إبراهيم بن الأدهم | الرسالة القشيرية | المجلس الخامس | أ.د علي جمعة - الرسالة القشيرية, تصوف

إبراهيم بن الأدهم | الرسالة القشيرية | المجلس الخامس | أ.د علي جمعة

1 ساعة و 39 دقيقة
  • يبين النص أن الشريعة والطريقة والحقيقة شيء واحد، فالشريعة تهتم بالجوارح، والطريقة تهتم بالقلب والروح.
  • لا يمكن الفصل بين الشريعة والحقيقة، ومن فعل ذلك فقد ضل السبيل.
  • يؤكد الإمام القشيري أن كلام أئمة التصوف مقيد بالكتاب والسنة والشريعة.
  • تجارب الصوفية الروحية يجب أن تخضع لميزان الشرع، فما خالف الشريعة فهو مردود.
  • إبراهيم بن أدهم نموذج للمتصوف الملتزم بالشريعة، ترك ملك أبيه بعد أن سمع هاتفاً يلومه على اللهو.
  • أكل المتصوفة من عمل أيديهم وربطوا استجابة الدعاء بطيب المطعم.
  • الصوفية يتعاملون مع الكون برقة ورحمة، معتبرين أن كل شيء يسبح بحمد الله.
  • يرى الصوفية أن المرء لا ينال درجة الصالحين حتى يجتاز ست عقبات: ترك النعمة والعز والراحة والنوم والغنى والأمان.
  • كل ذلك مع التقيد بالكتاب والسنة وعدم مخالفة الشريعة.
محتويات الفيديو(58 أقسام)

مقدمة الدرس وباب ذكر مشايخ الطريقة وتعظيم الشريعة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال المصنف رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

باب في ذكر مشايخ هذه الطريقة وما يدل من سيرهم وأقوالهم على تعظيم الشريعة.

معلوم أن من تشرَّع ولم يتحقق فقد فسق، ومن تحقق دون أن يتشرع فقد تزندق. الشريعة والطريقة والحقيقة هي شيء واحد؛ هذا يهتم بالجوارح وبناء الأركان، وذاك يهتم بالقلب وبالروح والتوجه إلى الرحمن بإخلاص النية لله سبحانه وتعالى.

وحدة الإسلام والإيمان والإحسان وعدم الفصل بين الشريعة والحقيقة

إذن فهذا أمر الدين، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب جبريل عليه السلام لما جاء يعلم الأمة أمر دينها: ما الإسلام، ما الإيمان، ما الإحسان، ثم سأله بعد ذلك عن الركن الرابع، عن علامات الساعة؛ لأنه لا بد عليك أن تؤمن بالله، وأن تؤمن بالرسول، وأن تؤمن بالكتاب، وأن تؤمن باليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وبالملائكة والغيبيات التي أخبرنا الله سبحانه وتعالى عنها.

فالإسلام والإيمان والإحسان، وإن اختلفت في مفاهيمها، إلا أنها متحدة في شيء واحد وهو هذا الدين؛ هو الإسلام، والدين هو الإيمان، والدين هو الإحسان. ولذلك لا يمكن أن نفرق بين الشريعة والحقيقة، ولا بين الحقيقة والطريقة، ولا بين الطريقة والشريعة، ومن فعل هذا فقد ضل سواء السبيل وانحرف عن طريق الله سبحانه وتعالى؛ إما بجهل، وإما بنزغ شيطاني، وإما بهوى وشهوة لأي سبب كان.

تأكيد الإمام القشيري على ارتباط أهل الطريق بالكتاب والسنة

يؤكد الإمام القشيري على هذا المعنى، وأن كلام الأئمة الأعلام أهل الله أصحاب هذا الطريق إنما كانت مقيدة بالكتاب والسنة، ومقيدة بالشريعة. وأنهم لو استفادوا شيئًا من الوجود فإنهم ولا بد أن يربطوه تحت حديث أو آية مباركة أو أصل من أصول الدين.

فالإنسان يذكر ويحدث له حال في الوجود، ولكن هذا الحال لا بد أن يقوم بالشريعة؛ فالشريعة تقول لك أن الله ليس كمثله شيء وأنه لا تدركه الأبصار. وأنت تسبح وتذكر، فحدثت لك حالة ورأيت شيئًا ادعى أنه الله، فالشريعة تقول لك أنه لا تدركه الأبصار؛ إذن هذا وهم.

أنت في هذه الحالة الدقيقة، وأنت في حالة روحانية عالية وأنك تذكر اسم الله، إذ بك تسمع صوتًا أو ترى رؤيا، هكذا تسير يمينًا وشمالًا. وعندما تدرس هذا العلم تصبح محصنًا، تصبح عارفًا بالله.

خطر الجهل بعلم الطريق وتلبيس الشياطين على السالكين

وأنتم ستعملون، لماذا؟ من هؤلاء الذين سيعملون لك؟ الشياطين إذن، أم الروحانيات، أم العوالم التي لا نعرفها؟ وعوالم الله التي خلقها كثيرة، ولكن ليس هذا ما يعنيه الشرع.

وكما حرم علي السرقة، وحرم علي القتل، وحرم علي الزنا، وحرم علي سائر المعاصي، حرم علي أيضًا العقائد الفاسدة. ولذلك فهذا نوع من الاختبار أو الابتلاء.

أمر فيه: بسلام علمك نجاك يا عبد القادر، حكينا هذه الحكاية من قبل؛ علمك نجاك يا عبد القادر. عبد القادر [الجيلاني] داخل هذا الإطار، لكنه كان عالمًا بالطريق، ولذلك لما واجه هذه الامتحانات والاختبارات فإنه وقف أمامها بوضوح.

قاعدة عدم الجمع بين رؤية الملك وسماع صوته في آنٍ واحد

من هذه الأشياء التي قررها أهل الطريق أنك لا تستطيع شرعًا أن تجمع بين صورة الملك على هيئته وبين كلامه.

رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على هيئته، فخرج فوجده يملأ بأجنحته ما بين المشرق والمغرب على هيئته وخلقته الأصلية التي لها أجنحة، كنص القرآن:

﴿مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾ [فاطر: 1]

فالملائكة لهم أجنحة. فصعد فلقي جبريل ورآه يسد ما بين الأفقين هكذا، المشرق كله: يا محمد خذ القرآن، ها هو الآن، خذ اقرأ.

لكن أنت إما أن ترى شكله وإما أن تسمع صوته، لكن أن تجمع بينهما فلا؛ فإذا جمعت بينهما فهذا إما من نفسك وإما من تلبيس شيطاني، لا يصح ولا نعتمد عليه ولا نأخذ به.

دليل سماع الصحابة للملائكة وموقف الإمام الشافعي من رؤية الجن

ومن أين الدليل أنك تسمع؟ ابن الصامت [عبادة بن الصامت] أنه كان يسمع سلام الملائكة عليه في بيته حتى اكتوى، فلما اكتوى لم يعد يسمع صوت الملائكة، فلما ترك الكي - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحب الكي وإن قال إن فيه شفاء - ولكن لما ترك الكي رجع فسمع كلام سلام الملائكة. فيبقى الصحابة وهم كذلك أنهم سمعوا الملائكة.

كذلك يقول الإمام الشافعي: من ادعى أنه رأى الجن على أصل خلقته يتلبس - أي يتلبس - لأن النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا مثلًا من الكلب الأسود الذي ليس فيه شامة ولا شيء أسود هكذا، هو أنه شيطان؛ يعني الشيطان يحب هذا النوع يلبسه هكذا، يمكن أن ترى الشيطان بهذا الشكل. لكن أن ترى الشيطان على هيئته التي خلقه الله عليها فهذا نبي الذي يفعل ذلك.

حكم الشافعي في شهادة من يدعي رؤية الجن على هيئته الأصلية

فقال الشافعي: من ادعى أنه يرى الجن على هيئته أو على غير هيئته، نعم وارد، لكن على هيئته رددت شهادته.

يقول لك: نعم، ما أنت إما كاذب وإما عقلك معطل وملبَّس عليك. وهذا لا أقبل شهادته الكاذب، وهذا لا أقبل شهادته الذي ليس ضابطًا، فيكون لا عدلًا ولا ضابطًا، فيكون غير ثقة حتى أقبل شهادته.

ليس حديثه شهادته.

ما الفرق بين الشهادة والرواية يا بني؟

إنما العلم بالتعلم، هذا علم قرأته، قرأته تحدث به، لم تقرأه اسكت. هو لا بد عليك أن تحيط بمعلومات ما بين السماء والأرض، ليس لا بد ولا شيء.

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

مع المحبرة إلى المقبرة، العلم من المهد إلى اللحد.

الفرق بين الشهادة والرواية في قبول الواحد والاثنين

ما هذا الفرق بين الرواية والشهادة الذي جعلنا نقبل هنا اثنين على الأقل وهنا نقبل ولو واحدة؟

ما هذا؟ قل شاهدًا، لا بد من اثنين. عند الرواية ثلاثة، يقبل من ثلاثة واحد، هذا هو من العوارض. يقول لك: الشهادة لا بد فيها من اثنين، لكن الرواية يقبل فيها الواحد، هذا مقبول.

لكن لماذا؟ لأن هناك فرقًا بين الرواية والشهادة؛ إذ إننا نقبل في الشهادة لا أقل من اثنين، ونقبل في الرواية ولو واحدًا.

فلماذا؟ لأن هناك فرقًا بينهما: الرواية تتعلق بالعام، والشهادة تتعلق بالخاص.

انتبه؛ فلما كانت الرواية - يعني لما سيدنا عمر يقول: قال رسول الله «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» - كسب ماذا؟ ما لم يكسب شيئًا. من الذي كسب؟ لا يوجد أحد. كيف؟ عامة، خبر عام يتعلق بكل الأمة، ما له فيه مصلحة.

الشهادة تتعلق بالخاص وتترتب عليها حقوق ولذلك اشترط فيها العدد

والشهادة لا، هذه الشهادة لها شروط؛ لأنها واقعة خاصة سيترتب عليها حقوق لهذا وتُسلب حقوق من هذا، ونصبح في وضع خاص. ولذلك نريد أن نتأكد، ولذلك كانت الشهادة على الأقل اثنين.

وعندما جاء حذيفة [بن اليمان] وشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: شهادة حذيفة بشهادة رجلين.

قالوا: طيب، حذيفة شهادته، أتعرفون القصة التي تخص حذيفة أم لا؟ حذيفة - خزيمة - حذيمة، هو على كل حال في اسمه اضطراب، يعني حتى هو في اسمه اضطراب، حتى هل هو ابن ثابت أم ليس ابن ثابت، أم أنصاري أم حذيفة أم غير ذلك، في اسمه كلام كثير.

قصة خزيمة بن ثابت وشهادته لرسول الله بشراء الجمل

عنده قال: كان سيدنا رسول الله اشترى جملًا من أحد الأعراب خارج المدينة ونقده، واشترى وتم البيع ونفذ، وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل المدينة والجمل خلفه والأعرابي خلف الجمل. فكلما رآه الناس يعتقدون أنه هذا قادم من البادية، فيقولون: تبيع؟

فالرجل طمع، فلما وجد واحدًا واثنين وثلاثة يسألونه البيع، قال: بيع. سيدنا رسول الله ماشٍ ومنتبه أنهم غير منتبهين، لا يعرفون أنه اشترى، فيقولون هكذا ماشٍ صامت.

فلما قال الرجل: نعم بيع، التفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا رجل، ألم أبتع منك هذا الجمل؟ قال: وهل كان معك شهود؟

فقام خزيمة وقال: نعم، أنا أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى منك هذا الجمل. قال [النبي]: أو رأيتني يا خزيمة؟ قال: يا رسول الله، أصدقك بالخبر الذي يأتي من السماء إلى الأرض ولا أصدقك في هذا الأعرابي؟

فقد سُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنطق وقال: إن شهادة خزيمة تعدل شهادة رجلين.

قصة جمع القرآن وشهادة خزيمة بالآيتين الأخيرتين من سورة التوبة

وكانت هذه آية ومعجزة؛ أنهم لما جاءوا يجمعون القرآن اشترطت اللجنة أن يأتوا لكل آية في القرآن بشاهدين، ولكنهم جاءوا بالآيتين الأخيرتين من سورة التوبة:

﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [التوبة: 128-129]

ولم يجدوها إلا عند خزيمة. أشهد يا خزيمة إنك سمعت آية رسول الله، أشهد، هات واحدًا معك. بحثوا فلم يجدوه، وهناك أناس لكن أناس لم يأتوا في اللجنة.

فقام رجل وقال: أشهد إنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في شأن هذا أنه شهادته بشهادة رجلين. فقاموا بتسجيل الآيتين في نهاية التوبة حفظًا لكتاب الله.

حفظ القرآن الكريم معجزة إلهية لا بشرية

أي انظر إلى هذه القصص كلها، مؤداها في النهاية أنه قد حُفظ كتاب الله، فيبقى كتاب الله هذا محفوظًا من قِبَل من حول المسلمين وعلمهم ومنهجهم وإدراكهم وذكاؤهم.

وليس من عند الله، من عند الله الذي حدث هكذا أن الحفظ هذا من عند الله؛ هو يوجد كتاب يحفظه الكبير والصغير والعربي والأعجمي والمرأة والرجل عبر العصور، ويحفظونه كله، ويحفظونه وهم لا يفهمونه. لم يحدث، لا يوجد كتاب في العالم هكذا.

فهذا الحفظ من عند الله، والله لو تأمل الناس هذا لأسلموا؛ فبعضهم لا يعرف أن يحفظ سطرًا واحدًا من كتابه، سطرًا واحدًا وهو من كبار علمائهم. ونحن ما شاء الله يكون الولد عنده عشر سنوات هكذا ويقوم بصلاة التراويح، أليس كذلك؟ بل إنه حاصل بالآلاف وعبر القرون وفي كل من طنجة إلى جاكرتا ومن غانا إلى فرغانة.

وجوب مراجعة القرآن الكريم لأنه يفلت كالبعير

حاصل الكلام أم لا؟ حاصل أمامنا هو وأنتم أمامنا هو، أليس فيكم يا إخوة من يحفظ القرآن؟ تجدون جميعكم تحفظون القرآن.

وهو عجيب أن ينفلت، يعني كذلك نص لا تحفظونه فقط، بل أنتم يجب أن تراجعوه طوال النهار. ولذلك تجدون الدارسين المصاحف في أيديهم هكذا، هو يحفظونه يراجعون؛ لأنه لو لم تراجعوه فإنه لا ينفلت أشد انفلاتًا، فإنه أشد انفلاتًا من البعير يجري هكذا، لا يريدك تؤيده، هو يريد أن يمشي. والمراجعة هي التي تجعله يثبت.

إذن هذا حال مشايخ أهل الله أنهم مقيدون بالكتاب والسنة وبالشريعة.

الكنية في اللغة العربية وارتباطها بالأسماء عند العلماء

فالتالي ضرب لنا مثلًا بجملة أبو إسحاق إبراهيم بن آدم في شيء يسمى الكنية.

والكنية هذه ارتبطت بالأسماء؛ أي أن كل اسم يكون له كنية حتى لو لم يكن هناك ابن لهذا الاسم. فمحمد مثلًا شخص اسمه محمد ولم يتزوج بعد، تكون كنيته أبو عبد الله. لماذا؟ لأن سيدنا محمد بن عبد الله، فما يكون إذن محمد أبو عبد الله.

وسليمان أبو داود، يكون عندما أقول لك سنن أبو داود ما اسمه؟ أبو داود سليمان. ما الذي عرفك أن كنية أبو داود تكون لمن؟ لسليمان.

كنية إبراهيم قوم عندنا في العام يقول لك أبو خليل، لماذا أبو خليل؟ لأنه مدفون في الخليل، سُمي الخليل لماذا؟ لأن إبراهيم عليه السلام دُفن فيه.

كنية إبراهيم بن أدهم أبو إسحاق وعلاقة الكنى بالأسماء

أي أن هناك أيضًا علاقة بين الكنية والاسم. إبراهيم بن آدهم كانت كنيته أبو إسحاق، لم يكن في مصر، بل كان في بغداد هناك، فلم يكونوا قد اخترعوا بعد أبو خليل.

محمود، تعالوا نقول هكذا بحكمتنا: أبو حنفى، لا بد هناك شيء لا نعرفه. ولكن في اللغة العربية كان محمود هو أبو الثناء. لماذا؟ لأن سيدنا محمد من أسمائه محمود وهو أبو الثناء كله، أبو الثناء محمود.

فعندما يأتي ليقول لك أبو الثناء الآلوسي ما اسمه هكذا مباشرة بالبديهة تقول: ما كان اسمه محمود. قال له: أنت أمتأكد هكذا وأنت لم تراجع ولا شيء؟ لماذا؟ لأن أبا الثناء هو محمود.

وأبا سليمان يكون داود، وأبا يحيى يكون زكريا، وأبا زكريا يكون يحيى. فعندما يأتي ليقول لك أبو زكريا النووي ما كان اسمه؟ لقد كان اسمه يحيى، والله كان اسمه يحيى رضي الله عنه.

الكنية وأبو الفداء إسماعيل وأبو إسحاق إبراهيم بن أدهم

وهكذا هذا القوم نسميه ماذا؟ الكنية في شيء آخر: أبو الفداء هذا إسماعيل، عندما تسمع أبو الفداء فيكون إسماعيل. ولذلك الملك أبو الفداء صاحب التاريخ اسمه فعلًا إسماعيل.

لماذا؟ لأن سيدنا إسماعيل حدث أنه فدى نفسه أو فدى بنفسه أيام الذبح، يعني الذبيح هو إسماعيل على الأرجح من الكلام علماء المسلمين، لأن هذا أيضًا فيه خلاف عندهم؛ فرجَّح القرطبي أنه إسحاق بناءً على روايات أهل الكتاب، ورجَّح المحققون أنه إسماعيل.

فهنا أبو إسحاق في أمر آخر يسمى اللقب، واللقب هذا يكون أي فيه مثل: الفاروق عمر، الصديق أبو بكر، شهاب الدين، نور الدين، شمس الدين وهكذا. وأيضًا ربط بين هذه الألقاب وبين الأسماء: شمس الدين يكون محمد، شهاب الدين يكون أحمد، نور الدين يكون علي وهكذا.

ترجمة إبراهيم بن أدهم ونسبه وبلده بلخ

كذلك الألقاب مرتبطة مثل الكنى. أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم بن منصور، نعم من كورة بلخ.

هذه مدينة، ومرو مدينة أخرى، وهناك كانت هذه المدن مدن علم وتقوى. ولكن أيضًا كان في هذه العصور عصور له، يعني الناس هذه لم تكن في عصور الملائكة، لا، كان هؤلاء الناس من كبار الصالحين.

وكانوا أيضًا هناك، يعني عندما تقرأ مثلًا حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني تشعر أنك في الجنة، يترجم ماذا؟ للأولياء الصالحين المتقين. لكن عندما تقرأ الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وهو يترجم لنفس الفترة يقول: ما هذا؟ إن الناس كانت فاسدة جدًا هكذا.

أثر الصحبة الصالحة في حفظ النفس وإنكار المنكر

فإن هذا يذكرنا بحديث سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

قال رسول الله ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»

يعني يمكن أن تعيش وسط الناس الصالحين وتحفظ نفسك وتصون نفسك إذا كنت معهم، بحيث إنك جنة. وعندما تسمع بخطأ أو تقول: أمعقول؟ أين هذا؟ ليس إنسانًا هذا الذي يفعل هكذا.

ويتضح أن ثلاثة أو أربعة من الناس يفعلون، لكن أنت لا تصدق من براءة قلبك وصفاء ذهنك، وتنكر المنكر ولا تستهين به؛ لو أن كل الناس يفعلون منكرًا فلا تستهين به.

لأن كل الناس، العفاف والرضا والتوكل يأتي عندما تحيط نفسك بهذا المعنى. ويقول الحديث الذي تعرفونه الخاص بحامل المسك ونافخ الكير نفس المعنى.

إبراهيم بن أدهم في عصر الفساد وتعامل الصوفي مع الكون برفق

إذا عندما تطلع على العصر لا تظن، ومع هذا العصر الذي يصفه أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني، كان هناك إبراهيم بن أدهم ومن يصفهم معه أبو نعيم الأصبهاني أيضًا.

هذا أبو الفرج الأصبهاني وهذا أبو نعيم الأصبهاني، وأصبهان فيها أربعة أنواع نطق تنطقها بأربع طرق: الهمزة والباء مع الهمزة والفاء، يعني هذه الهمزة تنطقها مفتوحة أو مضمومة، والباء إما تنطقها باء وإما تنطقها فاء، فيصبح أصفهان أصبهان أصفهان. لذلك تجد هذا الأصبهاني وهذا الأصفهاني، لا تقل هاتان مدينتان، هذه المدينة بالذات فيها هذه الأشياء الأربعة.

أبو إسحاق إبراهيم - يعني أبو مرحيم يقول له في السريانية هكذا - ابن آدهم، وآدهم ما معناه في اللغة العربية؟ القيد. وما معناه أيضًا آدهم؟ الفرس الذي في جبهته بياض.

قصة توبة إبراهيم بن أدهم وخروجه من الملك إلى الزهد

طيب ابن منصور من كورة بلخ رضي الله تعالى عنه، كان من أبناء الملوك، يعني ماذا؟ شبعان وسئم.

من هناك أناس أحيانًا يؤدبهم الغنى وأحيانًا يؤدبهم الفقر وأحيانًا يؤدبهما معًا. أحد العرب لما تزوج امرأة غنية قد أغناها وقد أعفها الغنى، ثم افتقرت فأدبها الفقر. يعني هو ينصح ابنه أن يتزوج، فقال له: اختر واحدة تكون غنية فأصبحت عيناها شبعتين وممتلئتين، وبعد ذلك افتقرت فأصبحت يداها ليستا مسرفة، وعرفت أن الدنيا أن القرش الأبيض ينفع في اليوم الذي ليس بتمام.

فكان من أبناء الملوك، فخرج يومًا متصيدًا يصطاد، والملوك من عادتهم أنهم يصطادون، والصيد يبدو أن فيه لذة شديدة؛ يخرج ويصطاد هكذا في البر، يجري وراء الغزالة ويضربها بالسهم بالشيء، مرة تصيب مرة تخيب.

الهاتف الذي نادى إبراهيم بن أدهم أثناء الصيد وتحوله إلى الزهد

أن يجري الكلب عليهم وهكذا، فيثير ثعلبًا أو أرنبًا في هدف متحرك كذلك، يريد أن ينقض عليه وهو في طلبه. يركب الحصان ويمسك من اللذة التي تخص الصيد أن تركب الحصان، وبعد ذلك أنت ممسك بالسهم مع القوس فأنت تارك لجام الحصان، فأنت متمكن جدًا كذلك، أي تشعر بنفسك أنت رياضي متمكن وتجري وراء الأرنب أو الثعلب لكي تضربه عن قرب لكي تصيبه؛ لأن السهم كان في شيء يسمى رمية سهم وهذه ثلاثمائة ذراع، السهم لا يصل إلى أكثر من ثلاثمائة ذراع لأن له حدًا، فيجب أن تكون أنت قريبًا في المدى لكي يصل إليه السهم وإلا فلن يصل.

ستعطي آثارًا لثعلب أو أرنب وهو في طلبه، سمع هكذا شيئًا حوله: يا إبراهيم، قال: لهذا خلقت؟ تلعب بالفرس وتجري وراء أرنب؟ هل ربنا خلقك لهذا أم هذا لغو أم هذا نافلة؟ أي من القول، أي تفعل هكذا لماذا يا إبراهيم؟ تضيع وقتك لماذا؟ قال: لهذا خلقت أم بهذا أمرت؟

الهاتف الثاني لإبراهيم بن أدهم ونزوله عن دابته ولبسه جبة الراعي

أن تجري وراء ثعلب أم وراء أمر ربنا؟ أمرك بهذا أن تترك العلم وتترك العمل الصالح والعبادة وتترك خدمة الناس ومصالحهم وتترك عمارة الدنيا، وبعد ذلك تجري وراء أرنب وراء ثعلب؟ يعني كأنه يقلل من شأن نفسه، بدلًا من أن أجري وراء أرنب وأصطاده وأفعل به وأنا لست الذي بجانب صاحب الخيل هذا، أنا شيء عظيم جدًا. فيقول له: شيء عظيم ماذا؟ هل أنت خلقت لهذا أصلًا؟ أنت عابث.

ثم هتف به أيضًا من مقدمة سرجه - السرج الخاص بالفرس - سمع من جهته كذلك نفس الهاتف هذا، لكن يقول له: والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت.

أي أن أحدهم يقول وهو يحكي: فنزل عن دابته وصادف راعيًا لأبيه الملك يرعى أغنام الملك، فأخذ جبة الراعي من الصوف ولبسها وأعطاه فرسه وما معه، وكان هذا الفرس غاليًا جدًا أي كالسيارة المرسيدس في وقتنا الحاضر.

مهنة الرعي وشرفها في حق الأنبياء وانخفاضها في حق غيرهم

وذهب وهو يلبس الحرير والمشمر وكل ما علق به من ذلك، ومعه أيضًا قدر الألفين أو ثلاثة آلاف في جيبه، ذهب ولبس الشوال المصنوع من صوف الراعي.

والراعي كان من المهن الضعيفة، أي من المهن القليلة، وإن مارسها الأنبياء فإنما مارسوها لتدريبهم كي يتدربوا، أما هي في ذاتها فليس لها وجاهة ولا شيء.

ولذلك حدث هنا في مصر في القرن العاشر أن أحدهم قال لأخيه وهو يشتمه: يا ابن راعي الغنم، يريد تحقيره. أبوك كان ماذا يعني؟ ألم يكن راعي غنم؟

فرد عليه وقال: النبي راعي الغنم، يريد أن يوقعه في مشكلة، هذه نيته. هو يقول له يا ابن الوضيع، فذهب وقال له: هذا الذي شتمتني به هذا الآن فاعرض أمره على العلماء.

حكم العلماء في تشبيه الرجل النبيَّ براعي الغنم إهانةً

تنزيه الأنبياء عن تشبيه السفهاء، اعتبر الرجل الذي هو ابن الراعي هذا هو ما لا يصح أن يقول كذلك.

لماذا؟ قال: لأن رعي الغنم في حقه صلى الله عليه وسلم علو، وفي حق أبيك انخفاض. وانتبه وتكلم إذن كلامًا واسعًا ينبغي أن تقرؤوه؛ لأن هذا في الحقيقة كلام يبين لنا مدارك الفقه الإسلامي وكيف يتعامل مع هذه الأمور.

النبي كان أميًا، الأمية ليست شرفًا لكنها له هو شرف، كفى في الأمية معجزة أي، انظر في الأمية معجزة، الأمية هي له شرف. لكن أنت وأنت أمي لا تفتخر بها ولا تشبه نفسك بالنبي وتقول: لا وأنا أمي ماذا يعني؟ ما النبي كان أميًا وأنا أمي ونبقى نحن جميعًا جميلين هكذا؟

لا، هذا هو أمي لأن الله قد علمه، فهو أمي من جهة الناس لم يعلمه أحد فصار معجزة أعظم أن هذا الذي لم يعلمه أحد علمه ربه.

حكم من قال لآخر يا أمي قاصدًا الإهانة أو غير قاصد

وربه، أما أنت يا أستاذ فأنت مطلوب منك أن تطلب العلم وتكسر الجهل وتحصل. هذا واضح الكلام.

فيبقى إذن لما واحد يقول للآخر: يا أمي، ينتقصه هكذا، ينتقص. فيقول له: لا يا أمي، ما النبي كان أميًا؟ نعم.

هنا بقي أمر: العلماء بتعزيره إن كان يقصد ظاهر القول، قالوا: يؤخذ يضرب له عشرة، عشر عقوبات كذلك حتى لا يفعل ذلك مرة أخرى. وإن كان يقصد إهانة النبي فهو كفر.

أي، إذا كان لا يقصد فيضرب، لا أقصد جاهلًا أيضًا تضرب حتى يتعلم غيرك أيضًا وأنت تتعلم. أما إذا كان يقصد الإهانة فلا، هذا يكون كفرًا إذن.

ومثلها ما أفتى به الشيخ محمد عليش مفتي المالكية في كتابه عن أن رجلًا قال لآخر اسمه عبد الحميد: يا عبد السخام. ماذا يفعل؟ قال: لو قصد المساواة بين الحميد والسخام كفر، هذا يسب ربنا. أما لو أنه يعني متغيظ منه هو يعني نفسه، كيف أعطيه؟ هو لا ما خطر في باله الاسم الكريم الجليل، ما خطر في باله، إنما هو يريد أن يشتمه ويقول له يا غبي.

كيفية تأديب من أوهم في كلامه وسماع الهاتف الروحاني

فكيف يؤدبه؟ كيف يقول له ألا يترك الأمر وليس له شأن؟ ألا يؤدب؟ لأنه ارتكب خطأ حدث فيه نوع من أنواع الإيهام.

فسمع هاتفًا ينادي إخواننا، فما إن يقرؤوا لك هكذا حتى يأتي ركابهم شيطان. كيف سمع هاتفًا؟ كيف سمع؟

نعم يا أستاذ، إن هذه الهواتف قد وُجدت وهذا السمع موجود. والحديث: يا سارية الجبل الجبل، فسمعه سارية.

وهناك كون حولنا، هذا الكون نسمع منه ويسمع منا، وتحدث أشياء؛ سبَّح الحصى بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه الناس. فلماذا سمع الناس هذا؟ فهو حصى يسبح، إنما يعلمنا أن وراء هذا المنظور عالمًا غير منظور.

فعبادة بن الصامت لم يكن نبيًا وكان يسمع سلام الملائكة، فيبقى هذا السمع واردًا، ليس هناك شيء مخالف للشرع في أن نسمع.

سماع النبي للحجر قبل النبوة وتسبيح الكون وبكاء الجذع

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع قبل النبوة حجرًا يسلم عليه في مكة. فهؤلاء القوم يبعدوننا عن الدين.

هكذا:

﴿وَمَا مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الإسراء: 44]

فلما نأتي نقرأ في السيرة أن النبي كان يمشي فسلم عليه حجر وكان يعني عليه حتى سمعه الصحابة. نحن هنا لسنا في أن النبي يسمعه، النبي هذا مكشوف عنه الحجاب، النبي هذا موحى إليه، النبي هذا خاصة.

طيب وهؤلاء فسمعوه، سمعوا. قال: أنين الجذع حتى ضمه إلى صدره الشريف فسكن، وقال له كلمتين فسكن. الله هو يفهم، قال له: ألا تريد أن تكون معي في الجنة؟ فسكن.

الشخص الذي يؤمن بهذا قلبه رقيق؛ حجر يسلم وشجر يسجد وجذع يبكي، رقيق حلو. الشخص الذي يمكر عنيف، ما شيئًا إلا هذا ويريد أن يقطع الدنيا ويرميها في الزيت.

تعامل الصوفي مع الكون برفق ورحمة وخدمة الحيوان

انظر إلى هذا الشخص الذي يؤمن أن هذا الجماد يسبح وأن هذا النبات يحزن:

﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29]

والله إن السماء تبكي وإن هذه السماء معنا، وأنه عندما يموت عالم كان الشيخ صالح يقول لنا: إذا مات العالم الأزهري بكت عليه السماء والأرض. هذه السماء تحزن، وما شأنها وما شأننا؟ هذه السماء عبارة عن بعض الأجرام السماوية وحسب، الرؤية مختلفة.

القلب الرقيق والقلب القاسي، هذه الشريعة نحن لا نقول شيئًا إلا وهو في الكتاب أو السنة:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]

تبقى السماوات والأرض والجبال تقول وتشفق.

قسوة القلب وآيات الحجارة والصوفي يتعامل مع الكون برحمة

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَـٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 74]

إن هذا الكون يتكلم ويحس، فكيف أحتقره؟

هكذا الصوفي، الآخرين يا أخي يقرؤوا وكأنهم أو كأنهم لم يقرؤوا، غير راضين أن يقفوا عند هذه الأشياء ويعيشوا فيها، غير راضين أن هذا الكون يسجد ويسبح ويذكر ويخشى ويهضم ويحس ويبكي ويفرح، لا شيء.

فعندما يتعامل الصوفي مع الكون يتعامل بطريقة رقيقة راقية رحيمة، يرحم القطة ويرحم الكلب. وعلى الخصوص يسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «دخل رجل الجنة في كلب وجده عطشان فقال: لقد بلغ بهذا مثل ما بلغ بي من العطش، فأتى له بالماء فسقاه فأدخله الله به الجنة»

الشيخ علي الخواص وخدمته لدورات المياه ومساقي الكلاب

بعد العشاء يذهب إلى دورات المياه المساجد وينظفها لكي يأتي الناس للفجر فيجدوا كل شيء نظيفًا وجاهزًا، ويذهب لمساقي الكلاب.

كان الناس الذين يفهمون الشريعة يصنعون مساقي للكلاب في الشوارع، في بيت القاضي خلف سيدنا الحسين آخر مساقي الكلاب التي شاهدناها. مساقي الكلاب يقوم بتنظيفها لئلا يتقزز الكلب فلا يشرب، ينظفها ويملؤها بالمياه النظيفة.

كل ذلك فيما بين المغرب وما بين العشاء والفجر، هذا عمل الشيخ علي الخواص. كان أميًا لا يعرف الكتابة ولا القراءة، وكان يحفظ القرآن. قال الشيخ الشعراني: حفظًا متقنًا، أمر عجيب لم يخطئ وكأن القرآن أمامه هكذا.

فهل هؤلاء الناس عندما ذهبوا ليرقوا الحيوان، يرقون الإنسان أم لا؟ إذن كان هو لا يعرف كيف يتعامل مع الجماد ولا مع الحيوان ولا مع النبات إلا بالرفق.

فضل الكلاب على كثير من الناس وأحكام القتال في سبيل الله

أنت جئت إليه فسيقول: لا، هذا فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب.

اقتلوه وخذوه افعلوا به هذا. الله سبحانه وتعالى ونحن في قمة الانتصار والقتال:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

يخفض درجتك. إن الله لا يحب المعتدين يخفض درجتك درجة ثانية. والذي في الآية التالية يقول لك:

﴿فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 193]

وبعد ذلك يقول:

﴿فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 192]

ما هذا يعني:

﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [الأنفال: 61]

حسنًا هذا أنا منتصر سيقتلني الآن، توقف عن القتل حاضر.

التربية الصوفية تمنع الانتقام وتدعو إلى العفو والرحمة

ولكنني أريد أن أقتله لأنه كان سيقتلني. ما هذه التربية التي تجعلك هكذا؟ الصوفية!

أما لو لم تكن تذكر الله ولا تعرف شيئًا من دينه، لذبحته بحرية وقطعته ثلاث قطع. وعندما يأتي ليشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، تقول له: أنت ماذا؟ لا تريد أن ترفع رأسك وتضحك علي وهكذا.

طيب لو طبقنا هذه الحكاية فإن المسلمين سيهزمون. نعم لو كان المسلمون يحاربون لأنفسهم ومن أجل أنفسهم لهزموا، ولكن ألم تنتبه إلى أنهم يحاربون في سبيل الله:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 244]

طيب أما إن الله سيحميك، تخيل الآن وأنت تفعل بحماية ربنا. إن الرجل هذا فعلًا أمسك البندقية بعد أن تركته وذهب ليطلق علي فإذا بالبندقية فارغة. ألا يجب أن يزداد إيماننا؟

أتعود بلطجيًا من الحرب أم تعود وأنت تحب الناس وتريد أن تحميهم؟

الفرق بين المتربي وغير المتربي في التعامل مع الأحداث الروحانية

تفرق كثير من المتربي من غير المتربي. إذا لما سمع - بلاش يعني - سمع يجري إيه؟ ممكن عقلًا وواردٌ شرعًا ما يجري شيء.

ولذلك يقول لك مثلًا ابن الفارض كان جالسًا مرة وهو كان شاعرًا وله ديوان مطبوع، فذهب قال:

من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط

هو كتب هذا البيت يا صديقي، اصمت:

من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط

هو يريد أن يتهم نفسه بالقصور وبأنه يعني ليس من المعقول أن يصل الإنسان إلى مرتبة الكمال، تواضع جميل.

قال: فسمع هاتفًا: هذا محمد الهادي الذي نزل عليه جبريل. جميل حسن. وهذه الرواية فيها نوع من أنواع التواضع أيضًا أنني يا جماعة نظمت بيتًا واحدًا فقط، والبيت الثاني هذا سمعته وليس من عندي، بالرغم من أنه لو نسبه لنفسه ما كان أحد يقول شيئًا ولا يعرف هذه القصة.

مدح النبي ﷺ في شعر البوصيري والهواتف الروحانية مقبولة شرعًا

الوزن والقافية والمعنى جميل وهو عملهم وانتهى. وغيره عمل أشياء في مدح سيدنا رسول الله:

ومما زادني شرفًا وتيهًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيًا

جميل، انظروا البردة في مدح رسول الله جميلة.

إذن فالهواتف هذه ليس فيها شيء موجود شرعًا وحاصلة فعلًا. أجل يعني أنت حدث لك ويتكلم هكذا بطريقة غير لائقة، هو فقدان الوجود يلزم منه فقدان الوجدان، فقدان الوجدان يلزم منه فقدان الوجود أبدًا.

افترض أنك لم تسافر إلى لندن فتصبح غير موجودة، افترض أننا جميعًا لم نسافر فلم تعد موجودة. يقينًا موجود، نحن الذين لا نسافر. فقدان لا يلزم منه فقدان الوجود، كلنا لم نره ولا رؤية، لكن الناس الآخرين رأوا فيه ماذا؟

العلمانية المتجذرة تنفي الغيب والمحسوس الروحاني

ما هذا الخلل العقلي الذي يجعل التفكير غير مستقيم؟ الهوى، العلمانية المتجذرة المتأصلة التي تريد أن تنفي ليس هذه الأشياء فحسب، بل تنفي كل ما هو غير محسوس.

نحن نقول له: لا، نقول له والله هذا حتى أيضًا محسوس، ولكنه انغلق على قلب الأبعد، انغلقت على نفسك فقط لا غير. ولكن هذا معقول وموجود وأيضًا وارد.

وقس على هذا تكون أي علامة. ثم أنه دخل البادية ثم دخل مكة وصحب بها سفيان والثوري، يبقى سفيان من؟ ابن عيينة والثوري يبقى سفيان الثوري. ولكن هنا قال سفيان الثوري لا، قال سفيان الثوري والفضيل بن عياض كلهم من الأكابر والأتقياء.

إبراهيم بن أدهم يأكل من عمل يده والأكابر ليسوا متواكلين

نعم حسنًا، يعني هذا خطأ يمكن أن يكون سفيان الثوري صحيحًا. حسنًا ودخل الشام ومات بها، وكان يأكل من عمل يده.

والله إذن الأكابر ليسوا متواكلين وإنما يأكلون من عمل أيديهم. ولما جاءت الطرق فأصبحت كمدارس للتربية، فالسادة الرفاعية مثلًا يرفضون إلا أن يأكل الشيخ ويأكل التلميذ من كسبه إن شاء الله، حتى يبيع أمشاطًا في الحافلات، يجب أن تأكل من عمل يدك.

ويربطون استجابة الدعاء بطيب المطعم، ويربطون طيب المطعم بهذه العملية، وهذا موجود في الشريعة. نعم عندما جاء الرجل يسأل فقال له: أليس عندك شيء؟ فأتى بقدح وأتى بشيء كذلك أي وسادة، فباعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزاد وقال له: اشتر حبلًا وقدومًا واذهب واحتطب. فهذا عمل اليد.

يد النبي ﷺ الحريرية وعمله بالفأس وفضل عمل اليد

ولما جاء الرجل يسلم عليه فوجد يده خشنة فقال: مم هذا؟ وكانت يد الرسول صلى الله عليه وسلم معجزة بأنها كانت أملس من الحرير، وهو الذي كان يضرب معهم بالفأس.

«وكنا إذا اشتد الوطيس احتمينا برسول الله صلى الله عليه وسلم»

لكن يده لم تكن يظهر فيها أثر. وكان يعجن بيديه وهو قائم يعمل يديه هكذا ويعجن بيديه، رواه الحربي في مسنده. ولكن يده حرير، آه هذه مسألة أخرى.

إذن هذا فضل. إذن فلما قال: هذه يد يحبها الله ورسوله، فتبقى كلمة من عمل يده هذه لو وقفنا عندها فهي شرعية أيضًا. مثل الحصاد كان يحصل القمح والدرس كذلك، وعمل الفلاحة عمل مرهق ودائمًا في السعرات الحرارية مما يجعله يفقد الفلاح أكبر قدر من الأعمال كلها، حتى من الذي يرمي بالسلاح. فالفلاح يبذل الجهد، العمل الزراعي هذا هو أعلى نوع من أنواع الجهد البدني.

الشيخ علي الخواص يعمل حارسًا بالليل ويذكر الله

ولذلك تجد أن الله بارك في الفلاحين وجعلهم أقوياء كالمسامير وحفظ البساتين.

اشتغل حارسًا بالليل، وأثناء عمله بالليل وهو يعمل حارسًا وأمامه إبريق القهوة الخاص به والنار، وكان يذكر الله وغير ذلك.

وأنه رأى في البادية رجلًا علمه باسم الله بسم الله الأعظم. هذا في الشريعة أم ليس في الشريعة؟ موجود في الشريعة وفيه أحاديث كثيرة.

قال: لقد سأل الله باسمه الأعظم، بسم الله الأعظم الذي إذا ما دُعي به أجاب، بسم الله الأعظم الذي علمه موسى السامري. ثم إنه أراد أن يدعو به على موسى فكان مثله كمثل الكلب أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ذلك إلى آخر الكلام.

كل كلمة في التصوف مقيدة بالكتاب والسنة وعمقها في الشريعة

يعني هنا لا توجد يا أولاد كلمة في التصوف إلا وهي مقيدة بالكتاب والسنة، أدركتها وفتح الله عليك بها أو لم تدركها. لكن في النهاية كل كلمة لها عمق فيما تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خير وكنز في الكتاب وفي السنة المشرفة، ثم في أعمال الصحابة، ثم في تطبيق المسلمين عبر التاريخ.

فدعا به بعده، فرأى الخضر - يعني بعد أن مضى الرجل الذي علمه اسم الله الأعظم - قيل هو الله، قيل هو الحي القيوم، قيل هو بسم الله الرحمن الرحيم، قيل هو لا إله إلا الله، قيل هو الله الحي القيوم، قيل كلام كثير، قيل أنه باسم الله الأعظم له شروط من الصفاء والوفاء وأنك إذا ما تحققت بهذه الشروط ودعوت بها استُجيب لك.

الأشياء الثمانية التي أخفاها الله في ثمانية وأسرار الاسم الأعظم

هناك نحن أربعون قولًا وأكثر باسم الله الأعظم. وأخفى الله ثمانية أشياء في ثمانية:

  • أخفى اسمه الأعظم في الأسماء.
  • وأخفى السبع المثاني في القرآن العظيم.
  • وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات.
  • وأخفى ليلة القدر في العشر الأواخر.
  • وأخفى ساعة الإجابة يوم الجمعة.
  • وأخفى ساعة الإجابة في الثلث الأخير من الليل.
  • وأخفى أولياء الله في عموم الناس لكي تحترم الناس جميعًا وتعتبر كلهم أفضل منك، فلعل هذا يكون وليًا من أولياء الله الذين تتعاملون معهم.
  • وأخفى الكبائر في سائر الذنوب عشان ما تعملش ولا ذنب، مايمكن الذنب اللى انت مستخف بيه دا يكون كبيرة عند الله، يمكن اللى انت بتعمله دا يؤدى الى أذية لا تعلم مداها، انت فاكر انها أذية مختصة بيك كدا أو حواليك، قوم تيجى يوم القيامة يتضح اللى انت عملته دا سنة سيئة قلدك فيها الاف الناس، واخد بالك وتكون شفاعة سيئة ولك كفل منها، قلناها قبل ذلك أم لا.

الدعاء بالاسم الأعظم وأهمية الدعاء بخيري الدنيا والآخرة

لم نقل، لم نقل أول مرة. نعم طيب.

اخفى ثمانية في ثمانية من أجل التشويق:

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

فيهم بسم الله الأعظم. إذا ندعو بالكل، ساعة الإجابة في يوم الجمعة من الفجر حتى المغرب، لا تجلس إذا كنت صاحب شيء كما كان يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فدعا بعد ذلك، يقول لك أي عندما يمن الله عليك باسمه الأعظم لا تدع في الدنيا كلها وانتبه، يدعو في الدنيا:

﴿وَمَا لَهُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ﴾ [البقرة: 200]

ومنهم من يقول:

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]

يعني ولا تنس نصيبك من الدنيا، لكن في الوقت نفسه لا تنس الآخرة أيضًا، أو تؤجلها للآخرة على الدوام.

لو أعطاك الله الاسم الأعظم ماذا ستفعل به وأنواع الدنيا

الله أعلم لو أعطاكم الاسم الأعظم ماذا ستفعلون به؟ يا رب أعطنا سيارات وثلاجات وسخانات وأنجحنا في الامتحانات واجعلنا من الأوائل. كل هذه دنيا، منها دنيا محمودة ومنها دنيا محايدة ومنها دنيا مذمومة.

فرأى الخضر، يبقى اسمه الخضر أم الخضر؟ والخضر منسوب إليه أنه هو الذي قابل موسى كما في سورة الكهف.

والخضر ذهب المحدثون إلى القول بحياته وأنه استُثني من أهل الخير كما استُثني إبليس من أهل الشر. انظروا يؤصلون وهم يقولون: يقول لك هل هناك مانع شرعي من أن يعيش على الدوام؟ طالما أن إبليس عاش على الدوام، طالما أنه لا يوجد مانع شرعي، إذا لم يكن هناك منع شرعي وهناك أحاديث أن الخضر قد حضر في وفاة النبي وصلى عليه.

اختلاف العلماء في حياة الخضر بين المحدثين والفقهاء والصوفية

نعم يقولون بأنه حي وما زال حيًا، يستدلون بأنه كان حيًا من عهد موسى إلى اليوم إلى يوم. ويذهب هذا المذهب ابن حجر العسقلاني وتقرأ كلامه في الإصابة؛ لأنه عدَّ الخضر من الصحابة وله بحث هناك طويل ناقش فيه الأدلة ومال ميلًا إلى أنه ما زال حيًا، وهو موضع خلاف بين العلماء.

يميل المحدثون إلى حياته، ويميل الفقهاء إلى وفاته، والصوفية مجمعون على حياته؛ أي أن المحدثين يميلون حياته ومنهم من ينكر، والفقهاء يميلون إلى مماته ومنهم من يقر. أما الصوفية فقد أجمعوا، ما عرفنا واحدًا صوفيًا يقول إن الخضر مات، يعني ذهبوا مذهب المحدثين.

الخلود المنفي في الآية هو البقاء الظاهر لا الخفي

أنا لست أسمع هو. العام المراد به الخاص، القضية هنا هي خلود البقاء الظاهر، وهذا خلود بقاء خفي. يعني الخضر هذا نحن نقول بعضنا يقول حي وبعضنا يقول لا ليس بحي، إذا هو ليس ظاهرًا.

الخلود المنفي في الآية هو الخلود الظاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو أنه كان باقيًا لكان ظاهرًا يتردد عليه الناس فيسألونه: ركوب الطائرة حلال أم حرام؟ عمل الإسفلت في الشارع حلال أم حرام؟ نعمل أحزابًا ولا ما نعمل أحزابًا؟ وهكذا.

﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: 34]

نحن ما جعلنا يا محمد قبلك خلودًا لأحد من الناس على هذه الطريقة. ولكن جعلنا حتى في طائفة الجن إن إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه، من يكون له البقاء ولكن ليس له ظهور.

فهناك خالد له ظهور وهناك خالد له خفاء، فالخضر من قبيل البقاء الخفي وليس البقاء الظاهر.

الإجابة على اعتراض حديث لا تبقى نفس منفوسة بعد مائة عام

حسنًا، فهذه هي الإجابة. اعترضوا أيضًا وقالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبقى نفس منفوسة بعد مائة عام».

فقالوا: هذا من قبيل العام الذي أريد به الخاص؛ لأنه واحد فقط لا يكون قادحًا في السنة الكونية أيضًا مع خفائه. فلا تبقى نفس منفوسة من أصحابه الظاهرين المعلومين المقطوع بهم الذين يراهم الناس، وكذلك إلى. ولكن يجوز أن يكون أحد في الخفاء هكذا لا يراه إلا بعضهم، أن يكون حيًا لا يرد هذا العقل ولا يرد هذا الشرع.

وهكذا بينهم جدال في هذا. فرأى الخضر، رأوا هذا ليس خرافة عقلية بل هذا إمكان عقلي وشرعي، وما دام في إمكان عقلي وشرعي فيجب أن نسكت. فأنت غير مقتنع أن الخضر موجود لا يحدث له شيء، لا يقدح في دينك ولا في تقواك.

وجود الخضر مقبول عقلًا وشرعًا ولا يضر الإيمان إنكاره أو قبوله

وعندما الله سبحانه وتعالى يريد أن يريك إياه فسوف يريك إياه، وحينها تغير رأيك أم لا تغير وتموت هكذا أم لا تموت أقصد؟ ألا تغير رأيك أم لا تغير رأيك؟

إن شاء الله ما غيرت له من العقائد المستقرة أو من المعايير التي نصنف بها الناس ولا شيء من هذا القبيل. ولكن وجودها في هذه الكتب:

  • أولًا هي مقبولة عقلًا.
  • ثانيًا هي مقبولة شرعًا.
  • لا يترتب عليها ضرر، انتهى قبلناها.

أنت لست مقتنعًا بها أنت حر، لا ينقص ذلك منك شيئًا. لا بل أيضًا هو يعلمك بحيث أنه ممن من الله عليه والتقى به وتعلم منه كما تعلم منه سيدنا موسى عليه السلام. ما من بد من اللقاء، ما أكثر البشر الذين لم يلتقوا به. هذا الذي التقى به واحد أو اثنان أو ثلاثة أو أربعة في كل عصر.

الإيمان بالغيب ليس خرافة والعقل المؤمن لا يرفضه

أنتم تريدون أن نلتقي به ونعرفه ونقتنع كذلك أن هذا هو، إنما هي كلها محاولة لهدم العقل المؤمن بالغيب.

هذه خرافة؟ لا ليست خرافة ولا يأباها العقل، ولا مقررات الشرع، ولا التجربة البشرية تأباها. وليس في هذا خرافة، الخرافة أن تتقول وأن تنشئ معلومات خاطئة ضارة لا علاقة لها بالواقع ضد الشرع أو ضد العقل.

وليس في هذا شيء إلا أنك لم تجربه، لم يكن لك في وجدانك منه شيء، وهذا ليس كافيًا لإنكاره.

فرأى الخضر عليه السلام وقال [له]: وإنما علمك أخي داود اسم الله الأعظم، أي أنك تعرف من هو الراعي الذي كنت معه الآن، هذا سيدنا داود. يقول له هكذا الخضر يقول له هذا الكلام: هذا سيدنا داود الذي علمك هكذا.

هل يمكن أن يعيش الإنسان بعد موته؟ أدلة من الكتاب والسنة

فهل يمكن أن يعيش الإنسان بعد موته؟ الكتاب والسنة.

أما الكتاب فإنه تحدث عن أهل الكهف وهم ليسوا بأنبياء وأنه قد أيقظهم الله سبحانه وتعالى بعد مماتهم ورد إليهم أرواحهم. وتكلم أيضًا عن عزير وهو نبي، أن هذا يحدث.

سيدنا عيسى لم يمت، سيدنا عيسى رُفع وسينزل بجسده العنصري في آخر الزمان على عقيدة أهل السنة والجماعة كما يقول أحمد بن حنبل عند المنارة الشرقية ببيت المقدس. أكثر من أربعين حديثًا يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عيسى رُفع بجسده وأنه ينزل في آخر الزمان ويحل المشكلة التي بيننا وبين الخلق، ويرونه ليس إلهًا ولا ابن إله ولا شيء من هذا القبيل.

كتاب ابن أبي الدنيا فيمن عاش بعد الموت وأدلة النطق في المهد

لكن هل يجوز للميت أن يعيش بعد ذلك؟ فألَّف الحافظ ابن أبي الدنيا كتابًا مفردًا يتتبع فيه الأحاديث الواردة في كتاب من عاش بعد الموت وهو مطبوع تحت هذا العنوان للحافظ ابن أبي الدنيا: من عاش بعد الموت - من مات ثم أُحيي - وهو صحيح، وأورد فيه الأحاديث بأسانيدها. ولذلك فهو معدود من كتب الأصول التي فيها الأسانيد التي عليها مدار التصحيح والتضعيف.

من عاش بعد الموت بمن نطق في المهد، فمن نطق في المهد عشرة منهم سيدنا عيسى، ومنهم صاحب جريج، ومنهم صاحب الأخدود، ومنهم ومنهم وهكذا عشرة. وواردٌ أنه ينطق في المهد، واردٌ في أيه مالك.

هذه هي القضية، هذا هو الغرض النهائي.

خطر الإعلام العلماني في بناء عقلية ترفض الغيب والمنقول

إذا هذا الآن في الصحافة وفي الإعلام وفي كذلك ينشئ لك عقلية أخرى ترفض بها الغيب وترفض بها المعقول وترفض بها المنقول.

ولكن يجب عليك أن تحافظ على الفكر المستقيم.

وبعد ذلك واحد يقول: صحبت إبراهيم بن أدهم فقلت: أخبرني عن بدء أمرك. فذكر هذا الذي مضى. وكان إبراهيم كبير الشأن في باب الورع، يُحكى عنه أنه قال: أطب مطعمك ولا حرج عليك إلا تقوم الليل.

أنا أريد أن أسير في طريق الله أكون صافيًا ومستجاب الدعوة، آكل أي شيء ولا أطيب المطعم في المصدر وفي الذات؟ ابتعد عن الخنزير والخمر والميتة، وأيضًا ابتعد عن الرشوة والسرقة والغصب. طب مطعمك تكن مستجاب الدعاء.

دعاء إبراهيم بن أدهم الدائم وزهده في الطعام الغالي

ولا أقوم الليل. قال: لا، أطب مطعمك ولا يضرك بعد أن تذهب لتنام الليل ولا تقوم منه شيء ولا تصوم النهار. لا تقوم الليل ولا تصوم النهار.

وقيل كان عامة دعائه أكثر شيء يدعو به، يدعو به تمامًا هكذا. الواحد يستريح لدعوة معينة ويكررها:

اللهم انقلني من ذل المعصية إلى عز الطاعة

يعني أن المذنب مذلول والطاعة فيها نوع من أنواع العز.

وقيل لإبراهيم أن اللحم قد غلا فأصبح بخمسين جنيهًا، فقال: ارخصوه لا تشتروه، موعدنا الجنة. يعني لا نأكل غاليًا في الدنيا، أي لا تشتروه.

وأنشد في ذلك:

وإذا غلا شيء علي تركته

في الدنيا الذي في اليد ليس في القلب، ولكن الذي في القلب يبقى في حزن وبكاء وشكوى وتبرم وعدم رضا. أما لو كانت في اليد فلا أتأثر، لا أحزن على المفقود ولا أفرح بالموجود.

الزهد الحقيقي هو إخراج الدنيا من القلب لا من اليد

وإذا غلا شيء علي تركته، فيكون أرخص ما يكون إذا غلا. لما يغلو فقد أصبح هذا رخيصًا جدًا. لماذا؟ لست أريده، لا لست بحاجة إليه لكي أدفع فيه.

وعن أحمد بن خدروية - أحمد بن خدروية هكذا ينطقها المحدثون: خدروية، راهوية، سيبوية، إسحاق بن راهوية، محدثون ينطقونها هذه الكيفية ويقولون: سيبويا، نفطويا، حربويا وهكذا. ولا يقولون: حربويه، سيبويه، نفطويه، خضروي. المحدثون ويقولون أن ويه اسم شيطان، أفاده أبو رشيد في فوائد رحلته من رشيد.

هذا جميل جدًا ستتعرف عليه إن شاء الله. ملء العيبة فيما حدث في الغيبة اسم الرحلة هكذا، سبعة مجلدات ثمانية مجلدات، فكان يجمع فيها الفوائد التي يسمعها من العلماء وهو في رحلته. ملء العيبة فيما حدث في الغيبة، غاب عن وطنه أي رحل، رحلة تسمى رحلة ابن رشيد مطبوع منه ثلاثة أو أربعة أجزاء وليس مطبوعًا كله.

قول أحمد بن خدروية لنفطويه وقصة الشيخ مع المريد والسنارة

فعندما ماذا يقول أحمد بن خضرويه؟ يقول له: هذا أصبح خضروي نفطويه. يا نفطويه، نصف اسمه حريق عليه ونصف اسمه عويل عليه، نفطويه لأنه سرق منه. وهذا ابن دريد بقرة مليئة عينًا وشرًا، يدعي أنه ألف كتاب الجمهرة، إلا أنه كتاب العين ولكنه قد غيره. فكانوا يشتمون بعضهم فقط ولكننا لا نشتمهم، أي اتركوا ذلك.

هكذا هو مرة سألنا سيدنا الشيخ الحافظ كان محدثًا، قلنا له في حديث يقول: تكبروا على أهل الكبر فإن الكبر عليهم صدقة. فأجاب وقال: لا نتكبر ولا شيء، لا نتكبر ولا شيء. أي ما هو بحديث ولا شيء. تكبروا على أهل الكبر؟ طيب، ما أنت تصبح مثلهم. أما هم يتكبرون فتكبر، هم أحرار. أنت لا تتكبر لا عليهم ولا على غيرهم؛ لأن الكبر في ذاته مصيبة، فكيف نأمرك بمصيبة لتداوي بها مصيبة؟ لا ينفع انتبه.

أهل الطريق يوثقون الحديث ويفهمون بنور من الله

يبقى هؤلاء الناس أيضًا يوثقون الحديث ويبحثون عن الأسانيد، ولكنهم يفهمون بنور من الله وفتح منه سبحانه وتعالى.

يقول: قال إبراهيم بن أدهم لرجل في الطواف - يطوفون حول البيت، طواف حول البيت يمكن أن تطوف طواف تحية، والتحية هذه تكون أنت ترتدي ملابسك عاديًا كلما تدخل البيت تحيته تطوف -:

اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجتاز ست عقبات في ست امتحانات، ست مستويات يجب أن تجتازها هكذا:

  1. أولاها: تغلق باب النعمة وتفتح باب الشدة، فهو زاهد إذن، أي لا تكن مترفًا، اشدد قليلًا على نفسك.
  2. والثانية: تغلق باب العز وتفتح باب الذل، الكبر والوجاهة هكذا وتمشي تتصرف مثل ديك الرومي، ابق هكذا وسط الناس التقي الخفي.
  3. والثالثة: أغلق باب الراحة وافتح باب الجهد، قاوم نفسك وقم بالليل، قاوم نفسك واقرأ القرآن، قاوم نفسك وحافظ على الصلوات، قاوم نفسك واستمر في ذكر الله، قاوم نفسك وسامح.

بقية العقبات الست وكظم الغيظ والعفو عن الناس

قاوم نفسك متعب، لا تريد أن تسامح، يريد أن يأخذ بالثأر، ربنا يريني فيك يومًا ترى الكلام، ربنا يريني فيك. يعني عيني حزين يقول ماذا هناك:

﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134]

ابتلعها، لا تغضب ولك الجنة:

﴿وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]

انظر ما تجرع المؤمن جرعة خير من جرعة غيظ يتجرعها، انظر يعني ابتلعها بالعافية. ما هذا يريد جهدًا وهذا.

  1. والرابعة: تغلق باب النوم وتفتح باب السهر.
  2. والخامسة: تغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر. الغنى بالله ليس غنى المال، معك ملايين أولادك لكن مفتقر إلى الله، لكنك تخاف الله فأنت فقير إلى الله. لكن ما معك شيء وقلبك مشتاق لكل الدنيا فإذن ما أنت لست مستغنيًا بالله.
  3. والسادسة: تغلق باب الأمان وتفتح باب الاستعداد للموت، فلا داعي لأن تتمسك بها هكذا.

ثم يُلقى في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت.

قصة الشيخ والمريد والسنارة ومعنى الغنى الحقيقي بالله

وضربوا لذلك مثلًا: كان هناك رجل مريد لشيخ، هذا الشيخ اعتزل وجلس على نهر النيل ومعه صنارة يصطاد بها السمك. فقال له: يا مولانا ننزل إلى المدينة ألست تريد شيئًا؟ قال له: خذ هذا العنوان له فيه أخ لي والله ما رأيته منذ زمان، اذهب إليه عليه وتقول له إن فلانًا يسلم عليك.

عطش فذهب فوجده في الصيد الذي كنا نقول إنه من فعل الملوك، هذا صيد. جلس حتى يأتي وهو معه حشم وخدم وهيئة وراكب فرس. جاء سيدنا الشيخ يسلم على حضرتك ويقول لك يعني كذا. فقال له: أما آن فله أن يتوب وأن يخرج الدنيا من قلبه.

فقد غضب الولد غضبًا، فقالوا: أي دنيا؟ معه سنارة وينتظر السمكة وأنت هذه البذخ وهذا القصر وهكذا إلى آخره. وبعد ذلك أليس من العيب أن تقول لي أذهب وأقول له يخرج الدنيا؟ أي دنيا التي يخرجها من قلبه؟

بكاء الشيخ واعترافه بأن الدنيا في قلبه لا في يده

فلما وصل إلى شيخه قال له: هل ألقيت السلام على أخي؟ قال له: نعم أخوك. قال له: لماذا هكذا؟ قال له: يقول لي كلامًا غريبًا ولا أستطيع أن أقوله. قال: لا قله. يقول لك: قل لشيخك أن يخرج الدنيا من قلبه.

فبكى وقال له: الحق، فأنا طوال النهار خائف أن لا تخرج السمكة وخائف أن تخرج صغيرة وخائف أن تخرج كيف سأشويها.

وهو لو احترق هذا القصر لا يتأثر قليلًا، ولو خرج من ماله ما اهتز أبدًا ولا حمل همًا ولا يعني متوكلًا هكذا هو. إذا الأمور ليست بالمادة.

غني لا، هذا الغنى الذي هو الغنى عن الناس والغنى بالله، والفقر هو الافتقار إلى الله. فإذا افتقرت إلى غيره فأنت لم تنجح في هذه الامتحانات.

والسادسة تغلق باب الأمان وتفتح باب الاستعداد للموت، فلا داعي لأن تتمسك بها هكذا. ثم يُلقى في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت. هذا ما يقوله سيدنا، وهؤلاء يترجمونه إلى واقع.

برنامج التربية الصوفية مقيد بالكتاب والسنة وقلة الأنام

كيف تعمل برنامج عملك؟ إنما كله مقيد بالكتاب والسنة، غير أن يقول لك هؤلاء ستة، فيقول لك أربعة:

  1. قلة المنام
  2. وقلة الكلام
  3. وقلة الطعام
  4. وقلة الأنام

والأنام هم الناس، أي كف نفسك.