مكونات العقل المسلم | 29 | التجريد | أ.د علي جمعة
- •التجريد من مكونات العقل المسلم الأساسية، حيث يمارسه في فهم النصوص وتكوين القواعد الفقهية والجمع بين الأدلة.
- •يتضح التجريد في فهم حديث "دخلت امرأة النار في هرة حبستها" بتحويل المرأة إلى إنسان والهرة إلى حيوان، ثم استخلاص قاعدة أن العلاقة بين الإنسان والأكوان قائمة على الرحمة لا القسوة.
- •استخدم العلماء التجريد في القواعد الفقهية مثل "المشقة تجلب التيسير" و"الميسور لا يسقط بالمعسور" بجمع الفروع وتجريدها للوصول إلى القواعد.
- •طبق العلماء التجريد في الجمع بين الأدلة المتعارضة كالجمع بين النهي عن الصلاة في أوقات معينة وحديث "لا يمنعن أحدكم من يطوف بالبيت أن يصلي ركعتين".
- •ميّز الإمام الشافعي بين النوافل ذات السبب السابق أو المقارن فأجازها في أوقات النهي، والنوافل بدون سبب أو بسبب لاحق فمنعها.
- •أسهم التجريد في بناء العقل المسلم وتكوينه وفهمه للنصوص بعمق.
التجريد مكون أساسي من مكونات العقل المسلم وممارساته المتعددة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من مكونات العقل المسلم أنه يقوم بعمليات التجريد؛ فهو عقل لديه قدرة على التجريد. والتجريد عندما يمارسه المسلم، وعندما مارسه فإنه مارسه بأساليب شتى:
- •مارسه في فهم النص.
- •ومارسه في تكوين القواعد الفقهية والضوابط.
- •ومارسه في الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض.
وفي باب التعارض والترجيح من أصول الفقه، يمارس المؤمن المسلم بعقليته الفذة قضية التجريد، حتى صار التجريد مكونًا أساسيًا من مكونات تلك العقلية، ويعبر عن هوية هذا العقل.
فهم التجريد من خلال حديث المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها
كيف نفهم التجريد؟ بضرب المثال يتضح الحال.
من ناحية فهم النص مثلًا، نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:
قال رسول الله ﷺ: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها، قطة صغيرة، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»
وحينئذ يفكر المسلم وهو يفهم النص، ويضع أمامه العلاقة التي تكلم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المرأة والهِرّ، ويقول: طيب، أنا أريد أن أجرد حتى أفهم بعمق.
الفرق بين التشخيص والتجريد في فهم النصوص النبوية
من هي المرأة؟ هل هي امرأة مخصوصة؟ هل هي دعد التي حبست القطة وهي التي ستدخل النار دون سواها من النساء؟ أو أن المرأة هنا تعبير ومثال للإنسان؟
فلو أننا حذفنا المرأة ووضعنا مكانها سعاد، نكون بصدد ما يسمى بالشخصنة [أي التشخيص]؛ لأن رسول الله تحدث عن امرأة، أي امرأة، ونحن هنا نحاول أن نختزل المرأة في امرأة واحدة اسمها سعاد، فهذا فيه تشخيص.
أما التجريد فعلى العكس، فهو أن أقول إن المرأة هنا إنسان، طيب، والهرة عبارة عن حيوان. هل هي هرة بعينها التي كانت عند سعاد؟ هي عند سعاد حيوان.
تطبيق التجريد للوصول إلى حقيقة العلاقة بين الإنسان والأكوان
والتجريد معناه أن ألغي هذا [التشخيص]، ولذلك فقد جردت الهرة فصارت حيوانًا. التشخيص هو أن أجعل الهرة هي هرة معينة ماتت عند سعاد وكنا نطلق عليها "بس"، لكن إذا ألغيت الهرة وبلغت قضية الحيوان أكون قد جردت.
إذن هذه علاقة بين الإنسان والحيوان، والحيوان ينتمي إلى الأكوان، إذن هذه علاقة بين الإنسان والأكوان.
هذه العلاقة أُمرنا أن تكون على حد الرحمة، ونُهينا أن تكون على حد القسوة. هذا نوع من أنواع التجريد: أن أخرج في النهاية بحقيقة تقول: العلاقة بين الإنسان المسلم والأكوان هي الرحمة لا القسوة.
تأكيد نتيجة التجريد بحديث المرأة البغي التي سقت الكلب فدخلت الجنة
وإذا تتبعت الأحاديث حديثًا وراء حديث أخرج بنفس النتيجة؛ أنه دخلت امرأة بغي من بني إسرائيل، امرأة دخلت الجنة بسبب كلب وجدته عطشانًا فسقته، فأدخلها الله الجنة.
إن العلاقة هي بين امرأة وكلب، فلنجرد المرأة إلى الإنسان، والكلب إلى الأكوان، وتكون الرحمة مطلوبة وسببًا في إدخال هذا الإنسان أو المرأة الجنة، والقسوة منبوذة كما في الحديث الأول.
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
أيضًا عبارة عن أمر بالرحمة لمن في الأرض، ومن في الأرض يشمل المؤمن والكافر.
شمول لفظ "مَن" للعاقل وغير العاقل وحقيقة التجريد في الاستنباط
وكذلك هل يشمل [الأمر بالرحمة] أيضًا الأكوان؟ نعم، نذهب إلى العربية فنرى أن "مَن" تُطلق ويُراد منها ما اجتمع بين العاقل وغير العاقل إذا كان العاقل أكثر، أو إذا كان التنبيه إليه أولى.
إذن هذا هو التجريد: أن نحذف الشيء ونأتي بجنسه، ونحذف هذا الجنس ونأتي بجنسه، إلى أن نفهم بعمق النصوص.
تطبيق التجريد في صياغة القواعد الفقهية من الفروع الجزئية
إذا أيضًا فعلوا هذا [التجريد] في القواعد الفقهية:
- •من أين أتوا بأن المشقة تجلب التيسير؟
- •ومن أين أتوا أن الميسور لا يسقط بالمعسور؟
- •ومن أين أتوا بقاعدة تقول: هل العبرة في العقود بالألفاظ والمباني أو بالمقاصد والمعاني؟
جمعوا مجموعة كبيرة جدًا من الفروع وجردوها، وهذا التجريد أدى إلى التقعيد. فنظروا إلى أنه هنا قاعدة، مثلًا: من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه إذا كانت المصلحة ليست في مراعاته، فبدأوا يضعون التقعيد من التجريد.
كيفية استخراج القواعد الفقهية من تجريد الفروع المتعددة
فإنهم يأتون بالفرع ويفهمون منه أن الميسور لا يسقط بالمعسور، ويأخذون هذا المعنى المجرد، ثم ينضم إليه نفس المعنى المجرد من فروع كثيرة بألفاظ كثيرة بأوضاع كثيرة، فيصلون في النهاية إلى القاعدة.
هل يدخل المتكلم في عموم كلامه أم لا؟ فيرى فرعًا وأن رجلًا قال: هذا البستان للفقراء، ثم صار فقيرًا، هل يدخل أو لا يدخل في الأكل من البستان؟ رجل قال: كل النساء السائرات في شارع كذا طوالق، وكانت امرأته منهن، تُطلق أو لا تُطلق؟
وجمعوا مثل هذا حتى صاغوا القاعدة: أن المتكلم يدخل في عموم كلامه، أو قاعدة أيضًا أن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه، فصاغوها بصيغة السؤال: هل يدخل المتكلم في عموم كلامه أم لا؟
التجريد في فهم النصوص والتقعيد والتعارض أوصل المسلمين إلى حقائق عليا
هذا التجريد في فهم النصوص، وفي التقعيد، وفي التعارض والجمع، أوصل المسلمين إلى حقائق عليا. ولعلنا نفرد في حلقة قادمة إن شاء الله مسألة أن الطفولة توقف الأحكام، وذلك بناءً على مفهوم التجريد.
فالتجريد دائمًا كان مكونًا أساسيًا من مكونات العقل المسلم، سواء في:
- فهم النصوص.
- أو في الفقه الإسلامي وفي عملية التقعيد والخروج بالأشباه والنظائر والقواعد.
- أو في التعارض والترجيح.
مثال على التعارض بين حديث النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة وحديث الصلاة بعد الطواف
جاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول مثلًا:
قال رسول الله ﷺ: «يا بني عبد مناف، لا يمنعنّ أحدكم من يطوف بهذا البيت في أي ساعة شاء من ليلٍ أو نهارٍ أن يُصلي لله بعد الطواف ركعتين»
والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر إلى غروب الشمس، وعند الغروب، وبعد الفجر إلى شروق الشمس، وعند الشروق، وعند استواء الشمس في رابعة النهار في قبة السماء.
إذا كان هناك تعارض فلنجمع بينهما. كيف تكون القضية؟ إنني في الكعبة بعد العصر طفت، وهناك نهي عن أن أصلي لأنني بعد العصر، ونهى رسول الله عن الصلاة، فكيف أفعل بركعتي الطواف؟
الجمع بين الحديثين وتجريد مسألة الاستثناء هل هو للمكان أم للزمان
فيأتيني الحديث الآخر ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «يا بني عبد مناف، لا يمنعنّ أحدكم أحدًا طاف بالبيت أو من يطوف بالبيت أن يصلي ركعتين في أي وقت شاء من ليلٍ أو نهارٍ»
إذا كان فيه تعارض فلا بد من الجمع. هذا تجريد، يعني جرّدنا المسائل.
كيف نجردها؟ هل الله سبحانه وتعالى نهى عَبْرَ العالم واستثنى مكة، فيكون الاستثناء متعلقًا بالمكان؟ أو أنه نهى عن الزمان هذا بما يشمل مكة، ويقيّد حديث بني عبد المناف: يا بني عبد مناف، فيكونوا استثناءً من الزمان؟
يا بني عبد مناف، لا تمنعنّ أحدًا طاف بهذا البيت أن يصلي ركعتين في أي وقت شاء من ليلٍ أو نهار، معناها: إلا هذه الأوقات المكروهة التي سبق أن كرهتها عليكم.
اجتهاد الإمام الشافعي في تقسيم النوافل بحسب السبب في أوقات الكراهة
يفكر العلماء في مثل هذا، ويخرج الإمام الشافعي بعد تفكير عميق بقضية أن النهي سواء في الزمان أو المكان للنافلة التي ليس لها سبب، أو التي سببها يكون لاحقًا عليه.
أما التي لها سبب سابق أو مقارن فيجوز الصلاة حينئذ. إذن:
- •تحية المسجد تجوز في هذه الأوقات [المكروهة].
- •وركعتا الطواف تجوزان؛ لأن الطواف سابق عليهما.
- •وصلاة الكسوف تجوز؛ لأن الكسوف مقارن.
فيبقى: يجوز [ما كان سببه سابقًا أو مقارنًا]، أما الاستخارة والاستسقاء فلا يجوزان، والنافلة المطلقة التي لا سبب لها لا تجوز.
تقسيم الإمام الشافعي للسبب إلى أربعة أقسام وخلاصة التجريد في العقل المسلم
فقد قسم [الإمام الشافعي] السبب إلى أربعة أقسام:
- سابق.
- ومقارن.
- ولاحق.
- وليس هناك سبب [أي النافلة المطلقة].
وأجاز في الحالتين ما كان سابقًا أو مقارنًا، وحرّم في الحالتين الأخريين؛ لأن الصلاة المكروهة إذا اشتغلت بها لكانت حرامًا وباطلة، وقال بمراعاة هذه الكراهة في [النافلة] والسبب عديم السبب.
تجريد! هذا التجريد شغل بال المسلمين وكوَّن عقلهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
