ما معنى الاستخلاف في الأرض في الآية 30 من سورة البقرة وما هي الأحكام الشرعية الخمسة المتعلقة بأفعال الإنسان؟
الاستخلاف في الأرض يعني أن الإنسان خُلق لغرض محدد يشمل العبادة وعمارة الأرض وفق برنامج إلهي مفصَّل. الأحكام الشرعية الخمسة هي: الوجوب والحرمة والكراهة والندب والإباحة، وهي تتعلق بأفعال البشر لا بالذوات. وقد أجاب الله على سؤال الملائكة بقوله ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مؤسِّسًا قاعدة أن المصالح والمفاسد نسبية ولا يحددها إلا الله.
- •
هل تساءلت يومًا لماذا يوجد الإنسان على هذه الأرض وما الغرض من وجوده؟ الآية 30 من سورة البقرة تُجيب بمفهوم الاستخلاف.
- •
الله خلق الكون مسخَّرًا للإنسان وفق علاقة اتساق، وأجاب عن سؤال «مِمَّ نحن؟» بقوله ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
- •
الأحكام الشرعية الخمسة تشمل كل فعل بشري صادر عن اختيار: الوجوب والحرمة والكراهة والندب والإباحة، وهي تتعلق بالأفعال لا بالذوات.
- •
سؤال الملائكة عن الإفساد وسفك الدماء أجاب عنه الله بعلمه المطلق، مُرسِّخًا قاعدة ارتكاب أخف الضررين في الفقه الإسلامي.
- •
الإمام القرافي قرَّر أنه لا توجد مصلحة خالصة ولا مفسدة خالصة في هذا العالم، وكل مصلحة تشوبها مشقة.
- •
الله وحده هو الذي يُقوِّم المصالح والمفاسد ويُحددها للإنسان، لأن الإنسان بطبعه لا يرى إلا مصلحته الآنية.
- 0:00
مقدمة تفسير الآية 30 من سورة البقرة التي تُجيب عن سؤال وجود الإنسان وماذا يفعل على الأرض وفق منهج العلم القرآني.
- 0:55
الكون مسخَّر للإنسان وفق علاقة اتساق، والله هو الخالق الكريم الذي أنعم بهذا التسخير استنادًا إلى الآية 29 من سورة البقرة.
- 1:42
القرآن يُقرر قانون السببية الذي يربط الأسباب بمسبباتها مع إثبات المعجزات، ويُمهِّد للإجابة عن غرض الإنسان في الحياة.
- 2:35
الاستخلاف في الأرض هو غرض الإنسان الكبير، وقد فصَّله القرآن في آيات تشمل العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس.
- 3:30
الأحكام الشرعية الخمسة تشمل كل فعل بشري اختياري، وهي تتعلق بالأفعال لا بالذوات، كما يتضح من مثال الخمر وتعدد أحكام أفعالها.
- 4:29
الاستخلاف في الأرض يُفسِّر تحريم الانتحار، لأن الإنسان موجود لغرض إلهي، والحياة برنامج عمل لا يحق التخلي عنه.
- 5:32
سؤال الملائكة عن الإفساد وسفك الدماء ذُكر لتعليم البشر، وجواب الله بعلمه المطلق يُرسِّخ أن الحكمة الإلهية أعمق من إدراك المخلوقين.
- 6:27
الملائكة خير محض لا يعصون، بينما الإنسان يملك هداية النجدين: القدرة على الخير والشر، وهذا جوهر الاختبار الإنساني.
- 7:09
جواب الله للملائكة أسَّس قاعدتين فقهيتين: ارتكاب أخف الضررين واجب، وأنه لا توجد مصلحة خالصة في الدنيا كما قرَّر الإمام القرافي.
- 8:23
أمثلة واقعية من الأكل والطبخ والحمل والولادة تُثبت أن كل مصلحة في الدنيا تشوبها مشقة، ولا توجد مصلحة خالصة كما قرَّر الإمام القرافي.
- 9:35
الله وحده يحدد المصلحة والمفسدة لأن الإنسان قاصر الرؤية، والأحكام الشرعية تُوازن بين المصالح والمفاسد بعلم إلهي شامل.
- 10:52
الإمام القرافي يُقرر أن المصلحة نسبية ولا توجد مصلحة خالصة، والله وحده يُقوِّم المصالح والمفاسد للإنسان وفق علمه الشامل.
ما الذي تُجيب عنه الآية 30 من سورة البقرة من أسئلة وجودية وما منهج العلم الذي يقدمه القرآن؟
تفسير الآية 30 من سورة البقرة يُجيب عن السؤال الوجودي الكبير: ماذا نفعل على هذه الأرض؟ فبعد أن أجاب القرآن عن سؤال «مِمَّ نحن؟» بأن الله خلق لنا ما في الأرض جميعًا، جاءت هذه الآية لتُجيب عن السؤال الثاني. منهج العلم القرآني يُخرج الإنسان من الحيرة إلى العمل بالإجابة عن الأسئلة الأساسية.
ما حقيقة العلاقة بين الإنسان والكون وكيف سخَّر الله الكون له؟
الكون مخلوق لخالق كريم هو الله وهو مسخَّر للإنسان، والعلاقة بين الإنسان والكون هي الاتساق. الله أنعم علينا بهذا التسخير إذ قال ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وهذا يعني أن الكون ليس عدوًا للإنسان بل مُسخَّر له.
ما قانون السببية الذي وضعه الله وكيف يتوافق مع وجود المعجزات؟
الله وضع قانونًا سببيًّا يقوم على التلازم بين السبب والمسبب، وهو لا يتخلف غالبًا عادةً. لكنه قد يتخلف أحيانًا حتى لا ننكر المعجزات، والكل من عند الله وبخلق الله. هذا القانون يُجيب عن الحقيقة الثانية الكبرى: ماذا نفعل في هذه الحياة الدنيا؟
ما معنى الاستخلاف في الأرض في الآية 30 من سورة البقرة وما البرنامج الإلهي المفصَّل لمهمة الإنسان؟
الاستخلاف في الأرض يعني أن الإنسان جاء ليفعل شيئًا محددًا في هذه الدنيا. فصَّل الله ذلك في آيات متعددة: العبادة في قوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وعمارة الأرض في قوله ﴿وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، وتزكية النفس في قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾. هذا برنامج مفصَّل يشمل جميع أفعال البشر حركاتهم وسكناتهم.
ما هي الأحكام الشرعية الخمسة وكيف تتعلق بالأفعال البشرية لا بالذوات؟
الأحكام الشرعية الخمسة هي: الوجوب والحرمة والكراهة والندب والإباحة، وليس هناك فعل بشري صادر عن اختيار إلا ولله فيه حكم. والحكم يتعلق بالأفعال لا بالذوات؛ فالخمر ذاتها في الصحراء لا حكم لها، لكن شربها وحملها وعصرها وبيعها وشراءها والجلوس في مجلسها كلها أفعال لها أحكام شرعية محددة.
كيف يرتبط مفهوم الاستخلاف في الأرض بتحريم الانتحار وما حكمة وجود الإنسان؟
الاستخلاف في الأرض يعني أن الإنسان هنا لغرض إلهي محدد، وهذا هو الأساس الذي يُفسِّر لماذا يشعر بعض الناس بالضجر والشك. ولأن الإنسان هنا لغرض حرَّم الله الانتحار، إذ قال ﴿وَلَا تَقْتُلُوا ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾. فالحياة برنامج عمل واضح لا يحق للإنسان التخلي عنه.
لماذا سألت الملائكة عن الإفساد وسفك الدماء وما دلالة جواب الله ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؟
الملائكة أشارت إلى صفة حقيقية موجودة في الإنسان وهي الإفساد وسفك الدماء، وذُكر هذا في القرآن لتعليم البشر لا لمجرد الإخبار. جواب الله ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يُقرر أن علمه المطلق يتجاوز ما تراه الملائكة، وأن الحكمة من خلق الإنسان رغم إمكانية الشر أعمق مما يُدرَك.
ما الفرق بين طبيعة الملائكة وطبيعة الإنسان في القدرة على الخير والشر وما معنى هداية النجدين؟
الملائكة خير محض لا تعصي الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون، فليس هناك معصية تصدر منهم. أما الإنسان فقد هداه الله النجدين: طريق الخير وطريق الشر، أي أنه يملك القدرة على فعل الخير والقدرة على فعل الشر. هذا الفارق هو جوهر الاختبار الإنساني الذي أشار إليه جواب الله للملائكة.
ما قاعدة ارتكاب أخف الضررين وما قاعدة عدم وجود مصلحة خالصة في الدنيا عند الإمام القرافي؟
من قوله تعالى ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ استُنبطت قاعدة فقهية جليلة وهي أن ارتكاب أخف الضررين واجب. وأشار الإمام القرافي إلى قاعدة أخرى وهي أن الله لم يخلق في هذا العالم الأرضي مصلحة خالصة أبدًا، فكل مصلحة فيها شيء من العناء والضرر والمشقة مما يخالطها ولا يجعلها خالصة مطلقًا.
ما الأمثلة الواقعية التي تُثبت أنه لا توجد مصلحة خالصة في الحياة الدنيا؟
ضرب الإمام القرافي أمثلة واقعية تُثبت اختلاط المصالح بالمشقة: الأكل يستلزم اتساخ اليد وغسلها، والطبخ يستلزم النار واحتراق اليد، وبعد الأكل لا بد من التفريغ. والمرأة الحامل تعاني الأمرَّين من حملها وهي فرحة به، وإن لم تحمل تعاني من البحث عن الإنجاب وتعاين الموت أثناء الولادة. هذه الأمثلة تُقرر أن لا مائدة تنزل من السماء بلا عناء.
من الذي يحدد المصلحة والمفسدة وكيف تتجلى نسبيتهما في الأحكام الشرعية؟
الله وحده هو الذي يحدد المصلحة والمفسدة لأن الإنسان لا يرى إلا مصلحته الآنية. الفاحشة والسرقة والقتل فيها مصلحة لكنها ضعيفة إزاء المفاسد الكبرى التي تحملها. والصلاة والوضوء والصيام فيها مشقة كإسباغ الوضوء على المكاره في البرد، لكن مصلحتها الحقيقية في الثواب والأمة والمستقبل تتجاوز ما يراه الإنسان الآن.
ما خلاصة رأي الإمام القرافي في نسبية المصلحة ومن الذي يُقوِّمها للإنسان؟
خلاصة الإمام القرافي أنه ليس هناك مصلحة خالصة ولا مفسدة خالصة في هذا العالم، والمصلحة نسبية. ولذلك فإن الله هو الذي يُقوِّم هذه المصالح وينبِّه عليها ويُحدد للإنسان ما هي المصالح الحقيقية وما هي المفاسد. هذا هو الأساس الذي يقوم عليه الفقه الإسلامي في تقدير الأحكام الشرعية.
الاستخلاف في الأرض يُحدد غرض الإنسان، والأحكام الشرعية الخمسة تضبط أفعاله، والله وحده يُقوِّم المصالح والمفاسد.
تفسير الآية 30 من سورة البقرة يكشف أن الاستخلاف في الأرض هو الإجابة الإلهية الكبرى عن سؤال وجود الإنسان، إذ خُلق لغرض يشمل العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس. والله سبحانه وضع برنامجًا مفصَّلًا يشمل جميع أفعال البشر حركاتهم وسكناتهم، ولذلك حرَّم الانتحار لأن الإنسان هنا لغرض لا يحق له التخلي عنه.
الأحكام الشرعية الخمسة — الوجوب والحرمة والكراهة والندب والإباحة — تتعلق بالأفعال لا بالذوات، فشرب الخمر حرام لا الخمر ذاتها في الصحراء. وقد أسَّس جواب الله للملائكة ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قاعدتين فقهيتين جليلتين: ارتكاب أخف الضررين واجب، وأن المصلحة والمفسدة نسبيتان لا يحددهما إلا الله، كما قرَّر الإمام القرافي بأنه لا توجد مصلحة خالصة ولا مفسدة خالصة في هذا العالم.
أبرز ما تستفيد منه
- الاستخلاف في الأرض هو الغرض الإلهي من وجود الإنسان.
- الأحكام الشرعية الخمسة تشمل كل فعل بشري صادر عن اختيار.
- الحكم الشرعي يتعلق بالأفعال لا بالذوات.
- لا توجد مصلحة خالصة ولا مفسدة خالصة في الدنيا.
- الله وحده هو الذي يُقوِّم المصالح والمفاسد للإنسان.
مقدمة تفسير آية الاستخلاف ومنهج العلم في القرآن الكريم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات مع قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى منهج العلم، وأنه يجيب على الأسئلة الأساسية التي تُخرج الإنسان من الحيرة إلى العمل، وأن الحيرة في السؤال: مِمَّ؟ مِن أين نحن؟ مُجابة بأنه خلق لنا ما في الأرض جميعًا.
وأن الحيرة [في السؤال الثاني]: ماذا نفعل هنا؟ سوف يُجيب عنها في هذه الآية.
حقيقة العلاقة بين السبب والمسبب وتسخير الكون للإنسان
وأن الله سبحانه وتعالى قد أشار لنا إلى حقيقة العلاقة بين السبب والمسبب، وأن هذا الكون مخلوق لخالق، وأن الخالق هو الله، وأنه مسخَّر لنا، وأن هناك نعمة أنعم الله علينا بها؛ لأنه يقول:
﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]
فأخذنا منها أن الكون مخلوق لخالق كريم هو الله، وأنه مسخَّر لنا، فالعلاقة بيننا وبين الكون إنما هي الاتساق.
الحقيقة الثانية الكبرى: ماذا نفعل على هذه الأرض وقانون السببية
انتقل [القرآن] بنا إلى الحقيقة الثانية الكبرى: وماذا نفعل على هذه الأرض؟ إذن كان الله هو الذي خلق الكون، وإذا كان الله هو الذي خلق الإنسان، وإذا كان قد جعل هذه العلاقة بين الإنسان والأكوان، وإذا كان قد وضع قانونًا سببيًّا وهو أن هناك تلازمًا بين السبب والمسبب لكنه لا يتخلف غالبًا عادةً، لكنه قد يتخلف حتى لا ننكر المعجزات، وأن الكل من عند الله وبخلق الله.
فماذا نفعل هنا؟ استقر في أذهاننا هذا الإيمان وعناصر المنهج، إذن فما الذي نصنعه هنا في هذه الحياة الدنيا؟
معنى الاستخلاف في الأرض وتفصيل مهمة الإنسان في القرآن
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
الله يعني أنا خليفة هنا، خليفة يعني أتيتُ لأفعل شيئًا ما في هذه الدنيا. بعد ذلك فصَّل لنا فقال:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
بعد ذلك فصَّل فقال:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
بعد ذلك فصَّل فقال:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]
وهو [سبحانه] وضع لنا برنامجًا مفصَّلًا يشمل جميع أفعال البشر، حركاتهم وسكناتهم.
الأحكام الشرعية الخمسة وتعلقها بالأفعال البشرية لا بالذوات
كل أفعال البشر فيها حكم لله: إما بالوجوب، وإما بالحرمة، وإما بالكراهة، وإما بالندب، وإما بالإباحة. خمسة أحكام، ليس هناك فعل بشري يصدر منك عن اختيار إلا ولله فيه حكم.
والحكم إنما هو للأفعال لا للذوات؛ عندما أقول: الخمر حرام، لا، بل شرب الخمر حرام، حمل الخمر حرام، عصر الخمر حرام، بيع الخمر حرام، شراء الخمر حرام، الجلوس في مجلسها حرام، وهكذا.
إذن إذا كانت الأفعال البشرية من ذات الإجازة الخاصة بالخمر، التي إذا وُجدت في الصحراء فما حكمها؟ ولا شيء، فالذات لا حكم لها، هذا الحكم في المتعلقات بها وهي الأفعال البشرية.
الاستخلاف في الأرض وحكمة وجود الإنسان وتحريم الانتحار
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
هذا هو الأساس الخاص بنا هنا. إذن فهمنا هنا لماذا واحد يشعر بالشك والارتياب؟ واحد يشعر بأنه ضَجِر مملول، لماذا يعيش؟ فانتحر! لا، فأنا هنا لغرض، ولذلك حرَّم الله الانتحار:
﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًٔا كَبِيرًا * وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا * وَلَا تَقْتُلُوا ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: 31-33]
إذن [هذا] برنامج عمل [واضح للإنسان في هذه الحياة].
سؤال الملائكة عن الإفساد في الأرض وجواب الله تعالى بعلمه المطلق
قالوا [أي الملائكة]:
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30]
الملائكة، طيب وذُكر هذا لماذا لنا؟ لكي يعلِّمنا نحن، ما هو كل الكتاب هذا تعليم لنا:
﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]
﴿قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]
إذن فهذه صفة يقولها الملائكة هي موجودة فعلًا [أي الإفساد وسفك الدماء]، ولكن مع وجودها فإن الله الحكيم الذي يعلِّمنا قد خلقنا.
هداية النجدين والفرق بين طبيعة الملائكة وطبيعة الإنسان
إذن نحن عندنا النجدين [طريق الخير وطريق الشر]:
﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]
طريق الخير وطريق الشر، القدرة على فعل الخير والقدرة على فعل الشر. يقولون [أي الملائكة]: حسنًا، نحن الآن نسبِّحك تسبيحًا خالصًا وعبادة محضة:
﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]
ليس هناك معصية تصدر منهم، والذي يُؤمرون به يفعلونه، خير محض. جاء [الله] بهؤلاء [البشر]، لكن هؤلاء يمكن أن يفعلوا الشر.
قاعدة ارتكاب أخف الضررين وقاعدة عدم وجود مصلحة خالصة في الدنيا
قال [الله تعالى]:
﴿إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]
فهنا نتعلم قاعدة جليلة قام عليها الفقه الإسلامي وهي أن ارتكاب أخف الضررين واجب.
وقاعدة أخرى صرَّح بها الفقه الإسلامي وأشار إليها الإمام القرافي وتكلم عنها بتوسع، وهي أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق في هذا العالم الأرضي مصلحة خالصة أبدًا؛ فكل مصلحة فيها شيء من العناء ومن الضرر ومن المشقة ومما يخالطها، بحيث لا يجعلها خالصة أبدًا مطلقًا.
أمثلة واقعية على اختلاط المصالح بالمشقة في حياة الإنسان
وضرب [الإمام القرافي] لذلك مثلًا فقال: تعال عندما تأتي لتأكل فتجد يدك قد اتسخت من الطعام فتضطر إلى أن تغسلها. عندما تريد أن تعمل شيئًا جيدًا لا بد أن تُدخل النار فيه، فعندما تطبخ تحترق يدك، تحترق! والله ليس هكذا مائدة تنزل من السماء لا يوجد فيها نار ولا فحم، لا غبار ولا لسع ولا أي شيء، لا يوجد.
وبعد أن تأكل يجب أن تذهب لتُفرغ ما أكلته. وبعد أن تقع المرأة حاملًا ترى الأمرَّين من حملها وهي فرحة بحملها، وإن لم تحمل تذهب تدور على الأطباء ولا تسكت، تريد أن تنجب، وهي تعاين الموت أثناء الولادة! ما هذا؟!
نسبية المصلحة والمفسدة وأن الله وحده هو الذي يحددهما
قال [الإمام القرافي]: مصلحة خالصة [لا توجد]، كما أنه لا توجد مفسدة خالصة، الحكاية مختلطة.
فمن الذي يحدد المصلحة والمفسدة؟ الله؛ لأن الفاحشة والسرقة والقتل فيها مصلحة، ولكنها مصلحة ضعيفة إزاء المفاسد التي تحملها هذه المصائب.
والصلاة والأكل والشرب والوضوء والصيام فيها مفسدة ومشقة، يقول لك:
«إسباغ الوضوء على المكاره»
في الدنيا عند البرد شتاءً، وبعدها الفجر وأقوم أتوضأ، طيب ولماذا؟ ما أنا نائم أحسن! مصلحتي أن أنا نائم. أيُّ مصلحة أنت الذي تقدِّرها؟ ما أنت منتبه للمستقبل، ما أنت منتبه للبشرية، ما أنت منتبه للأمة، ما أنت منتبه حتى لثوابك في الآخرة، أنت منتبه أنك تريد أن تنام الآن!
خلاصة الإمام القرافي في نسبية المصلحة وأن الله هو الذي يقدرها
وقد توقفنا عند هذا: فمن الذي يقدِّر المصلحة؟ الله. فالإمام القرافي وهو يتحدث عن المصلحة يتحدث عن أنه ليس هناك مصلحة خالصة، ولذلك فالمصلحة نسبية.
ولذلك فإن الله هو الذي يقوِّم لنا هذه المصالح وينبِّه عليها، ويقول لنا: إن هذه هي المصالح وهذه هي المفاسد.
وللحديث بقية، نستودعكم الله، عليكم السلام ورحمة الله.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما هي الأحكام الشرعية الخمسة التي تشمل جميع أفعال البشر؟
الوجوب والحرمة والكراهة والندب والإباحة
على ماذا تتعلق الأحكام الشرعية وفق ما يُقرره الفقه الإسلامي؟
على الأفعال البشرية لا على الذوات
ما القاعدة الفقهية التي استُنبطت من قوله تعالى ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؟
ارتكاب أخف الضررين واجب
ما الذي قرَّره الإمام القرافي بشأن المصالح في هذا العالم الأرضي؟
لا توجد مصلحة خالصة أبدًا في هذا العالم
ما معنى الاستخلاف في الأرض في الآية 30 من سورة البقرة؟
أن الإنسان جاء لغرض محدد يشمل العبادة وعمارة الأرض
ما طبيعة الملائكة التي أشارت إليها الآية الكريمة ﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾؟
خير محض لا تصدر منهم معصية
ما المقصود بهداية النجدين في قوله تعالى ﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾؟
القدرة على سلوك طريق الخير وطريق الشر
لماذا حرَّم الله الانتحار وفق مفهوم الاستخلاف في الأرض؟
لأن الإنسان موجود لغرض إلهي لا يحق له التخلي عنه
من الذي يُحدد المصلحة والمفسدة الحقيقية للإنسان وفق الفقه الإسلامي؟
الله وحده لأنه يعلم ما لا يعلمه الإنسان
ما العلاقة التي يُقررها القرآن بين الإنسان والكون المسخَّر له؟
علاقة الاتساق
ما الذي يُثبته قانون السببية مع إمكانية تخلُّفه أحيانًا؟
وجود المعجزات وأن الكل من عند الله
ما الآية التي تُحدد غرض خلق الجن والإنس وتُفصِّل معنى الاستخلاف؟
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
ما السؤالان الوجوديان الكبيران اللذان يُجيب عنهما القرآن في سورة البقرة؟
السؤال الأول: مِمَّ نحن ومن أين جئنا؟ وأجاب عنه بأن الله خلق لنا ما في الأرض جميعًا. السؤال الثاني: ماذا نفعل هنا؟ وأجاب عنه بمفهوم الاستخلاف في الآية 30.
ما الفرق بين قول «الخمر حرام» وقول «شرب الخمر حرام» في الفقه الإسلامي؟
الحكم الشرعي يتعلق بالأفعال لا بالذوات، فالخمر ذاتها في الصحراء لا حكم لها، لكن شربها وحملها وعصرها وبيعها وشراءها والجلوس في مجلسها كلها أفعال لها أحكام شرعية محددة.
ما القاعدتان الفقهيتان اللتان استُنبطتا من جواب الله للملائكة ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؟
الأولى: ارتكاب أخف الضررين واجب. الثانية: لا توجد في هذا العالم الأرضي مصلحة خالصة أبدًا، كما قرَّر الإمام القرافي.
لماذا ذُكر سؤال الملائكة عن الإفساد وسفك الدماء في القرآن الكريم؟
ذُكر لتعليم البشر لا لمجرد الإخبار، فالقرآن كله هدى للمتقين، وهذا الحوار يُعلِّمنا حقيقة طبيعة الإنسان وحكمة الله في خلقه رغم إمكانية الشر.
ما الفرق الجوهري بين طبيعة الملائكة وطبيعة الإنسان؟
الملائكة خير محض لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. أما الإنسان فيملك هداية النجدين: القدرة على فعل الخير والقدرة على فعل الشر.
ما الآيات الثلاث التي فصَّلت معنى الاستخلاف في الأرض؟
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ للعبادة، و﴿وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ لعمارة الأرض، و﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ لتزكية النفس.
ما مثال الإمام القرافي على اختلاط المصلحة بالمشقة في الطعام؟
عند الأكل تتسخ اليد فتضطر لغسلها، وعند الطبخ تحترق اليد بالنار، وبعد الأكل لا بد من التفريغ. فلا توجد مائدة تنزل من السماء بلا عناء أو مشقة.
كيف يُثبت مثال الحمل والولادة أنه لا توجد مصلحة خالصة؟
المرأة الحامل تعاني الأمرَّين من حملها وهي فرحة به، وإن لم تحمل تعاني من البحث عن الإنجاب، وتعاين الموت أثناء الولادة. فالمصلحة الكبرى مشوبة بمشقة عظيمة.
لماذا لا يستطيع الإنسان وحده تقدير مصلحته الحقيقية؟
لأن الإنسان لا يرى إلا مصلحته الآنية، فهو غير منتبه للمستقبل ولا للبشرية ولا للأمة ولا لثوابه في الآخرة، كمن يُفضِّل النوم على الوضوء في البرد دون رؤية الصورة الكاملة.
ما الذي يعنيه قانون السببية وكيف يتوافق مع وجود المعجزات؟
قانون السببية يعني التلازم بين السبب والمسبب وهو لا يتخلف غالبًا عادةً. لكنه قد يتخلف أحيانًا حتى لا ننكر المعجزات، والكل من عند الله وبخلق الله.
ما الأساس الذي يُفسِّر شعور بعض الناس بالضجر والشك في الحياة؟
عدم فهم مفهوم الاستخلاف في الأرض؛ فمن لا يعلم أنه هنا لغرض إلهي محدد يشعر بالضجر والملل ويتساءل لماذا يعيش، وهذا ما يُفسِّر تحريم الانتحار.
ما الفاحشة والسرقة والقتل من حيث المصلحة والمفسدة؟
فيها مصلحة لكنها مصلحة ضعيفة إزاء المفاسد الكبرى التي تحملها، ولذلك حرَّمها الله لأنه وحده يُقوِّم المصالح والمفاسد بعلمه الشامل.
ما معنى إسباغ الوضوء على المكاره وكيف يُجسِّد نسبية المصلحة؟
إسباغ الوضوء في البرد الشديد مشقة ظاهرة، لكن مصلحته الحقيقية في الثواب والطهارة والانتماء للأمة تتجاوز ما يراه الإنسان الآن من رغبة في النوم.
ما خلاصة الإمام القرافي في مسألة المصلحة والمفسدة؟
ليس هناك مصلحة خالصة ولا مفسدة خالصة في هذا العالم، والمصلحة نسبية، والله هو الذي يُقوِّم هذه المصالح وينبِّه عليها ويُحدد للإنسان ما هي المصالح الحقيقية وما هي المفاسد.
ما العلاقة بين الاستخلاف في الأرض والبرنامج الإلهي المفصَّل للإنسان؟
الاستخلاف هو الإطار العام، والبرنامج المفصَّل يشمل جميع أفعال البشر حركاتهم وسكناتهم، وكل فعل له حكم من الأحكام الشرعية الخمسة: الوجوب أو الحرمة أو الكراهة أو الندب أو الإباحة.
