ما هي أقسام الوضع في اللغة والشرع والاصطلاح وكيف تُفك شفرة مصطلحات التراث الإسلامي؟
مصطلحات التراث الإسلامي تنقسم إلى أربعة أوضاع: لغوي وشرعي وعرفي عام وعرفي خاص يُسمى الاصطلاح. فهم هذه الأوضاع ضروري لقراءة كتب الفقه والأصول والحديث قراءةً صحيحة، إذ يختلف معنى المصطلح الواحد من علم إلى آخر كلفظ الجنس بين المناطقة والفقهاء. التعريفات الفقهية أحكام شرعية، ولذلك يجب استيعاب مصطلح كل فن قبل الخوض فيه.
- •
كيف يمكن أن تقرأ كتب الفقه سنواتٍ وتفهم الأحكام معكوسةً بسبب كلمة واحدة كـ"الجنس"؟
- •
الوضع في اللغة هو جعل لفظ بإزاء معنى، وقد اختلف العلماء في واضع اللغة بين التوقيف الإلهي والاصطلاح البشري.
- •
ثمة أربعة أوضاع ينبغي استيعابها: اللغوي والشرعي والعرفي العام والعرفي الخاص المسمى بالاصطلاح.
- •
التعريفات الفقهية أحكام شرعية لا مجرد تعريفات لغوية، وهي مقياس الحل والحرمة عند الفقيه والمجتهد.
- •
مصطلحات الشافعية كالأظهر والمشهور والأصح والصحيح تحدد درجة قوة الخلاف بين الأقوال والأوجه بدقة.
- •
النحت الخطي في المخطوطات ورموز الأشخاص والكتب كـ"حج" و"م ر" و"زي" جزء أصيل من شفرة التراث لا يُستغنى عن فهمها.
- 0:00
المصطلحات تُشكّل شفرة التراث الإسلامي، ولا يمكن فهم كتب التراث دون استيعاب أقسامها المختلفة.
- 1:09
الوضع هو جعل لفظ بإزاء معنى باتفاق طائفة معينة، وهو أساس نشأة اللغة وتكوّن دلالات الألفاظ.
- 2:02
العلاقة بين الحروف والمعاني وضعية لا طبعية، إذ لا رابط ذاتي بين اللفظ ومدلوله خارج الاتفاق.
- 3:12
اختلف الأصوليون في واضع اللغة، فمنهم من قال إن الله هو الواضع مستدلًا بآية تعليم آدم الأسماء.
- 4:05
تتعدد الأقوال في واضع اللغة بين من يرى أن البشر وضعوها، ومن يرى أن الله وضع القوانين وأنشأ الإنسان المفردات.
- 5:10
الشرع أخرج ألفاظًا من معانيها اللغوية إلى معانٍ مخصوصة، ومثاله كلمة الصلاة التي كانت في اللغة للعطف والانثناء.
- 6:13
الصلاة انتقلت من المعنى اللغوي الدال على الدعاء والعطف إلى المعنى الشرعي المخصوص بالأفعال والأقوال المبتدأة بالتكبير.
- 7:22
الوضع اللغوي يجعل اللفظ بإزاء المعنى عند أهل اللغة، والوضع الشرعي يجعله بإزاء المعنى عند الشرع، وقد غلب الثاني على الأذهان.
- 8:23
الأصوليون وضعوا كلمة أصل بإزاء المقيس عليه في القياس، وهو استعمال اصطلاحي خاص يختلف عن المعنى اللغوي.
- 9:47
كلمة أصل تعني المقيس عليه عند الأصوليين، وتعني الوالدين والأجداد عند الفقهاء، وهذا نموذج على تعدد الاصطلاحات.
- 10:49
المصطلح هو وضع لفظ بإزاء معنى عند طائفة بعينها ويُسمى العرف الخاص، وهو أحد أقسام الوضع الأربعة.
- 11:36
العرف العام يُغيّر دلالة الألفاظ عن أصلها اللغوي، كما في كلمة دابة التي تعني الحمار عند المصريين لا كل ما يدب.
- 12:53
الأوضاع الأربعة هي اللغوي والشرعي والعرفي العام والاصطلاحي، واستيعابها شرط لفهم أي فن من فنون التراث.
- 13:50
الجنس في المنطق كلي ذاتي مقول على كثيرين مختلفين في الحقيقة، ومثاله الحيوان الذي تندرج تحته أنواع مختلفة.
- 14:45
الجنس في المنطق أفراده مختلفة في الحقيقة، والنوع أفراده متفقة، وهذا الفرق جوهري في فهم المصطلحات المنطقية.
- 15:43
الجنس عند الفقهاء ما اتحدت أفراده في معناه كالقمح، وهو عكس استعمال المناطقة الذين يسمون ذلك نوعًا.
- 16:55
المناطقة يسمون القمح نوعًا لاتحاد أفراده، وجنسه عندهم هو النبات الذي يشمل أنواعًا مختلفة.
- 17:31
حمل مصطلح الجنس المنطقي على النص الفقهي يُفضي إلى عكس حكم الربا وتحريم ما أجازه الشرع.
- 18:37
الحديث النبوي في الأصناف الربوية الستة يُرسي شرطين: التماثل بدلالة سواءً بسواء، والحلول بدلالة يدًا بيد.
- 19:05
تحريم ربا الفضل والنسيئة جاء سدًّا للذريعة وحفظًا لأسعار الأقوات حتى لا يضار الفقير.
- 20:10
يجوز بيع القمح بالشعير متفاضلًا لأنهما جنسان مختلفان عند الفقهاء، وخلط المصطلح المنطقي بالفقهي يُفضي إلى عكس الحكم.
- 21:04
بيع الجنس الواحد يشترط التماثل والحلول، وبيع الجنسين المختلفين يشترط الحلول فقط، وفهم ذلك مرهون بمعرفة مصطلح الفقهاء.
- 21:50
الجنس عند الفقهاء هو ما اتحدت أفراده وهو النوع عند المناطقة، وهذا يؤكد ضرورة استيعاب مصطلح كل فن على حدة.
- 22:27
القول عند الشافعية ما صدر من الإمام الشافعي نفسه، والوجه ما صدر من أصحابه، وهذا التمييز أساسي في فهم كتب المذهب.
- 23:49
بقاء المذاهب الفقهية مرهون بخدمة أصحابها لها، وقد اندثر مذهب الليث بن سعد رغم علمه لأن أصحابه ضيّعوه.
- 25:07
القول منسوب للإمام الشافعي والوجه منسوب لأصحابه، وهذا التمييز ضروري لمعرفة مصدر كل رأي في المذهب.
- 25:58
الشافعية قسّموا الخلاف إلى قوي وضعيف في الأقوال والأوجه، وأطلقوا على كل قسم مصطلحًا خاصًا صار شائعًا في كتبهم.
- 27:36
الأظهر يدل على قولين للإمام الشافعي أحدهما أقوى، ومقابله القول الآخر القوي، وهو من ألفاظ الترجيح الأربعة.
- 28:49
المشهور يدل على قولين للإمام أحدهما قوي والآخر ضعيف، ويختلف عن الأظهر الذي يكون مقابله قويًا.
- 29:12
الأصح يدل على وجهين قويين أحدهما أقوى، والصحيح يدل على وجهين أحدهما قوي ومقابله ضعيف، وكلاهما في الأوجه لا الأقوال.
- 30:02
والثاني في كتب الشافعية مصطلح صياغي يعني مقابل الأصح أو الأظهر أو المشهور، ومعرفته ضرورية لفهم النص.
- 31:22
النووي بيّن في مقدمة المنهاج مصطلحاته وطريقة صياغته، مما يؤكد أهمية استيعاب مصطلح كل كتاب قبل قراءته.
- 32:33
الاصطلاح يمتد إلى أسماء الأشخاص، فلفظ القاضي والإمام يختلف مدلوله من علم إلى آخر في كتب التراث.
- 34:12
معرفة مصطلحات الأشخاص ضرورية لتوثيق المصادر بدقة، وخلطها يُفضي إلى تخبط الآراء وضياع الحجج.
- 35:24
الاصطلاح يمتد إلى أسماء الكتب، فالشيخان في الحديث البخاري ومسلم، وفي الشافعية الرافعي والنووي.
- 36:06
النحت في اللغة استجلاب كلمة من عدة كلمات كبسملة وحولقة، وقد امتد هذا المفهوم إلى الكتابة فأصبح نحتًا خطيًا.
- 37:23
النحت سماعي لا قياسي، والحولقة هي الصحيحة من لا حول ولا قوة، والحوقلة تعني سير الرجل الضعيف.
- 38:38
معلش في العامية المصرية نحت من ما عليه شيء، والأعاجم جعلوا النحت قياسيًا بخلاف العربية التي تقصره على السماع.
- 39:23
النحت الخطي في المخطوطات اختصار للكلمات المتكررة كحاء لوحينئذٍ ومص للمصنف، وانتشر لكثرة الكتابة.
- 40:39
حرف الحاء في سند الحديث رمز للتحويل من سند إلى آخر، وهو من النحوت الخطية التي ضاع أصلها عند بعض المحدثين.
- 41:55
اختلف المحدثون في نطق حرف الحاء للتحويل بين من يقول تحويل ومن يكتفي بالحاء، وابن الصلاح فصّل ذلك في مقدمته.
- 42:23
النحت الخطي صار مصطلحًا للدلالة على أسماء الكتب والمحدثين، فالخاء للبخاري والميم لمسلم وهكذا.
- 43:14
السيوطي استعمل الرموز لدرجات الحديث في الجامع الصغير، وكتب الفقه تستعمل رموزًا للأشخاص كسم لابن القاسم العبادي.
- 44:15
م ر تعني محمد الرملي ور م تعني والده الشهاب الرملي في كتب الشافعية، وهذا الفرق الدقيق يُبيّن أهمية معرفة الرموز.
- 44:59
جهل رموز التراث يُحدث فجوة في الفهم ويدفع القارئ إلى تفسيرات خاطئة أو ترك النص، مما يؤكد أهمية تعلم الاصطلاح.
- 46:11
التعريفات الفقهية أحكام شرعية لأنها مقياس الحل والحرمة، ولذلك اهتم العلماء بالمنطق خادمًا لتحقيق التعريفات.
- 47:37
التعريفات الفقهية تستوجب الوجل لأنها توقيع عن رب العالمين، وقد سمّى ابن القيم كتابه إعلام الموقعين تأكيدًا لهذا المعنى.
- 48:40
التعريفات الفقهية ظنية قابلة للأخذ والرد، لكنها تصدر كأحكام شرعية لأنها مقياس الحل والحرمة في ذهن الفقيه.
- 49:23
التعريف يكون بالحد بالذاتيات أو بالرسم بالعرضيات، وكل منهما ينقسم إلى تام وناقص بحسب قرب الجنس أو بعده.
- 50:30
الفقهاء يطلقون الحد على كل التعريفات، بينما المناطقة يخصّونه بالتعريف بالذاتيات ويميّزونه عن الرسم.
- 51:49
كتب التراث كانت تُطبع بالمتن والشرح في الهامش والحواشي في الداخل، وهذا الترتيب يستلزم معرفة طريقة القراءة.
- 52:37
أركان البيع ثلاثة: العاقد والمعقود عليه والصيغة، ومراعاة الضمائر والإعراب في النص الفقهي ضرورية لفهم الحكم.
- 53:29
علامات الترقيم تُوضّح الجمل الاعتراضية في النصوص الفقهية، وغيابها يُوقع في سوء الفهم كما في نص أركان البيع.
- 54:25
النووي عبّر عن الصيغة بالشرط في المنهاج وبالركن في المجموع، والفرق أن الأركان داخل الشيء والشروط خارجه.
- 55:32
الحاشية تشرح المتن كلمة كلمة، وهو في النص يعني البيع بالمعنى الشرعي المركب المتضمن للإيجاب والقبول.
- 56:28
الفقهاء عرّفوا البيع بالمثال لأنه أظهر من الحد المنطقي، وكلمة الحد في هذا السياق تعني التعريف المنطقي لا حدود الله.
- 57:34
إشارة الأخرس تقوم مقام الكلام في عقد البيع وتأخذ أحكامه، لأن الحاجة تقتضي تمكينه من التعاقد.
- 58:47
غير لفظ البيع من الألفاظ الدالة على التراضي كخذ وهذه لك تقوم مقامه في انعقاد العقد.
- 60:13
النطق الخاطئ يُغلق باب الفهم في النصوص الفقهية، ولذلك يجب على المحققين تشكيل الألفاظ الموهمة.
- 60:35
يشترط إسناد البيع إلى جملة المخاطب لا جزئه، لأن الإسناد إلى الرأس أو العين لا يُنشئ عقدًا صحيحًا.
- 61:28
منهج الفقهاء تتبع الواقع وجعل الدين حيًا فيه، وهذا المنهج ينبغي تطبيقه في كل عصر بصرف النظر عن نوع المشكلات.
- 61:53
قول بعت لعينيك أو لرأسك يُسند البيع إلى جزء المخاطب وقد أفضى إلى نزاعات قضائية، ولذلك اشترط الفقهاء الإسناد للجملة.
- 63:05
البيع باطل إذا أُسند إلى جزء المخاطب كالرأس أو العين، وهذا حكم استنبطه الفقهاء من حالات واقعية وصلت إلى القضاء.
- 63:46
فهم منهج الفقهاء في التراث يُمكّن من إحياء الدين في الواقع المعاصر، لأن المنهج هو تتبع الواقع لا الوقوف عند المسائل القديمة.
- 64:37
لا يجوز إطلاق الجزء وإرادة الكل في عقد البيع لأن العقود تستلزم التحديد ونفي الجهالة والمنازعة.
- 65:36
الرملي مال إلى صحة البيع في نفسك وعينك لأنهما من المؤكدات على الذات في اللغة لا من أجزاء الجسم.
- 66:34
الزيادي مال إلى صحة البيع حتى في نحو اليد مع إرادة الجملة، ورمزه زي في كتب الشافعية وجهله يُغلق باب الفهم.
- 67:29
فراجعه مصطلح شافعي يدل على عدم رضا صاحب الحاشية عن الرأي المذكور، ولا يُدرك معناه إلا بمعرفة مصطلحات المذهب.
- 68:33
فراجعه مصطلح شافعي يعني أن صاحب الحاشية ليس مسرورًا تمامًا من الرأي، وهو من المصطلحات التي لا تُفهم من ظاهر اللفظ.
- 68:54
لا يكفي قصد خطاب غير العاقد ولا الإشارة لغيره في إيقاع البيع، لأن الخطاب يجب أن يكون موجهًا للعاقد الفعلي.
- 69:54
اشتراط تحديد المخاطب في العقد يهدف إلى حفظ أموال الناس ورفع التنازع، وهو من مقاصد الفقه في تنظيم المعاملات.
- 70:49
لا يصح قصد غير العاقد بالاسم الظاهر ولا قول باعك الله، لأن إنشاء العقد يستلزم تحديدًا ينفي الجهالة والمنازعة.
- 71:39
البيع لا يستقل به المالك بخلاف العتق، ويكفي في صيغته اسم الإشارة كهذا عن الخطاب الصريح.
- 72:05
التراث الإسلامي يتأثر بالواقع الاجتماعي والسياسي، ومذهب داود الظاهري نموذج على ذلك إذ نشأ ردًا على التأويل المفرط.
- 73:11
أحمد بن حنبل وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ليسوا سلسلة متصلة، وتفاوتهم في العلم والصواب كبير.
- 74:06
التراث الإسلامي هو واقع المسلمين لا شيء منفصل عنهم، فهو يمثل مشاعرهم وأفكارهم وهويتهم.
- 75:05
الحياة المعاصرة تكون امتدادًا للتراث بفهم مناهجه وتطبيقها، والخروج عن الهوية الإسلامية إلى عالم مجهول ضياع.
- 76:19
الموقف الصحيح من التراث استيعاب مسائله ومناهجه والزيادة عليها وإكمال مسيرة السلف الصالح.
- 76:41
أحمد بن حنبل مقبول من الأمة إجماعًا، وابن تيمية أصاب وأخطأ كثيرًا، ومحمد بن عبد الوهاب أغلب الأمة على خطئه في كثير.
- 77:54
أحمد بن حنبل أعلم الثلاثة بالحديث وأورعهم، وابن تيمية دونه، ومحمد بن عبد الوهاب ذكر أحاديث موضوعة كحديث الغرانيق.
- 78:58
تكاثر العلوم أثّر على تحصيل الأئمة، فأحمد تفرّغ للحديث وابن تيمية شغله الكلام والمنطق ومحمد بن عبد الوهاب أكثر.
- 79:55
مقولة العبث بالتراث مبالغ فيها، والتلاعب بالكتب كان محدودًا جدًا ولا يمكن تعميمه على كل التراث.
- 80:35
التلاعب بكتب التراث محدود كما في بعض كتب ابن العربي، لكن تعميمه على كل التراث أمر خرج عن يد البشر.
- 81:33
أخطاء المستشرقين في طبع التراث كانت غالبًا من جهل اللغة لا قصد التحريف، والعلم محفوظ والأصول موجودة.
- 82:38
المصطلحات موجودة في كتب التراث كبيرها وصغيرها، وقد طُرح سؤال عن إمكانية استخدامها في الواقع المعاصر.
- 83:16
الفوائد المكية للسقاف والمدخل لابن بدران من أبرز كتب مصطلحات التراث، لكن التراث أوسع ويحتاج مجهودات ضخمة.
- 84:39
المنطق خادم لكل العلوم لا للفقه وحده، وقد استُعمل لصياغة المعرفة في كل فن كالإملاء والخط.
- 85:05
الفقهاء استعملوا مصطلحات المنطق كالقياس الشرطي والملازمة والمقدم والتالي بشكل طبيعي في كتبهم.
- 86:12
المنطق الصوري بمصطلحاته التراثية مدخل لكل العلوم، وقد كتب العلماء متونًا صغيرة فيه كمتن السلم لبناء هيكل المعرفة.
- 87:05
علاقة المنطق بالعلوم علاقة خدمة واستعمال، والمقصود المنطق الصوري التراثي لا الرمزي الحديث، وهو مدخل لكل العلوم.
ما أهمية المصطلحات في فهم كتب التراث الإسلامي؟
المصطلحات تُشكّل أغلب شفرة التراث الإسلامي، وعند قراءة كتب التراث لا بد من استحضار قضية المصطلحات وإدراك أقسامها المختلفة. إهمال هذه القضية يجعل النصوص غامضة وغير مفهومة، ويضيع على القارئ خير كثير.
ما معنى الوضع في اللغة وكيف تتم عملية جعل اللفظ بإزاء المعنى؟
الوضع معناه جعل شيء بإزاء شيء آخر، أي جعل لفظ في مقابل معنى معين. وهذه العملية تتم بتواضع طائفة معينة واتفاقها على وضع لفظ بعينه بإزاء معنى بعينه، وقد تمت هذه العملية في اللغة.
هل العلاقة بين الحروف والمعاني علاقة طبعية أم وضعية؟
العلاقة بين الحروف والمعاني علاقة وضعية لا طبعية، فليس هناك رابط ذاتي بين حروف كلمة أسد وبين الحيوان المفترس. لو كانت العلاقة طبعية لفهم كل من على الأرض معنى الكلمة بمجرد سماعها، وهذا غير ممكن.
من هو واضع اللغة عند علماء الأصول وما دليل القائلين بأن الله هو الواضع؟
اختلف علماء الأصول في واضع اللغة، فقال فريق إن الله سبحانه وتعالى هو الواضع، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وعلّم آدم الأسماء كلها﴾، أي أن الله علّم آدم أسماء الأشياء كالأسد والبقرة والإنسان. وعلى هذا القول يكون الله هو الذي جعل الألفاظ بإزاء معانيها.
ما الأقوال الأخرى في واضع اللغة غير القول بالتوقيف الإلهي؟
قال بعض العلماء إن البشر هم الذين وضعوا اللغة، وقال آخرون إن الله وضع الأسس والقوانين كوزن فاعل في علم الصرف، ثم أنشأ الإنسان المفردات تطبيقًا لتلك القوانين. وقال فريق رابع إنه لا يُعلم من الذي وضع اللغة.
كيف أخرج الشرع بعض الألفاظ من معانيها اللغوية إلى معانٍ شرعية مخصوصة؟
جاء الشرع فأخرج بعض الألفاظ من معانيها اللغوية إلى معانٍ أخرى مخصوصة قصدها الشارع. فكلمة الصلاة في اللغة وُضعت للعطف والانثناء، ولذلك سُمّي الفرس الثاني في السباق مصليًا لأنه يتبع الأول ويكون كالمعطوف عليه.
ما المعنى الشرعي لكلمة الصلاة وكيف تطور من المعنى اللغوي؟
الصلاة في اللغة تُطلق على الدعاء لما فيه من معنى العطف والثنائية، وكذلك الصلاة على النبي لأن فيها دعاء. لكن الشرع جعل لهذه الكلمة معنى جديدًا مخصوصًا وهو تلك الأفعال والأقوال المخصوصة المبتدأة بالتكبير المنتهية بالتسليم التي يؤديها المسلم خمس مرات يوميًا.
ما الفرق بين الوضع اللغوي والوضع الشرعي وكيف ينصرف الذهن إلى المعنى الشرعي؟
الوضع اللغوي هو جعل اللفظ بإزاء المعنى عند أهل اللغة، والوضع الشرعي هو جعل اللفظ بإزاء المعنى عند الشرع. وقد صار الذهن ينصرف تلقائيًا إلى المعنى الشرعي لا اللغوي، فإذا قيل لأحد إنه لا يصلي انصرف الذهن إلى ترك الفعل المخصوص لا إلى ترك الدعاء.
كيف يضع الأصوليون مصطلحاتهم الخاصة وما مثال ذلك في كلمة أصل؟
الأصوليون وضعوا كلمة أصل بإزاء المقيس عليه في القياس، فعند قياس النبيذ على الخمر يسمون الخمر أصلًا والنبيذ فرعًا والإسكار علةً والحرمة حكمًا. وهذا الاستعمال مختلف عن المعنى اللغوي لكلمة أصل التي تُطلق على ما منه الشيء أو ما بُني عليه.
كيف تختلف دلالة كلمة أصل بين الأصوليين والفقهاء؟
كلمة أصل عند الأصوليين تعني المقيس عليه في القياس، أما عند الفقهاء فتعني الوالدين والأجداد، كقولهم إن الزكاة تحرم على الأصل والفرع. فالأصل عند الفقهاء هو الأب والأم والجد والجدة، لا المقيس عليه.
ما تعريف المصطلح وما الفرق بين العرف الخاص والعرف العام؟
المصطلح هو وضع لفظ بإزاء معنى معين عند طائفة بعينها، وهو ما يُسمى العرف الخاص، أي عرف أهل صناعة أو علم أو فن معين. ويختلف العرف الخاص عن العرف العام الذي يتعارف عليه عموم الناس في منطقة ما دون أن يكون مقيدًا بطائفة علمية.
ما العرف العام وكيف يختلف عن المعنى اللغوي الأصلي للفظ؟
العرف العام هو ما يتعارف عليه عموم الناس في منطقة ما دون أن يكون في اللغة أو الشرع. فكلمة دابة في اللغة تُطلق على كل ما يدب، بما فيه الإنسان، لكن المصريين يعنون بها الحمار تحديدًا. ولذلك لو وصف أحدهم أخاه بأنه من الدواب كان ذلك سبًّا وشتمًا.
ما الأوضاع الأربعة التي ينبغي استيعابها لفهم التراث الإسلامي؟
الأوضاع الأربعة هي: الوضع اللغوي والوضع الشرعي والوضع العرفي العام والوضع العرفي الخاص المسمى بالاصطلاح. ولا بد لمن يريد الخوض في فن من فنون التراث أن يستوعب الاصطلاح الذي وضعه أهل ذلك الفن، وإلا تداخلت المعاني وضاع الفهم.
ما تعريف الجنس في علم المنطق وما مثاله؟
الجنس في المنطق هو كلي ذاتي مقول على كثيرين مختلفين في الحقيقة في جواب ما هو. ومثاله كلمة الحيوان، إذ تندرج تحتها أنواع كثيرة مختلفة كالإنسان والأسد والزرافة، وهذه الأنواع تختلف في حقائقها وإن اشتركت في مسمى الحيوان.
ما الفرق بين الجنس والنوع في علم المنطق؟
الجنس في المنطق أفراده مختلفة في المعنى، والنوع أفراده متفقة في المعنى. فكلمة إنسان نوع لأن زيدًا وعمرًا وفاطمة كلهم متفقون في الإنسانية، أما الجنس كالحيوان فأفراده مختلفة لأنها تشمل الإنسان والأسد والزرافة وغيرها.
كيف يستعمل الفقهاء كلمة الجنس وما مثالها في القمح؟
الفقهاء يستعملون الجنس بمعنى ما اتحدت أفراده في معناه، فالقمح جنس عندهم وإن اختلفت درجاته وألوانه وأحجام حبته. فكل أنواع القمح تشترك في ماهية القمح، ولو دُقّ وأصبح دقيقًا يُقال عنه دقيق قمح لا دقيق ذرة.
لماذا يُسمي المناطقة القمح نوعًا لا جنسًا وما الجنس الخاص به عندهم؟
المناطقة يسمون القمح نوعًا لأن أفراده متحدة في معنى النوعية، والجنس عندهم ما كانت أفراده مختلفة. فالجنس الخاص بالقمح عند المناطقة هو النبات، لأن كلمة نبات تشمل القمح والشعير والذرة والنباتات السامة وغيرها من أنواع مختلفة.
ما الخطأ الذي يقع فيه من يحمل مصطلح الجنس المنطقي على النص الفقهي في أحكام الربا؟
من يحمل مصطلح الجنس المنطقي على النص الفقهي سيظن أن بيع الجنس بنفسه يعني بيع ما تحته أنواع مختلفة، فيظن أنه لا يجوز بيع القمح بالشعير متفاضلًا وهذا خطأ. الفقهاء يشترطون في بيع الجنس الواحد شرطين: التماثل والحلول، والتماثل يعني الكيلة بالكيلة، والحلول يعني التسليم الفوري.
ما الحديث النبوي الذي يُستند إليه في أحكام الربا وما دلالة يدًا بيد وسواءً بسواء؟
قال رسول الله ﷺ: الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح والتمر بالتمر يدًا بيد سواءً بسواء فمن زاد أو استزاد فقد أربى. فعبارة يدًا بيد تدل على شرط الحلول أي التسليم الفوري، وسواءً بسواء تدل على شرط التماثل.
ما الحكمة من تحريم ربا الفضل والنسيئة في المطعومات ووسيط التبادل؟
النبي ﷺ حرّم التفاضل والنسيئة في المطعومات وفي وسيط التبادل وهو الذهب والفضة سدًّا للذريعة، حتى لا يحدث غرر ولا ترتفع الأسعار في الأسواق. والمعاملة بالجنس الواحد بالتساوي معاملة وهمية لا فائدة منها عمليًا، وهذا يعني أن النهي الحقيقي هو عن التفاضل والتأجيل حفظًا لأقوات الناس.
هل يجوز بيع القمح بالشعير متفاضلًا وما أثر فهم مصطلح الجنس في هذا الحكم؟
يجوز بيع القمح بالشعير متفاضلًا لأنهما جنسان مختلفان عند الفقهاء، وقد نص الحديث على ذلك بقوله: فإن اختلفت تلكم الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد. من يفهم الجنس بالمعنى المنطقي سيظن خطأً أن القمح والشعير جنس واحد لأنهما كلاهما نبات، فيحرّم ما أجازه الشرع.
ما الشروط المطلوبة في بيع الجنس الواحد وبيع الجنسين المختلفين؟
إذا اتفق الجنسان كبيع القمح بالقمح اشترط الفقهاء شرطين: التماثل والحلول. أما إذا اختلف الجنسان كبيع القمح بالشعير فيُشترط شرط واحد فقط وهو الحلول، فيجوز أن تعطي كيلة قمح وتأخذ كيلتين شعير. وهذا الحكم لا يُفهم إلا بمعرفة مصطلح الفقهاء في كلمة جنس.
ما خلاصة الفرق بين الجنس عند الفقهاء والنوع عند المناطقة؟
الجنس عند الفقهاء هو ما اتحدت أفراده في معناه، وهو حقيقة النوع عند المناطقة. فما يسميه الفقهاء جنسًا يسميه المناطقة نوعًا، ولذلك لا بد من استيعاب مصطلحات الناس واختلافها من مادة إلى مادة ومن فن إلى فن.
ما معنى مصطلح القول عند الشافعية وما الفرق بينه وبين الوجه؟
القول عند الشافعية هو ما صدر من الإمام الشافعي نفسه، فإذا قيل في المسألة قولان فمعناه أن الشافعي أصدر فتويين مختلفتين في تلك المسألة. أما الوجه فهو ما صدر من أصحاب الشافعي من بعده لا من الإمام نفسه.
لماذا اندثرت بعض المذاهب الفقهية وبقيت أخرى رغم علم أصحابها؟
المذاهب التي بقيت كالشافعي والمالكي والحنفي خُدمت خدمة عظيمة بعد أئمتها، إذ قام علماء كثيرون بحمل علم كل مذهب والاستدلال له ومناقشته وتنميته وتوقيعه على الحوادث. أما المذاهب التي اندثرت كمذهب الليث بن سعد فلأن أصحابه قصّروا في حماية وحمل ورواية وتنقيح المذهب.
ما الفرق الدقيق بين مصطلح القول ومصطلح الوجه في كتب الشافعية؟
القول منسوب إلى الإمام الشافعي نفسه، والوجه منسوب إلى أصحابه من بعده. فإذا كان في مسألة رأيان لإمامين من أئمة المذهب الشافعي ممن جاؤوا بعد الشافعي سُمّي كل منهما وجهًا. وعلى ذلك قد يكون في المسألة قولان وقد يكون فيها وجهان.
كيف قسّم الشافعية الخلاف بين الآراء إلى قوي وضعيف وما الألفاظ المستعملة لكل قسم؟
الشافعية وجدوا أن الخلاف بين الرأيين إما أن يكون قويًا من الجانبين أو أن يكون أحدهما قويًا والآخر ضعيفًا. وهذا ينطبق على الأقوال المنسوبة للإمام وعلى الأوجه المنسوبة لأصحابه، فأصبح عندهم أربعة أقسام لكل منها مصطلح خاص.
ما معنى مصطلح الأظهر في كتب الشافعية وما الذي يدل عليه؟
الأظهر عند الشافعية يدل على أن في المسألة قولين منسوبين للإمام الشافعي، أحدهما أقوى من الآخر، فيُسمى الأقوى الأظهر ويُسمى الآخر مقابل الأظهر. فبمجرد رؤية كلمة الأظهر يعلم القارئ أن هناك رأيين للإمام وأن أحدهما أرجح.
ما معنى مصطلح المشهور في كتب الشافعية ومتى يُستعمل؟
المشهور عند الشافعية يدل على أن في المسألة قولين منسوبين للإمام الشافعي نفسه، أحدهما قوي والآخر ضعيف. فمقابل المشهور يكون ضعيفًا، وهذا يختلف عن الأظهر الذي يكون مقابله قويًا أيضًا.
ما معنى مصطلحي الأصح والصحيح في كتب الشافعية وما الفرق بينهما؟
الأصح يدل على وجهين منسوبين لأصحاب الإمام الشافعي أحدهما أقوى والآخر قوي، فمقابل الأصح قوي. أما الصحيح فيدل على وجهين منسوبين لأصحاب الإمام أحدهما قوي ومقابله ضعيف. فأصبح عند الشافعية أربعة ألفاظ: الأظهر والمشهور والأصح والصحيح.
ما معنى كلمة والثاني في كتب الشافعية وكيف ترتبط بمصطلح الأصح؟
كلمة والثاني في كتب الشافعية تعني مقابل الأصح أو مقابل أي لفظ ترجيح سبقها. فإذا قال المؤلف الأصح كذا ثم قال والثاني فمعناه أنه يذكر الرأي الآخر المقابل. من لا يعلم هذا الاصطلاح في الصياغة سيتساءل أين الأول ولن يفهم الكلام.
كيف تعامل الإمام النووي مع مصطلحات المذهب الشافعي في مقدمة المنهاج؟
الإمام النووي في بداية كتابه المنهاج علّم القراء طريقته في الصياغة وبيّن مصطلحاته، فأوضح متى يقول الأصح ومتى يقول الأظهر وما يعني كل لفظ. وهذا يؤكد أن قضية المصطلح تجعل القارئ فاهمًا أكثر وقادرًا على التعامل مع النص وإدراكه.
كيف يمتد الاصطلاح إلى أسماء الأشخاص في كتب التراث وما أمثلة ذلك؟
الاصطلاح يمتد إلى أسماء الأشخاص، فكلمة القاضي في التفسير تعني البيضاوي، وفي علم الكلام تعني أبا بكر الباقلاني، وفي فقه الشافعية تعني القاضي الحسين. وكلمة الإمام في الفقه تعني الجويني، وفي الأصول تعني الرازي.
لماذا يُعدّ إدراك مصطلحات الأشخاص ضروريًا لتوثيق المصادر وفهم الحجج؟
إدراك مصطلحات الأشخاص ضروري لتوثيق المصدر وفهم الحجة وإتساق الكلام. فلو ذهب الباحث إلى القاضي البيضاوي والمقصود القاضي حسين، أو إلى الرازي والمقصود الجويني، فإنه يضل الطريق وتتخبط معه الآراء الفرعية على الأصولية، وهذا ليس من قبيل العلم الدقيق.
كيف يمتد الاصطلاح إلى أسماء الكتب وما مثال الشيخان في الحديث والفقه؟
الاصطلاح يمتد إلى أسماء الكتب، فالنهاية عند الشافعية تعني نهاية المطلب للجويني، والمحرر للرافعي، والمجموع للنووي. وكلمة الشيخان في علم الحديث تعني البخاري ومسلم، لكنها في الشافعية تعني الرافعي والنووي.
ما معنى النحت في اللغة العربية وما أمثلته المشهورة؟
النحت في اللغة هو استجلاب كلمة واحدة من عدة كلمات، كاشتقاق بسملة من بسم الله الرحمن الرحيم، والدمعزة من أدام الله عزك، والحولقة من لا حول ولا قوة إلا بالله. وقد انتقل هذا المفهوم إلى الخط فأصبح يُسمى النحت الخطي.
هل النحت قياسي أم سماعي وما الفرق بين الحولقة والحوقلة؟
العلماء يقولون إن النحت سماعي لا قياسي، أي لا يجوز إنشاء نحت جديد قياسًا. والحولقة هي النحت الصحيح من لا حول ولا قوة إلا بالله، أما الحوقلة فهي سير الرجل الضعيف كما قال السيوطي والأزهري. ومن أمثلة النحت درعمي من دار العلوم وعبشمي من بني عبد شمس.
هل يوجد نحت في اللغة العامية وما مثاله؟
نعم، يوجد نحت في اللغة العامية، فكلمة معلش المصرية مأخوذة من ما عليه شيء، أي لا تثريب عليكم. والأعاجم طردوا النحت وجعلوه قياسيًا، في حين أن العربية تقصره على السماع ولا تتجاوز نحو ثلاثين إلى أربعين كلمة منحوتة.
كيف استعمل العلماء النحت الخطي في المخطوطات وما أمثلته؟
العلماء استعملوا النحت الخطي في الكتابة فاختصروا الكلمات المتكررة، فكتبوا حاء مشددة بدلًا من وحينئذٍ، والظاء بدلًا من والظاهر، ومص بدلًا من المصنف. وقد انتشر هذا في أوساط الكاتبين لكثرة الكتابة، وكان المشايخ يقرؤون هذه النحوت على ما هي عليه حتى لا ينسى الطالب معناها.
ما معنى حرف الحاء في سند الحديث وما وظيفته عند المحدثين؟
حرف الحاء في سند الحديث يُستعمل للتحويل، أي للإشارة إلى أن الراوي سينتقل من سند إلى سند آخر. فإذا روى المحدث عن راويين مختلفين عن شخص واحد كتب حاء بين السندين للدلالة على بداية السند الثاني، وهذا من النحوت الخطية التي ضاع أصلها عند بعضهم.
كيف اختلف المحدثون في نطق حرف الحاء عند التحويل وما رأي ابن الصلاح؟
اختلف المحدثون في نطق حرف الحاء عند التحويل، فقال بعضهم ينطق تحويل، وقال آخرون ينطق كما هو حاء لأنهم تناسوا أصله. ويُفصّل ابن الصلاح هذه المسألة في مقدمته في علوم الحديث.
كيف استعمل العلماء النحت الخطي للدلالة على أسماء الكتب والمحدثين؟
العلماء استعملوا النحت الخطي كمصطلح للدلالة على أسماء الكتب والأشخاص، فرمزوا للبخاري بخاء ولمسلم بميم ولابن ماجة بالتاء المربوطة وللبيهقي بقاف. وقد اختلفوا في بعض الرموز، فبعضهم جعل القاف لما اتفق عليه البخاري ومسلم وجعل للبيهقي هـق.
كيف استعمل السيوطي الرموز في الجامع الصغير وما مثال رموز الأشخاص في كتب الفقه؟
السيوطي استعمل الرموز في الجامع الصغير للدلالة على درجة الحديث، فالصاد تعني صحيح والضاد تعني ضعيف والحاء تعني حسن. وفي كتب الفقه الحنفي كجامع الفصولين لابن قاضي سماونة توجد صفحتان كاملتان لفك رموز الأشخاص والكتب، وفي الشافعية يُرمز لابن القاسم العبادي بالسين والميم.
ما الفرق بين رمز م ر ورمز ر م في كتب الشافعية؟
في كتب الشافعية م ر تعني محمد الرملي، أما ر م فتعني والده الشهاب الرملي. وكذلك حج تعني ابن حجر، وزي تعني الزيادي. هذه الرموز تختلف بحسب ترتيب الحروف وتحتاج إلى معرفة مسبقة حتى لا يقع القارئ في الخلط.
ما الأثر السلبي لجهل رموز التراث على القارئ وفهمه للنصوص؟
جهل رموز التراث يُحدث فجوة بين القارئ وما يقرأ، فيبدأ في التفكير بتفسيرات خاطئة كمن يحاول إيجاد علاقة بين رمز سم وبين السم الذي يقتل الناس. وفي النهاية يتضايق القارئ ويترك النص معتبرًا إياه غير مفهوم، وهذا يجعل الرموز من الأمور الهامة في قضية الاصطلاح.
لماذا تُعدّ التعريفات الفقهية أحكامًا شرعية وما علاقة ذلك بعلم المنطق؟
التعريفات الفقهية أحكام شرعية لأنها تُشكّل مقياس الحل والحرمة في ذهن الفقيه والمجتهد، فبمجرد التعريف يُقال هذا حلال وهذا حرام. ولذلك اهتم العلماء اهتمامًا بالغًا بعلم المنطق وسمّوه خديم العلوم، لأنه يُستعمل لتحقيق مسألة التعريفات تحقيقًا تامًا.
لماذا تستوجب التعريفات الفقهية الوجل والخوف من الله؟
التعريفات الفقهية تستوجب الوجل والخوف لأنها تتعلق بالتوقيع عن رب العالمين، كما سمّى ابن القيم مؤلفه إعلام الموقعين عن رب العالمين. فالقول بأن هذا حلال وهذا حرام مسألة خطيرة تستلزم التقوى وعدم التجرؤ على الكلام بما يُعلم بطلانه أو فيه خروج عن مراد الله ورسوله.
هل التعريفات الفقهية قطعية أم ظنية وما أثر ذلك على التعامل معها؟
التعريفات الفقهية من قبيل الظن لا القطع، ولا بأس من الأخذ والرد فيها والقبول والرفض. لكنها مع ذلك تصدر كما يصدر الحكم الشرعي، لأنها ستكون في ذهن الفقيه والمقلد والمجتهد مقياسًا ومعيارًا للحكم بالحل والحرمة.
ما طرق الدخول إلى التعريف الفقهي وما الفرق بين الحد والرسم؟
التعريف يكون إما بالحد أو بالرسم. الحد يكون بالذاتيات: الجنس القريب والفصل يُسمى الحد التام، والجنس البعيد والفصل أو الفصل فقط يُسمى الحد الناقص. أما الرسم فيكون بالعرضيات: الجنس القريب والخاصة يُسمى الرسم التام، والجنس البعيد والخاصة أو الخاصة فقط يُسمى الرسم الناقص.
كيف يختلف استعمال كلمة الحد عند الفقهاء عن استعمالها عند المناطقة؟
عند الفقهاء كلمة الحد تُطلق على كل التعريفات سواء كانت بالذاتيات أو بالعرضيات، فهي تُطلق في مقابلة كلمة التعريف عند المناطقة. أما عند المناطقة فالحد خاص بالتعريف بالذاتيات ويختلف عن الرسم الذي يكون بالعرضيات.
كيف كانت تُطبع كتب التراث الفقهية قديمًا وما العلاقة بين المتن والحاشية؟
درج الطابعون قديمًا على كتابة أصل الكتاب مع شرحه في الهامش الخارجي، وفي الداخل المسمى الجدول توضع الحواشي. ففي كتاب البيع مثلًا يكون الخارج هو الكتاب مع شرحه، وفي الداخل حاشيتان: حاشية الشيخ القليوبي وحاشية الشيخ عميرة.
ما أركان البيع وكيف تؤثر الصياغة اللغوية في فهم النص الفقهي؟
أركان البيع ثلاثة إجمالًا: العاقد والمعقود عليه والصيغة. ولا بد من مراعاة الضمائر والعطف في قراءة النصوص الفقهية، فكلمة والصيغة معطوفة على العاقد والمعقود عليه وليست مرفوعة مستقلة، وخطأ الإعراب يُضيّع المعنى.
ما أهمية علامات الترقيم في فهم النصوص الفقهية وكيف تُوضّح الجمل الاعتراضية؟
علامات الترقيم تُفيد في تحديد الجمل الاعتراضية في النصوص الفقهية، وقد اصطلح العلماء على وضع الجملة الاعتراضية بين شرطتين. فلو طُبع الكتاب بعلامات ترقيم لوُضعت شرطة قبل ولهما وشرطة بعد تأتي، فيتبيّن أن والصيغة معطوفة على ما قبل الجملة الاعتراضية، وأن أركان البيع ثلاثة إجمالًا وستة تفصيلًا.
ما الفرق بين تعبير النووي عن الصيغة بالشرط في المنهاج وبالركن في المجموع؟
النووي عبّر عن الصيغة وأركان البيع بالشروط في المنهاج، وعبّر عنها بالأركان في شرح المهذب المجموع. والأركان والشروط يتحدان في كونهما جزءًا من الشيء، لكن الأركان داخله والشروط خارجه، وهذا الاختلاف في التعبير يعكس دقة الاصطلاح الفقهي.
كيف تشرح الحاشية المتن الفقهي وما معنى البيع بالمعنى الشرعي المركب؟
الحاشية تشرح المتن كلمة كلمة، فعند قول المتن هو كقوله بعتك هذا بكذا تشرح الحاشية أن هو تعني البيع بالمعنى الشرعي المركب. والبيع بالمعنى الشرعي المركب هو الصيغة الكاملة المتضمنة للإيجاب والقبول كما مثّل به النص.
لماذا عرّف الفقهاء البيع بالمثال دون الحد المنطقي؟
الفقهاء عرّفوا البيع بالمثال لأن المثال أظهر من الحد، فقالوا هو كقوله بعتك هذا بكذا. ولو عرّفوه بالحد المنطقي لقالوا إنه عقد معاوضة مالية تفيد ملك عين، ثم يعترض عليه المعترضون. وكلمة الحد هنا تعني الحد المنطقي لا حدود الله.
هل يصح بيع الأخرس وكيف تقوم إشارته مقام الكلام في العقود؟
يصح بيع الأخرس وشراؤه لأن إشارته تقوم مقام الكلام وتأخذ أحكامه. فإذا كان عقد البيع مترتبًا على الكلام فإنه يمكن أن يتم بالإشارة من الأخرس، لأن الأخرس يحتاج إلى الأكل والشرب واللباس ولا يستطيع الكلام.
هل تنعقد صيغة البيع بألفاظ غير لفظ البيع وما أمثلتها؟
تنعقد صيغة البيع بألفاظ غير لفظ البيع، فقول خذ أو هذه لك بعشرة أو أعطيك هذه بعشرة كلها تقوم مقام لفظ بعتك. والنص يقول وغيرُ لفظ البيع مثله، أي أن غير لفظ البيع من الألفاظ الدالة على التراضي مثله في الحكم.
كيف يؤدي النطق الخاطئ للنص الفقهي إلى انسداد باب الفهم؟
النطق الخاطئ يُغلق باب الفهم تمامًا، فلو قرأ القارئ وغيَّر لفظ البيع بدلًا من وغيرُ لفظ البيع لم يفهم شيئًا ولم يستطع ربط الكلام ببعضه. ولذلك على المحققين إذا أرادوا التيسير أن يشكّلوا الموهم من الألفاظ.
لماذا يشترط الفقهاء إسناد البيع إلى جملة المخاطب لا إلى جزئه؟
يشترط الفقهاء إسناد البيع إلى جملة المخاطب لأن العقد يجب أن يكون محددًا لا يحتمل التأويل. فقول بعتك يُسند البيع إلى كامل الشخص المخاطب، أما قول بعت لرأسك أو لعينيك فيُسند إلى جزء منه وهذا لا يكفي. وقد نشأت هذه المسألة من حالات واقعية وصلت إلى القضاء.
ما منهج الفقهاء في التعامل مع الواقع وكيف يجعلون الدين حيًا فيه؟
منهج الفقهاء هو تتبع الواقع وجعل الدين حيًا فيه، فهم نزلوا إلى الأسواق ورصدوا الحالات الواقعية وأصدروا فيها أحكامًا. وهذا المنهج ينبغي تطبيقه في كل عصر، فعلينا أن ندرك واقعنا ونجعل الدين حيًا فيه حتى لو اختلفت نوعية المشكلات.
ما حكم من يقول بعت لعينيك أو لرأسك في عقد البيع؟
الفقهاء وجدوا في الأسواق من يقول بعت لعينيك أو لرأسك بدلًا من بعتك، وهذا يُسند البيع إلى جزء من المخاطب لا إلى جملته. وقد أفضى ذلك إلى نزاعات أمام القضاء، إذ يدّعي البائع أنه لم يبع للشخص كله بل لجزء منه.
ما حكم البيع إذا أُسند إلى جزء المخاطب كالرأس أو العين؟
البيع باطل إذا أُسند إلى جزء المخاطب كالرأس أو العين، لأن الرأس والعين ليسا مستقلين عن الشخص استقلالًا يُجيز التعاقد معهما. والفقهاء استنبطوا هذا الحكم من حالات واقعية رأوها في الأسواق ووصلت إلى القضاء.
كيف يُساعد فهم منهج الفقهاء في التراث على إحياء الدين في الواقع المعاصر؟
لن نستطيع إدراك منهج الفقهاء في إحياء الدين في الواقع إلا بعد قراءة التراث وفهمه. فالفقهاء كانوا يتتبعون الواقع ويُصدرون أحكامًا في كل حالة، وعلينا اليوم أن نفعل الشيء ذاته في واقعنا المعاصر بنفس المنهج.
هل يجوز إطلاق الجزء وإرادة الكل في عقد البيع؟
لا يجوز إطلاق الجزء وإرادة الكل في عقد البيع، حتى لو كان المتكلم يقصد بالرأس جملة الإنسان. فقد يجوز ذلك في الأدب والشعر، لكنه في العقود لا يجوز أبدًا لأن العقد يستلزم التحديد ونفي كل منازعة وجهالة.
ما رأي الشيخ الرملي في صحة البيع إذا قيل بعته لنفسك أو لعينك؟
مال الشيخ الرملي إلى صحة البيع إذا قيل بعته لنفسك أو لعينك مع إرادة الجملة، لأن كلمتي نفس وعين من المؤكدات على الذات في اللغة. فجاء الرجل نفسه وجاء الرجل عينه تعنيان ذاته، فكلمة عين هنا لا تعني العين المبصرة بل تعني ذات الشخص وكيانه.
ما رأي الشيخ الزيادي في صحة البيع في نحو اليد وكيف يُقرأ رمزه في الكتب؟
الشيخ الزيادي مال إلى صحة البيع حتى في نحو اليد مع إرادة الجملة، وهو أوسع من رأي الرملي. ويُرمز للزيادي في كتب الشافعية بـزي، ومن لا يعرف هذا الرمز يقع في حيرة ويحاول إيجاد علاقة بين الكلام والزي الذي يُرتدى فينسد عليه الفهم.
ما معنى مصطلح فراجعه في كتب الشافعية وكيف يُفهم في سياقه؟
فراجعه في كتب الشافعية مصطلح يدل على أن صاحب الحاشية لا يُعجَب بالكلام المذكور ولا يرضى عنه تمامًا. فهو لا يعني انظر هذه المسألة في مكان آخر فحسب، بل يُشير إلى عدم الرضا التام عن الرأي المذكور، وهذا المعنى لا يُدرك إلا بمعرفة المدخل الخاص بالفقه.
كيف تداول الفقهاء الشافعية مصطلح فراجعه وما دلالته الدقيقة؟
فراجعه مصطلح تداوله الفقهاء الشافعية في حواشيهم، ومعناه أن صاحب الحاشية ليس مسرورًا تمامًا من الكلام المذكور. وهذا المعنى الدقيق لا يُفهم من ظاهر اللفظ، ولذلك لا بد من دراسة مصطلحات المذهب قبل الخوض في كتبه.
هل يكفي قصد خطاب غير العاقد أو الإشارة لغيره في إيقاع عقد البيع؟
لا يكفي في إيقاع عقد البيع قصد خطاب شخص غير العاقد ولا الإشارة لغيره. فمن يوجه الكلام لشخص وهو يقصد شخصًا آخر لا ينعقد بينهما البيع، لأن توجيه الخطاب يجب أن يكون محددًا للعاقد الفعلي.
ما الحكمة من اشتراط تحديد المخاطب في عقد البيع؟
الحكمة من اشتراط تحديد المخاطب في عقد البيع هي حفظ أموال الناس ورفع التنازع والخصام بين خلق الله. فالعقود تستلزم نوعًا من التحديد ينفي كل منازعة وجهالة، ولا لزوم للتلاعب عند إنشاء العقود.
هل يصح قصد غير العاقد بالاسم الظاهر أو قول باعك الله في عقد البيع؟
لا يصح قصد غير العاقد بالاسم الظاهر ولا الإسناد لغير المخاطب كقول بعت موكلك، ولا يصح قول باعك الله لأن هذا ليس إنشاءً للعقد. فعند إنشاء العقد لا بد من نوع من التحديد ينفي كل منازعة وجهالة.
لماذا لا يستقل المالك بعقد البيع وكيف يختلف ذلك عن العتق؟
عقد البيع لا يستقل به المالك لأنه يحتاج إلى طرفين، بخلاف العتق الذي يمكن أن يقع بالكناية ويستقل به المالك. ويكفي في صيغة البيع عن الخطاب الصريح اسم الإشارة كهذا.
إلى أي حد يتأثر التراث الإسلامي بالنواحي الاجتماعية والسياسية؟
التراث الإسلامي يتأثر بالنواحي الاجتماعية والسياسية، ومثاله مذهب داود الظاهري الذي نشأ جزئيًا كردّ فعل على ما رآه أصحابه من تأويل الأئمة المعاصرين للنصوص كما يشاؤون، فذهبوا إلى التمسك بظواهر النصوص.
هل يصح وصف أحمد بن حنبل وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب بأنهم سلسلة واحدة؟
هذه ليست سلسلة متصلة بالمعنى الدقيق، فأحمد بن حنبل إمام مقبول من الأمة ومذهبه من المذاهب المتبعة، وابن تيمية كان من كبار العلماء لكن جمهور العلماء على أنه أخطأ كثيرًا كما أصاب كثيرًا. أما محمد بن عبد الوهاب فأغلب الأمة على أنه على خطأ في كثير مما ذهب إليه.
ما العلاقة بين التراث الإسلامي والواقع المعاصر للمسلمين؟
التراث الإسلامي هو واقع المسلمين الآن وليس منفصلًا عن حياتهم، فهو يمثل مشاعرهم وأفكارهم ووجدانهم وهو جزء من شخصيتهم كمسلمين. ولا يوجد فصل بين التراث ونتاج المسلمين وبين الواقع الذي يعيشونه، فالتراث هو المعين الذي يأخذون منه.
كيف تكون الحياة المعاصرة امتدادًا للتراث الإسلامي لا انفصالًا عنه؟
تكون الحياة المعاصرة امتدادًا للتراث بفهم مناهج التراث وتقليدها وتطبيقها في الحياة المعاصرة. الخروج من الهوية والانطلاق إلى عالم مجهول تختلف رؤاه الكلية عن رؤية الإسلام هو ضياع، أما التعامل مع التراث باعتباره واقعًا حاضرًا فهو الطريق الصحيح.
ما الموقف الصحيح من التراث الإسلامي بين الاستيعاب والتطوير؟
الموقف الصحيح هو استيعاب مسائل التراث ومناهجه معًا، ثم الزيادة عليها والسعي في تطويرها وإكمال المسيرة التي بدأها السلف الصالح. فلا يكفي الوقوف عند المسائل دون فهم المناهج، ولا يصح الانفصال عن التراث كليًا.
ما الفرق في مكانة أحمد بن حنبل وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب عند العلماء؟
أحمد بن حنبل إمام مقبول من الأمة لم يختلف أحد في توثيقه، وابن تيمية كان من كبار العلماء وكان يجاهد في سبيل الله لكن جمهور العلماء على أنه أخطأ كثيرًا كما أصاب كثيرًا. أما محمد بن عبد الوهاب فأغلب الأمة على أنه على خطأ في كثير مما ذهب إليه.
كيف يتفاوت تمكن أحمد بن حنبل وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب من علم الحديث؟
تمكن أحمد بن حنبل من الحديث لا يُقارن بتمكن ابن تيمية، فأحمد كان أعلم وأورع وأتقى. وابن تيمية كان له اشتغال بالحديث لكنه لم يبلغ مرتبة أحمد. أما محمد بن عبد الوهاب فقد ذكر في كتبه أحاديث موضوعة كحديث الغرانيق وأقره كأنه حقيقة.
كيف أثّر تكاثر العلوم على تفاوت الأئمة في التحصيل العلمي؟
تكاثر العلوم قد يُعطّل بعضها عن بعض، فأحمد بن حنبل لم يكن مطالبًا بقراءة علم الكلام والمنطق فتفرّغ للحديث. أما ابن تيمية فقرأ كل هذا فضاع جزء من عمره، ومحمد بن عبد الوهاب ضاع ثلاثة أرباع عمره في ذلك. وهذا أمر يعصم الله منه من يشاء.
هل صحيح أن هناك يدًا امتدت إلى التراث الإسلامي وعبثت به؟
هذه المقولة مبالغ فيها، فالتلاعب بالكتب كان محدودًا جدًا ولا يمكن تعميمه على كل التراث. ومن المعروف أن الشعراني نصّ على أنه تُلوعب بكتبه وهو حي، وهناك تلاعب واضح في بعض كتب محيي الدين بن العربي، لكن هذا لا يعني أن كل التراث قد حُرّف.
ما حجم التلاعب الذي حدث في كتب التراث الإسلامي وما أمثلته؟
التلاعب بكتب التراث كان محدودًا جدًا، ومن أمثلته ما حدث في بعض كتب محيي الدين بن العربي حتى صارت كثير منها من الكفريات. لكن تعميم ذلك على كل التراث في كل مكان وزمان أمر خرج عن يد البشر، فالتراث أوسع من أن يُحرَّف بهذه الكيفية.
هل أدى طبع بعض كتب التراث في أوروبا إلى تحريفها وما الرد على ذلك؟
طبع بعض كتب التراث في أوروبا لا يعني تحريفها، وأغلب أخطاء المستشرقين كانت من جهلهم باللغة لا من قصد التحريف. والكتب موجودة والأصول محفوظة والعلم محفوظ إن شاء الله إلى يوم القيامة، والقول بأن كل التراث قد حُرّف تعميم ساذج لحالة خاصة.
هل المصطلحات موجودة في الكتب الكبيرة فقط أم في الصغيرة أيضًا وهل يمكن استخدامها اليوم؟
المصطلحات موجودة في كتب التراث الكبيرة والصغيرة على حد سواء، وهي تُستعمل لاختصار الأسماء والكتب وغيرها. وقد سأل أحد الحاضرين عن إمكانية استخدامها في الواقع المعاصر لتوفير الجهد في الأسماء المتعددة.
ما الكتب التي تُعالج مصطلحات التراث الإسلامي وتُيسّر فهمها؟
من أبرز الكتب التي تُعالج مصطلحات التراث كتاب الفوائد المكية للشيخ السقاف في المذهب الشافعي، وكتاب المدخل لابن بدران عبد القادر في المذهب الحنبلي. غير أن التراث أوسع من هذا كله ويحتاج إلى مجهودات ضخمة لعمل مداخل تُيسّر هذه الشفرة على طلاب العلم.
ما العلاقة بين علم المنطق وعلم الفقه وهل المنطق خاص بالفقه؟
المنطق سُمّي خادم العلوم لأنه استُعمل لصياغة كل العلوم لا الفقه وحده، شأنه شأن الإملاء والخط. فهو أداة لصياغة المعرفة في كل فن، وقد استعمله الفقهاء في صياغة أحكامهم وأدلتهم.
كيف استعمل الفقهاء مصطلحات المنطق كالقياس الحملي والشرطي والملازمة؟
الفقهاء استعملوا مصطلحات المنطق بسرعة وبشكل طبيعي، فيتكلمون عن القياس الشرطي والملازمة والمقدم والتالي والاستثنائية والنتيجة وكيفية انعكاسها. وهم يتحدثون عنها كأن القارئ قد استوعب كل ذلك مسبقًا.
ما أهمية المنطق الصوري بمصطلحاته التراثية لطالب العلوم الإسلامية؟
المنطق الصوري بمصطلحاته التراثية مدخل لكل العلوم وليس للفقه فقط، ولذلك كتب العلماء متونًا صغيرة فيه كمتن السلم. هذه المتون تُوجد هيكلًا للمعرفة بسيطًا يُمكّن الطالب من فهم الصياغات المنطقية في كتب الفقه والأصول.
ما طبيعة علاقة المنطق بالعلوم الإسلامية وما الفرق بين المنطق الصوري والمنطق الرمزي؟
علاقة المنطق بالعلوم الإسلامية هي علاقة الخدمة والاستعمال، فالمنطق أداة لا غاية في ذاتها. والمقصود هنا المنطق الصوري بمصطلحاته التراثية لا المنطق الرمزي أو الرياضي أو الوضعي الحديث، فالمنطق الصوري هو الذي يُشكّل مدخلًا لكل العلوم الإسلامية.
مصطلحات التراث الإسلامي مفتاح لا غنى عنه لفهم الفقه والأصول، وجهلها يُفضي إلى عكس الأحكام الشرعية.
مصطلحات التراث الإسلامي تنقسم إلى أربعة أوضاع: لغوي وشرعي وعرفي عام وعرفي خاص يُسمى الاصطلاح. وكل فن من فنون التراث له مصطلحاته الخاصة التي لا يجوز حمل مصطلح فن آخر عليها؛ فكلمة الجنس عند الفقهاء تعني ما اتحدت أفراده، وهي حقيقة النوع عند المناطقة، وخلط المصطلحين يُفضي إلى عكس حكم الربا وتحريم ما أحله الله.
التعريفات الفقهية أحكام شرعية لا مجرد تعريفات لغوية، لأنها تُشكّل مقياس الحل والحرمة في ذهن الفقيه والمجتهد. وقد امتد الاصطلاح ليشمل ألفاظ الترجيح عند الشافعية كالأظهر والمشهور والأصح والصحيح، وكذلك النحت الخطي ورموز الأشخاص والكتب في المخطوطات، مما يجعل استيعاب هذه الشفرة شرطًا لازمًا لكل من يريد التعامل مع التراث الإسلامي بدقة وأمانة.
أبرز ما تستفيد منه
- أقسام الوضع أربعة: لغوي وشرعي وعرفي عام وعرفي خاص هو الاصطلاح.
- الجنس عند الفقهاء ما اتحدت أفراده، وعند المناطقة ما اختلفت أفراده.
- التعريفات الفقهية أحكام شرعية يترتب عليها الحل والحرمة.
- النحت الخطي ورموز الأشخاص والكتب جزء من شفرة التراث لا يُستغنى عنها.
- المنطق الصوري بمصطلحاته التراثية مدخل لكل العلوم وليس للفقه فقط.
مقدمة حول أهمية المصطلحات والتعريفات في فهم شفرة التراث الإسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
اليوم نتناول عنصرًا من العناصر التي تُشكِّل في ظننا أغلب شفرة التراث، وهذا العنصر هو عنصر المصطلحات والتعريفات.
عندما نقرأ كتب التراث، لا بد علينا من استحضار قضية المصطلحات، وهذه المصطلحات على أقسام كثيرة ينبغي علينا أن ندركها، ولكن يمكن أن نجمل تلك الأقسام كلها تحت ذلك العنوان وهو قضية المصطلحات.
مفهوم الوضع اللغوي وحقيقة جعل اللفظ بإزاء المعنى
حتى نفهم هذه القضية بعمق فإننا نرجع إلى ما يسمى بقضية الوضع، والوضع معناه جعل شيء بإزاء شيء آخر، جعل شيء في مقابل شيء آخر، هذا هو حقيقة الوضع.
لأن الإنسان يتواضع، يعني كأنه يتفق؛ طائفة معينة تتفق على وضع لفظ معين بإزاء معنى معين. هذه العملية - عملية الوضع - تمت في اللغة.
العلاقة الوضعية بين الحروف والمعاني وانتفاء العلاقة الطبعية بينهما
فمن الذي أطلق على الحيوان المفترس الألف والسين والدال وبهذا الترتيب فسماه أسدًا؟ في حين أننا لو عكسنا هذا الترتيب أو تلاعبنا فيه لكان "داس" مثلًا، وكلمة "داس" قد وُضعت لمعنى آخر.
فليس هناك علاقة طبعية ما بين الحروف وما بين المعاني، بل هي علاقة وضعية. ليس هناك علاقة ما بين الألف والسين والدال وبين الأسد، بحيث أنني لو قلت "أسد" لفهم كل من على الأرض أنني أتكلم عن حيوان مفترس، لا يمكن أن نتصور ذلك.
إذن فمن الذي وما الذي حدث حتى توضع هذه الكلمة في مقابل ذلك المعنى؟
اختلاف العلماء في واضع اللغة بين التوقيف الإلهي والاصطلاح البشري
علماء الأصول يقولون إن الواضع الذي وضع الكلمة بإزاء المعنى اختلفوا فيه:
فقال بعضهم أنه الله سبحانه وتعالى، واستدلوا بقوله تعالى:
﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]
كأن الله سبحانه وتعالى عند ذلك الفريق قد علّم آدم أن الحيوان المفترس اسمه أسد، وأن هذه النبتة الخضراء يُطلق عليها شجرة، وأن هذا الحيوان الحلوب يُطلق عليه بقرة، وأن هذا الحيوان الناطق يُطلق عليه إنسان، وهكذا. فالله سبحانه وتعالى هو واضع اللغة، وكلمة "واضع" هنا أي أنه جعل اللفظ بإزاء المعنى.
القول بأن البشر وضعوا اللغة أو أن الله علّم القوانين وأنشأ الإنسان المفردات
بعضهم قال إن البشر هم الذين قد وضعوا اللغة. وبعضهم قال إن الله سبحانه وتعالى وضع الأسس والقوانين، فقال أنه علّم آدم أنه إذا ما أراد أن يعبر عن القائم بالفعل فليقل فاعل، فيقول: آكل، شارب، نائم، ضارب، وهكذا؛ لأنه على وزن فاعل بقوانين مخصوصة معروفة في علم الصرف.
هو [الله سبحانه وتعالى] الذي علّمها آدم، ثم بعد ذلك أنشأ الإنسان تطبيق هذه القوانين، وأنشأ الإنسان مفردات كثير من اللغة بعدما فهم كيف يضع الألفاظ بإزاء المعاني.
بعضهم قال: لا نعرف إذا ما كان الله أو غيره هو الذي وضع اللغة.
الوضع الشرعي وكيف أخرج الشرع بعض الألفاظ من معانيها اللغوية إلى معانٍ جديدة
على كل حال، فإننا لاحظنا أن اللغة التي وُضعت الألفاظ فيها بإزاء المعاني قد جاء الشرع فأخرج بعض هذه الألفاظ من معانيها اللغوية إلى معانٍ أخرى مخصوصة قصدها الشارع.
فكلمة الصلاة في اللغة وُضعت للعطف مثلًا، ولذلك فإن الشيء الذي قد انعطف على شيء آخر فإنه يُشتق من تلك المادة. فيقال للفرس الذي جاء ثانيًا بعد الفرس الذي جاء أولًا - الفرس الذي يسبق في السباق أولًا يسميه العرب المجلي - ثم الذي يليه أي الثاني يسمونه المصلي.
تطور معنى كلمة الصلاة من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي المخصوص
ومن أجل ذلك سموا الدعاء - لما كان من طرفين داعٍ ومدعو - الصلاة. فالصلاة تُطلق أيضًا في اللغة على الدعاء؛ لأن الدعاء فيه معنى العطف، شيء معطوف على شيء، فيها معنى الانثناء، فيها معنى الثنائية. كذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لأن فيها دعاء، وهكذا.
لكن الشرع جاء فجعل هذه الكلمة لها معنى جديد، نعم هو له علاقة مع المعنى القديم وهو الدعاء، لكنه معنى مخصوص، وهو تلك الأفعال والأقوال المخصوصة المبتدأة بالتكبير المنتهية بالتسليم التي يؤديها المسلم كل يوم خمس مرات بطريقة معينة في أوقات معينة بشروط معينة.
انصراف الذهن إلى المعنى الشرعي والفرق بين الوضع اللغوي والشرعي
حتى إذا ما قلت لأحد من الناس الآن: أنت لا تصلي، فمعناه أنه قد ترك هذا الفعل [المخصوص]، لا أنه قد ترك الدعاء. الذهن ينصرف إلى ذلك الفعل المخصوص ولا ينصرف إلى أصل المعنى اللغوي.
من الذي وضع كلمة الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والبيع وكذا بإزاء تلك المعاني؟ القرآن والسنة، الشارع، يعني الذي قد شرع.
فيمكن أن نقول إن هناك وضعًا لغويًا وأن هناك وضعًا شرعيًا. الوضع اللغوي يعني جعل اللفظ بإزاء المعنى عند أهل اللغة، والوضع الشرعي يعني جعل اللفظ بإزاء المعنى عند أهل الشرع، عند الشرع الشريف.
الوضع الاصطلاحي الخاص وكيف تضع كل طائفة من العلماء ألفاظها بإزاء معانٍ مخصوصة
ولكننا لاحظنا أيضًا أن هناك شيئًا آخر أزيد مما مر، ذلك أننا رأينا طوائف معينة قد اجتمعت على معنى معين للفظ معين.
فنرى أن الأصوليين مثلًا قد وضعوا كلمة "أصل" بإزاء المقيس عليه، في حين أن "أصل" في اللغة تُطلق على ما منه الشيء، وما بُني عليه الشيء، وما يحتاج إليه الشيء، على خلاف في اللغة أو توسع في الإطلاق.
لكن الأصوليون لا، هم يريدون أن يقيسوا النبيذ على الخمر فيسمون الخمر أصلًا ويسمون النبيذ فرعًا ويسمون الإسكار علةً ويسمون الحرمة حكمًا للأصل ويسمون الحرمة التي للنبيذ حكمًا للفرع.
اختلاف معنى كلمة أصل بين الأصوليين والفقهاء وتعدد الاصطلاحات
من الذي وضع كلمة "أصل" بإزاء المقيس عليه؟ الذي وضع ذلك طائفة معينة من العلماء، حتى إن كلمة "أصل" تُستعمل عند غيرهم بغير هذا المعنى.
تُستعمل عند الفقهاء مثلًا في قولهم أن الزكاة تحرم على الأصل وعلى الفرع. الأصل هنا هو الأب والأم والجد والجدة، الأصول هنا معناها أصول الإنسان: الوالد أو الوالدين. لا يعنون عندما يقولون "أصله" هنا لا يعنون به المقيس عليه.
مَن الذي جعل كلمة "أصل" بإزاء الوالدين؟ الفقهاء. ومَن الذي جعل كلمة "أصل" بإزاء المقيس عليه؟ الأصوليون.
تعريف المصطلح والعرف الخاص وأقسام الوضع الأربعة
وعلى ذلك فنجد أن كل طائفة معينة تضع المعنى بإزاء لفظ معين. فالعلماء أطلقوا على هذه الحالة الاصطلاح.
إذن فالمصطلح هو وضع لفظ بإزاء معنى معين عند طائفة بعينها، وهو ما يسمى العرف الخاص: عرف أهل صناعة أو أهل علم معين أو فن معين، وهكذا. وهذا هو الاصطلاح.
العرف العام وتغير دلالة الألفاظ كمثال كلمة دابة عند المصريين
وهناك عرف عام يتعارف عليه مثلًا أهل مصر على أنه لا يتعارف عليه أهل الحجاز أو أهل العراق مثلًا. فكانت هناك أشياء يتعارف عليها كل الناس وليست طائفة معينة، لكنها على كل حال ليست في اللغة وليست في الشرع.
مثل كلمة "دابة" مثلًا، فإن كلمة "دابة" عند المصريين يعنون بها الحمار، لكنها في اللغة كانت تُطلق على كل ما يدب برجليه على الأرض، بل على كل ما يدب مطلقًا سواء كان في الأرض أو في السماء.
وعلى ذلك فإن الإنسان من الدواب لغةً، لكن لو قال أحد من الناس في مصر واصفًا أخاه أنه من الدواب لكان ذلك سبًّا وشتمًا له؛ لأنه كأنه يصفه بأنه حمار.
الأوضاع الأربعة اللغوي والشرعي والعرفي العام والعرفي الخاص وأهمية استيعابها
إذن، فعندنا أربعة أوضاع: الوضع اللغوي، والوضع الشرعي، والوضع العرفي العام، والوضع العرفي الخاص وهو الذي يُسمى بالاصطلاح.
فلا بد علينا إذا ما أردنا أن نخوض في فن معين من فنون التراث أن نعي وأن نستوعب الاصطلاح والوضع الذي وضعه أهل ذلك الفن بإزاء الألفاظ المستعملة فيه. فإننا إذا لم نفعل ذلك لتداخلت المعاني ولضاع منا خير كثير.
لا أستطيع أن أفهم الفهم المناسب إلا إذا عرفت مصطلح الفن الذي أخوض فيه.
مثال كلمة الجنس في المنطق وتعريفها بالكلي المقول على كثيرين مختلفين في الحقيقة
ومثال ذلك في كتاب البيع مثلًا كلمة "جنس"، فكلمة الجنس تُستعمل باستعمالين مختلفين في المنطق والفقه.
إذا ما أردتُ أن أقرأ في المنطق فلا بد عليَّ أن أعرف - كما نبَّهنا مرةً سابقةً - إلى أن الجنس هو المقول، مقولٌ كليٌّ مقولٌ على كثيرينَ مختلفينَ في الحقيقةِ في جوابِ ما هو، كلي ذاتي مقول على كثيرين مختلفين في الحقيقة في جواب ما هو.
وضربنا له مثالًا بكلمةِ الحيوان، فإن ماهيةَ حقيقةِ الحيوانِ تحتها أنواعٌ كثيرةٌ منها الإنسانُ ومنها الأسدُ ومنها الزرافةُ وهكذا.
الفرق بين الجنس والنوع في المنطق وأن أفراد الجنس مختلفة وأفراد النوع متفقة
في حين أن كلمة "نوع" في المنطق معناها كلي مقول على كثيرين متفقين في الحقيقة. فكلمة "إنسان" هي التي نقصد بها النوع.
الجنس أفراده مختلفة، والنوع أفراده متفقة. فإن زيدًا مثل عمرو مثل زينب مثل فاطمة، كلهم في الإنسانية سواء. ولذلك كلمة "نوع" في المنطق تُطلق على ذلك الكلي الذي تكون أفراده متفقة في المعنى.
لكن الجنس يُطلق على الأفراد المختلفة في المعنى.
استعمال الفقهاء لكلمة الجنس بمعنى مختلف عن المناطقة وتطبيقه على القمح
في حين أن الفقهاء لم يستعملوا الجنس بهذا الاستعمال، بل استعملوا الجنس في كلامهم في مقابل النوع عند المناطقة.
فالجنس عندهم ما كان متحد الأفراد. فالقمح مثلًا جنس وإن اختلفت درجاته أو ألوانه أو أحجام حبته أو كذا، إنما هو قمح: منه رتبة أولى، ورتبة ثانية، ونوع جيد، ونوع رديء، لكن كله يشترك في معنى الماهية وهو أنه قمح.
ولو دُقَّ وأصبح دقيقًا لأطلق الناس على ذلك الدقيق أنه دقيق قمح وليس دقيق ذرة مثلًا. فالقمح نبات معروف، معروف في النباتات وفي الزراعة ومفهوم، هو جنس عند الفقهاء.
القمح نوع عند المناطقة وجنس عند الفقهاء والفرق الجوهري بين الاصطلاحين
في حين أننا إذا ما سألنا المناطقة: ماذا تسمون هذه الأفراد المختلفة من القمح؟ لقالوا: نسميها نوعًا؛ لأن النوع أفراده متحدة في معنى النوعية، والجنس أفراده مختلفة.
فهذا [القمح] ليس جنسًا [عند المناطقة]، الجنس الخاص به هو النبات. فكلمة "نبات" تشمل القمح والشعير والذرة والنباتات السامة والنباتات التي يأكلها الحيوان فقط أو الإنسان فقط أو كذا إلى آخره. هذا هو الجنس عند المناطقة.
خطورة حمل مصطلح الجنس المنطقي على النص الفقهي وأثره في فهم أحكام الربا
لو أن طالب علم قرأ النص الذي معنا وحمل كلمة الجنس هنا على ما قد تعلمه في المنطق، لكان ذلك حائلًا للفهم. فإنه لا يفهم العبارة، وتصبح العبارة التي أمامه غامضة وغريبة.
وهو يتكلم في الربا أو في البيوع ويقول إن بيع الجنس بنفسه لا يجوز إلا بشرطين: التماثل والحلول.
التماثل يعني إذا أردت أن أبيع القمح بالقمح فلا بد أن تكون الكيلة بكيلة بغض النظر عن رتبة هذا القمح وعن جودته. والحلول معناه الآن حالًا، الحلول من الحال.
حديث النبي في بيع الأصناف الربوية وشرطا التماثل والحلول
فذلك [شرط التماثل والحلول] مأخوذ من قول النبي عليه الصلاة والسلام:
قال رسول الله ﷺ: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر - يعني القمح - والشعير بالشعير والملح بالملح والتمر بالتمر يدًا بيد، سواءً بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أربى»
"يدًا بيد" هذا هو الحلول، "سواءً بسواء" هذا هو التماثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، فهو ربا.
حكمة تحريم ربا الفضل والنسيئة وسد الذريعة في المطعومات ووسيط التبادل
طبعًا هذه المعاملة معاملة وهمية، معاملة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم سدًّا للذريعة؛ لأنه ما معنى أنْ يكونَ معي كيلةُ شِوالٍ من القمح ومعكَ مثله، ثمَّ آخذَ منكَ ما معكَ وأعطيكَ ما معي؟ ما هذا؟ هذا ليسَ له فائدة.
لو اتّبعنا الحديث لأصبحتْ هذه المعاملةُ كأنها لَغْوٌ، كأنه لا فائدةَ فيها؛ لأنني آخذُ منكَ شيئًا وأعطيكَ نفسَ الشيء من غيرِ زيادة، فمنْ زادَ أو استزادَ فقد أربى.
نعم، أراد النبي صلى الله عليه وسلم ألا يحدث غرر وألا تعلو الأسعار في الأسواق، فحرم التفاضل والنسيئة في المطعومات وفي وسيط التبادل وهو الذهب والفضة حينئذ، حتى يحفظ على الناس أسعار أقواتها فلا يضار الفقير في شيء.
معنى النهي النبوي عن التفاضل في الجنس الواحد وأنه سد للذريعة
فقال [النبي ﷺ]: من أراد منكم أن يفعل هذا فليفعل تلك الصورة التي لا يفعلها عاقل، ليس أمامك إلا هذا. إذن فكأنه يقول: لا تفعلوا هذا أبدًا، يعني التفاضل أو التأجيل.
المهم لو أننا قرأنا أحكام هذه الصور - ربا الفضل وربا النسيئة وهكذا - وقد استقر في أذهاننا أن الجنس هو ما كانت تحته أنواع مختلفة [كما في المنطق]، لظننا أنه لا يجوز بيع القمح بالشعير متفاضلًا، وهذا خطأ.
فإنه يجوز بيع القمح بالشعير متفاضلًا، وفي نفس الحديث:
«فإن اختلفت تلكم الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد»
شروط بيع الجنس الواحد وبيع الجنسين المختلفين وأثر فهم المصطلح في الحكم
فإن اتفق القمح مع القمح يُشترط الشرطان: التماثل والحلول. أما القمح مع الشعير فيُشترط شرط واحد وهو الحلول، فأعطيك كيلة قمح وأخذتُ منك كيلتين شعير، لا مشكلة في ذلك.
لو قرأت الفقه دون أن أعي مصطلح الفقهاء في كلمة "جنس" فإنني سأفهم فهمًا خاطئًا أو لا أفهم شيئًا إطلاقًا؛ لأنني حينئذٍ سأعكس الحكم وأقول: لا يجوز بيع أفراد الجنس الواحد، فلا يجوز بيع النباتات بعضها مع بعض، وهذا خطأ، بل هو ضد الحديث.
الجنس عند الفقهاء هو ما اتحد أفراده وهو حقيقة النوع عند المناطقة
وكل ذلك جاء لأنني فهمت من الجنس المعنى المنطقي، والمقصود به في لغة الفقهاء هو ما اتحد أفراده في معناه، وهو حقيقة النوع عند المناطقة.
إذ لا بد علينا من أن نعي مصطلحات الناس واختلافها من مادة إلى مادة أو من فن إلى فن أو من علم إلى علم.
مصطلحات الشافعية في صياغة كتبهم ومصطلح القول والوجه
نواجه أيضًا مصطلحات وضعها أهل فن معين لا بُدَّ من أن نفهمها حتى نفهم باقي الكلام، وإن اختلطت علينا يختلط علينا الباقي أو لا نعرف له معنى.
الشافعية مثلًا - وهو ما معنا من نص - صاغوا كلامهم بصياغات معينة، وذلك أنهم لما قلَّدوا الإمام الشافعي، وكان الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه هو عمدة المذهب، فإنهم أطلقوا على كلامه الذي صدر منه مصطلح "القول".
فلو قال: في المسألة قولان، يعني أن الشافعي نفسه قد أصدر فتويين مختلفتين في تلك المسألة.
خدمة المذاهب الفقهية بعد الأئمة وأثر ذلك في بقائها واندثار غيرها
إلا أن المذهب الشافعي والمذهب المالكي والحنفي لم يقف عند الأئمة، بل خُدِم بعدهم خدمة عظيمة، وهذه الخدمة هي التي أبقت هذه المذاهب إلى الآن.
فقام مجموعة كبيرة من العلماء لخدمة كل مذهب، حتى قيل في المذاهب التي اندثرت لأئمة المجتهدين: كان الليث بن سعد أعلم من الشافعي إلا أن أصحابه ضيعوه، يعني لم يجد مدرسة، لم يجد أصحابًا يحملون علمه ويستدلون له ويناقشون فيه وينمونه ويوقعونه على الحوادث الطارئة.
ومن أجل ذلك لا نسمع الآن أن هناك مذهبًا يُسمى بالليثية مثلًا؛ لأن أصحاب الليث بن سعد قصّروا في حماية وحمل ورواية وتنقيح وخدمة المذهب.
الفرق بين مصطلح القول ومصطلح الوجه عند الشافعية
وبناءً على ذلك، فإن أصحاب الشافعي عندما تكلموا وكتبوا، فإن ما صدر منهم يُسمى بالوجه.
فهناك فرق إذن بين مصطلح "القول" ومصطلح "الوجه". وقد يكون في مسألة معينة رأيان، قد يكون في المسألة الرأيان لإمامين من أئمة المذهب الشافعي فيمن بعد الشافعي، يُسمى هذا الرأي بالوجه.
فأصبح عندنا يمكن أن يكون هناك قولان [منسوبان للإمام الشافعي]، ويمكن أن يكون هناك وجهان [منسوبان لأصحابه].
تقسيم الخلاف إلى قوي وضعيف في الأقوال والأوجه عند الشافعية
عندما يكون لدي رأيان، وجدوا العلاقة بين الرأيين أحد أمرين:
-
أن يكون الخلاف قويًا بينهما وحجة كل رأي منهما قوية، إلا أن رأيًا منهما أرجح من الآخر وأعلى من الآخر، فرأيٌ حجته أقوى لكن الآخر حجته أيضًا فيها شيء من القوة.
-
ووجدوا أنه قد يكون أحد الرأيين قويًا ولكن الرأي الآخر حجته ضعيفة.
فأصبح عندنا الآن أربعة أشياء: رأيان منسوبان للإمام بينهما قوة، رأيان منسوبان للإمام أحدهما قوي والآخر ضعيف، ورأيان منسوبان لمن بعد الإمام بينهما قوة، ورأيان منسوبان لمن بعد الإمام أحدهما قوي والآخر ضعيف.
فأطلقوا على كل قسم من هذه الأقسام مصطلحًا معينًا صار بعد ذلك في كتبهم شائعًا.
مصطلح الأظهر ومقابله في الأقوال المنسوبة للإمام الشافعي
فلو أننا كنا في الأقوال، فيقولون إن قوي الخلاف "الأظهر". الأظهر لا يعنون به معنى لغويًا، بل يعنون به أن هناك رأيين للإمام أحدهما قوي والآخر أقوى منه، فيقولون على ذلك القول الأقوى "الأظهر".
أما القوي من القولين فهو "مقابل الأظهر"؛ لأنه دائمًا ما دام قال "أظهر" فلا بد أن هناك ما يقابله. لماذا؟ لأن الأظهر يُطلق على أحد الرأيين.
إذن، فما هو حال الرأي الثاني؟ فأول ما يُقال لي "الأظهر"، أعلم أن فيها رأيين وأن هذين الرأيين منسوبين إلى الإمام وأن أحدهما أقوى، فالآخر قوي، وأن الأقوى نسميه الأظهر، وعلى ذلك فالآخر نسميه مقابل الأظهر.
مصطلح المشهور ومقابله عند ضعف الخلاف بين قولي الإمام الشافعي
لو ضعف الخلاف يقول "المشهور". فأول ما أرى كلمة "المشهور" في كتب الشافعية فمعناها أن هناك رأيين منسوبين إلى الإمام الشافعي نفسه، أحدهما قوي والآخر ضعيف، فمقابل المشهور يكون ضعيفًا.
مصطلح الأصح والصحيح في الأوجه المنسوبة لأصحاب الإمام الشافعي
وأُطلِقوا على القول الثالث "الأصح". فبمجرد أن أسمع أو أرى أو أقرأ كلمة "الأصح"، فهناك رأيان منسوبان لغير الإمام من الأصحاب، من أصحاب الإمام، أحدهما أقوى والآخر قوي، فمقابل الأصح قوي.
أو قد يكون - وهو الأخير - "صحيح". فأول ما أسمع كلمة "صحيح" فأعلم أن هناك رأيين منسوبين لغير الإمام، أحدهما قوي ومقابله ضعيف.
فأصبحت هناك أربع ألفاظ: هذه الألفاظ جرت في كلامهم.
كيفية استعمال مصطلح الأصح والثاني في كتب الشافعية وأهمية فهم الصياغة
فإذا بك تجد العبارة الآتية في كلامهم: والأصح كذا، ويأتي لك بالحكم لكذا، يأتي لك بالتعليل وحجته كذا إلى آخره، والثاني.
ما معنى "الثاني" هنا؟ يعني مقابل الأصح. يستعمل كلمة "والثاني" دائمًا، ويأتي لك بكلام بعدها.
إذا لم تعلم أن كلمة "أصح" لها ثانٍ، ستتعجب: أين الأول؟ أين الأول؟ لا أفهم، لا أعرف، وهكذا.
لكن لو عرفت أن كلمة "والثاني" هنا نوع من أنواع الاصطلاح في الصياغة، جاءت لأنه قد ذكر كلمة "الأصح"، والأصح يُطلق على أحد رأيين، ولا بد أن يكون هناك رأيان، فيبقى الأصح هنا لا بد أن له رأي ثانٍ مقابل الرأي الأصح.
طريقة الإمام النووي في بيان المصطلحات في مقدمة المنهاج
وهذا قليل جدًا ما يذكر أن الأصح كذا ومقابله كذا، تكون واضحة نوعًا ما. لكن دائمًا ما يقولون: الأصح أو الصحيح أو الأظهر أو المشهور، وبعد أن يعلل ويدلل يقول: والرأي الثاني.
الإمام النووي في المنهاج وفي بداية كتابه علّم الناس هذه الطريقة وقال إنه سيقول كذا حين كذا وسيقول كذا حين كذا، وبيّن مصطلحات كثيرة منها هذه الأمثلة التي نضربها لكم الآن.
وغرضنا فقط هو التنبيه على أن قضية المصطلح تجعلك فاهمًا أكثر وتجعلك قادرًا على التعامل مع النص وإدراكه.
امتداد الاصطلاح إلى أسماء الأشخاص والكتب عند الشافعية
هناك امتداد للاصطلاح ليس فقط الألفاظ، بل أيضًا يمتد ذلك إلى الأشخاص وإلى الكتب.
فمثلًا إذا ما قال "القاضي" فقد درجوا في علم التفسير على أن يطلقوا ذلك اللفظ على البيضاوي. قال القاضي إذا ما رأيناها في التفسير فإنهم يعنون بها القاضي البيضاوي.
لكنهم إذا أطلقوها في علم الكلام فإنهم يعنون بها أبا بكر الباقلاني. لكنهم لو ذكروها في فقه الشافعية فإنهم يقصدون القاضي الحسين.
ولو قالوا "الإمام" في الفقه فإنهم يعنون به الإمام الجويني، في حين أنهم لو قالوا "الإمام" في الأصول فإنهم يعنون بها الإمام الرازي.
أهمية إدراك مصطلحات الأشخاص لتوثيق المصادر وفهم الحجج بدقة
ولا يكتمل علمك إلا بإدراك ذلك لتوثيق المصدر، لتفهم الحجة، ليتسق معك الكلام.
أيضًا، فإنك إذا كنت تريد أن توثق هذا النقل، فيكون من الظلم أن تذهب إلى القاضي البيضاوي والمقصود القاضي حسين. والجويني معروف أن له أصولًا وله فروعًا، فلو أننا ذهبنا إلى الرازي في بحثنا بدلًا عن الجويني، فإننا نضل الطريق وتتخبط معنا الآراء الفرعية على الآراء الأصولية، ولا يكون ذلك من قبيل العلم الدقيق.
فلا بد إذن من استيعاب المصطلحات حتى في استعمالات الأشخاص.
امتداد الاصطلاح إلى أسماء الكتب ومعنى الشيخان عند المحدثين والشافعية
أو الكتب مثلًا، فإن كلمة "النهاية" إذا ما أُطلقت عند الشافعية فيعنون بها نهاية المطلب في معرفة المذهب للإمام الجويني. ولو قالوا "المحرر" فهو للرافعي، حتى ولو كان هناك كُتبٌ اسمُها "المُحَرِّر" أخرى أو "النهاية" أخرى.
ولو قالوا "المجموع" فهو للإمام النووي. ولو قالوا "الشيخان" مثلًا في علم الحديث يَعنُون بها البخاري ومسلم، ولكن في الشافعية يَعنُون بها الرافعي والنووي، وهكذا.
النحت الخطي عند المتأخرين وأصل مفهوم النحت في اللغة العربية
أمرٌ آخر يتعلق بالاصطلاح ونراه عند المتأخرين في كثير من كتب المذاهب وكثير من كتب العلم والتراث، وهو ما شاع بينهم مما يُسمى بالنحت الخطي.
وكلمة "نحت" أصلًا تُستعمل في اللغة على استجلاب كلمة واحدة من عدة كلمات. فعندما نقول:
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]
نستنبط منها كلمة "بسملة". أو نقول "أدام الله عزك" فإنهم يأخذون منها "الدمعزة"، ويقولون: قد أكثر من الدمعزة، يعني في كل مرة يقول له: أدام الله عز مولانا، أدام الله عزك، أدام الله عزك، وهكذا.
أمثلة على النحت اللغوي والفرق بين الحولقة والحوقلة
أو "لا حول ولا قوة إلا بالله" (حولقة)، وهكذا. والصحيح أنها حولقة وليست حوقلة؛ لأن الحوقلة كما يقول السيوطي وقبله الأزهري هي سير الرجل الضعيف، سير الرجل الضعيف يهكع يعني [يسير بصعوبة]، الحوقلة.
يقولون أن النحت سماعي، يعني لا يجوز لنا أن ننشئ نحتًا. لكن جرت عادة الناس على إنشاء بعض النحوت، فيقولون على من تخرج من دار العلوم "درعمي" مثلًا. "درعمي" نوع من أنواع النحت.
كان من ينتسب إلى بني عبد شمس يُطلقون عليه "عبشمي"، فأخذوا من "دار العلوم" "دار عمي".
النحت في اللغة العامية وأصل كلمة معلش من ما عليه شيء
وحتى العوام في اللغة العامية، يقول المصريون مثلًا "معلش"، وهذه مأخوذة من "ما عليه شيء"، أي لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لي ولكم، شيء من هذا القبيل. فكأن "معلش" قد أتت من "ما عليه شيء".
الأعاجم طردوا النحت بدلًا من أن يكون سماعيًا. معنا نحو ثلاثين إلى أربعين كلمة في اللغة فقط فيها نحت، أو حتى قياسي فيكون معنا أيضًا عشرة أو عشرون كلمة.
النحت الخطي في المخطوطات واختصار الكلمات المتكررة في كتب التراث
لكنهم صنعوه في الخط؛ من كثرة كتابتهم واستحسن الناس ذلك منهم فانتشر في أوساط الكاتبين. فأصبحوا يكتبون حينئذٍ "حـ" [حاء فقط وعليها شدة من فوق]، وأصبحوا يكتبون "والظاهر كذا" بـ"الظ"، و**"المصنف"** بـ"مص" فقط.
يختصرون في الكلمات التي يكثر تكرارها. فلو أنك قد اطلعت على مخطوطة قديمة و"حّ" كذا فاقرأها على الفور: أنت وحينئذٍ، والظاهر، قال "مص" لا، المُصَنَّف.
قال مشايخنا إنهم كانوا إذا جاؤوا عند هذه النُّحوت - النحت - يقرؤونها على ما هي عليه حتى لا ينسى الطالب ما معناها ويحدث تداول بين الناس.
ضياع بعض النحوت الخطية ومثال حرف الحاء في تحويل السند عند المحدثين
ولما أن هذا أتى من ماذا؟ من أن هناك بعض النحوت قد ضاعت فخافوا على الباقي أن يضيع، وبعض النحوت لا يعرفون عنها ما هي.
ومنها الحاء التي تُذكر في سند الحديث إذا ما أراد المحدّث تحويله. لو أنني قد رويت عن راويين عن فلان عن علان وعن تركان، وكل من علان وتركان رووا عن شخص واحد.
عندما يقول أحدهم: حدثني فلان عن علان، سأقول هكذا: "ح"، "ح" هكذا فقط لا غير، "ح" كأنني أشير إلى أنني سأبدأ مرة ثانية للسند. وحدثني ترتان عن تركان، قالا - اللذان هما هذان الاثنان - أنه حدثني فلان عن فلان عن فلان.
فحتى أحول السند أكتب "ح" حاء.
اختلاف المحدثين في نطق حرف الحاء عند التحويل وتفصيل ابن الصلاح
هذه [الحاء] يبدو أنها كانت تُنطق قديمًا، ومن أجل ذلك قال بعض المُحدَثين: إذا ما جئنا عندها نقول "تحويل". وبعضهم قال: لا، ننطقها كما هي؛ لأنهم وكأنهم قد تناسوا ما أصلها.
ويُفصّل ذلك ابن الصلاح في مقدمته في هذا الجانب.
استعمال النحت الخطي كمصطلح في رموز الكتب والأشخاص ودرجات الحديث
إلا أن العلماء لما استحسنوا ذلك - هذا النحت الخطي - صار عندهم كالمصطلح حتى في أسماء الناس وفي أسماء الكتب.
فرمزوا للبخاري بخاء، ولمسلم بميم، ولابن ماجة بالتاء المربوطة، وللبيهقي بقاف. وبعضهم قال: لا، نرمز بقاف لما اتفق عليه البخاري ومسلم، وللبيهقي "هـق" نجعلها "هـق"، وهكذا. والقاف قد يجعلونها لابن ماجة القزويني، وبعضهم قال: لا، دعها "هـ" لابن ماجة، وهكذا.
فالمهم أنهم يستعملون هذا النحت الخطي للدلالة على أسماء الكتب. وهذا نحتاج إليه.
استعمال السيوطي للرموز في الجامع الصغير ورموز الأشخاص في كتب الفقه
استعملها السيوطي للدلالة على درجة الحديث في الجامع الصغير، فبعد ذكر الحديث يُعلِّم عليه فيقول: "ص" يعني صحيح، "ض" يعني ضعيف، "ح" يعني حسن، وهكذا.
ثم استعملوها أيضًا في أسماء الأشخاص وشاع ذلك في كتبهم، كابن قاضي سماونة في جامع الفصولين عند الحنفية، أجد صفحتين كبيرتين حتى يفك هذه الرموز للأشخاص وللكتب.
وفي الشافعية كثير من المخطوطات والمطبوعات نجد فيها هذا تمامًا. فيسمون مثلًا: قال "سم" - السين والميم - هذه هي: قال ابن القاسم العبادي.
أمثلة على رموز العلماء في كتب الشافعية والفرق بين م ر و ر م
أين ابن القاسم العبادي؟ ليس مذكورًا أمامي، لا، مذكور؛ لأن السين والميم هي رمز لابن القاسم عندهم.
قال "حج": ابن حجر. "م ر" تعني الرملي [محمد الرملي]، وهناك فرق بين "ر م" وبين "م ر". "م ر" يعني محمد الرملي، و"ر م" يعني والده الشهاب الرملي، وهكذا.
قال: "زي" هو الزيادي.
أهمية قراءة الرموز على ما هي عليه وخطورة الجهل بها على فهم النصوص
فعلينا إدراك هذه الرموز، وعلينا أيضًا أن نقرأها على ما هي عليه حتى نتجنب النسيان. لكن على كل حال من ناحية الفهم الدقيق، بعض الناس تأتي إليها ولا تفهم ما هذا.
كما في كلمة "سم"، وماذا تعني؟ ويبدأ يفكر تفكيرات منحرفة، يريد أن يوجد علاقة بين ما يقرأه وبين السم الذي يقتل الناس، ولا يستطيع أن يفعل ذلك أبدًا.
في النهاية، هو يُحدِث فجوة بينه وبين ما يقرأ ويتضايق ويتركه ويعتبر أن هذه أشياء غير مفهومة. ما علاقة الآن البيع والشراء والجهاد والزواج والطلاق وما إلى ذلك بالسم وبالزي؟ ما هو الزي الذي يُرتدى؟ وما هذا الأمر؟ وهكذا.
فكانت هذه أيضًا من الأمور الهامة التي ينبغي علينا أن نضعها في جانب قضية الاصطلاح.
قاعدة مهمة التعريفات الفقهية أحكام شرعية وأثرها في الفكر الفقهي
أيضًا من تكوينات ما نقول: قضية التعريف والاهتمام به. خذوا عندكم قاعدة اكتبوها فإنها مهمة: التعريفات الفقهية أحكام شرعية.
هذا في الحقيقة لعب دورًا كبيرًا في الفكر الفقهي الإسلامي، أنهم كانوا يهتمون بالتعريف اهتمامهم بعرض الأحكام الشرعية.
ومن هنا اهتموا اهتمامًا بالغًا بعلم المنطق وسموه خديم العلوم أي خادم العلم. كان عندهم فرق بين ما يُطلب لذاته وما يُطلب لغيره، وأن هذا [المنطق] لا يُطلب لنفسه إنما يُطلب لنحقق تحقيقًا تامًا مسألة التعريفات.
خطورة التعريفات لأنها توقيع عن رب العالمين ووجوب التقوى فيها
لأن مسألة التعريفات ستمثل عند ذهن المسلم وعند ذهن الفقيه وعند ذهن المجتهد مجموعة من الأحكام الشرعية. وحينئذٍ فإنه وبمجرد التعريف سيقول: هذا حلال وهذا حرام.
ولجلال الموقف - هذا حلال وهذا حرام مسألة ليست سهلة - لأنها مسألة تتعلق بالتوقيع عن رب العالمين كما سمى ابن القيم مؤلفه "إعلام الموقعين عن رب العالمين".
فكون أن الإنسان سيتكلم عن الله سبحانه وتعالى فينبغي أن يُصاب بالوجل والخوف حتى لا يتجرأ ولا يتكلم بما يعلم بطلانه أو بشيء فيه خروج عن مراد الله ومراد رسوله. فلا بد من التقوى ولا بد من الخوف من الله.
التعريفات الفقهية ظنية قابلة للأخذ والرد لكنها تصدر كأحكام شرعية
ومن أجل ذلك لا بد أن تكون تلك التعريفات التي سنذكرها للناس على غاية - على قدر المستطاع والوسع البشري - فإن الناس قد اختلفت فيها وهي من قبيل الظن، ولا بأس من الأخذ والرد فيها، ولا بأس من القبول والرفض.
لكن على كل حال، لا تصدر منا إلا كما نصدر حكمًا شرعيًا؛ لأنها ستكون في ذهن الفقيه وفي ذهن المقلد وفي ذهن المجتهد مقياسًا ومعيارًا به القبول والرد وبه الحكم.
وسيقول: هذا ليس في التعريف وعلى ذلك فحلال، هذا في التعريف وعلى ذلك فحرام، أو بالعكس.
أهمية التعريفات الفقهية وطرق الدخول إلى التعريف بالحد والرسم
فتعريف الربا وتعريف البيع وتعريف الجهاد وتعريف الفرض وتعريف كذا وما إلى ذلك من التعريفات الفقهية والأصولية هي أحكام شرعية.
فمن هنا يتبين لنا أهمية التعريفات. ولقد ذكرنا شيئًا من كيفية الدخول إلى التعريف عن طريق الحد أو عن طريق الرسم.
عن طريق الحد بالذاتيات: الجنس والفصل، أو الفصل فقط. الجنس القريب والفصل سميناها بالحد التام. الجنس البعيد والفصل أو الفصل فقط هو الحد الناقص.
أو بالعرضيات وتُسمى رسمًا: الجنس القريب والخاصة يُسمى بالرسم التام، أو الجنس البعيد والخاصة أو الخاصة فقط وتُسمى بالرسم الناقص.
شيوع إطلاق كلمة الحد عند الفقهاء على كل التعريفات بخلاف المناطقة
وشاع إطلاق كلمة "الحد" عند الفقهاء بخلافها عند المناطقة. عند الفقهاء كلمة "الحد" تُطلق على كل التعريفات سواء كانت بالذاتيات أو كانت بالعرضيات، فهي تُطلق في مقابلة كلمة "التعريف" عند المناطقة.
لعلنا نكون قد ألقينا شيئًا يفيد اليوم.
طريقة طباعة الكتب القديمة بين المتن والحاشية ومثال كتاب البيع
درج الطابعون قديمًا على كتابة أصل الكتاب في الهامش وما يسمى بالحاشية في داخل الجدول، كانوا يسمون هذا الجدول.
وعلى ذلك فالذي في الخارج هو الكتاب مع شرحه، وفي الداخل حاشيتان: حاشية الشيخ القليوبي وحاشية الشيخ عميرة.
فلو قرأنا الخارج: كتاب البيع هو كقوله: بعتك هذا بكذا، فيقول: اشتريته به، فيتحقق البيع.
أهمية مراعاة الضمائر والعطف في قراءة النصوص الفقهية وأركان البيع
يعني لأننا قلنا لا بد أن نراعي الضمائر، أين تذهب؟ بالعاقد والمعقود عليه - ولهما شروط تأتي - والصيغة.
يعني بالعاقد والمعقود عليه والصيغة. انظر كيف فصل بينهما بجملة [اعتراضية]، لا بد علينا أن نعي هذا الفصل وأن ننظر في الصياغات اللغوية.
لو قلنا "والصيغةُ" [بالرفع] ذهب المعنى وضاع. لا بد علينا أن نعلم أن كلمة "الصيغة" معطوفة على العاقد والمعقود به والمعقود عليه. ولهما شروط ستأتي والصيغة.
أهمية علامات الترقيم في فهم النصوص الفقهية والجمل الاعتراضية
حاولنا بعد بدايات القرن أن نستعمل علامات الترقيم، وألّف فيها أحمد باشا زكي الذي كان يُلقب بشيخ العروبة، علامات الترقيم.
لأن علامات الترقيم تفيد هنا الجملة الاعتراضية. اصطلحوا ووافق علماء المسلمين على ذلك أن توضع بين شرطتين.
فلو أننا طبعنا هذا الكتاب طباعة جديدة لوضعنا شرطة قبل "ولهما" وشرطة بعد "تأتي"، وأصبحت هذه جملة اعتراضية حتى يتبين للناس أن كلمة "والصيغة" إنما هي راجعة إلى العاقد والمعقود عليه والصيغة.
التي ذكرنا أن أركان البيع ثلاثة إجمالًا، ستة تفصيلًا.
بداية شرح الصيغة في البيع وتعبير النووي عنها بالشرط خلافًا للغزالي
التي [الصيغة] بها يُعقد، وبدأ بها - يعني بالصيغة - كغيره من العلماء لأنها أهم للخلاف فيها.
وعبّر عنها بالشرط خلافًا لتعبيره في شرح المهذب كالغزالي عن الثلاثة. بقية الكلام هناك موجود في صفحة ليست معكم.
بالأركان في شرح المهذب وهو المجموع للنووي، عبّر فيه هناك عن هذه الثلاثة بأنها أركان، لكن عبّر هنا بأنها شروط.
وقلنا قبل ذلك أن الأركان والشروط متحدان في كونهما جزءًا من الشيء، ولكن الأركان داخله والشروط خارجة.
طريقة شرح الحاشية للمتن كلمة كلمة ومعنى البيع بالمعنى الشرعي المركب
ويبدأ يشرح كلمةً كلمةً. "هو" كقوله: قوله "هو" - انظر في الداخل - وهو لا يشرح كل الكلمات بل يشرح بعضها فقط.
فما في الداخل في مقام ما نفعله الآن من وضعك واحدًا ونضع في الهامش تحت اثنين ونحيل في الهامش تحت. هذا محل هذا. قوله "هو" في الداخل: أي البيع بالمعنى الشرعي.
هو، ما هو؟ هذا يعني كأننا نقول إن البيع بالمعنى الشرعي المركب مثل قوله: بعتك هذا بكذا، يمثل أي البيع بالمعنى الشرعي المركب كما مر.
تعريف البيع بالمثال دون الحد المنطقي وأن المثال أظهر من الحد
وعرّفه بالمثال؛ لأنه يقول ماذا؟ "ك"، "ك"، فالكاف هنا مثال. أنا أطلب منك أن تعرف لي البيع فتقول لي: هو ك [أي كقوله بعتك هذا بكذا].
فالتعريف هنا لم يتم بالحدّ ولم يتم بالرسم، إنما تم بالمثال. فقال: وعرّفه بالمثال دون الحدّ.
إذن كلمة "الحد" هي الحد المنطقي الذي هو تعريف، وليست كلمة "الحد" بمعنى حد من حدود الله مثلًا، وإلا لا نفهم العبارة إطلاقًا.
دون الحد لأنه أظهر؛ لأن المثال أظهر من الحد. لو عرّفناها بالحد سنقول إذن أنه عقد معاوضة مالية تفيد ملك عين، ثم يعترض عليها المعترضون.
حكم بيع الأخرس بالإشارة وأن الإشارة تقوم مقام القول في العقود
والإشارة كالقول، هذه جملة جديدة. إن الإشارة كالقول، ما معنى هذا؟
هل يبيع الأخرس ويشتري؟ أو لا يبيع ولا يشتري؟ قال: يبيع ويشتري. يريد أن يأكل، يريد أن يشرب، يريد أن يلبس، وهو لا يستطيع أن يتكلم.
ولكن الأخرس عنده الإشارة تقوم مقام الكلام، ولذلك ستأخذ أحكام الكلام. فإذا كان عقد البيع مترتبًا على الكلام فإنه أيضًا يمكن أن يتم بالإشارة من الأخرس. فيقول: والإشارة كالقول.
أهمية القراءة الصحيحة للنصوص الفقهية ومثال وغيرُ لفظ البيع مثله
وغيرُ لفظ البيع مثله. وغيره، انتبه جيدًا. قلنا لا بد أن نقرأ قراءة صحيحة، ولابد على المحققين إذا ما أرادوا التيسير أن يشكلوا الموهم.
لأن هذه يمكن أن نقرأها "وغيَّر"، لو قرأناها "وغيَّر لفظ البيع" لم نفهم شيئًا، انسد علينا الفهم.
هو يقول: وغيرُ لفظ البيع مثله. لو قلتُ لك: "خذ"، لو قلتُ لك: "هذه لك بعشرة"، لو قلتُ لك: "أعطيك هذه بعشرة"، كلمة "أعطي"، كلمة "خذ"، كلمة "هذه لك"، كلمة "بعتك"، فهي مثل بعضها، أي تتساوى مع بعضها.
هو يريد أن يقول هكذا: وصيغة لفظ البيع مثله مثل لفظ البيع، غير لفظ البيع مثل الأمثلة التي ضربتها، هذه كالبيع كما سيأتي لاحقًا هكذا.
خطورة النطق الخاطئ في انسداد باب الفهم وضرورة الضبط الصحيح
ولكن انظر هنا: إذا ما نطقنا نطقًا خاطئًا أو خطأً فإنه ينسد علينا باب الفهم.
"وغيَّر لفظ البيع مثله"، "غيَّر لفظ البيع مثله" كما سيأتي، لا يوجد، ليست راضية، فيه، انتهى، انسد الباب.
شرط إسناد البيع إلى جملة المخاطب لا إلى جزئه كالرأس أو العين
قوله في المتن خارجًا: "بعتك" إياها، خارجًا، إياها، "بعتك" الكلمة الثانية فيها الإسناد إلى جملة المخاطب، إلى جملة المخاطب.
فلا يكفي الإسناد إلى جزئه كرأسه. ليتعمق جيدًا في التصور ويقول له: عندما تأتي لتخاطب الشخص في البيع والشراء.
وكل هذا تم لماذا؟ لأن هذا كلام أُخذ ونزلوا إلى الأسواق ووجدوا كل هذه الحالات موجودة وحدثت منها مشاكل أمام القضاء فوُجدت في الكتب.
منهج الفقهاء في تتبع الواقع وجعل الدين حيًا فيه وتطبيقه على كل عصر
قد يكون العصر تغير وكثيرًا من هذه المشكلات لا وجود لها، لكن المنهج هو تتبع الواقع وجعل الدين حيًّا فيه، هذا هو المنهج.
فعلينا الآن أن ندرك الواقع وأن نجعل الدين حيًّا فيه أيضًا، حتى لو لم تكن نوعية المشاكل واحدة.
مسألة بيع الجزء من المخاطب كالرأس والعين وحكمها في الفقه
نزلوا إلى الأسواق فوجدوا أنه يقول له بدلًا من أن يقول له: "بعتك" - "بعتك" "ك" الذي هو من أنت، الذي هو من أنت كلك، من رأسك، من ساسك لرأسك، الساس الذي هو الرجلين أي الأساس يعني، والرأس معروف، كلك على بعضك هكذا - بعتك، أخاطبك أنت.
لكن وجدوا من يقول: "بِعت لعينيك"، باع لعينيه هذا الشيء. هذه الكلمة يريد بها المجاملة مثلًا أو يريد بها الشيء من هذا القبيل.
قال له: حسنًا، وأنا اشتريت لأجل عينيك أيضًا، أو أقول له: أنا اشتريت لرأسك أنت فقط؛ لأن هذا الرأس يساوي كثيرًا. ويقول له: وأنا اشتريت لأجل رأسك.
النزاع أمام القاضي في صيغة البيع للجزء وبطلان البيع إذا أسند لجزء المخاطب
وبعد ذلك يقول له: هات الآن السلعة، فيقول له: لا، أنا لست قائلًا ذلك [أي لم أبعك]، وهيا بنا إلى القاضي. ويذهبان إلى القاضي.
فيقول له: أنا لم أبع له، لم أقل له "بعتك"، أنا قلت له: بعت لرأسك، بعت لعينيك. وهل رأسه والعين مستقلة أم غير مستقلة؟ إذن البيع باطل.
الفقهاء عندما رأوا الناس يفعلون هذا - ليس هذا الكلام أتوا به من أدمغتهم هكذا، لا - عندما رأوا الناس يفعلون هذا. قد لا نفعل هذا الآن عندما ننزل لعمر أفندي ولا عندما تنزل إلى الواقع الموجود هكذا، نشتري شيئًا، لا أحد من البائعين يقول لك من أجل عينيك أو رأسك، ولا يتحدث إليك طويلًا.
ضرورة إحياء الدين في الواقع المعاصر وفهم منهج الفقهاء من خلال التراث
إذن لا بد من أن نعيش وأن نحيي الدين في الناس، وأن ينعكس هذا في ذلك. فلن نستطيع أن ندرك ذلك المنهج إلا بعد أن نقرأ التراث.
فيقول له: فيه الإسناد - عرفنا أن الإسناد هو النسبة، وتكلمنا عن الجملة المفيدة - فيه الإسناد إلى جملة المخاطب، كل المخاطب يقال له: "بعتك"، ولم يقولوا: "بعت لرأسك" ولا "بعت لعينيك".
فلا يكفي الإسناد إلى جزئه، إلى جزء من المخاطب الذي هو الرأس أو الرجلان أو العينان أو اليد. كرأسه، كعينه، يعني يمكن أي مثال آخر مثل هذا.
حكم إرادة الجملة بالجزء في عقد البيع وعدم جواز إطلاق الجزء وإرادة الكل
وإن أُريد به الجملة: حتى لو كنت أقول أريد بالرأس الجملة، جملة الإنسان، أنا أريده بهذا الجزء لأنه أهم جزء فيك.
لنفترض أن رأسك قُطعت، فماذا يبقى منك؟ لا شيء. خاصة الرأس يعني، لو العين مثلًا فُقِئت أو اليد قُطعت، حسنًا هو موجود، لكن الرأس لو قُطعت يبقى المتبقي ما هو رحمه الله، المتبقي إلا أن نقول عليك رحمه الله.
لكن لا يجوز إطلاق الجزء وإرادة الكل في هذا الموقف. قد يجوز ذلك في الأدب أو الشعر أو شيء آخر، لكنه في هذا الموقف لا يجوز أبدًا؛ لأنه عقد، ولا نريد النزاع بين الناس ولا الذهاب إلى القاضي.
ميل الشيخ الرملي إلى صحة البيع في النفس والعين لأنهما من المؤكدات على الذات
حتى يقول لي: هل هذا مقبول؟ ولا لا يصح أن أوقع القاضي في حيرة.
فلا يكفي الإسناد إلى جزئه كرأسه، وإن أُريد الجملة.
ومال شيخنا الرملي إلى الصحة في النفس والعين: عندما يقول له: "بعته لنفسك" فتصح، تمشي. "لعينك" فتصح، تمشي.
لماذا؟ لأن كلمة "نفس" و**"عين"** من المؤكدات على الذات في اللغة. جاء الرجل نفسه، جاءَ الرجلُ عينُه. فكلمة "نفس" و"عين" بالذات قال لك: احذفها؛ لأنَّ العين هنا لن يكون المقصود بها العين المُبصرة، بل سيكون المقصود بها ذات الشخص أو كيانه.
هذا الرملي هو الذي قال هكذا، مع إرادة الجملة.
ميل الشيخ الزيادي إلى الصحة حتى في نحو اليد ومعنى مصطلح فراجعه
وشيخنا - جاءت "زي" - وشيخنا الزيادي - شيخنا الزيادي واحد - يقول لك: وشيخنا "زي" إلى الصحة.
حسنًا، إلى الصحة، يعني ماذا؟ لا شيء، حسنًا. وشيخنا "زي" الصحة، "زي" الصحة، وهكذا أشياء عجيبة، انسد الفهم خلاص.
غلطة مطبعية؟ هذا أقرب شيء. يقول لك: لا، هذا هنا نقص، أهي ويحرك [بالإشارة] لك يده هكذا، فف.
وهذا يجعلنا لا نتجرأ. كلمة "غلطة مطبعية" جهل، أبسط شيء غير الواقع. دع جانبًا أي شيء آخر غير الواقع، فذلك يعد جهلًا.
شرح مصطلح فراجعه عند الشافعية ومعناه عدم الرضا عن الرأي المذكور
وهنا يقول: شيخنا الزيادي مشيرًا إلى الصحة، أي مال شيخنا الرملي إلى الصحة في النفس والعين مع إرادة الجملة، ومال شيخنا الزيادي إلى الصحة ولو في نحو اليد مع الإرادة المذكورة، مع إرادة الجملة.
كأن الشيخ الزيادي قال: يعني هذه بسيطة، بعتَ عينك، بعتَ يدك، بعتَ كذا، فلا تجعلها هكذا.
فراجعه. "فراجعه" هنا مصطلح، كأن الشيخ [صاحب الحاشية] لا يُعجَب بالكلام. "فراجعه" مصطلح يشير إلى أنه لا يُعجَب بهذا الكلام الخاص بالشيخ الزيادي.
حسنًا، ومن أين أتينا بهذه؟ من مصطلح يجب أن تدرسه قبل أن تدخل هنا، أي المدخل الخاص بالفقه، لا بُدَّ أن تقرأ فيه أن "فَرَاجِعَه" هذه معناها هكذا.
مصطلح فراجعه تداوله الفقهاء الشافعية ومعناه عدم الرضا التام عن الرأي
لأنه لو لم يكن معناها هكذا، فماذا ستعني كلمة "فَرَاجِعَه"؟ انظر ما هي هذه المسألة.
إن "فَرَاجِعَه" هنا مصطلح تداوله الفقهاء الشافعية، ومعناه أنه ليس مسرورًا تمامًا من هذا الكلام. هل انتبهت؟
عدم كفاية قصد خطاب غير العاقد ولا الإشارة لغيره في إيقاع عقد البيع
ولا يكفي قصد خطاب غير العاقد ولا الإشارة لغيره: لا يكفي في إيقاع العقد أن أقصد خطاب شخص غير العاقد، ولا الإشارة لغيره أيضًا.
وهذا يفعله بعض الظرفاء في الأسواق، إذ يجلس ويوجه الكلام لشخص ما وهو يقصد شخصًا آخر جالسًا بجانبه.
وإذا كان أحدهم لا يرد، يقول له: يا أخي، أنا لست أكلمك. فيرد عليه: لا، أنت لا تكلمني؛ لأن توجيه الخطاب، توجيه الخطاب لم يكن لي، أنت موجه الخطاب محدد في هذا الاتجاه، وأنا واقف هنا، فإلى من يتوجه إذن؟
حكمة اشتراط تحديد المخاطب في العقد حفظًا لأموال الناس ورفعًا للتنازع
انظر، هو يريد أن يُحدث حادثة يمكن أن يشهد الشهود عليها، حفظًا لأموال الناس ورفعًا للتنازع والخصام بين خلق الله.
فكل الأحكام مترتبة من ذهن فقيه يرى هذا. ما لزوم اللعب الآن ونحن نُنشئ عقودًا؟
ولا يكفي قصدٌ خطاب لغير العاقد. لو فعلت هكذا وتوجهت بالخطاب إلى غير العاقد فإن ذلك لا يكفي. ولا الإشارة لغيره: أقول له "ها"، لن تأخذها، لن تأخذ هذه السلعة، وبعد ذلك أقول: أنا لا أقصدك أنت، أنا أقصده هو، هذا تلاعب.
عدم صحة قصد غير العاقد بالاسم الظاهر ولا إسناد البيع لغير المخاطب
ولا قصد غيره [غير العاقد] بالاسم الظاهر: أقصد غير العاقد ولكن باسم أحمد بالاسم الظاهر.
ولا الإسناد لغير المخاطب كقولك: "بعتُ موكلك".
ولا "باعك الله": هذا غير صحيح. "باعك الله"، ذلك يعني بعتني أم لا؟ "باعك الله"، وبعد ذلك عندما تمضي يقول لك: لماذا مضيت؟ ألم أقل لك "باعك الله"؟ أي أنني موافق.
تقول لي: لا، ليس هذا وقت المزاح. الآن وقت إنشاء العقد، ولابد أن يكتنف حادثة إنشاء العقد نوع من أنواع التحديد ينفي كل منازعة وكل جهالة.
الفرق بين عقد البيع الذي لا يستقل به المالك وبين نحو العتق والكناية
لأنه عقد لا يستقل به المالك، بخلاف نحو العتق. فيمكن أن أقول لشخص: اعتق عني، فيعتق وهو سائر هكذا.
نعم، هو كناية هنا. ويكفي عن الخطاب اسم الإشارة كـ"هذا" إلى آخر ما هنالك.
سؤال حول تأثر التراث الإسلامي بالنواحي الاجتماعية والسياسية ومثال المذهب الظاهري
نعالجه إن شاء الله المرة القادمة، حتى نتيح فرصة لمن يريد أن يسأل أي سؤال.
هناك سؤالان: أولًا، إلى أي حد يتأثر التراث الإسلامي بنواحي الحياة كالنواحي الاجتماعية والسياسية؟
نضرب المثال بالإمام داود الظاهري حيث يحكمون بظواهر النصوص، وأحد أسبابه أنهم يرون الأئمة الذين يعيشون معهم حينئذ يؤولون كما شاؤوا، وهم يظنون أن هذا الأمر تقصير في النصوص، يشاؤون، يؤولون كما شاؤوا.
سؤال حول سلسلة العقيدة السلفية من أحمد بن حنبل إلى ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب
هذا أولًا، ثم ثانيًا: عقيدة السلفية كما رأينا لها سلسلة، أولها من الإمام أحمد بن حنبل، والثاني الإمام ابن تيمية، ويليه محمد بن عبد الوهاب.
لكن رأينا كثيرًا في إمامهم الثاني الإمام ابن تيمية قصورًا كثيرًا ليس كسابقه، وهذا شكرًا.
الشيخ: ماذا؟ ما هذا؟ سؤال أخير، ما السؤال الأخير حول هؤلاء الأئمة؟
السائل: نعم، شيخ الإسلام ابن تيمية، هل تغير كثيرًا عن الإمام السابق له كالإمام أحمد بن حنبل؟
التراث الإسلامي جزء من واقعنا وليس منفصلًا عن حياتنا المعاصرة
الشيخ: ولا بد إذا أردنا أن نتفاعل مع الواقع الآن، لا بد علينا أن يكون جزء من هذا التفاعل هو التراث؛ لأن التراث واقعنا الآن. هذا التراث هو واقعنا.
ليس هناك في الواقع، في الحياة التي نعيشها، ليس هناك فصل بين التراث ونتاج المسلمين وبين الواقع الذي نعيشه. إن هذا التراث هو المعين الذي نأخذ منه، إنه يمثل مشاعرنا وأفكارنا ووجداننا، وهو جزء منا ومن شخصيتنا كمسلمين.
فهو واقعنا، هو نفسه جزء من واقعنا، هذا أولًا.
ضرورة فهم مناهج التراث وتقليدها لتكون حياتنا المعاصرة امتدادًا لحياتنا السابقة
ثانيًا: نحن لا نقف عند مسائل التراث، ولكننا ينبغي علينا أن نفهم جيدًا مناهج التراث، ثم بعد ذلك نقلد هذه المناهج ونفعلها في حياتنا، فتكون حياتنا المعاصرة امتدادًا لحياتنا السابقة.
لا نخرج من أنفسنا ومن هويتنا ومن جلدنا منطلقين إلى عالم مجهول ليس هو عالمنا، وإلى عالم لا نعرف أين نذهب فيه ولا بماذا نذهب فيه ولا كيف نتعامل معه، أو إلى عالم تختلف رؤاه الكلية عن الإنسان والكون والحياة عن رؤانا وعن عقيدتنا. هذا ضياع.
فلا بد علينا أن ندرك أننا نتعامل مع التراث من باب أنه واقع علينا الآن، واقع نحن فيه، هو واقعنا الآن، واقعنا هو التراث، فهو جزء من واقعنا. كما أن الحياة جزء من واقعنا، فإن التراث جزء من واقعنا.
استيعاب مسائل التراث ومناهجه والسعي في تطويرها وإكمال مسيرة السلف الصالح
ثانيًا، إننا لا نقف عند مسائل التراث، بل ينبغي علينا أن نستوعب تلك المسائل، وأن نستوعب قبلها مناهج التراث، وأن نزيد عليها، وأن نسعى في تطويرها وفي إكمالها، وفي إكمال المسيرة التي بدأها السلف الصالح.
مكانة أحمد بن حنبل وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب والفرق بينهم
ابن تيمية وأحمد بن حنبل ومحمد بن عبد الوهاب، ليست هذه سلسلة هكذا.
أحمد بن حنبل أحد الأئمة المشهورين المعروفين المقبولين من الأمة وأحد المذاهب المتبعة. وابن تيمية كان من كبار العلماء وكان يجاهد في سبيل الله، إلا أنه اختلف معه كثير من العلماء.
لم يختلف أحد في توثيق الإمام أحمد، لكن جمهور العلماء على أن ابن تيمية قد أخطأ كثيرًا كما أنه أصاب كثيرًا.
وهذا لا تجده في الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فإن أغلب الأمة على أنه على خطأ في كثير مما ذهب إليه.
تفاوت تمكن الأئمة الثلاثة من الحديث وأثر تكاثر العلوم في تعطيل بعضها عن بعض
تمكن الإمام أحمد من الحديث لا يمكن أن يقارن بتمكن الإمام ابن تيمية من الحديث؛ فأحمد كان أعلم وكان أورع وكان أتقى.
وابن تيمية كان له اشتغال بالحديث، وهذا الاشتغال قد يصل إلى مرحلة التمام لكنه لم يصل إلى مرتبة الإمام أحمد.
إلا أن محمد بن عبد الوهاب نجد في كتبه كثيرًا من الأحاديث الموضوعة، فقد ذكر في التفسير حديث الغرانيق وأقره وكأنه حقيقة، وهذا لا يخفى على طالب في المكتب صغير، طفل صغير.
وإن هذا يؤكد أن هذا التدرج الذي حدث إنما هي مواهب ربانية ومنح صمدانية وأمور يفتح الله سبحانه وتعالى بها على من يشاء من عباده.
أثر تكاثر العلوم على ضياع جزء من العمر وتفاوت العصور في المطالب العلمية
كما أن تكاثر العلوم قد يصل في بعض الأحيان إلى أنه يعطل بعضها عن بعض.
فالإمام أحمد بن حنبل في عصرٍ لم يكن مطالبًا بأن يقرأ في علم الكلام والمنطق وما إلى ذلك، ولكن ابن تيمية قرأ كل هذا فضاع جزءٌ من عمره.
ومحمد بن عبد الوهاب قرأ قَبله بأحد عشر قرنًا فضاع ثلاثة أرباع عمره، وهكذا.
فهذا أمرٌ يَعصم الله سبحانه وتعالى من يشاء. لكن أرجو أن أكون قد أجبت عن سؤالك؛ لأنني لم أفهمك بالضبط ماذا تريد، لكن حاولت أن أفهم ماذا تريد ولعلي قد أجبت.
سؤال حول مقولة أن يدًا امتدت إلى التراث وعبثت به والرد عليها
هل يريد أحد شيئًا بعد ذلك؟
السائل: بعد الشكر الواجب لفضيلة الأستاذ الدكتور، نتوجه بهذا السؤال: إلى أي مدى يمكن تصديق المقولة التي تقول أن هناك يدًا امتدت إلى التراث وعبثت به فأدخلت فيه ما شوهه؟ وهذه مقولة نسمعها كثيرًا من بعض رجالات العلم، ويقولون ذلك خلال العصور الأولى لطباعة التراث، وخاصة أن معظم كتب التراث طُبِع أغلبها في أوروبا.
الشيخ: أبدًا، لم يحدث هذا. هذا لم يحدث أن معظم كتب التراث طُبِع في أوروبا.
التلاعب بالكتب كان محدودًا جدًا ولا يمكن تعميمه على كل التراث
وما حدث قديمًا وحديثًا في التلاعب بالكتب كان شيئًا محدودًا جدًا.
نص الشعراني على أنه قد تُلوعِب بكتبه وهو حي. هناك تلاعب واضح في كتب محيي الدين بن العربي حتى صارت كثير منها من الكفريات.
ولكن الذي رأيناه في كتب كثير من هؤلاء الأئمة في الأصول أنها قد تُلعب بها فعلًا، ولكن هذا واحد اثنين ثلاثة في كتاب أو كتابين أو ثلاثة.
لكن كل الناس في كل التراث في كل مكان في كل زمن، ولا أوروبا ولا الكفار ولا المسلمين، يستطيعون تحريف التراث بهذه الكيفية. هذا أمر خرج عن يد البشر، خلاص انتهى الأمر.
التعميم الساذج لمقولة تحريف التراث والرد عليه بأن العلم محفوظ إلى يوم القيامة
فليس هناك، ومن قال أنَّ أغلب كتب التراث طُبعت في أوروبا أبدًا. الحاصل أنَّ بعض كتب التراث طُبع في أوروبا، وقد طُبع مثله هنا.
والحاصل أيضًا أنَّ طباعة الكتب مرة ثانية في بلاد المسلمين أوجد أنَّ كثيرًا من الأخطاء - وأغلبها غير مقصود في الحقيقة من المستشرقين - كان من جهلهم باللغة.
ولكن كون أنَّ شخصًا حذف ووضع وغيّر وبدّل، هذا نادر جدًا، يُكتشف شيئًا بعد شيء. الشيخ زاهد الكوثري أو حسام الدين القدسي عندما نشر وقارن فقط لا غير.
لكن ما دامت الكتب موجودة والأصول موجودة والعلم محفوظ إن شاء الله إلى يوم القيامة، فليس هناك تشكك في هذه الحالة. وهذا تعميم ساذج لحالة خاصة، ساذج جدًا؛ لأنه مَن الذي يستطيع أن يغير كل هذا في كل هذا؟ هذا شيء متسع غير قابل للتلاعب.
سؤال حول وجود المصطلحات في الكتب الكبيرة والصغيرة وإمكانية استخدامها اليوم
نعم.
السائل: بسم الله الرحمن الرحيم. بالنسبة للمصطلحات، هل هي وُجدت في كتب التراث الضخمة بحيث تكون عاملًا مساعدًا في مثلًا - بالتحديد - اختصار الأسماء وما شابه، أم كانت موجودة على أي حال حتى في الكتب الصغيرة؟ وكذلك، يعني هل يمكن الآن استخدامها ولو مجازًا، يعني إذا أخذنا من التراث حتى نوفر على أنفسنا مثلًا الأسماء المتعددة، فنأخذ منها في الواقع المعاصر، أم أنها غير ممكنة باعتبار هذا الأمر مذكرات وما شابه؟
ضرورة الرجوع إلى المصطلحات والكتب التي تعالجها كالفوائد المكية والمدخل لابن بدران
الشيخ: هو لا بد من الرجوع إليها غالبًا في أغلب الأحوال. هذه المصطلحات بُذِل فيها جهد كبير بحق، ولا بد من الرجوع إليها.
أما الكتب التي تعالجها، فإن هناك كتبًا كثيرة. الشيخ السقاف له كتاب اسمه "الفوائد المكية" ذكر فيه كثيرًا من المذهب الشافعي.
كذلك يوجد في المذهب الحنبلي كتاب "المدخل" لابن بدران، عبد القادر بن بدران، ذكر فيه الشيء الكثير من هذه المصطلحات وطريقة الكتابة والكتب والمؤلفين وبماذا تبدأ وإلى آخره.
إلا أن التراث أوسع من هذا كله ويحتاج منا إلى مجهودات ضخمة لعمل تلك المداخل التي تسهل على الناس هذه الشفرة التي نتحدث عنها. ولعل هذه الدورة نبدأ فيها إن شاء الله تكون بداية كتابة شيء حول هذا المعنى لتيسير الأمر على طلاب العلم.
سؤال حول العلاقة بين المنطق والفقه وأن المنطق خادم لكل العلوم
أي أسئلة أخرى؟ نعم.
السائل: رأينا مصطلح الجنس موجودًا في علم المنطق وفي علم الفقه، فمتى نقول بالتأثير والتأثر بين هذين العلمين؟
الشيخ: هو المنطق كما قلت لك أنه قد سُمِّيَ بخادم العلوم، وليس علم الفقه فقط، بل هو قد استُعمل - شأنه في ذلك شأن الإملاء وشأن الخط - استُعمل لصياغة كل العلوم.
استعمال المنطق في الفقه من القياس الحملي والشرطي إلى الملازمة والنتيجة
ففي المنطق نجد أن الجملة المفيدة قد تكون جملة حملية أو جملة شرطية، والشرطية قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة.
وهناك قياسات وهو ترتيب أمور معلومة للتوصل بها إلى مجهول، وهو حقيقة الفكر. قول مركب من قضايا متى سُلِّمَت سُلِّمَ من أجلها قول آخر لذاته. فهذا القياس الحملي أو القياس الشرطي.
أمور قد استعملت في الفقه من الفقهاء دائمًا وبسرعة، فيتكلمون عن القياس الشرطي وعن الملازمة، عن المقدم، عن التالي، عن الاستثنائية، عن النتيجة، كيف تنعكس إذا كان هذا نقيض التالي أو نقيض المقدم إلى آخره.
يتحدثون عنها وكأنك قد استوعبت كل ذلك.
المنطق الصوري بمصطلحاته التراثية مدخل لكل العلوم وليس للفقه فقط
نعم، ينبغي عليك أن تكون قد استوعبته قبل الدخول والخوض في هذا العلم. وفي كل علم قبل ذلك مجموعة من المصطلحات، وهي مجموعة بسيطة.
ومن أجل ذلك كتبوا متونًا في المنطق صغيرة كمتن السلم أو متن كذا. هذه المتون تجعل هناك هيكلًا للمعرفة بسيطًا، وهو الذي قصدناه قبل ذلك في محاضرة سابقة عن الصياغات اللغوية والمنطقية.
وهو أن هذه الألفاظ لا بد علينا من أن ندركها حتى ندرك عندما يقول: ودليل ذلك ويصوغها في صيغة شرطية ثم يقول: أما دليل الملازمة. فالذي لا يعلم هذا الهيكل لا يدري أين هذه الملازمة ولا أين كانت.
فكذا وكذا وكذا، ودليل الاستثنائية كذا وكذا وكذا. إذن فقد سلمت المقدمات فتسلم النتيجة.
علاقة المنطق بالعلوم علاقة خدمة واستعمال وأهمية المنطق الصوري التراثي
هذه العلاقة ما بين المنطق وبين كل العلوم ومنها الفقه هي علاقة الخدمة، علاقة الاستعمال.
ومن أجل ذلك كان المنطق بمصطلحاته التراثية - وليس المنطق الرمزي أو الرياضي أو غير ذلك من الأمور الحديثة هذه أو المنطق الوضعي - بل المنطق الصوري هذا بمصطلحاته التراثية مدخلًا لكل العلوم وليس لعلم الفقه فقط.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما معنى الوضع في اللغة؟
جعل لفظ بإزاء معنى معين باتفاق طائفة
ما الأوضاع الأربعة التي يجب استيعابها لفهم التراث الإسلامي؟
اللغوي والشرعي والعرفي العام والعرفي الخاص
ما معنى الجنس عند الفقهاء في أحكام البيع والربا؟
ما اتحدت أفراده في معناه كالقمح
ما الشرطان المطلوبان في بيع الجنس الواحد بنفسه؟
التماثل والحلول
ما معنى مصطلح القول في كتب الشافعية؟
ما صدر من الإمام الشافعي نفسه
ما معنى مصطلح الأظهر في كتب الشافعية؟
قولان للإمام أحدهما أقوى والآخر قوي
ما معنى مصطلح المشهور في كتب الشافعية؟
قولان للإمام أحدهما قوي والآخر ضعيف
ما معنى مصطلح الأصح في كتب الشافعية؟
وجهان لأصحاب الإمام أحدهما أقوى والآخر قوي
ما معنى مصطلح فراجعه في حواشي الشافعية؟
أن صاحب الحاشية ليس مسرورًا تمامًا من الرأي المذكور
ما الذي يدل عليه حرف الحاء في سند الحديث؟
التحويل من سند إلى سند آخر
ما الذي يدل عليه رمز الصاد في الجامع الصغير للسيوطي؟
أن الحديث صحيح
ما الذي تعنيه كلمة الشيخان في علم الحديث؟
البخاري ومسلم
ما الذي تعنيه كلمة الشيخان في فقه الشافعية؟
الرافعي والنووي
لماذا اندثر مذهب الليث بن سعد رغم علمه؟
لأن أصحابه قصّروا في حمل علمه وخدمته
ما الحكم إذا أُسند عقد البيع إلى جزء المخاطب كالرأس أو العين؟
البيع باطل
ما الفرق بين العلاقة الطبعية والعلاقة الوضعية بين الألفاظ والمعاني؟
العلاقة الوضعية تعني أن الرابط بين اللفظ ومعناه ناشئ عن اتفاق واصطلاح لا عن طبيعة ذاتية، فليس هناك رابط ذاتي بين حروف كلمة أسد وبين الحيوان المفترس.
ما الأقوال الرئيسية في واضع اللغة؟
قيل إن الله هو الواضع مستدلًا بآية تعليم آدم الأسماء، وقيل البشر هم الواضعون، وقيل الله وضع القوانين وأنشأ الإنسان المفردات، وقيل لا يُعلم من الواضع.
ما معنى الوضع الشرعي وما مثاله؟
الوضع الشرعي هو جعل اللفظ بإزاء معنى مخصوص قصده الشارع، ومثاله كلمة الصلاة التي انتقلت من معنى الدعاء والعطف إلى الأفعال والأقوال المخصوصة المبتدأة بالتكبير المنتهية بالتسليم.
ما تعريف المصطلح وما علاقته بالعرف الخاص؟
المصطلح هو وضع لفظ بإزاء معنى معين عند طائفة بعينها، وهو ما يُسمى العرف الخاص أي عرف أهل صناعة أو علم أو فن معين.
ما الفرق بين الجنس والنوع عند المناطقة؟
الجنس عند المناطقة كلي ذاتي أفراده مختلفة في الحقيقة كالحيوان، والنوع كلي ذاتي أفراده متفقة في الحقيقة كالإنسان.
ما الفرق بين الجنس عند الفقهاء والجنس عند المناطقة؟
الجنس عند الفقهاء ما اتحدت أفراده في معناه كالقمح، وهو حقيقة النوع عند المناطقة. أما الجنس عند المناطقة فما اختلفت أفراده كالحيوان.
ما الشرط الوحيد المطلوب في بيع الجنسين المختلفين كالقمح بالشعير؟
يُشترط في بيع الجنسين المختلفين شرط واحد فقط وهو الحلول أي التسليم الفوري، ويجوز التفاضل بينهما.
ما الحكمة من تحريم ربا الفضل والنسيئة في المطعومات؟
الحكمة هي سد الذريعة وحفظ أسعار الأقوات حتى لا يضار الفقير، فحرّم النبي ﷺ التفاضل والتأجيل في المطعومات ووسيط التبادل.
ما معنى مصطلح الوجه في كتب الشافعية؟
الوجه هو ما صدر من أصحاب الإمام الشافعي من بعده لا من الإمام نفسه، ويختلف عن القول الذي يُنسب للإمام الشافعي مباشرة.
ما الألفاظ الأربعة للترجيح عند الشافعية وما دلالة كل منها؟
الأظهر: قولان للإمام أحدهما أقوى. المشهور: قولان للإمام أحدهما قوي والآخر ضعيف. الأصح: وجهان لأصحابه أحدهما أقوى. الصحيح: وجهان لأصحابه أحدهما قوي والآخر ضعيف.
ما معنى كلمة والثاني في كتب الشافعية؟
والثاني مصطلح صياغي يعني مقابل الأصح أو الأظهر أو المشهور أو الصحيح، ويُستعمل للإشارة إلى الرأي الآخر دون إعادة ذكر اللفظ الأول.
ما الذي تعنيه كلمة القاضي في علم التفسير وفي علم الكلام وفي فقه الشافعية؟
في التفسير تعني البيضاوي، وفي علم الكلام تعني أبا بكر الباقلاني، وفي فقه الشافعية تعني القاضي الحسين.
ما الذي تعنيه كلمة الإمام في الفقه الشافعي وفي الأصول؟
في الفقه الشافعي تعني الإمام الجويني، وفي الأصول تعني الإمام الرازي.
ما معنى النحت في اللغة العربية وما أمثلته؟
النحت هو استجلاب كلمة واحدة من عدة كلمات، كبسملة من بسم الله الرحمن الرحيم، وحولقة من لا حول ولا قوة إلا بالله، ومعلش من ما عليه شيء.
ما الفرق بين الحولقة والحوقلة؟
الحولقة هي النحت الصحيح من لا حول ولا قوة إلا بالله، أما الحوقلة فهي سير الرجل الضعيف كما قال السيوطي والأزهري.
لماذا تُعدّ التعريفات الفقهية أحكامًا شرعية؟
لأنها تُشكّل مقياس الحل والحرمة في ذهن الفقيه والمجتهد، فبمجرد التعريف يُقال هذا حلال وهذا حرام، وهي توقيع عن رب العالمين.
ما الفرق بين الحد والرسم في التعريف المنطقي؟
الحد تعريف بالذاتيات كالجنس والفصل، والرسم تعريف بالعرضيات كالجنس والخاصة. وكل منهما ينقسم إلى تام وناقص.
كيف يختلف استعمال كلمة الحد عند الفقهاء عن استعمالها عند المناطقة؟
الفقهاء يطلقون الحد على كل التعريفات سواء كانت بالذاتيات أو بالعرضيات، أما المناطقة فيخصّون الحد بالتعريف بالذاتيات ويميّزونه عن الرسم.
ما حكم بيع الأخرس وكيف تقوم إشارته مقام الكلام؟
يصح بيع الأخرس وشراؤه لأن إشارته تقوم مقام الكلام وتأخذ أحكامه، فعقد البيع يمكن أن يتم بالإشارة من الأخرس.
ما الموقف الصحيح من التراث الإسلامي بين الاستيعاب والتطوير؟
الموقف الصحيح استيعاب مسائل التراث ومناهجه معًا، ثم الزيادة عليها والسعي في تطويرها وإكمال مسيرة السلف الصالح، لا الوقوف عند المسائل ولا الانفصال عن التراث.
