اكتمل ✓
قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة وتطبيقاتها في الفقه الإسلامي - فقه, قواعد الفقه الإسلامي

ما معنى قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة وكيف تُطبَّق على المحدثات والأطعمة الجديدة؟

قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة تعني أن كل شيء لم يرد نص شرعي بتحريمه فهو مباح حتى يقوم الدليل على خلافه. وهي قاعدة يعمل بها جمهور الفقهاء استناداً إلى حديث النبي ﷺ: «وما سكت عنه فهو عفو». تُطبَّق هذه القاعدة على المحدثات والأطعمة والنباتات الجديدة، فيُحكم بإباحتها ما لم يثبت ضررها أو ورد نص بتحريمها.

4 دقائق قراءة
  • هل كل شيء لم يُحرَّم شرعاً يُعدّ مباحاً بالأصل، أم يجب التوقف حتى يُعرف حكمه؟

  • قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة تمثل مساحة العفو في الشريعة، وهي متفرعة عن قاعدة اليقين لا يزال بالشك.

  • جمهور الفقهاء يرون أن المسكوت عنه شرعاً مباح، بينما يرى الحنفية التوقف فيه حتى يُعرف حكمه.

  • حديث النبي ﷺ «وما سكت عنه فهو عفو» يؤيد مذهب الجمهور ويدعو إلى تقليل السؤال عما سكت عنه الشرع.

  • تُطبَّق القاعدة على الحيوانات المُشكَلة كالزرافة التي أباحها الإمام أحمد، والفيل الذي حرّمه الشافعية لاستقذار العرب له.

  • النباتات المستحدثة كالشاي والبن أُبيحت لعدم إسكارها، بينما حُرِّم الحشيش والدخان بعد ثبوت ضررهما قطعاً.

مقدمة الحلقة وتعريف قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات قواعد الفقه الإسلامي، مع قاعدة أخرى نلقي عليها مزيدًا من الضوء ونفرّع عليها بعض الفروع.

قاعدتنا اليوم تقول: الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدلّ الدليل على التحريم. الأصل في الأشياء الإباحة، قاعدة مشهورة يستخدمها الكثيرون عند الفتوى؛ لأنها تمثل مساحة العفو في الشريعة، وهي قاعدة متولّدة من القاعدة الكبرى: اليقين لا يزال بالشك.

الخلاف بين الجمهور والحنفية في حكم المسكوت عنه شرعًا

الأصل في الأشياء الإباحة عند جمهور الفقهاء، وذهب السادة الحنفية إلى أن الأصل في الأشياء التحريم. وهذا الخلاف يترتب عليه أن الإنسان إذا لم يعرف حكم شيء عليه أن يتوقف فيه إلى أن يعرفه [وهذا على مذهب الحنفية].

أما القول الأول الذي عليه الجمهور، فإن له أن يأكل وأن يشرب وأن يلبس وأن يفعل ما يشاء إلى أن يثبت العكس. إذن سيظهر الخلاف بين الجمهور وبين السادة الحنفية في مسألة المسكوت عنه في الشريعة.

حديث النبي في العفو عن المسكوت عنه وتأييده لمذهب الجمهور

النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«ما أحلّ الله فهو الحلال، وما حرّم فهو الحرام، وما سكت عنه فهو عفو»

هذا الحديث يؤيد الجمهور أن المسكوت عنه في الشريعة عفو من عند الله سبحانه وتعالى، وسكت عن أشياء من غير غفلة منه فلا تسألوا عنها.

وربنا سبحانه وتعالى أرشدنا أن نقلّل السؤال، وأرشدنا رسوله كذلك. قال تعالى:

﴿لَا تَسْـَٔلُوا عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101]

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«اتركوني ما تركتكم»

يريد [النبي ﷺ] التخفيف على الأمة، ويريد أن تكون مساحة العفو كبيرة.

تطبيق قاعدة الإباحة على المحدثات والأطعمة الجديدة في حياة الناس

فالأصل في الأشياء الإباحة، تنفعنا في كل المحدثات؛ لأننا نعلم أن لله سبحانه وتعالى حكمًا في كل فعل بشري قلّ أو كبر أو كثر، فإن لله سبحانه وتعالى حكمًا فيه.

المحدثات كثيرة، كل يوم تواجهنا محدثات وتخرج أطعمة ومآكل وملابس جديدة. فالأصل في الأشياء الإباحة، أي أننا يمكن أن نتناولها إلى أن يقوم دليل على ضررها أو على حرمتها. هذا الدليل قد يتأتّى من الواقع وقد يتأتّى من الشرع.

مسألة الزرافة عند الفقهاء وحكم أكلها بناءً على قاعدة الإباحة

مثال ذلك [تطبيق القاعدة على] الحيوان المُشكَل، أمرٌ لا نعرف هل هو حلال؟ حيوان معين لم أسمع به من قبل، هل يجوز لي أن أذبحه وآكله أم لا يجوز؟

اختلفوا في الزرافة، وسُمّيت هذه بمسألة الزرافة عند الفقهاء. الزرافة معروفة، حيوان معروف له عنق طويل وكذا إلى آخره، وليس له ناب ويأكل الحشائش. هل يا ترى الزرافة مثل الغزال ومثل الضأن ومثل الإبل والبقر والأنعام، أو أن الزرافة هذه لا يجوز أكلها؟

فبناءً على هذه القاعدة وهي: الأصل في الأشياء الإباحة، أباحها من عُرضت عليهم الفتوى في ذلك. أقرب إمام نصّ عليها هو الإمام أحمد، لم تُعرض هذه المسألة على الإمام مالك ولا أبو حنيفة من قبله ولا الشافعي من بعده، إنما عُرضت على الإمام أحمد. ولذلك هناك نص عن الإمام أحمد بإباحة الزرافة؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، ولم يرد الشرع بتحريمها، وهي تأكل الحشائش، وليس لها ناب كاسر ولا مخلب.

حكم أكل الفيل عند الشافعية والفرق بين الاستقذار وعيافة النفس

إذن فلماذا لا نأكلها؟ فقال بعضهم: إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نأكل الفيل مثلًا؟

الفيل نصّ الشافعية على حرمته، أننا لا نأكل الفيل. لماذا والأصل في الأشياء الإباحة؟ قالوا: الفيل مستقذَر عند العرب، كانت العرب تستقذره.

وهناك فرق بين الاستقذار وبين أن تعافه النفس، فالفرق كبير. إذا استقذرت العرب حيوانًا فيحرم؛ لأن الشرع الذي نزل بلغة العرب وخاطب العرب خاطبهم ولم يُخرجهم من الحكم على هذا الحيوان بالاستقذار، فكأنه وافقهم عليه. ومن هنا حرم الفيل لاستقذار العرب له، لكن الزرافة لم يستقذرها العرب.

موقف النبي من الأرنب والضب والفرق بين الاستقذار والعيافة الشخصية

النبي صلى الله عليه وسلم عاف الأرنب ولم يأكله وقال:

«سمعت أنها تحيض»

حدث له نوع من أنواع ما يسمى بـالقرف، والقرف كلمة عربية.

النبي صلى الله عليه وسلم عُرض عليه الضبّ، والضبّ يأكلونه في نجد ويستلذّون به. قال:

«رأيته ليس بأرض قومي فأراني أعافه»

يعني كانت نفسه لم تذهب إليه، ولكنه ترك خالدًا وابن عباس يأكلان من الضبّ أمامه.

إذن هناك فرق بين الاستقذار [الذي يوجب التحريم] وبين أن يعاف الإنسان شيئًا معينًا. كثير من الناس لا تحب اللبن، ولا تحب الشيء الحلو أو الشيء البارد أو الشيء الساخن، فهذه طبائع مختلفة وهذا ليس له علاقة بالتحريم. فقد لا يحب شخص طعامًا معينًا بوصف معين، لكن هذا ليس له علاقة بالتحريم.

تطبيق قاعدة الإباحة على النباتات المستحدثة كالشاي والبن والدخان والحشيش

الأصل في الأشياء الإباحة، والنبات المجهول أو الجديد مثلما ظهر الكاكاو والكولا - نبات الكولا - والدخان والقنب الذي هو الحشيش والمخدرات والأفيون، كل هذه نباتات.

ولكن هذه النباتات عندما ظهرت أول مرة تحيّر فيها الفقهاء، إنما حسمها الواقع وتأخّر الحسم في بعضها، ولكن حُسمت في النهاية.

فالشاي والبنّ والكاكاو والكولا وجدوا أنها في الواقع لا تخدّر ولا تُسكر، فقالوا بحلّها. والحشيش والقنب - القنب هو الحشيش - والأفيون قالوا بحرمتها؛ لأنها تخدّر، والنبي صلى الله عليه وسلم:

«نهى عن كل مسكر ومُفتِر»

ولكن الدخان تأخّر القول فيه، أباحه بعض العلماء ثم حرّمه بعض العلماء. الآن ثبت ضرره قطعًا، فحرّمه أغلب العلماء، أكثر علماء أهل الأرض على تحريمه بعد أن ثبت قطعًا ضرره.

التحذير من الاستدلال بإباحة الدخان القديمة وخاتمة القاعدة

لكن النبات المجهول الأصل فيه الإباحة، ومن هنا جاءت هذه الإباحة. فلا يستند أحد بإباحة الدخان بأن الشيخ فلانًا في القرن الفلاني كان يبيحه؛ لأنه كان يبيحه طبقًا للقاعدة أن الأصل في الأشياء الإباحة، إلى أن وصلنا إلى القطع بحرمته بناءً على واقعه.

احفظوا هذه القاعدة فإنها مهمة: الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدلّ الدليل على التحريم.

إلى لقاء قريب، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما الحكم الأصلي للأشياء عند جمهور الفقهاء قبل ورود الدليل الشرعي؟

الإباحة

ما موقف الحنفية من الشيء المجهول الحكم؟

التوقف فيه حتى يُعرف حكمه

ما القاعدة الكبرى التي تتفرع منها قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة؟

اليقين لا يزال بالشك

أي إمام من الأئمة الأربعة نصّ صراحةً على إباحة أكل الزرافة؟

الإمام أحمد

لماذا حرّم الشافعية أكل الفيل؟

لاستقذار العرب له

ما الذي قاله النبي ﷺ عن سبب عيافته للأرنب؟

سمعت أنها تحيض

ما الحديث النبوي الذي يؤيد مذهب الجمهور في إباحة المسكوت عنه؟

ما أحل الله فهو الحلال وما سكت عنه فهو عفو

لماذا حُرِّم الحشيش والأفيون في الفقه الإسلامي؟

لأنهما يُخدِّران ويُسكران

ما الحكم الفقهي للدخان بعد ثبوت ضرره قطعاً؟

محرم عند أغلب العلماء

ما الفرق الجوهري بين الاستقذار والعيافة الشخصية في الفقه الإسلامي؟

الاستقذار الجماعي عند العرب يوجب التحريم أما العيافة الشخصية فلا أثر لها

ما الآية القرآنية التي استُشهد بها على مشروعية تقليل السؤال عما سكت عنه الشرع؟

﴿لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم﴾

ما الذي قاله النبي ﷺ عن الضب حين عُرض عليه؟

رأيته ليس بأرض قومي فأراني أعافه

من كان يأكل الضب أمام النبي ﷺ دون أن ينهاهما؟

خالد وابن عباس

ما الدليل الذي يُنقل به حكم الشيء من الإباحة الأصلية إلى التحريم؟

دليل من الشرع أو ثبوت الضرر من الواقع

ما معنى قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة؟

تعني أن الحكم الأصلي لكل شيء هو الإباحة حتى يقوم دليل من الشرع أو الواقع على تحريمه.

ما القاعدة الكبرى التي تتفرع منها قاعدة الإباحة الأصلية؟

تتفرع من قاعدة: اليقين لا يزال بالشك.

ما موقف جمهور الفقهاء من المسكوت عنه في الشريعة؟

يرون أنه مباح، ويجوز للمسلم فعله أو تناوله حتى يثبت الدليل على خلافه.

ما نص الحديث النبوي الذي يؤيد إباحة المسكوت عنه؟

«ما أحل الله فهو الحلال، وما حرم فهو الحرام، وما سكت عنه فهو عفو».

لماذا أرشد الإسلام إلى تقليل السؤال عما سكت عنه الشرع؟

إرادةً للتخفيف على الأمة وتوسيع مساحة العفو، كما في قوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم﴾.

ما حكم الزرافة في الفقه الإسلامي ومن نصّ عليه؟

الزرافة مباحة بناءً على قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، ونصّ على إباحتها الإمام أحمد لعدم ورود نص بتحريمها وخلوّها من الناب الكاسر.

ما سبب تحريم الفيل عند الشافعية؟

لأن العرب كانوا يستقذرونه، والشرع الذي خاطب العرب لم يُخرجهم من هذا الحكم فكأنه وافقهم عليه.

ما الفرق بين الاستقذار والعيافة الشخصية في الحكم الشرعي؟

الاستقذار حكم جماعي عند العرب يُرتَّب عليه التحريم، أما العيافة الشخصية فهي كره فردي لا أثر له في الحكم الشرعي.

لماذا لم يحرّم النبي ﷺ الضب رغم أنه عافه؟

لأن عيافته كانت شخصية لعدم اعتياده عليه في أرض قومه، وليست استقذاراً جماعياً، ولذلك ترك خالداً وابن عباس يأكلانه أمامه.

ما النباتات المستحدثة التي أُبيحت وما سبب إباحتها؟

الشاي والبن والكاكاو والكولا أُبيحت لأن الواقع أثبت أنها لا تُخدِّر ولا تُسكر.

ما الحديث النبوي الذي استُند إليه في تحريم الحشيش والأفيون؟

حديث: «نهى عن كل مسكر ومُفتِر»، لأن هذه المواد تُخدِّر وتُفتِّر.

كيف تطوّر حكم الدخان عبر الزمن؟

أُبيح أولاً بناءً على قاعدة الإباحة الأصلية، ثم حرّمه أغلب العلماء بعد أن ثبت ضرره قطعاً.

هل يصح الاستدلال بإباحة الدخان عند علماء القرون الماضية على جوازه اليوم؟

لا يصح، لأنهم أباحوه مؤقتاً طبقاً لقاعدة الإباحة الأصلية قبل ثبوت ضرره، وبعد ثبوت الضرر قطعاً انتقل الحكم إلى التحريم.

ما مصادر الدليل الذي ينقل الحكم من الإباحة إلى التحريم؟

الدليل قد يأتي من الشرع بنص صريح، أو من الواقع بثبوت الضرر القطعي.

ما المقصود بمساحة العفو في الشريعة الإسلامية؟

هي الأشياء التي سكت عنها الشرع ولم يُحرِّمها ولم يُوجبها، وهي مباحة للمسلم تيسيراً وتخفيفاً.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!