مكونات العقل المسلم | 4 | التكليف | أ.د علي جمعة - التفكير المستقيم, مكونات العقل المسلم

مكونات العقل المسلم | 4 | التكليف | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • التكليف هو طلب ما فيه مشقة، سواء كان طلباً للفعل أو للترك، وبذلك تتكون الأحكام الشرعية.
  • الطلب الإلهي قد يكون لازماً وقد يكون غير لازم، مما أوجد الأحكام الخمسة: الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح.
  • الواجب هو ما يلزم فعله كالصلاة والزكاة، أما المندوب فهو مستحب غير لازم كالسنن والنوافل.
  • الحرام هو ما يلزم تركه سواء كان من الكبائر كالشرك والزنا، أو من الصغائر التي تستوجب التوبة والاستغفار.
  • المكروه هو ما يُطلب تركه لكن دون عقاب على فعله، أما المباح فهو ما لا طلب فيه.
  • العلاقة بين العبد والله في التكليف هي علاقة حب، والمشقة تنتج الأجر والثواب.
  • الإيمان باليوم الآخر من مكونات العقل المسلم وركن أساسي لفهم التكليف.
  • دائرة التكليف محدودة ودائرة المباح واسعة جداً.
  • الفقه الإسلامي يبحث في هذه الأحكام الخمسة ليصف بها أي فعل بشري.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مكونات العقل المسلم: الإيمان والتكليف كركائز أساسية

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. مع مكونات العقل المسلم، وكيف نستعملها في بناء الشخصية المسلمة، تحدثنا عن طبيعة العقل، وعن الإيمان بالله كمكون أول وأساس ورئيس للعقل المسلم، وتحدثنا عن الإيمان بالرسل والأنبياء والكتب والوحي، وأن الله سبحانه وتعالى. لم يترك الناس عبثاً بل أرشدهم وأنزل لهم طريق الحق وطريق الله وطريق الخير وبيّن الباطل والشر حتى يجتنبه الناس. نحن الآن أمام قضية التكليف، والتكليف كما هو في اللغة معناه طلب ما فيه مشقة، وطلب ما فيه مشقة إما أن يكون طلباً للفعل وإما أن يكون طلباً للترك، ولذلك تكونت الأحكام الأربعة وهناك حكم خامس وهو الإباحة أن الله سبحانه وتعالى لم يطلب منا الفعل ولم يطلب منا الترك.

تفصيل مفهوم التكليف وأنواع الطلب الشرعي في الإسلام

تفصيل ذلك أن الله أنزل الكتاب وأرسل رسوله بالهدى ودين الحق وقال لنا افعل ولا تفعل. كلمة "افعل" طلب، وكلمة "لا تفعل" أيضاً طلب. هذا طلب ويسمى أمراً "افعل" وهذا. طلب ويسمى نهياً، "لا تفعل الأمر" يقتضي الفعل، و"لا تفعل" يقتضي الترك. إذا أمرنا الله سبحانه وتعالى بالفعل وأمرنا أيضاً بعدم الفعل على أشياء معينة بينها لنا، لاحظنا أن أمره سبحانه وتعالى وأن نهيه سبحانه وتعالى قد يكون كل واحد منهما لازماً، يعني لا بد أن نفعل، وقد يكون كل واحدٌ منهما ليس بلازم، يعني يُحِبُّه اللهُ أن نفعلَ أو يُحِبُّ اللهُ أن لا نفعلَ، لكنه لا يُلزِمُنا بذلك، بل يتركنا بحريتنا نفعلُ أو لا نفعلُ. ولكن إذا فعلنا كان ذلك أحبَّ إلى الله، وإذا تركنا كان ذلك أحبَّ إلى الله سبحانه وتعالى.

الواجبات والمندوبات في الشريعة: أمثلة ومعانٍ

فتكوَّن عندي أربعةُ أحكامٍ الطلب بالفعل ويكون لازماً ويسمى واجباً. الواجب هو ما يجب عليّ أن أفعله كالصلاة والزكاة والحج ولو مرة واحدة في العمر، وكالجهاد في سبيل الله عند حلول البلاء والعدوان وزيادة الطغيان. مثل هذه الأشياء هي واجبات، ولكن هذا الواجب هو عبارة عن طلب رباني إلهي من الإنسان بأن يفعل، وبالفعل إذا فعلته أو طلب يكون هذا الطلب غير لازم إفعل ولكن غير لازم، فصلوات السنن، وصيام الاثنين والخميس هو من نوع الصيام، والعمرة بعد العمرة، والحج بعد الحج (حج النافلة) الذي هو ليس بحج الفريضة. حج الفريضة مرة واحدة في حياة الإنسان. فهذه النوافل تسمى بالمندوب، أمرنا الله سبحانه وتعالى ليس على سبيل الإلزام، بل أمرنا على سبيل الاستحباب والندب.

المحرمات والمكروهات: الفارق بين الكبائر والصغائر وأثرهما

كذلك نهانا عن الكبائر، بل وعدّدها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا السبع الموبقات: الشرك بالله، والسحر، وعقوق الوالدين، والقتل، قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والزنا، والسرقة". كل هذه الأشياء الكبائر حرام، والحرام ليس مقتصرًا على الكبائر فقط، بل أنه قد يكون أيضاً للصغائر، فإذا فعلت هذه الصغيرة يأثم الإنسان. فعندما نهاني عن الزنا، نهاني عن النظر المحرم لعورة النساء، ونهى النساء عن النظر المحرم لعورة الرجال. فإذا نظر رجل إلى امرأة أو إلى عورة امرأة، فإنه يكون قد ارتكب حراماً، لكنه ليس من الكبائر بل من اللمم. من الصغائر وليس هذا معناه أن نفعله، بل لا بد علينا من التوبة، ولا بد علينا من الاستغفار، ولابد علينا من الإقلاع عن الذنب ومقاومة النفس، لأن بعض الناس يعتقد أنه ما دام ذنباً صغيراً فإنه يُباح له أن يفعله. هذا يناقض كلمة "حرام"، فهذا حرام، و"حرام" معناها أن الله سبحانه لا يرضى عنه أنه سيعاقب على فعله مكروه، لا يعاقب الله على فعله، لكنك لو تركته لأن الله يكرهه فإن الله يثيبك ويعطيك ثواباً، وإذا فعلته لا يحاسبك عليه رحمةً من عنده. ويبقى

المباح والتكليف بالمشقة: الطاعة والمحبة لله

الخامس وهو المباح الذي لا طلب فيه، إذا التكليف معناه طلب شيء فيه مشقة، على الإنسان. الوضوء فيه مشقة، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "والوضوء على المكاره". الدنيا باردة في الصباح وتتوضأ فتتأذى، هذا تكليف فيه مشقة، ولكن بالرغم من أن فيه مشقة إلا أنه أولاً: فيه ثواب، وثانياً: إذا لم تفعل الوضوء لا تصح الصلاة وتأخذ عقاباً، ولذلك هذا واجب عليك أن تفعله. هكذا فإذا فعلته وقد أحسنت علاقتك مع الله سبحانه وتعالى، تعبد الله بحب وأنك تطيعه، تجد ثوابًا وبركة، وهو من مكفرات الذنوب. الوضوء على المكاره. تعصى الإله وأنت تظهر حبه، هذا لعمري في القياس بديع، لو كنت حقًا حبه لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع. يعني العلاقة في التكليف وإن كانت هي تحمل المشقة إلا أنها علاقة الحب بين العبد وبين ربه،

الإيمان باليوم الآخر: دافع المسلم لقبول التكاليف الشاقة

هذا من مكونات العقل المسلم. لأن بعض الناس وهو يراني وأنا أتوضأ في البرد وأنا أمشي إلى الصلاة في الظلمات، قد يتعجب وقد ينكر ويقول: يعني ما الذي جعلك تستيقظ من النوم ثم تترك الفراش الهانئ الدافئ وتذهب للوضوء؟ بهذه الصفة أمجنون أنت؟ فقل له: لا، أنا محب لأن الله سبحانه وتعالى أمرني بذلك، بل وفرض علي ذلك. وإن كان في هذا، أنا أدرك أن هذا فيه مشقة ولكني أرجو ثواب الله. وهنا سوف يتعجب: وهل يعطونكم في المسجد عندما تذهبون يعني مكافأة للحضور؟ أقول له: لا، هذا الثواب. إنما هو في اليوم الآخر فجاء من مكونات العقل المسلم التي يقيس بها ويفهم بها الأشياء ويقوم بها الخير والشر الإيمان باليوم الآخر،

مراتب الدين: الإيمان والإسلام والإحسان في حديث جبريل

وأصبح الإيمان باليوم الآخر ركناً من أركان الإيمان، ولذلك نجد حديث جبريل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم فإنه يسأل رسول الله ما الإيمان، فذكر له ستة أركان، فيقول له صلى الله عليه وسلم: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء خيره وشره". قال: "ما الإسلام؟" قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. قال: صدقت. وما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك. هذه الثلاثة الأقسام: الإيمان والإسلام والإحسان هي مراتب الدين، وهي حقائق إيمانية قد كوّنت وجدان المسلم، وكوّنت أيضًا عقل المسلم.

سعة المباح ومحدودية التكليف: دور الفقه الإسلامي

بالتكليف سوف يسلّمني إلى المكوّن الذي بعده. وهو الإيمان باليوم الآخر، إذا ما ذهبنا إلى هذا التكليف وجدنا أن التكليف محصور أفعال البشر كثيرة لا تتناهى، ولكن ما المباح وما المطلوب؟ نجد أن الله سبحانه وتعالى حرم علينا أشياء بعينها، أشياء قليلة، دائرة قليلة جداً، وبقية أفعال البشر مباحة، فدائرة التكليف ضيقة جداً سواء كانت الواجب أو في المكروه أو سواءً أكانت في الحرام أو المندوب، كلاهما كلا الأمرين: الواجب والمندوب، أو الحرام والمكروه. كل نوع من هذا التكليف تجده قليلاً جداً، أما المباح فهو أمر كثير جداً. تكلم علماء الأصول باستفاضة واسعة كبيرة، وقسموا هذه الأحكام ونظموها حتى يستطيعوا أن يتعاملوا مع القرآن ومع السنة ومع الواقع المعيش الذي نعيشه بطريقة تكون أقرب ما تكون إلى رضا الله سبحانه وتعالى، ونتج من هذا التعامل الفقه الإسلامي. والفقه الإسلامي تراه مع ثرائه وكثرة ما كتب فيه من الأبحاث هو يبحث عن هذه الخمسة حتى يصف بها أي فعل بشري إلى يوم الدين. ولذلك كلما سأل الناس عن أي شيء استطاع الفقه الإسلامي أن يجيب على هذا الشيء بهذه القواعد: أن التكليف محصور وأن الإباحة هي الواسعة، وأنه لا تكليف إلا بنص، وأنه ينبغي علينا أن نتبع النصوص التي هي الوحي. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.