اكتمل ✓
قاعدة العادة محكمة في الفقه الإسلامي وشروطها وتطبيقاتها العملية - فقه, قواعد الفقه الإسلامي

ما معنى قاعدة العادة محكمة في الفقه الإسلامي وما شروط العادة الصحيحة التي يُحتكم إليها؟

قاعدة العادة محكمة تعني أن العرف والعادة السائدة بين الناس تُعدّ حكمًا فاصلًا في المسائل الفقهية التي لم يرد فيها نص صريح. وحتى تكون العادة معتبرة شرعًا، يجب ألا تخالف الكتاب أو السنة أو إجماع مجتهدي الأمة. فإذا تغير العرف تغيّرت صورة الحكم مع بقاء الأصل الشرعي ثابتًا، وهو تحميل المقصّر المسؤولية.

3 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن تختلف أحكام الفقه الإسلامي من بلد لآخر بسبب العادات والأعراف المختلفة؟

  • قاعدة العادة محكمة تعني أن العرف المتكرر بين الناس يُجعل حكمًا فاصلًا في المسائل الفقهية غير المنصوص عليها.

  • شرط اعتبار العادة صحيحة ألا تخالف الكتاب أو السنة أو إجماع مجتهدي الأمة.

  • يُضرب مثال واقعي بحفظ البهائم في الريف لبيان كيف يتغير الحكم بتغير العرف مع ثبات مبدأ تحميل المقصّر المسؤولية.

  • الأحكام الشرعية في حقيقتها لا تتغير، إنما الذي يتغير هو كيفية تطبيقها على الصور الخارجية المتجددة.

  • قاعدة العادة محكمة هي إحدى القواعد الفقهية الخمس الكبرى التي تفرّع عنها أكثر من مليون فرع فقهي في الفقه الإسلامي.

قاعدة العادة محكمة والأخذ بالعرف كمصدر من مصادر التشريع

والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها المشاهدون الأعزاء، مع قاعدة أخرى من قواعد الفقه الإسلامي يقول فيها الفقهاء: العادة محكَّمة.

الأخذ بالعرف هو أحد مصادر تشريع الإسلام، قال الله تعالى:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

وحتى نأخذ بالعادة المحكَّمة، ينبغي ألا تخالف الشرع الشريف؛ فلو اتفق الناس جميعًا على المعصية لا يحلُّ هذا الحرام، ولا نستطيع أن نأخذ بما اتفقوا عليه في المعصية، أو بما شاع فيهم من فساد ونقول إن العادة محكَّمة.

شروط العادة الصحيحة التي يُحتكم إليها وعدم مخالفتها للشرع

العادة التي تُحكَّم هي العادة الصحيحة، وحتى تكون العادة صحيحة ينبغي ألا تخالف الشرع الشريف في شيء مما ثبت في الكتاب أو السنة، أو في شيء مما أجمعت عليه الأمة، أي مجتهدي الأمة.

هنا العادة ما هي؟ هي ما تكرر حتى عاد معروفًا بين الناس، ولذلك فيها معنى العَوْد، أي أن هناك تكرارًا فيها. العادة محكَّمة أي أننا نجعلها حَكَمًا بين الناس.

وجوب معرفة القاضي لعادات أهل البلد وألفاظهم قبل الحكم

ولذلك قال الفقهاء إنه ينبغي على القاضي إذا ما نزل بلدًا أن يعرف عادات أهلها، أن يعرف عاداتهم وتقاليدهم، أن يعرف ألفاظهم التي يتعاملون بها؛ لأن العادة محكَّمة.

قد يتفق الحكم [الشرعي] ولكن تختلف الصور، فيختلف الحكم لاختلاف الصورة، وهو في الحقيقة لم يختلف في نظر الشرع.

مثال واقعي على تطبيق قاعدة العادة محكمة في حفظ البهائم بالريف

أعطي لذلك مثالًا واقعيًا: معروف في الريف أن الناس تحفظ بهائمها بالليل، وأن البهائم تخرج في الصباح مع أصحابها، ويمكن أن ترعى، ويمكن أن تنزل حقلًا معينًا وتُفسد الزرع وتأكل الزرع.

إذن هذا ما جرى عليه الناس في بلد معين؛ من عادة أهل هذه البلدة أنهم يحفظون بهائمهم بالليل وأنهم يتركونها في النهار ترعى وتسرح. وبناءً على ذلك، فإنني كفقيه أُكلِّف أهل هذه البلدة أن يكونوا مسؤولين عن بهائمهم ليلًا، وأُكلِّف أصحاب الزرع أن يكونوا مسؤولين عن حراسة زروعهم نهارًا.

حكم إتلاف البهيمة للزرع نهارًا وليلًا بحسب عرف البلد

فلو أن بهيمة من البهائم أكلت وأفسدت زرع إنسان معين في النهار، لا يضمن [صاحب البهيمة] ولا يدفع ثمن ما أفسدته هذه البهيمة؛ لأنه ليس مقصِّرًا وليس متعديًا، بل المقصِّر هو صاحب الزرع الذي قصَّر في حراسته.

كذلك لو أنني وجدت أن البهيمة قد اعتدت على ذلك الزرع ليلًا، فإنني آخذ الضمان وثمن المُتلَف من صاحب البهيمة الذي قصَّر في حفظها وتركها تخرج لتُفسد الزرع الذي لا حراسة عليه [في الليل].

انعكاس الحكم بتغير العرف مع ثبات القاعدة الشرعية في تحميل المقصر المسؤولية

لو تغير هذا العرف في بلد ما أو تغير في زمن ما، فأصبح الناس لظروفهم المعيشية ليس عندهم أماكن لحفظ البهائم ليلًا، إنما هم يرعونها ويمسكون بها نهارًا، ينعكس الحكم في الصورة لكنه لا ينعكس عند الشرع؛ لأن الشرع يرتب المسؤولية على المقصِّر أو على المتعدي، وتختلف هنا الصورة فقط لاختلاف العرف.

فلو أنه كان الأمر كذلك في بلد ما أو في زمن ما، وكان الحفظ إنما هو للبهائم في النهار بعكس الصورة الأولى التي كان الحفظ فيها بالليل، والحفظ هنا بالنهار، وأفسدت هذه البهيمة شيئًا وهي في النهار، ضَمِن صاحبها، أو كان في الليل لا يضمن. عكس الحكم الأول في الصورة فقط، لكن في الحقيقة الحكم واحد وهو أن المقصِّر أو المتعدي عليه أن يضمن ما أتلفته بهيمته.

معنى تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان وثبات الشريعة في حقيقتها

هذا معنى تغيُّر الأحكام بتغيُّر الزمان أو المكان أو الأشخاص أو الأحوال. الأحكام في الحقيقة لا تتغير، إنما الذي يتغير هو ما كان مبنيًّا منها على الواقع، أي الصور الخارجية.

أما الشرع فالشرع ثابت والشرع لا يتغير، الذي يتغير هو كيفية تطبيق ذلك الشرع على الواقع.

مراعاة النص والمقاصد الشرعية الخمسة عند تطبيق الشريعة على الواقع

في تطبيق الشرع على الواقع سنراعي النص، سنراعي المقاصد الشرعية الخمسة التي طالما ذكرناها وهي:

  1. حفظ النفس
  2. حفظ العقل
  3. حفظ الدين
  4. حفظ العِرض أو كرامة الإنسان
  5. حفظ المال أو المُلك

هذه الخمسة ينبغي على المكلَّف أن يراعي حفظها في كل مستوياتها.

الفقيه عندما يريد أن يُفتي وأن يُطبِّق الشرع الشريف في واقع الناس، فإنه ينظر إلى أمرين: إلى النص حتى لا يخالفه؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، وإلى المقاصد الشرعية حتى لا يَكُرَّ عليها بالإبطال. لا يُفتي فتوى وإذ به يُضيِّع بها المقاصد الشرعية؛ لأن ذلك فيه تضييع لأصل الدين وفيه تضييع للمصالح، والدين إنما جاء لحماية المصالح ولحماية وحفظ هذه المقاصد من أجل عبادة الله وعمارة الدنيا.

القواعد الفقهية الخمس الكبرى وما تفرع عنها من فروع فقهية

العادة محكَّمة كلمة لا بد من فهمها الفهم الصحيح، وهي من أصول القواعد الخمس التي دائمًا ينبغي أن نرددها وأن نحفظها:

  1. الضرر يُزال
  2. العادة محكَّمة
  3. المشقة تجلب التيسير
  4. الشك لا يُرفع به متيقَّن
  5. خلوص النية إن أردت أجورًا

هذه الخمسة هي الخمس الكبار التي ينبغي دائمًا أن نهتم بها؛ لأنه قد تولَّد منها ما لا يُحصى من القواعد، وتفرَّع عن هذه القواعد ما لا يُحصى من الفروع التي ذكرنا قبل ذلك أنها وصلت إلى أكثر من مليون فرع - مليون ومائتي ألف فرع فقهي في الفقه الإسلامي -

الفروع الفقهية تعالج أفعال الإنسان وتراعي تطبيق الشريعة بحكمة

تعالج [هذه الفروع الفقهية] كل أفعال الإنسان في يومه كله، وتراعي تطبيق الشريعة وتغيُّر الصور من أجل المحافظة على المقاصد، ومن أجل الوصول إلى تطبيق واعٍ حكيم للشريعة في حياة الناس.

العادة محكَّمة.

إلى لقاء قريب، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما الشرط الأساسي لاعتبار العادة محكَّمة في الفقه الإسلامي؟

ألا تخالف الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة

في مثال البهائم والزرع، من يتحمل المسؤولية إذا أفسدت البهيمة الزرع ليلًا في بلد عادته حفظ البهائم ليلًا؟

صاحب البهيمة لأنه قصّر في حفظها

ماذا يحدث للحكم الفقهي عند تغيّر العرف في بلد ما؟

تتغير صورة الحكم الخارجية مع ثبات الأصل الشرعي

كم عدد القواعد الفقهية الكبرى التي تُعدّ العادة محكمة إحداها؟

خمس قواعد

ما المقصود بقول الفقهاء إن العادة فيها معنى العَوْد؟

أن العادة تتكرر حتى تصير معروفة بين الناس

ما الذي يتغير فعلًا عند تغيّر الزمان والمكان وفق الفقه الإسلامي؟

كيفية تطبيق الشرع على الصور الخارجية

أيّ الآيات القرآنية استُشهد بها دليلًا على الأخذ بالعرف كمصدر تشريعي؟

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾

ما عدد الفروع الفقهية التي تفرّعت عن القواعد الفقهية الخمس الكبرى؟

أكثر من مليون ومائتي ألف فرع

ما الأمران اللذان ينظر إليهما الفقيه عند الإفتاء وتطبيق الشريعة؟

النص الشرعي والمقاصد الشرعية

لماذا لا يجوز للفقيه أن يُفتي بفتوى تُبطل المقاصد الشرعية؟

لأن ذلك فيه تضييع لأصل الدين وتضييع للمصالح

أيّ القواعد الفقهية الخمس الكبرى يتعلق بالتخفيف عند الصعوبة؟

المشقة تجلب التيسير

ما الذي يُلزَم به القاضي عند نزوله في بلد جديد وفق قاعدة العادة محكمة؟

أن يعرف عادات أهل البلد وألفاظهم قبل الحكم

ما تعريف العادة في اصطلاح الفقهاء؟

العادة هي ما تكرّر حتى عاد معروفًا بين الناس، وفيها معنى العَوْد أي التكرار المستمر.

ما معنى جعل العادة محكَّمة؟

يعني جعلها حكمًا فاصلًا بين الناس في المسائل الفقهية التي لم يرد فيها نص صريح.

هل يجوز الاحتجاج بعادة شائعة تتضمن معصية؟

لا يجوز، فلو اتفق الناس جميعًا على المعصية لا يُحلّ هذا الحرام، ولا يُحتجّ بما شاع من فساد.

ما الفرق بين تغيّر صورة الحكم وتغيّر الحكم الشرعي نفسه؟

الحكم الشرعي في حقيقته لا يتغير، إنما الذي يتغير هو الصور الخارجية المبنية على الواقع المتجدد بتغيّر العرف.

ما المقصود بقاعدة لا اجتهاد مع النص؟

تعني أن الفقيه لا يجتهد برأيه في مسألة ورد فيها نص صريح من الكتاب أو السنة، بل يتبع النص مباشرة.

ما المقاصد الشرعية الخمسة التي يجب على المكلَّف مراعاتها؟

هي حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين، وحفظ العِرض وكرامة الإنسان، وحفظ المال.

لماذا جاء الدين الإسلامي وفق ما تضمّنته المقاصد الشرعية؟

جاء الدين لحماية المصالح وحفظ المقاصد الخمسة من أجل عبادة الله وعمارة الدنيا.

ما القاعدة الفقهية التي تقول إن إزالة الضرر واجبة؟

هي قاعدة الضرر يُزال، وهي إحدى القواعد الفقهية الخمس الكبرى في الفقه الإسلامي.

في مثال البهائم والزرع، من يتحمل المسؤولية إذا أفسدت البهيمة الزرع نهارًا في بلد عادته حفظ البهائم ليلًا؟

يتحمل المسؤولية صاحب الزرع لأنه قصّر في حراسة زرعه نهارًا، وصاحب البهيمة غير مقصّر.

كيف يتغير الحكم في مسألة البهائم إذا كان العرف في بلد ما حفظ البهائم نهارًا لا ليلًا؟

ينعكس الحكم في الصورة فيضمن صاحب البهيمة إذا أفسدت نهارًا، ولا يضمن إذا أفسدت ليلًا، مع بقاء مبدأ تضمين المقصّر ثابتًا.

ما الغاية من وجود أكثر من مليون فرع فقهي في الفقه الإسلامي؟

تعالج هذه الفروع كل أفعال الإنسان في يومه كله وتراعي تطبيق الشريعة بصورة واعية حكيمة مع تغيّر الصور الخارجية.

ما العلاقة بين قاعدة العادة محكمة والأخذ بالعرف كمصدر تشريعي؟

الأخذ بالعرف هو أحد مصادر التشريع الإسلامي، وقاعدة العادة محكمة هي التعبير الفقهي عن هذا المبدأ مع اشتراط عدم مخالفة الشرع.

ما القاعدة الفقهية الكبرى المتعلقة بالشك واليقين؟

هي قاعدة الشك لا يُرفع به متيقَّن، وتعني أن اليقين الثابت لا يُزال بمجرد الشك.

لماذا تُعدّ معرفة ألفاظ أهل البلد ضرورة قضائية؟

لأن الألفاظ تختلف دلالاتها من بلد لآخر، وقد يتفق الحكم الشرعي لكن تختلف صوره بحسب المعنى المتعارف عليه في كل بلد.

ما القاعدة الفقهية الكبرى المتعلقة بالنية؟

هي قاعدة خلوص النية إن أردت أجورًا، وهي إحدى القواعد الفقهية الخمس الكبرى.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!