الفقهي حول تعريف المال: هل يشمل الأعيان فقط أم يشمل المنافع أيضاً؟
ما أبرز المسائل التي يبحثها المتكلمون في أحكام العرض؟
يبحث المتكلمون في أحكام العرض مسألتين رئيسيتين: هل يبقى العرض زمنين أم أنه دائماً متجدد؟ وهل يمكن أن يقوم العرض بمحلين في آنٍ واحد؟ فمثلاً هل اللون القائم في بشرة شخص هو نفس اللون القائم في بشرة توأمه أم أنهما شيئان مختلفان؟
ما مذهب الأشاعرة في تجدد الأعراض وما أثره في تصور الخلق المستمر؟
الأشاعرة يرون أن العرض لا يبقى زمنين ولا يقوم بمحلين، وأن الأعراض تتجدد خلقاً مستمراً. فاللون الذي يُرى في بشرة الإنسان يُعدم ويُخلق الله غيره لحظة بلحظة، وعلى ذلك فالخلق مستمر، ولو قطع الله الإمداد لفني العالم.
كيف يُشبّه العلماء العالم بشريط السينما وما أثر تصور الخلق المتجدد في النفس البشرية؟
يتصور العلماء العالم كأنه شريط سينما على شاشة، والله يخلق دائماً وأبداً بصفة مستمرة، فلو أغلق الإمداد انقطع الخلق مرة واحدة. هذا التصور يؤثر في النفس البشرية فيشعر الإنسان بأنه لا حول له ولا قوة، ويؤثر في إحجامه وإقدامه على الأعمال.
كيف يؤثر تصور الحاجة الدائمة إلى الله في معنى قول لا حول ولا قوة إلا بالله؟
من يتصور أن الأعراض تتجدد خلقاً مستمراً وأنه في حاجة دائمة إلى الله يقول لا حول ولا قوة إلا بالله من منطلق يقيني عميق، بخلاف من يشعر باستقلاله وأن الله خلقه ثم تركه. ولذلك كان الكلام على أحكام العرض كلاماً مهماً في التراث.
لماذا لا يخلو الجوهر عن العرض ولا العرض عن الجوهر؟
الجوهر لا يخلو أبداً عن الأعراض لأن التحيز نفسه عرض من الأعراض، فكل جوهر له حيز وهذا التحيز عرض. والعرض لا يخلو عن جوهر لأنه يحتاج إلى محل يقوم به. وللعرض أحكام سبعة عند المتكلمين.
ما هدف دراسة التصورات الكلية في هذه الدورة وما الموقف المطلوب من الدارس؟
هدف الدورة هو فك شفرة التراث وفهمه، لا تقويمه أو الاعتراض عليه. لا بد أن نفهم ما صدر عن العلماء من خلال ما كانوا يتصورونه أولاً وقبل كل شيء، ثم بعد الفهم يمكن الموافقة أو الاعتراض.
ما الخطوات الصحيحة لقراءة التراث الإسلامي ونقده؟
الخطوة الأولى هي فهم كيف كان أهل التراث يتصورون الكون والوجود، ثم القراءة في ضوء هذا الفهم، وبعد ذلك يمكن الاعتراض أو الموافقة أو الإكمال. فهم الجوهرية والعرضية بهذا الوضع هو الأساس.
ما الفرق بين العدم الممكن والعدم المستحيل وبين وجهي الإمكان؟
المستحيل ليس له إلا وجه واحد وهو العدم، والواجب ليس له إلا وجه واحد وهو الوجود. أما الممكن فله وجهان: وجه الوجود ووجه العدم، فهو أحد وجهي العملة التي تسمى الإمكان.
ما أول أحكام العرض وما معنى كون العرض زائداً على الجوهر؟
أول أحكام العرض أن العرض زائد على الجوهر، أي أن العرض شيء والجوهر شيء آخر، فالعرض ليس جزءاً من الجوهر ولا هو عين الجوهر. وهناك أبيات شعرية تجمع هذه الأحكام السبعة للعرض.
كيف يستعمل المتكلمون زيادة العرض على الجوهر في إثبات وجود الله؟
المتكلمون يستعملون زيادة العرض على الجوهر في إثبات وجود الله بتفصيل خاص، إذ يتصورون الجوهر شيئاً والعرض شيئاً آخر زائداً عليه وليس عينه. هذا التصور يُوظَّف في الاستدلال على وجود الله وإن كان التفصيل يحتاج إلى مقام آخر.
لماذا لا يقوم العرض بنفسه في الوجود ويحتاج إلى محل؟
العرض لا يقوم بنفسه في الوجود بل يحتاج إلى إنسان أو جسم يوصف به. فالفقر والجمال والكفر والإيمان لا تقوم بأنفسها هكذا مستقلة، بل تحتاج إلى إنسان يوصف بها. كما قال سيدنا علي رضي الله عنه: لو كان الفقر رجلاً لقتلته.
ما أحكام العرض المتعلقة بعدم الانتقال وعدم البقاء زمنين وعدم القيام بمحلين؟
العرض لا ينتقل من جوهر إلى جوهر، فلون بشرة الأب عندما يرثه الابن هو غير اللون القائم في الأب بل مثله فقط. والعرض لا يبقى زمنين ولا يقوم بمحلين. فالحركة عرض، وعندما تسكن الكرة لا تكمن الحركة فيها بل تنتهي وتنشأ حالة جديدة هي السكون.
كيف يكون السكون مخلوقاً متجدداً وما الإشكال الذي يترتب على ذلك في السببية؟
السكون مخلوق دائماً له نهاية، يبقى لحظة ثم ينتهي ويُخلق سكون آخر وثالث ورابع. هذا التصور يسبب إشكالاً كبيراً في قضية السببية، لكن المتكلمين كانوا يريدون أن الأعراض تنتهي وتُخلق أعراض أخرى باستمرار.
ما الأحكام الخمسة الأولى للعرض والحكمان السادس والسابع؟
الأحكام الخمسة الأولى هي: الزيادة على الجوهر، وعدم القيام بنفسه، وعدم الانتقال، وعدم الانفكاك، وعدم الكمون. الحكم السادس أنه يُعدم ويُنشأ عرض جديد. وفي ذلك إشارة إلى أن القديم وهو الله لا يُعدم، أما العرض فلا بد أن ينتهي.
ما معنى أن الحوادث لا بد لها من بداية وكيف يمتد الخلق في المستقبل إلى ما لا نهاية؟
الحكم السابع للعرض أنه ليس هناك حوادث لا أول لها، فكل شيء حادث له بداية. لكن هذه البداية قد تمتد في طريق المستقبل إلى ما لا نهاية، فالله قادر على خلق أرض بعد أرض إلى ما لا نهاية في المستقبل.
ما الفرق بين اللاتناهي في المستقبل واستحالته في الماضي عند المتكلمين؟
اللاتناهي في المستقبل جائز لأن كل حدث مقدر يعقبه حدث مقدر آخر. أما في الماضي فلا يمكن اللاتناهي لأن كل حدث وقع سبقه حدث وقع أيضاً وهو محقق، ولا يمكن وجود ما لا يتناهى من الأعداد المحققة في الوجود.
لماذا لا يمكن وجود ما لا يتناهى من الأعداد في الماضي؟
لأن الموجودات محصورة ومعدودة، فكل ما هو موجود يمكن عده. ولو كانت الحوادث الماضية لا نهاية لها لكانت غير معدودة وهي موجودة، وهذا تناقض. أما في المستقبل فالأحداث غير موجودة بعد فيمكن تخيل عدد لا نهائي لها.
ما ملخص التصورات الكلية التي تناولها العلماء في تصورهم للوجود؟
التصورات الكلية تشمل: الأحكام العقلية بين الواجب والممكن والمستحيل، وأن الممكن منه موجود ومعدوم، وأن الموجود منه متحيز وغير متحيز. المتحيز هو العين والجوهر، وغير المتحيز هو العرض وهو تسعة أنواع وله أحكام سبعة.
ما مكانة نظرية الوجود بين النظريات الكبرى المؤثرة في العلوم الإسلامية؟
نظرية الوجود إحدى النظريات الكبيرة الضابطة للتصور الكامل الكلي، وهي تؤثر في كل العلوم الإسلامية ترتباً وتولداً. فهي ليست خاصة بعلم واحد بل تمتد أثرها إلى الفقه والكلام واللغة وسائر العلوم.
ما معنى القوة والفعل في التصورات الكلية وكيف يُمثَّل لهما بالسكين؟
القوة والفعل تصور كلي مهم: ما هو بالقوة وما هو بالفعل. السكين مثلاً قاطعة، لكن هل يصح وصفها بالقطع وهي في الدرج؟ إذا انتهت من القطع ووُضعت جانباً فهي ليست بقاطعة بالفعل، وهذا يطرح الفرق بين القاطع بالفعل والقاطع بالقوة.
ما الفرق بين القاطع بالفعل والقاطع بالقوة في التصور الكلي؟
السكين أثناء القطع هي قاطعة بالفعل لأنها تقوم بالقطع الآن. أما السكين وهي على المنضدة فهي قاطعة بالقوة لأن من شأنها أن تقطع وهذا من خصائصها، لكنها لا تقطع الآن فعلاً.
لماذا يُعد الفارق بين ما هو بالفعل وما هو بالقوة ضرورياً لفهم التراث؟
الفارق بين ما هو بالفعل وما هو بالقوة استعمله المتكلمون والفقهاء والنحويون وكل العلماء. من لا يعرف هذا التصور لا يدرك كثيراً من العبارات التراثية على وجهها الصحيح. مثال السكين ينبغي أن يُقاس عليه كل ما يُصادَف في الكلام التراثي.
ما مراتب الوجود الأربع التي تناولها علماء التراث وما أهميتها؟
مراتب الوجود الأربع هي: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود على اللسان، ووجود في البنان. هذه المراتب كانت أمراً هاماً في تصورات العلماء وأدائهم وكتابتهم، وإن اختلفت أسماؤها.
ما معنى مصطلح الخارج في التراث الإسلامي وكيف يتمايز عن الوجود الذهني؟
الوجود في الأعيان يُسمى الخارج، وهو ما يوجد خارج الذهن كالقلم والكرسي والتلفون. في مقابله الوجود الداخلي وهو ما يقوم في الذهن. فكلمة الخارج أصبحت مصطلحاً عاماً في كل العلوم يُستعمل بسهولة.
كيف يؤدي جهل معنى مصطلح الخارج إلى اضطراب في فهم العبارات التراثية؟
من لا يعرف أن الخارج يعني ببساطة ما هو خارج عن الذهن يقع في اضطراب عند قراءة العبارات التراثية. والأمر سهل التصور: هناك شيء خارجي أي خارج عن ذهني، وهناك شيء قائم في ذهني. هذه التفرقة جوهرية في فهم التراث.
كيف أدخل العلماء الفلسفة اللغوية في مراتب الوجود وما وجود اللسان؟
العلماء أدخلوا الصياغة اللغوية في مراتب الوجود فقالوا إن البشر يتكلمون باللغة، والألفاظ الخارجة من الفم تدل على صور في الأذهان مطابقة للواقع في الخارج. فأصبح هناك وجود ثالث هو وجود اللسان، وهو الألفاظ التي تنقل الصور الذهنية.
ما مهمة اللغة في نقل الصور الذهنية والاستغناء عن إحضار الأشياء؟
مهمة اللغة أنها تُغني عن إحضار الأشياء بشفرة من الألفاظ، فلو قيل قلم وهو غائب يحدث في الذهن صورته حتى مع عدم وجوده في الأعيان. اللسان يتحرك فينطق بالأصوات فيهتز الهواء ليصل إلى الأذن فتحدث الصورة الذهنية.
ما علاقة الدال بالمدلول وكيف تُعد من التصورات الكلية الأساسية؟
العلاقة بين اللفظ وذات الشيء في الخارج هي علاقة الدال بالمدلول. فكلمة قلم دال وذات القلم مدلول. التفريق بين الدال والمدلول من التصورات الكلية الأساسية عند علماء التراث.
كيف يقوم الخط واللفظ كلاهما بمقام الدال وما أثر جهل الدال على الفهم؟
الخط يقوم بمقام الدال كما يقوم اللفظ بمقام الدال، كلاهما يدل على المدلول. من لا يعرف الخط يقع في حجاب حتى لو كان يعلم الشيء ذهناً وواقعاً، لأن الخط مجرد معرِّف ودال على الشيء.
ما الأبحاث التي أجراها العلماء في علاقة اللفظ بالذهن والخارج ووضع اللغات؟
العلماء بحثوا في علاقة اللفظ بما في الذهن وعلاقته بما في الخارج، وفي وضع اللغات: هل وضعها الله أم البشر أم كلاهما؟ وهل وُضعت للدلالة على ما في الخارج أم على ما في الذهن؟ كل هذا ينضبط بفهم التفريق بين الدال والمدلول وبين مراتب الوجود.
كيف تتعدد العبارات المستعملة للتعبير عن مراتب الوجود الأربع في التراث؟
مراتب الوجود الأربع هي الأذهان واللسان والبنان والأعيان. البنان يعبر بالخط، واللسان يعبر باللفظ، والأذهان يعبر عنها بالعقل أو الفكر أو الداخل، والأعيان يعبر عنها بالخارج. تختلف العبارات لكن المعنى واحد.
لماذا أضاف العلماء لمسة بلاغية لصياغة مراتب الوجود وما الموقف الصحيح من الألفاظ؟
العلماء أرادوا إضافة لمسة بلاغية بديعية فيها سجع وجرس موسيقي فقالوا: أعيان، أذهان، لسان، بنان. لكن ليس الجميع التزم بهذه الصياغة. علينا أن نتجاوز الألفاظ إلى المعاني وندرك أننا في مراتب للوجود متدرجة مختلفة.
ما التصورات الكلية التي تناولها العلماء وكيف يمكن تطبيقها على النص الفقهي؟
التصورات الكلية التي تناولها العلماء تشمل: الموجود والمعدوم، والجوهر والعرض، والقوة والفعل، والأعيان والأذهان. تطبيق هذه التصورات على النص الفقهي يُعمّق الفهم ويكشف أبعاداً لا تُدرك بدونها.
كيف تظهر مراتب الوجود في تحليل لفظ البيع في النص الفقهي؟
لفظ البيع في الأصل مصدر، وهو يتعلق بالوجود في اللسان والوجود في الأعيان ويشير إلى وجود في الأذهان. كلمة بيع لفظ ملفوظ باللسان أو مخطوط بالبنان، وهو في مقابل حدث في الخارج.
ما الفرق بين الماهية والهوية والمصداق في التصور الكلي للعلاقة بين الذهن والخارج؟
ما في الأذهان يُسمى الماهية والحقيقة والمفهوم، وهي ألفاظ لشيء واحد هو ما قام بالذهن. أما ما في الأعيان فيُسمى الهوية والمصداق، أي ما صدق عليه ما في الذهن. البيع لفظ وعرض، والبيع فعل وهو عرض أيضاً.
من أين اشتُق مصطلح الهوية وما علاقته بالتصور الكلي للعلاقة بين الذهن والخارج؟
الهوية اشتُقت من كلمة هو، أي هو في الأذهان هو في الأعيان. حتى الاشتقاق نفسه جاء من التصور الكلي للعلاقة بين الذهن والخارج. لو فُقدت التفرقة بين الذهن والخارج لما كان لكلمة هو هو معنى.
كيف تختلف الماهية الواحدة في الذهن عن الأفراد المتعددة في الخارج؟
الماهية في الذهن واحدة لا تختلف، فمفهوم البيع في ذهن البشر واحد. أما في الواقع فتحته أنواع وأفراد متعددة. لو نظرنا إلى الواقع لقلنا بيوع، لكن لو نظرنا إلى ما في الذهن لقلنا بيع. فهو واحد في الذهن بالماهية وإن اختلفت أفراده.
ما الفرق بين الكلي والجزئي وأين يوجد الكلي؟
الكلي هو ما لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع المشاركة فيه، وهو أمر ذهني فقط لا وجود له في الخارج. فكلمة إنسان كلي لأن تصوره لا يمنع أن يشترك فيه حسن وحسين وغيرهم. أما الجزئي فهو الفرد المعين في الخارج.
ما القدر المشترك بين الأفراد وكيف يصبح الكلي جزئياً بإضافة التشخيص؟
الكلي ينظر إلى القدر المشترك بين كل الأفراد وهو لا وجود له في الخارج بل في الذهن فقط. أما الذي في الخارج فهو الإنسان مضافاً إليه أعراض تجعله معيناً مشخصاً. فبدأ من أنه إنسان كلي ثم أصبح شخصاً بعينه بإضافة التشخيص.
لماذا لا يوجد الإنسان الكلي في الخارج وما الذي يجعله جزئياً مشخصاً؟
الإنسان الكلي في الذهن لا وجود له في الخارج، إنما الموجود في الخارج أفراده بعد أن أُضيف إلى ذلك الكلي ما يجعله جزئياً مشخصاً لا يشاركه فيه سواه. والجزئي هو ما يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه.
كيف يُطبَّق مفهوم الكلي والجزئي على مثال الإنسان وإبراهيم عليه السلام؟
الإنسان كلي لأن تصوره لا يمنع الشركة فيه، فيمكن أن يكون حسناً أو حسيناً أو رجلاً أو امرأة. أما إبراهيم عليه السلام فجزئي لأنه شخص واحد بعينه، أبوه آزر وابناه إسماعيل وإسحاق وزوجتاه سارة وهاجر، لا تقع الشركة فيه.
كيف تُعمّق معرفة التصورات الكلية فهم التراث وما أثر جهلها؟
معرفة التصورات الكلية تجعل القراءة أعمق بكثير مما كانت عليه بدونها. من يجهلها أو يُنحّيها عند القراءة يقرأ بطريقة أقل فهماً. ومن أراد أن يكمل أو ينتقد أو يقبل أو يرفض لا بد أولاً أن يفهم.
كيف يؤثر مفهوم الاعتبار الذهني في تعريف البيع والشراء في النص الفقهي؟
البيع يُعرَّف بأنه تمليك بعوض على وجه مقصود، والشراء هو تملك بعوض مخصوص على وجه مخصوص. الاعتبار الذهني يؤثر في الجهة، فيمكن إطلاق اسم البائع على المشتري وعكسه اعتباراً من جهة معينة.
كيف يمكن للإنسان أن يُفرّق في ذهنه ما وحّده الخارج أو يوحّد ما فرّقه؟
بالتأمل وجد العلماء أن الإنسان يمكن أن يُفرّق في ذهنه ما قد وحّده في الخارج، وأن يوحّد في ذهنه ما هو مفترق في الخارج. فالبائع والمشتري في الخارج حدث تبادل من كلا الطرفين فهما متساويان، لكن في الذهن يمكن التفريق بينهما.
كيف يكون المسلم والمؤمن مختلفين في الذهن ومتحدين في الخارج؟
المسلم هو من يُظهر شعائر الإسلام، والمؤمن هو من يصدق بأمر الله ورسوله، فهما مختلفان في المفهوم والحقيقة. لكنهما في الخارج واحد لأنه ليس هناك شرعاً مؤمن إلا إذا كان مسلماً. فهما واحد بالذات مختلف بالاعتبار.
ما معنى عبارة واحد بالذات مختلف بالاعتبار وكيف تُطبَّق على البائع والمشتري؟
واحد بالذات مختلف بالاعتبار تعني أن الشيء واحد في الخارج لكنه يُنظر إليه من جهتين ذهنيتين مختلفتين. في عقد البيع الخارج حدث تبادل من كلا الطرفين فهما متساويان، لكن في الذهن يمكن اعتبار أحدهما بائعاً والآخر مشترياً بحسب الجهة.
كيف جاء التعبير بالتمليك والتملك في تعريف البيع من التصور الذهني؟
التعبير بالتمليك والتملك في تعريف البيع جاء من التصور الذهني والنظر للمعنى الشرعي. وإن أُريد بالبيع المركب من الشقين معاً بمعنى العقد الحاصل من الشقين الذي ترد عليه الإجازة والفسخ، فيُقال له لغةً مقابلة شيء بشيء على وجه معاوضة.
لماذا تُعد التصورات الكلية مؤشراً لا حصراً شاملاً لكل ما في ذهن أهل التراث؟
ما تناوله العلماء من التصورات الكلية هو مؤشر يدل ويرشد إلى وجوب الاهتمام بهذه التصورات واستخراجها وصياغتها وفهم النص من خلالها، لا ادعاء بحصر كل التصورات. هذه التصورات تؤثر في درجة الفهم وفي قدرتنا على فهم التراث والعبارة التراثية.
ما ملخص التصورات الكلية التي تناولتها المحاضرة وما أهميتها في بناء الفهم؟
التصورات الكلية التي تناولتها المحاضرة هي: الوجود والعدم، والأحكام العقلية، والجوهر والعرض، والخارج والداخل، ومراتب الوجود، والقوة والفعل. هذه التصورات تبني الفهم العميق للتراث وتجعل القارئ مؤهلاً للتعامل معه.
أين تُوجد التصورات الكلية في كتب التراث وما أبرز المصادر التي تشرحها؟
التصورات الكلية توجد في مقدمات علم الكلام. تجدها مشروحة عند الإمام الغزالي في الأربعين في أصول الدين، وعند الرازي في الأربعين أيضاً، وفي شرح المقاصد للتفتازاني مع توسعة في قضايا العلم وخريطته.
ما الكتب المرجعية التي تتناول التصورات الكلية في مقدمات علم الكلام؟
أبرز الكتب المرجعية: المواقف للإيجي، وشرح المقاصد للتفتازاني، والأربعين للغزالي، والأربعين والمباحث المشرقية للفخر الرازي. هذه الكتب أتاحت مساحة لا بأس بها للمقدمة لعلم الكلام التي تتضمن هذه التصورات.
كيف كانت التصورات الكلية تنتقل في الجو العلمي وما طبيعتها كمسلمات بدهية؟
التصورات الكلية كانت شائعة وواسعة وتُنقل في الجو العلمي أكثر من نقلها في الدرس. كانت مسلمات بدهية يصدق بها الجميع ويتجاوزونها ويتعاملون معها على أنها وصف للواقع: بأن هناك داخلاً وخارجاً وجوهراً وعرضاً.
كيف يمكن استيعاب التصورات الكلية وما الفرق بينها وبين النظريات الحاكمة؟
استيعاب التصورات الكلية يكون بالأساس من مقدمات علم الكلام ثم بالقراءة الواسعة في التراث. أما النظريات الحاكمة فتتعلق بشيء من التصور الكلي لكنها خاصة بمسألة معينة، بينما التصورات الكلية خاصة بمفهومية الإنسان في هذا الكون.
كيف يؤثر تصور الحاجة الدائمة إلى الله في سلوك الإنسان وقربه من التوبة؟
من يشعر أن الله خلقه وما زال يخلقه وأنه لو قطع عنه الإمداد لما بقي، يشعر بهذا وهو يمشي ويصلي وحتى وهو يرتكب المعصية. هذا التصور يجعله أقرب إلى التوبة لأنه يعرف كيف يتوب وليس موغلاً في البعد عن الله.
هل اتفق الأشاعرة جميعاً على الخلق المتجدد وما موقف من قال ببقاء العرض زمنين؟
علماء الكلام متفقون على الخلق المتجدد. حتى ابن السبكي الذي قال إن العرض يبقى زمنين مقر معهم على أن الخلق متجدد، لكنه يرى أن العرض منه قار وغير قار، فغير القار كالزمان لا يستطيع إمساكه، لكنه يقول إن هذا اللون ليس لون الأمس بل يفنى.
ما الفرق بين الخلق المتجدد عند الأشاعرة ومبدأ الصيرورة والتحول الدائم؟
الخلق المتجدد يعني أن الله يُمد الكون بالوجود لحظة بلحظة، ولو انقطع الإمداد فني العالم. أما مبدأ الصيرورة والتحول الدائم فهو قانون آخر. الخلق المتجدد هو إمداد دائم حتى لو لم يتم التحول، وهو يختلف عن مجرد التغير المستمر.
ما معنى دعاء اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين في ضوء تصور الخلق المتجدد؟
هذا الدعاء يعني حتى لا أفنى من الوجود، لأن الله لو وكل الإنسان إلى نفسه طرفة عين انقطع الإمداد، وإن انقطع الإمداد ذهب الاستعداد وانتهى الأمر. فالدعاء مبني على تصور الحاجة الدائمة إلى الإمداد الإلهي.
هل مقولة الإنسان لا يستحم في نهر مرتين تعبّر عن نفس تصور الخلق المتجدد؟
مقولة الإنسان لا يستحم في نهر مرتين تعبّر عن تجدد المياه الدائم من جانب المخلوقية. أما الخلق المتجدد فهو من جانب الخالقية، أي الإمداد الإلهي المستمر. فالفارق بينهما هو الفارق بين الخالقية والمخلوقية.
لماذا يمكن تصور بداية للخلق دون نهاية ولا يمكن تصور عدم البداية في الماضي؟
يمكن تصور بداية للخلق لكن لا نهاية له في المستقبل، كمن يأتي بقلم كل يوم إلى ما لا نهاية. أما في الماضي فلا يمكن تصور عدم البداية لأن الموجودات محصورة ومعدودة، ولا يمكن وجود ما لا يتناهى من الأعداد في الوجود.
كيف يرتبط تصور اللاتناهي بالعقيدة وما الدليل الرياضي والمنطقي على وجوب بداية الكون؟
ربط تصور اللاتناهي بالعقيدة يقتضي أن للكون نهاية وقيامة. أما أنفاس أهل الجنة فلا نهاية لها في المستقبل. لكن في الماضي لا يمكن تصور عدم البداية، فلا بد أن للكون بداية رياضياً ومنطقياً، ولا بد أن كل العقلاء يُثبتوا له بداية.
ما الإشكال الذي وقع فيه ابن تيمية في مسألة تسلسل الحوادث في الماضي؟
ابن تيمية أراد إثبات صفة الاستواء فقال إن هناك عرشاً مع الله، فلما قيل له إن العرش مخلوق قال كان هناك عرش وفني وقبله عرش وقبله عرش إلى ما لا نهاية. فردّ عليه العلماء بأنه لا يمكن وجود ما لا نهاية في الماضي.
ما الفرق بين المحقق في الماضي والمقدر في المستقبل وكيف يُثبت استحالة اللاتناهي الماضوي؟
في الماضي ما من شيء محقق إلا وقبله شيء محقق موجود، لكن في المستقبل ما من شيء محقق إلا وبعده شيء مقدر غير موجود بعد. الموجود يمكن عده ولا يمكن أن يكون غير محصور، لذا يستحيل وجود ما لا يتناهى في الماضي.
كيف يُقيّم العلماء موقف ابن تيمية في مسألة تسلسل الحوادث؟
ابن تيمية وقع في هذا الخطأ لأنه أراد إثبات صفة الاستواء فاضطر إلى القول بتسلسل الحوادث في الماضي. العلماء عدّوه من أخطائه، ويُقدَّر أنه لو امتدت به الحياة لرجع ووجد مدخلاً آخر لكلامه، لأنه لا يمكن أن يتصور عاقل هذا.
لماذا يقول المتكلمون إن الله خالق بالقوة لا بالفعل وما أثر ذلك في مسألة قِدَم العالم؟
لو كان الله خالقاً بالفعل دائماً لكان العالم قديماً، وهذا ما لا يقول به المسلمون. لذلك يقولون إن الله كان خالقاً صلوحياً لا تنجيزياً، أي بالقوة لا بالفعل، بمعنى أن صفاته تصلح للخلق لأنه قادر ومريد.
كيف يمكن تثبيت التصورات الكلية وتوظيفها في فهم الكتب التراثية؟
لا بد أن تكون التصورات الكلية حاضرة في الأذهان أثناء القراءة حتى يُفهم الكلام من خلالها. هذه الأشياء ينبغي أن تكون مستوعبة قبل الجلوس إلى الكتب التراثية حتى يتمكن القارئ من فهم ما يقرأ.
هل انتهت التصورات الكلية من الجو العلمي وما الحل لإعادة نشرها؟
التصورات الكلية لم تنتهِ بعد لكن اتسع عدم الفهم بها، وأصبح العارفون بها قلة. الحل هو إعادتها حتى يعرفها كل الناس فيكونوا مؤهلين لتلقي التراث وفهمه، وحتى يكونوا مهيئين للجلوس والفهم والتعامل مع التراث.
متى بدأت التصورات الكلية في الفكر الإسلامي وما الأسباب التي أدت إلى نشأتها؟
بدأت هذه التصورات في القرنين الأول والثاني للهجرة. بدأت لما دخل المسلمون وأُثيرت أمامهم أسئلة من غير المسلمين من ثقافاتهم في مصر والشام، وأيضاً من فلسفة اليونان. فاضطر المسلمون إلى التفكير في هذه الأسئلة والإجابة عنها.
ما دور قضية خلق القرآن في تأسيس التصورات الكلية وما موقف الإمام أحمد منها؟
قضية خلق القرآن كانت قمة الانفصال بين المنهجين، وفيها ضُرب الإمام أحمد بن حنبل وهو يصر على ألا ينتقل إلى مصطلحات جديدة وإجابات جديدة. هذه القضية كانت محطة فارقة في تأسيس التصورات الكلية في الفكر الإسلامي.
كيف تطور موقف الإمام أحمد من مسألة خلق القرآن بعد المحنة؟
بعد المحنة كان الإمام أحمد يقول كتاب الله عند السؤال عن القرآن. لما خرج وطالبه أصحابه بالإجابة قال: هو كلام الله صفته غير مخلوقة، والسمع مخلوق والمسموع غير مخلوق، والكتابة مخلوقة والمكتوب غير مخلوق، ولفظي بالقرآن مخلوق.
لماذا رجع الإمام أحمد عن عبارة لفظي بالقرآن مخلوق وعدّ قائلها كافراً؟
لما شاع في الناس أن أحمد يقول لفظي بالقرآن مخلوق فهموا منه أن كلام الله مخلوق. فرجع وقال من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر، لأن هذه العبارة لم تؤدِ مراده، وصفة الله لا يمكن أن تكون مخلوقة.
كيف تأسست العلوم الإسلامية في القرنين الثاني والثالث الهجريين وشاعت التصورات الكلية؟
في القرن الثاني الهجري وأوائل الثالث أسّس أبو الحسن الأشعري والماتريدي والشافعي والخليل بن أحمد كل منهم جانباً من العلوم الإسلامية في العقيدة والأصول والنحو. ثم شاعت هذه التصورات في الكتابات والتدوين بعد ذلك.
كيف أدت ازدواجية التعليم في العصر الحديث إلى انفصال الناس عن التراث الإسلامي؟
محمد علي باشا في مصر وقلّده العالم الإسلامي فجعلوا التعليم نوعين: نوع يدرس التراث والدين، ونوع يدرس العلوم الطبيعية والتجريبية. نتج من هذا انفصال من أواسط القرن الماضي بين الناس والتراث، حتى أصبحت هناك فجوة وذهبت النظريات الكلية إلا عند قلة.
لماذا لا يصح تقويم التراث بالتصورات المعاصرة قبل فهمه أولاً؟
تقويم التراث بتصورات معاصرة قبل فهمه يُنتج ارتباكاً، لأن الحكم على أناس ليسوا معنا يبقى مشوشاً. لا بد أولاً من فهم ماذا يقول التراث، ثم بعد الفهم يمكن الاعتراض أو التقويم بما يمكن محاكمتهم به.
ما المنهج الصحيح في التعامل مع التراث الإسلامي بين الفهم والحكم؟
المنهج الصحيح هو أولاً حل شفرة التراث والوصول إلى مرحلة الفهم، ثم بعد ذلك يمكن القول إن هذا التعريف ضعيف أو قوي، وهذا الرأي مقبول أو مرفوض. لا يمكن محاكمة التراث قبل فهمه ولا محاكمته بغير أدوات الفهم المناسبة.
ما الفرق بين ما هو داخل الدورة وخارجها في مسألة تقويم التراث؟
ما هو خارج الدورة هو البحث فيما إذا كانت هناك أشياء توصل إليها البشر يمكن بموجبها إكمال المسيرة على هدي كلام الله ورسوله، وهذا مقبول. أما ما هو داخل الدورة فهو الحكم على التراث بغير ما يمكن محاكمته به، وهذا غير مقبول.
التصورات الكلية في التراث الإسلامي هي مفتاح فهم النصوص الفقهية والكلامية قبل نقدها أو تقويمها.
التصورات الكلية التي حكمت كتّاب التراث الإسلامي تبدأ من تصور الوجود بين الواجب والممكن والمستحيل، ثم تنتقل إلى تقسيم الموجود إلى جوهر متحيز وعرض غير متحيز، مع تحديد المقولات العشر التي تصف كل الموجودات تحديداً تاماً. هذه البنية الفكرية كانت مسلمة بدهية شائعة في الجو العلمي، وبدونها يقع القارئ في اضطراب عند مواجهة عبارات كلامية كقولهم إن الله ليس جسماً ولا جوهراً ولا عرضاً.
يمتد أثر هذه التصورات إلى الفقه واللغة والعقيدة معاً؛ فالتفريق بين الأعيان والمنافع في الفقه مبني على التفريق بين الجوهر والعرض، ومراتب الوجود الأربع تفسر التفريق بين الكلي والجزئي وبين الدال والمدلول. أما تصور الأشاعرة للخلق المتجدد المستمر فيُعمّق معنى التوكل على الله ويجعل قول لا حول ولا قوة إلا بالله منبثقاً من يقين فكري لا مجرد تعبد لفظي.
أبرز ما تستفيد منه
- الأحكام العقلية ثلاثة: الواجب لا يُتصور عدمه، والمستحيل لا يُتصور وجوده، والممكن يقبل الأمرين.
- الموجود إما جوهر متحيز في الفضاء وإما عرض غير متحيز يحتاج إلى محل يقوم به.
- مراتب الوجود أربع: الأعيان والأذهان واللسان والبنان، وهي أساس التفريق بين الكلي والجزئي.
- الأشاعرة يرون أن الأعراض تتجدد خلقاً مستمراً، ولو انقطع الإمداد الإلهي فَنِيَ العالم.
- فهم التصورات الكلية شرط لازم لقراءة التراث بعمق قبل الحكم عليه بالقبول أو الرفض.
مقدمة حول التصورات الكلية التي حكمت كتّاب التراث الإسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم، اليوم نحاول أن نلقي بعض الضوء على التصورات الكلية التي كانت تحكم الكاتبين للتراث الإسلامي بصفة عامة. هذه التصورات الكلية تبدأ عندهم من تصورهم لقضية الوجود.
التصور الإسلامي للوجود: الخلق والفناء والحساب يوم القيامة
فالإسلام يقر حقيقة وهي أن الإنسان والكون والحياة مخلوقة لخالق، ويقر حقيقة أخرى وهي أن هذه الحياة والكون إلى فناء؛ ستقوم الساعة، وسيفنى البشر، ثم بعد ذلك هناك يوم القيامة، وفي يوم القيامة فيه حساب وعقاب وثواب.
يفترق الفكر الإسلامي عن أفكار غيره من البشر بهذا الإقرار المبدئي: أن الإنسان مخلوق لخالق، وأنه مردود بعد ذلك إلى الله سبحانه وتعالى وراجع إليه للحساب والعقاب.
الفلسفات الغربية تنحي الجانب الإيماني الذي شكّل البنية الفكرية للتراث
الفلسفات الغربية الآن تنحي هذا الجانب، وهو جانب مهم كان يمثل البنية الفكرية والأفق الذهني للكاتبين لهذا التراث. وكان موقفهم وفهمهم لقضايا الوجود له مصطلحاته وتصوره الكلي، ويمكن أن نرسم هذا.
الفارق بين المخلوق والخالق وخروج صفات الله عن التقسيم
المسلمون آمنوا أيضًا بأن هناك فارقًا بين المخلوق والخالق، فالرب رب والعبد عبد، ومن أجل ذلك عاملوا الحادث بخلاف القديم. فصفات الخالق خارجة عن التقسيم؛ فإنهم يجعلون الله سبحانه وتعالى بالرغم من أنه موجود عندهم إلا أنه خارج عن التقسيم.
ثم بعد ذلك عندما يقسمون ويتكلمون إنما يقسمون ويتكلمون على الحادث المخلوق، سواء كان مرئيًا أو غير مرئي، محسوسًا أو غير محسوس، لكنه على كل حال هو مخلوق. ولذلك جرى التقسيم على المخلوق.
تقسيم المخلوق بين الوجود والعدم ومفهوم الممكن والواجب والمستحيل
فقالوا إن ذلك المخلوق الموجود وضده العدم، فكأن الوجود والعدم وجهان لشيء واحد. هذا الشيء كانوا يسمونه الممكن. الله سبحانه وتعالى عندهم واجب الوجود، والعدم إنما حالات إمكان للمخلوق.
فنحن الآن موجودون، ومن سيُخلق غدًا هو معدوم الآن لكنه قابل لأن يوجد. وهناك ما يسمى أيضًا -لإكمال القسمة- بالمستحيل، والمستحيل معدوم ليس بموجود أصلًا.
دوران قضايا الوجود والعدم بين الوجوب والإمكان والاستحالة
كانت قضايا الوجود دائرة بين الوجوب والإمكان، وقضايا العدم دائرة بين الاستحالة والإمكان. فالمستحيل معدوم في ذاته لا يمكن أن يوجد، والواجب موجود في ذاته لا يمكن أن يعدم، والمخلوق يمكن أن يوجد ويمكن ألا يوجد.
الأحكام العقلية الثلاثة: الواجب والممكن والمستحيل عند المتكلمين
هذا السطر الأول: الواجب والممكن والمستحيل اسموه بالأحكام العقلية. فإن العقل عندهم يدرك في نفسه أن هناك واجبًا لا يتصور العقل عدمه، وأن هناك مستحيلًا لا يتصور العقل وجوده، وأن هناك شيئًا هو ما بين الوجود والعدم [وهو الممكن]. فهذه يسمونها الأحكام العقلية.
تقسيم الوجود إلى متحيز وغير متحيز ومعنى التحيز في الفراغ
أما الوجود فإنه ينقسم عندهم إلى قسمين: القسم الأول هو المتحيز، والقسم الثاني غير المتحيز. والمتحيز ما كان له حيز في الفضاء؛ كلمة متحيز معناها أن له حيزًا في الفراغ، وكلمة غير متحيز معناها أنه ليس له حيزًا في الفضاء أو في الفراغ.
المتحيز البسيط يسمى الجوهر والمركب يسمى الجسم
المتحيز هذا إما أن يكون بسيطًا وإما أن يكون مركبًا. متحيز بسيط كالخلية الأولى، وهذا يسمى بالجوهر وبالجزء الذي لا يتجزأ - هذه ألفاظهم: الجزء الذي لا يتجزأ.
وإما أن يكون مركبًا من جوهرين أو ثلاثة أو أربعة إلى العدد الكثير فيسمى جسم. فالجسم له حيّز في الفضاء، قد يكون سطحًا وقد يكون له عمق وطول وعرض فيسمى الجسم الطبيعي، ولكن على كل حال هو مكوّن من جواهر متعددة، هو مركب.
غير المتحيز يسمى العرض ونفي الجسمية والجوهرية والعرضية عن الله تعالى
وغير المتحيّز يسمونه العرض. ونجد في علم الكلام أنهم يقولون إن الله سبحانه وتعالى ليس بجسم، ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض؛ لأن هذه الخريطة كانت في أذهانهم. الرب رب والعبد عبد، وهناك فارق بين المخلوق والخالق، والله سبحانه وتعالى خارج عن التقسيم، فالله ليس جسمًا وليس جوهرًا وليس عرضًا.
لو قرأنا هذه العبارة في علم الكلام من غير أن نعرف هذا التصور الكلي، لا ندركها على حقيقتها أو بعمقها المناسب لها. ولذلك كان التعرض للتصورات الكلية مهمًا في إدراك عمق كلام التراث.
الفرق بين الجوهر القائم بذاته والعرض المحتاج إلى غيره
إذن عندنا جوهر وهو له حيز، وعندنا عرض وهو ما لا حيز له. فالجوهر كالجسم، ولكن العرض هذا كالأفعال الصادرة من البشر.
لو تأملنا في الإنسان ووجدناه قد أمسك بغصن فلواه، فهذا الذي حدث من حدوث التواء في الغصن يُعبِّر عن الفعل والانفعال، وكلٌّ من الفعل والانفعال لا تحيُّز له.
لو أننا قد وصفنا الشيء أو إنسانًا بأنه ذكيٌّ أو بأنه غبيٌّ، أو بأنه فقيرٌ أو بأنه غنيٌّ، أو وصفنا الشيء بالجمال والحُسن أو بالقُبح، فإن كلَّ هذه الصفات لا تحيُّز لها.
العرض يحتاج إلى جسم يحل فيه والكيفيات والألوان من الأعراض
لكن يمكن أن تظهر لنا من خلال المحل [أي الجسم]؛ لا بد لها من جسم تحل فيه. فالجسم - الجوهر - هو ما يقوم بذاته، ولكن العرض يحتاج إلى غيره حتى يقوم به.
ومن هنا كانت الكيفيات من الأعراض، والألوان من الأعراض، والحالات من الأعراض. فأنا واقف الآن، فهذه حالة كيف من الكيفيات، فهو عرض لم يؤثر في جسمي لا طولًا ولا عرضًا ولا وزنًا ولا وهكذا، هي حالة من الحالات.
النسبة بين الأشياء عرض غير متحيز يحتاج إلى أطراف متعددة
وقوفي الآن أنتم أمامي وهذه السبورة خلفي، بخلاف وقوفي وأنا مواجه للسبورة وأنتم خلفي. وهذه نسبة. أين هذه النسبة؟ هل هي محيّزة؟ لا، إنما هي معتبرة؛ هناك اعتبار بيني وبينكم وبيني وبين السبورة، فسمّينا هذه أنها في الخلف وسمّينا هذا أنه في الأمام.
هذه الأشياء موجودة ولها حقائق لكنها ليست متحيزة، بل تحتاج إلى الغير حتى يتم هذا الشيء في الوجود. احتجت إليه واحتجت لكم واحتجت إلى المواجهة حتى تحدث تلك الأمامية.
الأمامية والخلفية أمور نسبية تنشأ من مقابلة الأشياء على جهة مخصوصة
تلك الأمامية حدثت من خلال وجود شيء وشيء آخر ومقابلة بينهما على جهة مخصوصة، فحدث من ذلك ما أسميناه بالأمام أو بالخلف أو باليمين أو باليسار. فالأمر نسبي منسوب إلى شيء آخر.
فالموجود منه متحيز وغير متحيز. غير المتحيز هذا راعى بعضهم بالاستقراء أنه تسعة أقسام.
المقولات العشر التي تصف جميع الموجودات عند المتكلمين
وهي: الكم، والكيف، والنسبة، والزمان، والمكان، والوضع، والملك، والفعل، والانفعال. وهذه مع الجوهر تسمى المقولات العشر.
هذه الأقسام التسعة صارت عشر مقولات؛ لأنها مقولة، لأننا نقولها ونصف بها كل الموجودات؛ لأن الموجود لا يخرج عن هذا. وبتحديدها يتم التحديد التام للشيء.
كيفية تحديد الشيء تحديداً تاماً من خلال المقولات العشر
فإننا إذا ما حددنا ذاتًا معينة لها كيف معين وكم معين، بنسبة إلى غيرها معينة، في مكان محدد وزمان معين، بوضع معروف، والملك فيه، بفعله وانفعاله، تحدد تمامًا.
بمعنى أنني إذا ما أردت أن أحدد نفسي الآن فإنه لا يخرج التحديد عن هذه العشرة. فذاتي هي موجودة الآن لكنها موجودة في زمان معين وهي اللحظة التي أتكلم فيها - هذا حددناها جيدًا - لكن أيضًا في مكان معين، على حالة معينة، بوضع معين فيه وجهي هنا ورأسي هنا وكذا ويميني هنا ويساري هنا وهكذا.
تطبيق المقولات العشر على الميكروفون واستحالة تكرار الشيء عند اتحادها
لو فكرنا في مثلًا أو في أي شيء يكون في الميكروفون هذا، فإنه ذات معينة موجودة في مكان معين بوضع معين في مثل معين بنسبة معينة في زمان معين وهكذا، ويقوم بفعل معين بانفعال معين.
لو حددنا هذه العشرة لا يمكن تكرار الشيء عقلًا إذا اتحدت تلك العشرة. فلا يمكن مثلًا وجودي هنا وفي مكان آخر مع بقاء العشرة، يعني في نفس الزمن أنا هنا وفي المكتب مثلًا لا يمكن تصور هذا.
قاعدة إذا انفكت الجهة فلا تعارض وتطبيقاتها في التراث
لكن يمكن أن أتصور أنه في الساعة الماضية كنت في المكتب - انفك الزمان -، كان واقفًا في جاردن سيتي وكان جالسًا في الزمالك، يمكن هذا لأن المكان قد انفك أو الزمان قد انفك. أنا واقف وأنتم جلوسٌ، ممكنٌ هذا لأن الشخص قد انفك - الجوهر قد انفك.
ومن هنا كانت العبارة الشهيرة التي يستعملها كثيرٌ من [العلماء] في التراث، نستعملها كثيرًا في التراث، وهي: إذا انفكت الجهة فلا تعارض. الجهة معناها واحدة من هذه العشرة [المقولات].
بيت شعري يجمع المقولات العشر: زيد الطويل الأزرق بن مالك
وهناك بيت يحفظ هذا، يقولون فيه: زيد - إلى الجوهر - الطويل ويشيرون بها إلى الكم، الأزرق ويشيرون بها إلى الكيف، ابن مالك ويشيرون بها إلى النسبة، في بيته إلى المكان، بالأمس إلى الزمان، كان متكئ إلى الوضع، بيده غصن إلى الملك، لواه إلى الفعل، فالتوى إلى الانفعال.
زيد الطويل الأزرق بن مالك في بيته بالأمس كان متكئًا بيده غصن لواه فالتوى. فهذه عشر مقولات سُوِّيت بهذا البيت.
أثر التصور الأساسي للوجود في التفرقة الفقهية بين الأعيان والمنافع
تشمل [هذه المقولات العشر] التصور الأساسي لقضية الوجود، وهو أمر سنرى أثره في الصياغة الفقهية. التفرقة بين الأعيان - بين الجواهر، بين ما له حيز - وبين المنافع - بين الأعراض، بين ما ليس له حيز.
سنرى أثره في الخلاف فيما يعد مالًا: هل يعد المال كل عين فقط بخلاف ما فيه منفعة، أو سيعد المال هو العين والمنفعة أيضًا؟ خلاف بين الفقهاء، لكن التصور الأساسي للوجود أنه ينقسم إلى عين (جوهر) وإلى عرض قائم بذلك الجوهر.
أحكام العرض: هل يبقى زمنين وهل يقوم بمحلين عند المتكلمين
يتكلمون كثيرًا بعد ذلك عن أحكام ذلك العرض: ما هو؟ هل يبقى زمنين أو أنه دائمًا متجدد؟ هل يقوم بمحلين؟
لو أن لي لون معين لبشرتي وله توأم له نفس اللون، هل اللون الذي قام ببشرتي هذا هو ذات اللون الذي قام ببشرته، أو أن هذا شيء وهذا شيء [آخر]؟
مذهب الأشاعرة في تجدد الأعراض وأثره في تصور الخلق المستمر
الأشاعرة من أهل السنة يرون أن العرض لا يبقى زمنين، وأنه لا يقوم بمحلين، وأن الإنسان هذا العرض وهو اللون يتجدد خلقًا. بمعنى أن هذا اللون الذي ترونه قائمًا في بشرتي عُدم الآن وخلق الله سبحانه وتعالى غيره، فما ترونه الآن غير ما كنتم ترونه من لحظة.
وعلى ذلك فالخلق مستمر، ولو قطع الله الإمداد لفني العالم.
تشبيه العالم بشريط السينما وأثر تصور الخلق المتجدد في النفس البشرية
يعني كأنهم يتصورون العالم كأنه شريط سينما على شاشة، وأن الله سبحانه وتعالى يخلق دائمًا وأبدًا وبصفة مستمرة. فإن هو أغلق سبحانه وتعالى تلك الماكينة التي منها الإمداد، انقطع الخلق مرة واحدة، لم نمت، ولو متنا فإن حزننا سيبقى موجودًا فينا، روحنا هكذا في فناء، ذهبنا كأنها شريط سينما وانتهى.
هذا التصور للخلق يؤثر في النفس البشرية؛ يشعر الإنسان بأنه لا حول له ولا قوة، يشعر الإنسان بمعانٍ عجيبة تؤثر في حياته اليومية، تؤثر في إحجامه وإقدامه على الأعمال والأفعال.
أثر تصور الحاجة الدائمة إلى الله في قول لا حول ولا قوة إلا بالله
هذا التصور أنني في حاجة دائمًا إلى الله سبحانه وتعالى يجعل ذلك المتصور لهذا عندما يقول لا حول ولا قوة إلا بالله يقولها من منطلق معين، ومن ذهن معين، ومن حالة نفسية وشعورية ونسق معرفي وفكري معين.
غير الذي يقولها وليس هناك في ذهنه هذا [التصور]، بل أنه يشعر أنه له استقلال وأن الله قد خلقه ثم تركه. ومن أجل ذلك كان الكلام على أحكام العرض كلام مهم، ولهم فيه ما يسمونه بالأحكام السبعة.
أهمية تصور الكون بين الجوهر والعرض وعدم خلو أحدهما عن الآخر
فالعرض هذا له أحكام سبعة عندهم. المهم الآن قبل أن نعالج هذه الأحكام السبعة أن نتصور جيدًا الكون ما بين الجوهر والعرض، وأن كل الكائنات دائرة بين الجوهر والعرض.
والعرض لا يخلو أبدًا - الجوهر عن عرض. والعرض نفسه لا يخلو عن جوهر؛ لأن التحيز عرض. نحن نقول أن الجوهر ما له حيز، حسنًا، والتحيز هذا نفسه عرض من الأعراض. فلا يخلو أبدًا أي جوهر عن الأعراض.
هدف الدورة فهم تصورات التراث لا تقويمها أو الاعتراض عليها
وهذا الذي جعل بعض الفلاسفة المحدثين يتركون هذا التقسيم؛ أنهم ينظرون إلى الواقع وما فيه. لكننا الآن في دورة نريد بها أن نفك شفرة التراث، لا أن نقومه ولا أن نعترض عليه. هنا نحن نريد أن نفهمه.
فكيف نفهمه؟ لا بد أن نفهم هذا الذي صدر منهم من خلال ما كانوا يتصورونه أولًا وقبل كل شيء. فلا يعترضن أحد منكم على أن هذا تقسيم غير مقنع مثلًا أو غير كافٍ، هذا لا نريده الآن.
فهم تصور الكون والوجود عند أهل التراث قبل القراءة والنقد
نحن نريد أن نفهم كيف كانوا يتصورون الكون، كيف كانوا يتصورون الوجود، ثم بعد ذلك نقرأ، وبعد ذلك نعترض أو لا نعترض، نوافق أو نكمل - هذا شيء آخر.
فهم كانوا يتصورون الجوهرية والعرضية بهذا الوضع.
الفرق بين العدم الممكن والعدم المستحيل وبين وجهي الإمكان
الفرق بين العدم الممكن والعدم المستحيل أن هذا [المستحيل] ليس له إلا وجه واحد. المستحيل ليس له إلا وجه واحد، أما هذا [الممكن] فإنه أحد وجهي العملة وهي الإمكان.
الواجب ليس له إلا وجه واحد، والمستحيل ليس له إلا وجه واحد، لكن الممكن له وجهان.
أبيات شعرية في أحكام العرض السبعة: زيد ما قام من ثقل مكمناً من فك
يزيد من فك من ثقل مكمن: زيدٌ ما قام، زيدٌ ما قام من ثقل، من فك. زيدٌ ما قام من ثقل مكمنًا، من فك، لا عدم قديم، لا حنى فيها المكمنا.
زيدٌ ما قة [أي ما قام بذاته]، يعني العرض زائد زائد عن الجوهر. العرض شيء والجوهر شيء آخر، فهو زائد وليس هو جزء من الجوهر، هو نفسه الجوهر - ليس هذا - بل الجوهر شيء والعرض شيء آخر.
استعمال زيادة العرض على الجوهر في إثبات وجود الله تعالى
ويستعملون هذا في إثبات وجود الله سبحانه وتعالى بتفصيل ليس هذا محله الآن. نحن ننظر إلى كيف كانوا يفكرون، كيف كانوا يتصورون. يتصورون الجوهر شيئًا والعرض شيئًا آخر.
عليه زيد، زيد أي أنها إشارة إلى أن العرض زائد على [الجوهر]، ليس هو عين الجوهر بل هو شيء آخر غير الجوهر زائد عليه.
العرض لا يقوم بنفسه في الوجود بل يحتاج إلى محل يوصف به
ولا يقوم [العرض] بنفسه. هل يمكن أن يقوم الفقر بنفسه أو الجمال أو القبح؟ كما قال سيدنا علي [رضي الله عنه]: لو كان الفقر رجلًا لقتلته.
الكفر والإيمان، هذه الأشياء لا تقوم بنفسها هكذا بحيث إننا نقول هذا كفر، هذا كفر، هذا شيء متميز هكذا. لا يقوم بنفسه في الوجود، بل يحتاج إلى إنسان يوصف به. فهو لا يقوم بنفسه.
العرض لا ينتقل من جوهر إلى جوهر ولا يبقى زمنين ولا يقوم بمحلين
لا ينتقل [العرض]، لا ينتقل من جوهر إلى جوهر. فلون بشرتي عندما يخرج ابني مثلي هو غير اللون القائم عندي، هو مثله وليس هو هو، إنما هو شيء آخر؛ لأن هذا العرض لا يبقى زمنين ولا يقوم بمحلين.
زيد ما قام ما انتقل ما كمن. الكرة وهي تتحرك، الحركة عرض، سكنت الكرة - الحركة لم تكمن فيها، لم تدخل داخلها، بل إنها انتهت ونشأت حالة جديدة تسمى بالسكون.
السكون مخلوق متجدد وإشكالية السببية في تجدد الأعراض
وحتى هذا السكون إنما هو مخلوق دائمًا له نهاية، يبقى لحظة ثم ينتهي ويُخلق سكون آخر ويُخلق سكون ثالث ويخلق سكونًا رابعًا.
وهذا سيسبب إشكالًا كبيرًا في قضية السببية، لكن لا بد علينا أن نفهم ماذا كانوا يريدون. هم كانوا يريدون أن الأعراض تنتهي وتُخلق أعراض أخرى. زيد ما قام انتقل كمن ما انفك، لا ينفك ما دام لا ينتقل ولم يبقَ زمنًا ولا ينفك ولا يقوم بذاته.
الأحكام الخمسة الأولى للعرض والحكمان السادس والسابع في تجدد الخلق
فهذه الزيادة والقيام والانتقال والانفكاك والكمون هذه خمسة، هذه الخمسة وصف للأعراض.
ثم بعد ذلك يكمل حكمين فيقول: السادس أنه يُعدم ويُنشأ عرض جديد، يُعدم ويُنشأ عرض جديد. ولذلك يقول: لا عدم قديم، لا عدم قديم، يعني القديم لا يُعدم ولكن العرض يُعدم. القديم وهو الله سبحانه وتعالى لا يُعدَم، كأنه يشير بذلك إلى أن العَرَض إنما هو الذي يُعدَم. ففيها إشارة: لا بد عليه أن ينتهي، أن ينتهي، أن ينتهي.
معنى لا حنى فيها: ليس هناك حوادث لا أول لها وامتداد الخلق في المستقبل
لأنهم يسمونها النحو، لأنهم أخذوا كذا كلمة وحولوها إلى هذا الرمز: لاحنى، ومعناها ليس هناك حوادث لا أول لها. دائمًا الشيء الحادث يكون له بداية، وهذه البداية قد تمتد ولكن امتدادها يكون دائمًا في طريق المستقبل.
فلو أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الأرض فإنه قادر على أن يخلق أرضًا أخرى وثالثة ورابعة وخامسة ومائة وألف ومليون ومليون وواحد، وهكذا إلى أي حد، إلى ما لا نهاية.
الفرق بين اللاتناهي في المستقبل واستحالته في الماضي عند المتكلمين
ما معنى ما لا نهاية؟ لا تناهي، بل أنه يأخذ في السير الذي لا نهاية فيه. هل يمكن أن يكون ذلك وقد تصورناه ووافقنا عليه بأذهاننا في قبيل المستقبل؟ فهل يمكن أن يكون ذلك في قبيل الماضي بأن يكون هناك خلق قبله خلق قبله خلق قبله خلق إلى ما لا نهاية؟
لا ضير في ذلك [في المستقبل]، حوادث لا نهاية لها ليس عليها حوادث لا بداية لها. والفرق بينهما أن في المستقبل القريب ما من حدث يقع إلا ويعقبه حدث مقدر، لكن في الماضي القريب ما من حدث وقع إلا وسبقه حدث وقع أيضًا [أي محقق].
استحالة وجود ما لا يتناهى من الأعداد في الماضي لأن الموجودات محصورة
ولا يمكن وجود ما لا يتناهى من الأعداد في الوجود، لا يمكن وجود ما لا يتناهى في الأعداد من الوجود. كيف أننا موجودون هنا لو عددنا أنفسنا لوجدناهم هكذا [عددًا محددًا]، فإذا دخل شخص يكون معدودًا هو الثاني.
لكن في الماضي ولا نهاية لها فليس لها عدد، كيف وهي كلها موجودة؟ الموجودات محصورة، الموجودات واقعة معنا معدودة. فلا يمكن أن نقول إنه لا عدد لها. يمكن أن أقول في قبيل المستقبل أنه لا عدد له، لكن في قبيل الماضي لا يمكن أن نقول لا عدد له.
ملخص التصورات الكلية: الأحكام العقلية والجوهر والعرض والمتحيز وغيره
على كل حال، ليست هذه التفاصيل، وإن كنت أريد أن أطوف بكم عليها، هي التي تجعلنا مستكملين للتصور الكلي الذي يجعلنا كذلك.
أنهم تصوروا الوجود بأحكام عقلية بين الواجب والممكن والمستحيل، وأن الممكن منه موجود ومعدوم، وأن الموجود منه متحيز وغير متحيز. هذا المتحيز هو العين، هو الجوهر، هو الشيء الذي له حيز. وغير المتحيز هو العرض، وهو تسعة أنواع، وله أحكام عندهم يشملها هذا البيت.
نظرية الوجود إحدى النظريات الكبرى المؤثرة في كل العلوم الإسلامية
هذه إحدى النظريات الكبيرة الضابطة للتصور الكامل الكلي الذي يؤثر في كل العلوم ترتبًا وتولدًا.
تصور القوة والفعل وتمثيله بالسيف والسكين عند المتكلمين
منها بعض التصورات الأخرى التي ينبغي أيضًا أن نستوعبها وأن نفهمها. منها قضية القوة والفعل: ما هو بالقوة وما هو بالفعل.
وتمثيل ذلك مثّلوه بالسيف. ما دمنا قلنا إن العرض من أحكامه أنه لا يكمن - ما كمّنا -، فكيف نفسر أن السيف قاطع؟ هل يكون كذبًا أن أقول إن السيف قاطع إلا إذا كان يقوم بالقطع فعلًا؟
فإذا ما انتهى من القطع - انتهت السكين من قطع قطعة اللحم ووضعتها في الدرج - فهي ليست بقاطعة.
الفرق بين القاطع بالفعل والقاطع بالقوة وتطبيقه على السكين
ما الفرق بين السكين وهي على المنضدة وبين السكين وهي تقوم بعملية القطع؟ قالوا: إذن هناك ما يسمى بالقوة وهناك ما يسمى بالفعل.
فالسكين أثناء القطع هي قاطعة بالفعل لأنها تقوم بالقطع الآن. والسكين وهي على المنضدة هي قاطعة بالقوة؛ لأن من شأنها - من شأنها وليس الآن - إنما هو من شأنها أن تقطع، من خصائصها أنها إذا ما جُرِّبت في القطع قطعت.
أهمية التفرقة بين ما هو بالفعل وما هو بالقوة في فهم التراث
والفرق هنا ينبغي أن يكون حاضرًا في أذهاننا عند القراءة سهلًا يسيرًا، أن هناك فارقًا كبيرًا بين ما هو بالفعل وما هو بالقوة.
وهذا استعمله المتكلمون والفقهاء والنحويون وكل الناس. ما هو بالفعل وما هو بالقوة ينبغي علينا أن نتفكر فيه. مثال السكين وأن نقيس عليه كل ما رأيناه مما نجده مبثوثًا في الكلام، لا ندركه على وجهه الصحيح إلا إذا كان معنا ذلك التصور للفرق بين ما هو بالفعل وما هو بالقوة.
مراتب الوجود الأربع: الأعيان والأذهان واللسان والبنان
قضية أخرى هي قضية مراتب الوجود. فبالتأمل وجدوا أن مراتب الوجود أربعة:
- وجود في الأعيان
- ووجود في الأذهان
- ووجود على اللسان
- ووجود في البنان
هذه المراتب أيضًا وإن اختلفت أسماؤها وما أُطلق عليها، إلا أنه كان أمرًا هامًا في تصوراتهم وأدائهم وكتابتهم.
الوجود في الأعيان يسمى الخارج والتفرقة بينه وبين الوجود الذهني
هناك وجودٌ في الأعيان ويسمى الخارج، وهي كلمةٌ قد لا ندرك أن معناها هو هذا: هذا القلم، وهذا التلفون، وهذا الكرسي - هذا خارجي، خارجٌ عني؛ لأنني أملك قدرة أن أغمض عيني وأن أتصور كل هذا في ذهني.
فأصبح عندي وجودان: وجودٌ خارجي ووجودٌ داخلي. فسُمّي ما في الأعيان بالخارج، وأصبحت كلمة الخارج مصطلحًا عامًا في كل العلوم يُستعمل بسهولة.
معنى مصطلح الخارج في التراث وبساطة التفرقة بين الخارجي والذهني
ويُقال وذلك لأنه ليس في الذهن بل في الخارج. فإذا لم ندرك معناه البسيط - وهو أمر بسيط - فإننا نقع في اضطراب في فهم العبارة.
وهو أمر سهل التصور جدًا: أن هناك شيء خارجي - خارجي يعني خارج عن ذهني - وهناك شيء قائم في ذهني. أن التفرقة أيضًا بين ما هو في الأعيان بالقصد الخارجي وبين ما هو في الأذهان بالقصد الداخلي [أمر جوهري في فهم التراث].
إدخال الفلسفة اللغوية في مراتب الوجود ووجود اللسان كمرتبة ثالثة
تمادَوا في تصورهم وأدخلوا الصياغة اللغوية والفلسفة اللغوية في القضية، فقالوا إن البشر من خصائصهم اللغة، يتكلمون باللغة. وهذه الألفاظ التي تخرج من الفم تدل على صور في الأذهان مطابقة للواقع في الخارج.
وعلى ذلك فهناك وجود آخر هو وجود اللسان. فلو أنني أشرت إليك بما في يدي وانتقل ذلك إلى ذهنك عن طريق حاسة البصر، لتصورت في ذهنك القلم. قلم هو الآن في الخارج، ومن غير كلام بيني وبينك يحدث في ذهنك عن طريق حاسة البصر فتحدث له صورة ذهنية.
دور اللسان في نقل الصور الذهنية والاستغناء عن إحضار الأشياء باللغة
ويكون الأمر دائرًا ما بين ما في الأعيان وما في الأذهان. لكن جاء اللسان يتحرك فينطق بالقاف واللام والميم على هذا الترتيب، ويخرج الصوت ليهتز الهواء ليصل إلى أذنك: قلم.
فإنني لو كان هذا [القلم] غائبًا ليس موجودًا أمامك وقلت لك قلم، فإنه يحدث في ذهنك صورة ذلك القلم حتى مع عدم وجوده في الأعيان. وهذه هي مهمة اللغة؛ لأننا استغنينا عن إحضار ما نريد بشفرة، بكلام، بألفاظ.
علاقة الدال بالمدلول والتفرقة بينهما من التصورات الكلية الأساسية
ما العلاقة بين القاف - بين صوت القاف واللام والميم بهذا الترتيب - وبين عين وذات هذا الشيء في الخارج؟ العلاقة بين هذا وذاك هي علاقة الدال بالمدلول.
فكلمة قلم دال وهذا الشيء مدلول. وأيضًا من تصوراتهم الكلية أنهم يفرقون دائمًا بين الدال والمدلول.
الخط واللفظ كلاهما دال على المدلول والحجاب عند فقدان معرفة الدال
وهناك أن أكتب كلمة قلم بهذه الطريقة مثلًا [بالحرف اللاتيني]، فإن الذي يدرك الحرف اللاتيني سيقرؤها قلم، والذي لا يدرك الحرف اللاتيني يقع في حجاب حتى لو كان يعلم القلم ذهنًا وواقعًا؛ لأن هذا مجرد معرِّف، مجرد دال على الشيء.
إذن أيضًا الخط يقوم بمقام الدال، واللفظ يقوم بمقام الدال.
أبحاث العلماء في علاقة اللفظ بالذهن والخارج ووضع اللغات
وهنا نجد أبحاثًا عندهم - لا داعي للدخول فيها - في علاقة اللفظ بما في الذهن وعلاقة اللفظ بما في الخارج. وهل وضع اللفظ - جعلوه من وضع اللغات سواء كان الله سبحانه وتعالى أو البشر أو الله والبشر - هل وضعوه لما في الخارج أم لما في الذهن؟ ويختلفون ويرجحون وينطلقون من ذلك.
لكن كل هذا ينضبط ويفهم إذا ما فهمنا أنهم قد فرقوا بين الدال والمدلول وفرقوا بين الوجودات في مراتبها المختلفة؛ لأن هناك فارقًا بين الدال والمدلول وبين تلك المراتب.
مراتب الوجود الأربع وتعدد العبارات المستعملة للتعبير عنها في التراث
فأصبح عندنا وجود في الأذهان ووجود على اللسان ووجود في البنان نترجم عن وجود في الأعيان.
قد لا تجد هذه الأنقنات [التقسيمات] مذكورة بوضوح لأن التراث كبير. أعيان، أذهان، اللسان، والبنان. لا شك أنهما يعبران؛ فالبنان يعبر بالخط، واللسان يعبر باللفظ، ويعبر عما في الأذهان بالعقل أو الفكر أو الداخل أو ما لدى الإنسان، ويعبر عما في الأعيان بالخارج. وهكذا تختلف العبارة.
اللمسة البلاغية في صياغة مراتب الوجود وضرورة تجاوز الألفاظ إلى المعاني
إنما هذه الصياغة الأخيرة التي مارسها العلماء بعد تصورهم عبر القرون، أرادوا أن يضيفوا إليها لمسة بلاغية بديعية يكون فيها نوع سجع وجرس موسيقي، فيقولون: أعيان، أذهان، لسان، بنان.
في حين أن الجميع لم يلتزموا بذلك. فعلينا إذن أن نتعدى وأن نتجاوز الألفاظ إلى المعاني، وأن ندرك في هذا الإطار أننا في مراتب للوجود متدرجة مختلفة.
ملخص ما تم تناوله من التصورات الكلية ومحاولة تطبيقها على نص فقهي
من تصوراتهم الكلية أيضًا - نحن تكلمنا الآن عن الموجود والمعدوم، وتكلمنا عن الجوهر والعرض، وتكلمنا عن القوة والفعل، وتكلمنا عن الأعيان والأذهان.
طيب، لو أننا حاولنا أن نقرأ النص الذي أخذناه بالأمس [في المحاضرة السابقة].
تطبيق التصورات الكلية على نص كتاب البيع وتقديم العبادات عليه
يظل هذا الذي ذكرناه اليوم [من التصورات الكلية حاضرًا في أذهاننا]. كتاب البيع آخره عن العبادات؛ لأنها أفضل الأعمال، ولأن الاضطرار إليها أكثر، ولقلة أفراد فاعله.
ولفظه في الأصل مصدر - يتكلم عن الوجود في اللسان وعن الوجود في الأعيان ويشير إلى وجود في الأذهان. كلمة بيع هذا لفظ، أما أن يكون مخطوطًا أمامي بخط في البنان أو يكون ملفوظًا بلسان.
البيع لفظ وحدث وكلاهما عرض والماهية الواحدة في الذهن مقابل الأفراد في الخارج
ولكنه في مقابل حدث، واللفظ عرض، والبيع فعل وهو عرض، والحدث هو فعل أيضًا فهو عرض، عرض من الأعراض التي تكون تحت الفعل. فلذا أفرده.
نعم، لأنه ذهننا على ماهية واحدة وحقيقة واحدة. ما في الأذهان يسمونه الماهية والحقيقة والمفهوم، كل هذه ألفاظ لشيء واحد وهو ما قام بالذهن. في حين أن ما بالأعيان يسمونه الهوية والمَصدق - يعني صدق عليه ما في الذهن.
اشتقاق مصطلح الهوية من التصور الكلي للعلاقة بين الذهن والخارج
والهوية أتت من كلمة "هو"، أي هو في الأذهان هو في الأعيان. فحتى نفس الاشتقاق أتى من التصور. لا بد أنه في تصور شيء في الذهن وشيء في الخارج هو هو.
كيف يكون هو في الذهن هو في الخارج؟ لو أننا فقدنا تلك التفرقة لما أصبح لكلمة "هو هو" معنى. فكل هذا وهم يصيغونه في أذهانهم.
المسلمات البدهية عند العلماء في التفرقة بين ما في الأذهان وما في الأعيان
المسلمات البدهية التي لا تحتاج إلى نقاش: أن هناك شيئًا قائمًا بالأذهان وأن هناك ما هو قائم بالأعيان. فلذا أفرضه وإن كان تحته أنواع في الخارج، لكنني أفرضه من قبيل الذهن؛ لأن حقيقته في ذهن البشر لا تختلف وهي المقابلة.
أما في الواقع فتحته أنواع. ولو نظرنا إلى الواقع لقلنا بيوع، لكن لو نظرنا إلى ما في الذهن لقلنا بيع. فهو واحد في ذهنه بالماهية وإن اختلفت أفراده.
الفرق بين الكلي والجزئي: الكلي أمر ذهني لا وجود له في الخارج
هذا الذي في الماهية يسمى بالكلي، وما في الأفراد يسمى بالجزئي. الكلي أمر ذهني فقط لا وجود له في الخارج.
الكلي ما لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع المشاركة والشركة فيه. كلمة إنسان لو أغمضت عيني وتصورت في عقلي إنسانًا، لا أنظر إلى الأفراد - حسن وحسين وحسنين - بل أنظر إلى شيء واحد وهو ما قام في ذهني، وهو ذلك المخلوق الرباني الحيوان الناطق - الإنسان - لا الأسد ولا القرد ولا أيضًا حسن وحسين من بني الإنسان.
الكلي ينظر إلى القدر المشترك بين الأفراد والجزئي يمنع الشركة فيه
الإنسان هكذا أكون قد تصورت كليًا. لماذا كلي؟ لأنني أنظر إلى القدر المشترك بين كل أفراده ليس عينًا. أين هذا القدر المشترك في الخارج؟ لا وجود له، لا وجود له في الخارج، وجوده في الذهن فقط.
أما الذي في الخارج فهو هذا الإنسان مضافًا إليه بعض الأعراض التي جعلته معينًا مشخصًا، مضاف إليه التشخيص. فبدأ من أنه إنسان أصبح صابرًا [أي شخصًا بعينه]، لم يعد الإنسان الذي في ذهني الذي أتحدث عن حقوق الإنسان وكرامة الإنسان.
الإنسان الكلي في الذهن لا وجود له في الخارج إلا بعد إضافة التشخيص
هذا الإنسان الذي في ذهني لا وجود له في الخارج، إنما الموجود في الخارج أفراده بعد أن أُضيف لذلك الكلي ما يجعله جزئيًا مشخصًا لا يشاركه فيه سواه.
ولذلك كان الجزئي هو ما يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه، ما يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه. فالكلي هو الإنسان والجزئي هو إبراهيم مثلًا.
تطبيق مفهوم الكلي والجزئي على الإنسان وإبراهيم عليه السلام
هذا كلي لأنه لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، فلو تصورته حسن أو حسين أو حسنين جائز، رجل أو امرأة، كبير أو صغير، ماشٍ.
في حين أنني لو تصورت أبو الأنبياء إبراهيم [عليه السلام] كان شخصًا واحدًا، أبوه آزر، وابناه إسماعيل وإسحاق، وزوجتاه سارة وهاجر، وهو شخص معين بالذات، ليس مكررًا ولا تقع الشركة فيه.
أهمية فهم التصورات الكلية لفهم التراث بصورة أعمق قبل النقد
لذلك افترض أنه إن كان تحته أنواع - انظروا إلى أننا بعد ما عرفنا شيئًا من التصورات الكلية عندهم، يمكن أن نفهم بصورة أعمق وأكثر عمقًا بكثير مما كنا نفهم في المرة السابقة.
فلو فقدنا ذلك أو نحيناه عن أذهاننا حين القراءة أو جهلناه، فإننا نقرأ بطريقة أقل فهمًا. ونحن إذا ما أردنا أن نكمل أو ننتقد أو نقبل أو نرفض، لا بد علينا أولًا أن نفهم. هذه هي القضية التي سأكررها إلى نهاية الدورة.
تطبيق مفهوم الاعتبار الذهني على تعريف البيع والشراء في النص الفقهي
ثم صار اسمًا لما فيه مقابلة على ما سيأتي. صار اسمًا إلى ما فيه - لما فيه مقابلة.
ثم إن أُريد به أحد شقّي العقل، المُدخل الاعتبار هنا سيؤثر الجهة، والجهة هنا ستكون من الأعراض. من أين ندخل في التعريف الذي يسمى من يأتي به بائعًا فيعرف بأنه تمليك بعوض على وجه مقصود.
ويقابله الشراء الذي هو الشق الآخر الذي يسمى من يأتي به مشتريًا، ويعرف بأنه تملك بعوض مخصوص على وجه مخصوص.
جواز إطلاق اسم البائع على المشتري اعتباراً ذهنياً والتفرقة بين الذهن والخارج
ويجوز إطلاق اسم البائع على المشتري وعكسه اعتبارًا من اعتبار معين، أي من جهة معينة.
وهنا، ولأننا قد استوعبنا أن هناك شيئًا في الأذهان وأن هناك آخر في الأعيان، فإنهم بالتأمل وجدوا أن الإنسان يمكن أن يفرق في ذهنه ما قد وحد في الخارج، وأنه قد يوحد في ذهنه ما هو مفترق في الخارج.
التفرقة بين المسلم والمؤمن في الذهن واتحادهما في الخارج
فالإنسان يمكن أن يفرق في ذهنه بين المسلم والمؤمن. فالمسلم هو الذي يظهر شعائر الإسلام، في حين أن المؤمن هو الذي يصدق بأمر الله ورسوله. لكنهما في الخارج واحد؛ لأنه ليس هناك شرعًا مؤمن إلا إذا كان مسلمًا، والمسلم عادة في الخارج مؤمن ولو بالدعوة، يعني حتى لو كان منافقًا فإنه يدعي بأنه مؤمن بالله ورسوله.
إذن فالمسلم والمؤمن في المفهوم والحقيقة مختلفان، لكنهما بالذات متحدان.
عبارة واحد بالذات مختلف بالاعتبار وتطبيقها على البائع والمشتري
وهنا يصيغون عبارة فيقولون: واحد بالذات مختلف بالاعتبار. كلمة الاعتبار تعني الجهة، أي ما قام في الذهن.
فعندما قالوا عكسه اعتبارًا أي في الذهن، يعني من الممكن أن نجعل هذا الذي قدم الشيء (ألف) هو البائع أو هذا الذي قدم الشيء (باء) هو البائع. ما الذي يتحكم في هذا؟ إنه تقسيم ذهني.
أما في الخارج فلم يحدث هذا؛ الخارج حدث تبادل من كلا الطرفين فهما متساويان في الخارج، لا نستطيع أن نطلق على واحد منهما أنه بائع ولا مشتري.
التعبير بالتمليك والتملك جاء من التصور الذهني والمعنى الشرعي للبيع
إنما هذا الكلام المصاغ أمامنا جاء من ذلك التصور والتعبير بالتمليك والتملك بالنظر للمعنى الشرعي. هذا سنفهمه بشكل أكثر وضوحًا عندما نتعرض للصياغات اللغوية والمنطقية كما سيأتي.
وإن أُريد به المركب من الشقين معًا بمعنى الغلقة الحاصلة من الشقين التي ترد عليها الإجازة والفسخ، فيقال له لغةً مقابلة شيء بشيء على وجه معاوضة، فيدخل ويخرج إلى آخر ما قال.
إطلالة سريعة على التصورات الكلية كمؤشر لوجوب الاهتمام بها لفهم التراث
هذه إطلالة سريعة لا ندعي بموجبها أننا قد حصرنا كل التصورات الكلية في ذهن التراثيين، بل نقول إنها مؤشر يدلنا ويرشدنا إلى وجوب الاهتمام بهذه التصورات الكلية واستخراجها وصياغتها وفهم النص من خلالها.
لأنها تؤثر في درجة ذلك الفهم وتؤثر في قدرتنا على فهم التراث والعبارة التراثية. باعتبارها أول مؤشر وهو قضية الاطلاع على التصورات الكلية عند الكاتبين في التراث، هي المرحلة الأولى أو هي العنصر الأول والقضية الأولى التي ينبغي أن نهتم بها حتى نبني ما نقول.
ملخص التصورات الكلية المذكورة في المحاضرة وأهميتها في بناء الفهم
الآن شيئًا فشيئًا: الوجود والعدم، الأحكام العقلية، الجوهر والعرض، الخارج والداخل، مراتب الوجود، القوة والفعل، وأمثال هذا.
أترك لكم الفرصة للأسئلة إن كان هناك أسئلة. وأرى التعب قد بدا على وجوهكم والإرهاق قد ظهر على أجسادكم، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فالعرض يظهر أثره وإن لم يستقل بضده.
مصادر التصورات الكلية في مقدمات علم الكلام عند الغزالي والرازي والتفتازاني
في هذا ما قلناه اليوم مثلًا، لأن المسألة واسعة. لكن التصورات الكلية التي ذكرناها اليوم سنجدها في مقدمات علم الكلام.
سنجدها مشروحة شرحًا طيبًا عند الإمام الغزالي في الأربعين في أصول الدين، سنجدها مشروحة شرحًا طيبًا عند الرازي في الأربعين أيضًا في أصول الدين. سنجدها في شرح المقاصد للتفتازاني مع توسعة عن قضايا العلم - كيف كانوا يفهمون العلم، خريطة العلم. خريطة العلم هذه تحتاج إلى محاضرة أخرى.
التصورات الكلية في مقدمات علم الكلام لا في صلبه وأهم الكتب المرجعية
لكننا نجد قضايا الوجود وقضايا العلم وأشياء من هذا القبيل سنجدها في مقدمات علم الكلام - مقدمات علم الكلام وليس في علم الكلام؛ لأننا لو رجعنا إلى ما كُتب في علم الكلام نراهم قد دخلوا في الموضوع سريعًا دون التعرض لها.
لكن سنجد عند الإمام الإيجي مثلًا في المواقف، وفي شرح المقاصد للتفتازاني، وفي الأربعين للغزالي والأربعين للفخر الرازي، والمباحث المشرقية للفخر الرازي، وغيرها من الكتب التي أتاحت مساحة لا بأس بها المقدمة لعلم الكلام - نجد هذا الكلام فيها الذي ذكرناه اليوم.
التصورات الكلية كانت مسلمات بدهية شائعة في الجو العلمي أكثر من الدرس
لكنني لا أريد أن أحصرك أيضًا في الحصول على التصورات الكلية في مثل هذه الكتب والمقدمات فقط. فالأمر شائع وواسع وكان يُنقل في الجو العلمي أكثر من نقله في الدرس.
مما كان يشكل مسلمات بدهية يصدق بها الجميع ويتجاوزونها ويتعاملون معها على أنها وصف للواقع: بأن هناك داخلًا وخارجًا ومفهومًا ومنطوقًا، وأن هناك جوهرًا وعَرَضًا. هذا ما لا خلاف فيه.
استيعاب التصورات الكلية من مقدمات علم الكلام والقراءة الواسعة في التراث
فاستيعاب هذه التصورات سيكون بالأساس من علم الكلام، من مقدمات علم الكلام، وبعد ذلك قراءة واسعة في التراث تبين لنا هذه التصورات الكلية.
ثم ستُعزز كما سنراه في الأسبوع القادم إن شاء الله، سنتحدث عن النظريات الحاكمة؛ لأن النظريات الحاكمة تتعلق بشيء من التصور الكلي لكنه خاص بمسألة معينة. أما هذا الذي نذكره فهو ليس خاصًا بشيء معين، بل هو خاص بمفهومية الإنسان في هذا الكون.
شعور الإنسان بحاجته الدائمة إلى الله وأثر ذلك في سلوكه وتوبته
إنه يشعر أنه على الأرض وأن هناك ربًا في السماء، وأن هناك ربًا خلقه وما زال يخلقه، وأنه لو قطع عنه الإمداد لما بقي الاستعداد.
وهكذا هو يشعر بهذا وهو يمشي وهو يصلي وهو يرتكب المعصية، حتى حتى وهو يرتكب المعصية. ومن أجل ذلك كان هذا التصور أقرب إليه إلى التوبة؛ يعرف كيف يتوب، ليس موغلًا موغلًا موغلًا.
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
وغير راضٍ أن يرجع، ولا يزيدهم إلا طغيانًا وعنادًا وكفرًا وعتلية.
اتفاق الأشاعرة على الخلق المتجدد حتى من قال ببقاء العرض زمنين
نعم، نعم، ليس كل الأشاعرة، كل الأشاعرة إلا الفلاسفة. نعم، لكن علماء الكلام هذا عندهم الخلق المتجدد هذا متفق عليه.
حتى عند من قال إن العرض يبقى زمنين كابن السبكي في نهاية جمع الجوامع، فإنه مقر معهم على أن الخلق متجدد. لكنه يقول إن العرض يبقى زمنين لأن العرض منه قار وغير قار، فيجعل غير القار مثل الزمان غير قار يجري وهو لا يستطيع أن يمسكه. لكن هذا سيقول هذا اللون ليس هو لون الأمس، لا تجعلوها باقية زمنين، لكنه يفنى.
الفرق بين الخلق المتجدد ومبدأ الصيرورة والتحول الدائم
هل انتبهت إلى ذلك؟ نعم، فهمت. متفقون على الخلق المتجدد، وإن أنكر بعضهم أو ادعى بعضهم أن العرض يبقى زمنين.
نعم، وهذا هو مبدأ الصيرورة والتحول الدائم. يعني مثلًا مثل ما بقي - لا، ليس التحول الدائم، هذا قانونًا آخر. لكن هذا خلق متجدد حتى لو لم يتم التحول، إنه إمداد دائم، ولو انقطع الإمداد فَنِيَ العالم.
دعاء لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين في ضوء تصور الخلق المتجدد
ولذلك هذا يشبه: اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. هو يعتقد، هو لا يدعو بأنه يعني من الممكن أنه لا، هو يقول اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين حتى لا أفنى.
أي معنى هذا كذلك: حتى لا أفنى من الوجود؛ لأنك لو وكلتني إلى نفسي طرفة عين انقطع الإمداد، وإن انقطع الإمداد ذهب الاستعداد، انتهى الأمر. لم يعد هناك استعداد، لم يعد هناك أحد مستعد يفعل شيئًا.
مقولة الإنسان لا يستحم في نهر واحد مرتين والفرق بين الخالقية والمخلوقية
أي يُعبّر عنه، أي ما بدأت الصيرورة كما يقولون إنه إن الإنسان لا يستحم في نهر مرتين في نهر واحد. يعني النهر أو البحر مثلًا، النهر المتغير أو تجدد المياه الدائم هذا.
هل هو نفسه تجدد الخلق؟ لا نريد أن ننظر إلى هذا من جانب الخلقية [أي صفة الخالق]، الإمداد هو الذي تقوله، لكن من جانب الخلقية ليس من جانب المخلوقية؛ لأنها في فارق ما بين الخالقية والمخلوقية.
إمكان تصور بداية للخلق دون نهاية وعدم إمكان تصور عدم البداية في الماضي
نعم، يمكن أن نتصور للخلق بداية لكن لا نتصور له نهاية. وبالعكس، يمكن أن نتصور عددًا لا نهائيًا في المستقبل.
يعني كيف؟ أتيت اليوم بقلم، غدًا سآتي بقلم، وفي الغد الذي بعده سآتي بقلم، سآتي بقلم إلى متى؟ إلى ما لا نهاية، إلى أن تنتهي المادة التي تأخذ منها الأقلام أو مدة لا يحدث عن [ذلك].
جميل جميل، فإن كان هذا من عدم، فإن كان هذا من عدم والعدم لا نهاية له لأنه هو الأصل فلا ينتهي.
ربط تصور اللاتناهي بالعقيدة وضرورة إثبات بداية للكون رياضياً ومنطقياً
لكن هذا التصور إذا ربطناه بالعقيدة لا بد أن نتصور بأن للكون نهاية وقيامة.
أنفاس أهل الجنة هل تتصورها النفس؟ الذي يخرج من أهل الجنة - نحن نقصد بالكون ذا القيامة والدنيا، وما الدنيا فقط - لا نقصد الخلقية سواء كان في الدنيا أو في الآخرة. هذا لا نهاية له، أنفاس أهل الجنة لا نهاية لها.
ولكن هل يمكن أن نتصور عدم النهاية هذا في قبيل الماضي؟ في الماضي بمعنى أن هذا الكون لا بداية له؟ لا يمكن أن نتصور هذا، لا بد أن له بداية رياضيًا ومنطقيًا، لا بد أن كل العقلاء لا بد أن يثبتوا له بداية.
إشكال ابن تيمية في تسلسل الحوادث في الماضي إلى ما لا نهاية
هذا الإشكال هو الذي حدث لابن تيمية رحمه الله.
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
قال: فلا بد أن يكون هناك عرش مع الله. قالوا: العرش مخلوق، ولو كان مع الله لكان شريكًا للباري في القِدَم. قال: لا، هو كان هناك عرش وفني، وكان قبله عرش وفني، وكان قبله عرش وهلك، وكان وكان وكان إلى ما لا نهاية.
قالوا له: أنت مجنون، لا يمكن أن يكون هناك ما لا نهاية في الماضي. ما لا نهاية كُن في المستقبل ولا تكن في الماضي.
الفرق بين المحقق في الماضي والمقدر في المستقبل واستحالة اللاتناهي الماضوي
لأن الماضي - انظر: ما من شيء محقق إلا وقبله شيء محقق، لكن في المستقبل ما من شيء محقق إلا وبعده شيء مقدر.
لا يوجد قلم هنا [في الماضي بلا بداية]، ولا يمكن وجود شيء له عدد في الكون ويكون غير محصور. ما هو محصور فهو لازم من بدايةً، يجب أن يكون محصورًا لأنه موجود، والموجود يمكن عدّه.
لكن الذي غير موجود هو الذي يمكن تخيّله وجعله كل مضاف واحد يزيد العدد مستمرًا إلى ما لا نهاية. لكن في الماضي لا يمكن تصوره.
خطأ ابن تيمية في تسلسل الحوادث وتقدير أنه لو امتدت به الحياة لرجع
فابن تيمية وقع في هذا لأنه أراد أن يثبت الصفة [صفة الاستواء]، فلما ناقشوه جعلوه يضطر للكلام هذا. لكن أظن أنه لو امتدت به الحياة لرجع ولوجد مدخلًا آخر لكلامه؛ لأنه لا يمكن أن يتصور عاقل هذا، فعدّوه من أخطائه.
الله خالق بالقوة لا بالفعل: صلوحياً لا تنجيزياً حتى لا يكون العالم قديماً
نعم، بالقوة لا بالفعل. لأنه - نعم - ها نحن بدأنا نستعمل التصور الكلي. لأن الله سبحانه وتعالى لو كان خالقًا بالفعل دائمًا لكان العالم قديمًا، والعالم هذا قديم لا يقتضيها المسلمون.
ولذلك فالله سبحانه وتعالى كان خالقًا صلوحيًا لا تنجيزيًا، يعني بالقوة لا بالفعل. صلوحيًا كان، أي أن صفاته تصلح للخلق لأنه قادر ومريد، فهو يصلح للخلق.
﴿يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
لا تنجيزيًا، ليس أنه خالق بالفعل، بل خالق بالقوة.
سؤال عن كيفية تثبيت التصورات الكلية وتوظيفها في فهم الكتب التراثية
ها، ماذا أيضًا؟ نعم، كيف يتم تثبيت هذه الدرجات الكلية على الكتب الدراسية، ومتى وكيف انتهى لنستعمله لفهم الكتابة؟
لا بد أن تكون هذه الأشياء في أذهاننا ونحن نقرأ حتى نفهم الكلام من خلالها.
التصورات الكلية لم تنتهِ لكن اتسع عدم الفهم بها وأصبح العارفون بها قلة
أما متى انتهت، فهي لم تنتهِ بعد، لكن اتسع عدم الفهم. العالمين بها الذي يعرف هذه التصورات أصبح قلة.
ولكن علينا مرة أخرى أن نعيدها حتى يعرفها كل الناس، فيكونوا مؤهلين لتلقي هذا التراث وفهمه من المشايخ. ولكن الآن عندما يدرِّس المشايخ ويفتقد الناس هذا، لا يفهم كثير منهم. فنريد أن نجعل الناس تهتم بهذا حتى تكون مهيئة للجلوس والفهم والتعامل مع التراث.
سؤال عن بداية هذه النظريات وكيف نشأت في القرنين الأول والثاني الهجريين
هل فهمت شيئًا؟ كيف تتحكم في البداية حتى تم التطبيق حتى كل الكتاب يكتبون وحسب هذه النظرية ابتداءً أو الآن ابتداءً؟ وكيف ينتهي؟
يعني أنا لا أفهم السؤال الآن، هكذا لا أفهم السؤال. هل تسأل عن كيف بدأت هذه النظريات؟
بدأت هذه النظريات في القرنين الأول والثاني للهجرة. بدأت لما دخل المسلمون فأُثيرت أمامهم أسئلة سألها غير المسلمين كانت معهم من ثقافاتهم وتراثهم في مصر وفي الشام، أيضًا فلسفة اليونان.
تأسيس التصورات الكلية في القرن الثاني الهجري وقضية خلق القرآن
المسلمون فكروا فيها طبقًا لأوامر الكتاب والسنة ولتصورات الدين الحنيف والعقيدة السليمة. كيف يجيبون عن هذه الأسئلة من خلال هذه المصادر ومن خلال هذه العقيدة؟ فأجابوا عنها.
وكانت قمة ذلك الانفصال كانت في قضية خلق القرآن التي ضُرب فيها الإمام أحمد بن حنبل وهو يصرّ على ألا ينتقل إلى مصطلحات جديدة وإجابات جديدة.
موقف الإمام أحمد من مسألة خلق القرآن وتطور إجابته بعد المحنة
بعد ذلك، عندما خرج [الإمام أحمد من المحنة]، كان كلما يُسأل عن القرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق، كان يقول: كتاب الله. فيضربونه: مخلوق أو غير مخلوق؟ مخلوق؟ كان يقول: كتاب الله.
لما خرج قال له أصحابه: شاعت الفتنة فلا بد من الإجابة. فقال لهم: هو كلام الله صفته غير مخلوقة، والسمع مخلوق والمسموع غير مخلوق، والكتابة مخلوقة والمكتوب غير مخلوق، ولفظي بالقرآن مخلوق.
رجوع الإمام أحمد عن عبارة لفظي بالقرآن مخلوق وتكفير من قالها
فشاع في وسط الناس أن أحمد يقول لفظي بالقرآن مخلوق - هو يقصد الهواء هذا [أي صوته الخارج]. قالوا: إذن كلام الله مخلوق!
فرجع وقال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو كافر. لماذا؟ لأنه يعامل الناس بمصطلحات جديدة، فلما لم تؤدِ كلمة "لفظ بالقرآن" مراده، انتقل إلى غيرها وعدَّ ذلك كفرًا؛ لأن صفة الله لا يمكن أن تكون مخلوقة.
تأسيس العلوم الإسلامية في القرن الثاني والثالث الهجري وشيوع التصورات الكلية
ثم بعد ذلك جاء أبو الحسن الأشعري والماتريدي والشافعي من قبلهم، وأسس كل منهم جانبًا. والخليل بن أحمد من قبلهم في النحو، وهذا في الأصول، وهذا في العقيدة.
فأسسوا في خلال القرن الثاني الهجري وأوائل الثالث أسسوا كل هذه التصورات، ثم شاعت في الكتابات والتدوين بعد ذلك.
ازدواجية التعليم في العصر الحديث وانفصال الناس عن التراث الإسلامي
وصلنا إلى العصر الحاضر وحدثت ازدواجية في التعليم، وحدث أن محمد علي باشا في مصر وقلَّده العالم الإسلامي جعلوا التعليم نوعين: نوع يدرس التراث والدين، ونوع آخر يدرس العلوم الطبيعية والتجريبية.
فنتج من هذا انفصال من أواسط القرن الماضي وإلى يومنا هذا بين الناس وبين التراث، حتى أصبحت هناك تلك الفجوة وذهبت تلك النظريات الكلية إلا عند قلة قليلة من المشتغلين بالتراث الذين يقرؤونه ليل نهار ويحرقون أعمارهم وأوقاتهم فيه.
ضرورة فهم التراث أولاً قبل محاكمته أو تقويمه بتصورات معاصرة
هل هذا هو السؤال؟ طيب، هل هناك سؤال آخر؟ نعم، التصورات العاصمة [المعاصرة] التي كانت سائدة في ذلك الوقت أو في تلك الأوقات السابقة للحكم على التراث أو استخدام التراث، يصبح ارتباكًا.
أريد أن أفهم ما الذي تفعله الآن، نوع من أنواع التقويم لأناس ليسوا معنا تبقى مشوشة. أنا أريد أن أفهم ماذا يقول، لا أريد أن أُقوّمه الآن. أين الفهم؟ هل أنت فهمت ماذا يقول لكي تعترض أو لكي تُقوّمه بشيء لم يره هو؟
أولوية فهم التراث وحل شفرته قبل الحكم عليه بالقبول أو الرفض
أنا أريد أن أفهم وأريد أن أحل شفرة التراث حتى نصل إلى مرحلة الفهم. ثم بعد ذلك لنا أن نقول إن هذا التعريف ضعيف وأن هذا التعريف قوي، وأن هذا الرأي لا أقبله وأن هذا المنهج أقبله وأكمل عليه بكذا إلى آخره.
فلا يمكن أن نحاكمهم قبل أن نفهمهم، ولا يمكن أن نحاكمهم بغير ما هناك [من أدوات الفهم].
التفرقة بين ما هو داخل الدورة وخارجها في مسألة تقويم التراث
فسؤاله إما أن يكون واقعًا خارج الدورة بمعنى أنه هذا الذي تقوله سنلجأ إليه بعد ذلك، ونرى إذا ما كان من الممكن أن يكون هناك أشياء قد توصل إليها البشر نستطيع بموجبها أن نسير على هدي من كلام الله ورسوله تكمل المسيرة أم لا.
وهل يوجد أم لا؟ يمكن أن يكون هذا من الكمال والإقناع وفيه من التكامل والنظام ما يغنينا عن هذا. أو تكون مقصودة داخل الدورة فيكون حكمنا عليهم بغير ما يمكن أن نحاكمهم به.
فإن كان خارج الدورة فنحن مصدقون معك، وإن كان داخل الدورة فنحن غير مصدقين. حسنًا، خارج الدورة. حسنًا، يكونون مصدقين. ألست أنت من سأل؟
السلام عليكم.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الأحكام العقلية الثلاثة التي يُدركها العقل في نفسه عند المتكلمين؟
الواجب والممكن والمستحيل
ما الذي يُسمى الجوهر في تقسيم الوجود عند المتكلمين؟
المتحيز البسيط الذي له حيز في الفضاء
ما موقف الأشاعرة من بقاء العرض؟
العرض لا يبقى زمنين ويتجدد خلقاً مستمراً
كم عدد المقولات العشر التي تصف جميع الموجودات؟
عشر مقولات تشمل الجوهر وتسعة أعراض
ما معنى مصطلح الخارج في التراث الإسلامي؟
ما يوجد خارج الذهن في الأعيان
ما الفرق بين القاطع بالفعل والقاطع بالقوة في مثال السكين؟
القاطع بالفعل يقطع الآن، والقاطع بالقوة من شأنه القطع لكنه لا يقطع الآن
ما مراتب الوجود الأربع عند علماء التراث؟
الأعيان والأذهان واللسان والبنان
ما الكلي في اصطلاح المتكلمين؟
ما لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه
ما معنى عبارة واحد بالذات مختلف بالاعتبار؟
الشيء واحد في الخارج لكنه يُنظر إليه من جهتين ذهنيتين مختلفتين
متى بدأت التصورات الكلية في الفكر الإسلامي؟
في القرنين الأول والثاني للهجرة
ما الذي يُسمى العرض في تقسيم الوجود؟
غير المتحيز الذي لا حيز له في الفضاء
ما الكتب التي تشرح التصورات الكلية في مقدمات علم الكلام؟
الأربعين للغزالي والرازي وشرح المقاصد للتفتازاني والمواقف للإيجي
ما معنى قاعدة إذا انفكت الجهة فلا تعارض؟
إذا انفكت إحدى المقولات العشر زال التعارض الظاهر بين الأوصاف
لماذا يقول المتكلمون إن الله ليس جسماً ولا جوهراً ولا عرضاً؟
لأن هذه كلها مخلوقات والله خارج عن تقسيم المخلوقات
ما الذي يُسمى الماهية والحقيقة والمفهوم في اصطلاح المتكلمين؟
ما قام بالذهن من تصور الشيء
ما التصور الإسلامي الأساسي للوجود الذي يفترق به عن غيره؟
الإسلام يُقر بأن الإنسان والكون مخلوقان لخالق، وأن هذه الحياة إلى فناء، وأن هناك يوم قيامة فيه حساب وعقاب وثواب، وأن الإنسان مردود إلى الله.
ما الفرق بين الواجب والممكن والمستحيل؟
الواجب موجود في ذاته لا يمكن أن يعدم، والمستحيل معدوم في ذاته لا يمكن أن يوجد، والممكن يقبل الوجود والعدم وهو ما يُطلق عليه المخلوق.
ما الفرق بين الجسم والجوهر في تقسيم المتحيز؟
الجوهر هو المتحيز البسيط كالجزء الذي لا يتجزأ، أما الجسم فهو المتحيز المركب من جوهرين أو أكثر وقد يكون له عمق وطول وعرض.
ما أحكام العرض السبعة باختصار؟
العرض زائد على الجوهر، لا يقوم بنفسه، لا ينتقل من جوهر إلى جوهر، لا يكمن، لا ينفك، يُعدم ويُنشأ غيره، وليس هناك حوادث لا أول لها.
ما البيت الشعري الذي يجمع المقولات العشر؟
زيد الطويل الأزرق ابن مالك في بيته بالأمس كان متكئاً بيده غصن لواه فالتوى. يشير إلى: الجوهر، الكم، الكيف، النسبة، المكان، الزمان، الوضع، الملك، الفعل، الانفعال.
ما الفرق بين الهوية والماهية في اصطلاح المتكلمين؟
الماهية هي ما قام بالذهن من تصور الشيء، والهوية هي ما في الأعيان أي ما صدق عليه ما في الذهن. والهوية مشتقة من هو أي هو في الذهن هو في الخارج.
ما الفرق بين الكلي والجزئي؟
الكلي ما لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه كمفهوم الإنسان، وهو أمر ذهني لا وجود له في الخارج. والجزئي ما يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه كإبراهيم عليه السلام.
لماذا يستحيل وجود ما لا يتناهى من الأعداد في الماضي؟
لأن الموجودات محصورة ومعدودة، وما هو موجود يمكن عده. فلو كانت الحوادث الماضية لا نهاية لها لكانت غير معدودة وهي موجودة، وهذا تناقض.
ما موقف الإمام أحمد النهائي من مسألة خلق القرآن؟
قال إن كلام الله صفته غير مخلوقة، والسمع مخلوق والمسموع غير مخلوق، والكتابة مخلوقة والمكتوب غير مخلوق. ثم رجع عن عبارة لفظي بالقرآن مخلوق وعدّ قائلها كافراً.
ما معنى أن الله خالق بالقوة لا بالفعل؟
يعني أن الله خالق صلوحياً لا تنجيزياً، أي أن صفاته تصلح للخلق لأنه قادر ومريد، لكنه لم يكن يخلق دائماً بالفعل، وإلا لكان العالم قديماً.
ما أثر تصور الخلق المتجدد في معنى دعاء لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين؟
يعني حتى لا أفنى من الوجود، لأن الله لو وكل الإنسان إلى نفسه طرفة عين انقطع الإمداد الإلهي وفني الإنسان، فالدعاء مبني على تصور الحاجة الدائمة إلى الإمداد.
ما الفرق بين المحقق في الماضي والمقدر في المستقبل؟
في الماضي ما من شيء محقق إلا وقبله شيء محقق موجود، أما في المستقبل فما من شيء محقق إلا وبعده شيء مقدر غير موجود بعد. لذا يجوز اللاتناهي في المستقبل دون الماضي.
كيف أدت ازدواجية التعليم إلى الانفصال عن التراث الإسلامي؟
محمد علي باشا جعل التعليم نوعين: ديني وعلمي تجريبي، فنتج انفصال بين الناس والتراث من أواسط القرن الماضي، وأصبح العارفون بالتصورات الكلية قلة.
ما الفرق بين التصورات الكلية والنظريات الحاكمة؟
التصورات الكلية خاصة بمفهومية الإنسان في الكون وهي عامة لكل العلوم، أما النظريات الحاكمة فتتعلق بشيء من التصور الكلي لكنها خاصة بمسألة معينة.
ما معنى أن العرض لا يكمن في الجوهر؟
يعني أن العرض لا يختفي داخل الجوهر ثم يظهر، بل إنه ينتهي تماماً وتنشأ حالة جديدة. فالحركة عندما تسكن الكرة لا تكمن فيها بل تنتهي وينشأ السكون كعرض جديد.
ما أثر التفريق بين الأعيان والمنافع في الفقه الإسلامي؟
أثّر في الخلاف الفقهي حول تعريف المال: هل يشمل الأعيان فقط أم يشمل المنافع أيضاً؟ وهو خلاف مبني على التصور الأساسي للوجود بين الجوهر المتحيز والعرض غير المتحيز.
ما الذي يُسمى المصداق في اصطلاح المتكلمين؟
المصداق هو ما في الأعيان أي الأفراد الموجودون في الخارج الذين صدق عليهم ما في الذهن من الماهية والمفهوم.
لماذا لا يوجد الكلي في الخارج؟
لأن الكلي هو القدر المشترك بين الأفراد وهو أمر ذهني فقط. ما يوجد في الخارج هو الأفراد المشخصون بعد إضافة أعراض تجعل كل فرد معيناً لا يشاركه فيه سواه.
