الكفر - العرش | الرسالة القشيرية | المجلس الرابع | أ.د علي جمعة - الرسالة القشيرية, تصوف

الكفر - العرش | الرسالة القشيرية | المجلس الرابع | أ.د علي جمعة

46 دقيقة
  • عقيدة أهل الإسلام أن الإنسان ليس قائماً بذاته بل قائم بالله، فلو قطع الله عنه مدد الاستمرار لفني.
  • هذا الإدراك يساعد على دوام ذكر الله والتواضع وشكره على نعمة التوفيق للطاعة.
  • يجب فهم النصوص الدينية بعمق واستيعاب معانيها وحملها على أحسن المحامل.
  • الاستواء في قوله تعالى "الرحمن على العرش استوى" له معانٍ متعددة في اللغة منها الاستيلاء والقهر.
  • العقل يدل على أن الله منزه عن المكان والزمان، وليس كمثله شيء.
  • الإمام مالك قال: "الاستواء معلوم والكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة".
  • العقل قد يصدق بشيء لا يستطيع تصوره، فالتصديق شيء والتصور شيء آخر.
  • من توهم أن الله بذاته دنا في قوله "ثم دنا فتدلى" فقد جعل بينه وبين الله مسافة.
  • يجب فهم لغة العرب بما فيها من حقيقة ومجاز لفهم النصوص الشرعية فهماً صحيحاً.
محتويات الفيديو(47 أقسام)

مقدمة الدرس وسند رواية ذي النون المصري عن صدق التوحيد والدعاء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

قال المصنف رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين. حسنًا، لديكم: سمعت محمد بن الحسين رحمه الله يقول: سمعت عبد الواحد بن علي يقول: سمعت القاسم بن القاسم يقول: سمعت محمد بن موسى الواسطي يقول: سمعت محمد بن الحسين الجوهري يقول: سمعت ذا النون المصري يقول وقد جاءه رجل فقال: ادعُ الله لي، فقال:

«إن كنت قد أُيِّدت في علم الغيب بصدق التوحيد، فكم من دعوة مجابة قد سبقت لك، وإلا فإن النداء لا ينقذ الغرقى»

هل عندكم هذا النص أم لا؟ في أي صفحة؟ جيدًا.

تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله وأن الأمر كله لله خلقًا وبقاءً

كم يعني، نحن لدينا معنى هذا النص هو تفسير «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ أن الأمر كله لله خلقًا، ولله بقاءً. فالله سبحانه وتعالى قد أنشأنا من العدم، وبقاؤنا أيضًا قائم به.

وهذه من أهم النقاط التي لا يفهمها كثير من الناس، فتختلط عليهم عبارات أهل الله. نحن الآن لسنا قائمين بذاتنا، بل إننا نقوم به سبحانه وتعالى، بمعنى أن هناك مددًا من الله مستمرًا، فلو أوكلنا لأنفسنا طرفة عين لفنينا.

الفرق بين الموت والفناء وأن بقاء الكائنات بمدد الله المستمر

وليس متنا؛ الموت يعني أن الجسد يخرج منه الروح والجسد باقٍ، فنذهب لنغسله ونكفنه ثم نقوم بدفنه، وذلك بعد أن نصلي عليه، وهي الأشياء التي نعملها [من] واجبات للميت. إذا أنت لم تفنَ هكذا، هذا [يعني] أنك لا تزال مستمرًا، ولكن انتقلت من حال إلى حال، أو من حياة إلى موت.

لكن الله لو قطع عنك إمداد الاستمرار تفنى. مثل التلفاز عندما تطفئه هكذا فتذهب الصورة، وكمثال الفيلم عندما نغلق آلته فتذهب الصورة والصوت التي على الشاشة تنتهي. فتذهب الأكوان هذه كلها إذا سحب الله منها مدد الاستمرار، أي أنها كأنها تحتاج إليه في كل لحظة، وكل الأشياء التي اكتشفوها حديثًا هذه في جزء من الثانية، جزء من الثانية، أي شيء قليل جدًا.

عقيدة أهل الإسلام في عدم قيام المخلوقات بذاتها والرد على العلمانيين

نعم، هذه هي عقيدة أهل الإسلام، وهي أننا لسنا قائمين بذاتنا. نخالف بذلك عقائد علمانية تقول: أبدًا، الله إذا كان هناك الله وخلقنا وانتهينا، ونحن مستمرون بأنفسنا هكذا. لا، نحن لسنا مستمرين بأنفسنا، ولا يصلح أن نقوم بذاتنا.

إذا فهم الإنسان هذا، غالبًا يخشع لله، غالبًا لا تصدر منه معصية، غالبًا لو فهم هذه النقطة أنه سوف يفنى إذا قطع الله عنه استمرار البقاء، وأنه سيختفي سيفنى، فإنه يكون على ذكر دائم لله.

أثر إدراك الافتقار إلى الله في دوام الذكر والعبادة

إذن، هذا التصور وهذه العقيدة وهذا الإدراك يساعد على أن تعيش في ذكر الله.

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

قال رسول الله ﷺ: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

ذكرٌ على الدوام.

قول الواسطي في دعوى فرعون الربوبية على الكشف ودعوى المعتزلة على الستر

إذن كان في أمثال هذا، قال الواسطي: ادَّعى فرعون الربوبية على الكشف، وادَّعت المعتزلة على الستر، تقول ما شئت فعلت.

ادَّعى فرعون الألوهية على الكشف، فقام إخواننا الذين هم ضد التصوف وقالوا: انظروا إنهم يقولون إن فرعون من أولياء الله تعالى، لأنه قد حدث له كشف، وهم يقولون إن الكشف هذا يحدث للأولياء! إن عندهم عجزًا حتى في القراءة، وعجزًا في الفهم، وكذلك لقد عجزوا عن بناء الكلام بعضه على بعض.

قصة الطالب الذي أخطأ في فهم صيغة قيل وأنها ليست للتضعيف فقط

كان هناك واحد من بلداء الطلبة، ونحن نقول «قيل» تكون للتضعيف، ونحن نشرح هكذا في المتن: «قيل» للتضعيف. لم يكمل علمه؛ إن «قيل» ليست للتضعيف فقط في لغة العرب، بل لأجل ثلاثة معانٍ:

إن «قيل» قد تُستعمل للتضعيف لأنها صيغة تمريض، صيغة فيها بناء المجهول. و«قيل» قد يكون هذا القول قويًا، لكننا نجهل قائله؛ من الذي قاله؟ إذن فإنها من الممكن أن تكون للتضعيف فيرجع الضعف إلى نفس القول، ومن الممكن أن تكون لجهل القائل وإن كان القول قويًا. وممكن أن تكون في معرض الرد؛ فإذا قلت «قيل» هذه «قيل» خاصة بي أنا، إنها تصبح قوية، إذن لأن أنا الذي أرد على الخصم.

خطأ من فهم قيل للتضعيف فطبقها على القرآن الكريم وسبب ذلك التحيز

عرف شيئًا وغابت عنه أشياء، عرفت شيئًا وغابت عنك أشياء. وعندما أراد أن يقرأ القرآن، ماذا قيل في القرآن يا شيخ جمال؟ «قيل»، نعم.

﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزمر: 73]

﴿ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: 1]

قال: نعم، إن «قيل» للتضعيف هنا! ألاحظتم الخلط عنده؟ لقد فهم إن «قيل» في عقله للتضعيف، فعندما قرأ القرآن فسَّرها للتضعيف. هذا لا يصح.

هكذا يحدث هذا كثيرًا في قراءة النصوص، حتى من كبارهم. لماذا يحدث ذلك؟ إنه بسبب تحيُّز في القلوب. لقد أغلق الله عليه، ولقد كان الشيخ صالح الجعفري يقول: أغلقوا على أنفسهم الباب، لأنهم غير راضين أن يتعلموا.

المقصود بالكشف في كلام الواسطي عن فرعون وأنه يعني العلانية لا الولاية

فهنا يقول [الواسطي]: ادَّعى فرعون الربوبية على الكشف. فقام صاحبنا الجاهل فقال: إذن إن هؤلاء يؤيدون فرعون، يؤيدون فرعون لأنهم يصفوه — يزعم — أنه من أولياء الله لأن عنده كشفًا.

لا، المقصود هنا بالكشف أي صراحةً، بالصريح الواضح. ادَّعى فرعون الربوبية علنًا مكشوفًا وغير مكسوف، قالها هكذا علانية.

وادَّعت المعتزلة نفس القضية هذه — الربوبية — أيضًا، ولكن في الستر بالتلفيف والمراوغة. شخص أظهر رأيه وهو رأي كفر وفساد، لكن أظهر رأيه، فهل يكون شجاعًا؟ شجاع في إظهار الرأي وليس في الكلام الذي قاله، فما قاله يجعله كافرًا ويستحق العقاب، فهذا مسكين.

عقيدة المعتزلة في خلق أفعال العباد مقابل عقيدة أهل السنة والجماعة

أما الثاني [المعتزلة] ظل يراوغ وقال نفس الكلام: ما شئت فعلت. خلق أفعال العباد لك أنت؛ فهل أنت الذي خلقت فعل نفسك؟ فإذا كنت خلقت فعل نفسك فكأنك تقول: أنا رب خالق، لأنني أعمل فعل نفسي. ويأتي منها الكبر.

أما الثاني — عقيدة أهل السنة والجماعة — فهو أن الله قد خلق فعلك، وبخلقه لفعلك فأنت متواضع. كلما صليت لا تتفاخر بصلاتك، لأن الله هو الذي أكرمك ووفقك. ولذلك هناك شيء يسمى التوفيق وهناك شيء يسمى الخذلان، والتوفيق خلق قدرة الطاعة.

فلماذا تتباهى وتتكبر علينا؟ لا تتباهَ لا علينا ولا على نفسك، لأن هذا من عند الله، حتى الصلاة من عند الله.

الشكر المتسلسل على نعم الله وكيفية الخروج من دائرة الشكر اللانهائية

أتعلم ماذا يجب أن تفعل؟ إن هذا سيستوجب الشكر منك، لأنها منة وعطية من ربنا. لذلك بعد أن تصلي تريد أن تشكره، فإذا شكرت فقد فعلت، والفعل من خلقه سبحانه، فتصبح منة جديدة، فيجب أن تشكر على أنك شكرته، على أنه وفقك لأن تشكره. فالشكر الثاني هذا يحتاج إلى شكر ثالث، والثالث يحتاج إلى شكر رابع.

حسنًا، وماذا بعد؟ ما نحن لو ظللنا بهذا الشكل، فإننا حتى سنخرج عن التكاليف التي أمرنا الله بها، من عمارة الدنيا والجهاد في سبيل الله ومن فعل الخيرات ومن كذا وكذا.

دعاء الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده وتفسيره

فلنسمع إلى الوارد الذي يعلمك كيف تخرج منها [من دائرة الشكر اللانهائية]، وكيف تخاطب ربك أيضًا. إنه من التوفيق أن تعرف كيف تخاطب ربك وتدعوه وتحمده، فيقول:

«الحمد لله حمدًا يكافئ نعمه أو يقابل نعمه ويكافئ مزيده»

أتعرفون هذا الدعاء؟ الذي قال فيه: الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. يوافي نعمه فسيشمل فيها نفس ما قلته الآن، ويكافئ مزيده أي حمد ممتد بعد هذا الحمد ويستمر ويزداد.

لماذا لا بد أن يستمر ويزداد؟ لأنك أنت دائمًا في حالة تقصير مع ربك، حيث إنه هو الذي أنعم عليك بالطاعة.

ثمرة عقيدة الافتقار إلى الله من التواضع والحب والشكر

إذن، هذه العقيدة تؤدي إلى التواضع لله، وتؤدي إلى حب الله الذي يعطيك كل هذا، لأن المنعم يستحق الشكر وليس الكفران.

قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، أفلا أكون عبدًا شكورًا»

حتى لو أنه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكن هل يعني ذلك ألا أشكره؟ إذن هذا شعور بالخشوع والخضوع لله سبحانه وتعالى، والشعور بالمنة.

كل هذه المشاعر هي علاج للقلب. فانظر إلى الكلمات عندما تتأملها هكذا وتفسرها على وجهها، تجدها كلها تدعوك إلى [أن] يمكن أن تصبح عبدًا صالحًا.

التأني في قراءة عبارات أهل الله وحملها على أحسن المحامل

إذن أن نستفيد من هذا: عدم التعجل في قراءة عبارات الناس من أهل الله، وأن نحملها على أحسن المحامل، وأن نولِّد منها ما يجعلنا نسير في طريق الله سبحانه وتعالى سيرًا حثيثًا مستمرًا.

وأن نجعلها دائمًا كلمات تخرج من قلوب نقية وتصل إلى قلوب نقية. ولكن ليّ هذه الكلمات والانحراف بها عن المقصود هو الذي أدى ببعض مدَّعي التصوف إلى الانحراف، وهو الذي أدى ببعض أعداء التصوف إلى الانجراف.

إذن هناك انحراف وهناك انجراف، وهناك إفراطًا وتفريطًا، جاء من سوء فهم ومن سوء نية.

أثر النية في قراءة العبارات بين الجمال والتصيد والانتقاد

بحيث إنني أقرأ العبارة — عبارة جميلة — إذا أردت أن تكون جميلة، والعبارة ستكون سيئة إذا قرأتها بنية سيئة تريد انتقادها والرد عليها والتصيد لها وما إلى ذلك، مع نوع من أنواع الجهالة.

حسنًا، بعد فترة يقول: سمعت أبا علي الروزباري يقول: كل ما توهمه متوهم بالجهل أنه كذلك.

قول الروزباري في تنزيه الله عن التوهمات وأن كل ما يتوهمه الذهن فالله بخلافه

بأن الله سبحانه وتعالى كذلك، فالعقل يدل على أنه بخلاف ذلك؛ لأن العقل الإنساني عرف وتأكد بالدليل العقلي أنه:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]

وأن الرب ربٌّ وأن العبد عبدٌ، وأن هناك فارقًا بين المخلوق والخالق. إن هذا قام عليه الدليل العقلي، ولذلك فكل ما يتوهمه ذهنك فالله بخلافه متفرد.

سؤال ابن شاهين للجنيد عن معنى المعية وتفسيرها بالنصرة والعلم

وسأل ابن شاهين الجنيدَ — سيد الطائفة — عن معنى «مع»، فقال: «مع» على معنيين:

مع الأنبياء بالنصرة والكلاءة بمعنى والمدد:

﴿إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [طه: 46]

والحديث على سيدنا موسى وهارون.

ومع العامة بالعلم وبالإحاطة:

﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: 7]

أي معهم [بعلمه وإحاطته]. فقال ابن شاهين: مثلك يصلح أن يكون دليلًا للأمة على الله، أي أن كلامك جميل لأنك تدل هذه الأمة على الله.

مناقشة نحوية حول كلمة مع هل هي ظرف أم حرف جر

«مع» من أي نوع من أنواع الكلام؟ أهي حرف؟ أم اسم؟ أو فعل؟ طالب من الحضور: حرف. ظرف؟ حرف أم ظرف؟ أم حرف؟ ماذا؟

ما الذي يأتي بعد «مع»؟ قل يا مولانا أنت، يا ملتحي مثل لحيتي هكذا، قل: هي ظرف؟ وما حكم ما بعدها؟ أيكون مرفوعًا أم مجرورًا أم ماذا؟ لا يوجد، لا يوجد. لماذا مجرور؟ لأنها حرف!

يا للأسف، يا للخسارة على طلاب السنة الأولى الجامعية في الأزهر، لا يعرف «مع» ظرف أم حرف جر! أرأيتم إلى أي مدى وصلنا؟ ولكن الستر جميل، الستر جميل. ولكن ذاكروا يا أولاد، ذاكروا! حتى حروف الجر لا تعرفونها؟

الراجح عند جمهور النحاة أن مع ظرف وليست حرف جر مع الأدلة

«مع» هذه ظرف وليست حرف جر، ولكن على الراجح من كلام النحاة، أي أن هناك نحاة قالوا إنها حرف جر، ولكن هم الأقل.

لماذا قالوا عنها أنها ليست حرفًا؟ أقصد جماهير النحاة، فقد قالوا: «مع» ليست حرفًا، والذي بعدها مضاف إليه، إذن فهي تجر للإضافة وليس لأنها حرف جر. قالوا لظهور علامة الاسم فيها.

ألم نقل: بالجر والتنوين والندا وأل ومسند للاسم تمييز حصل؟ إذن الاسم له علامات، من بين هذه العلامات التنوين. ألا نقول: «جاءوا معًا سويًا»؟ أي أننا قمنا بتنوينها، وما دمنا قمنا بالتنوين فلا تكون حرفًا.

قاعدة أن الحرف ما ليس له علامة وتطبيقها على كلمة مع

فهل نقول «عنًا» أو «إليًا» [بإضافة التنوين]؟ لا نقول؟ لا يصح، لأن الحرف وكل ما ليس له علامة. الحرف ما ليس له علامة، وقس على ذاك تكن علامة.

من القائل؟ أين هو؟ حسنًا، الحريري في كتاب [ملحة الإعراب]: وكل ما ليس له علامة، والحرف ما ليس له علامة، وقس على ذاك تكن علامة.

ولذلك ابن مالك قال: سواهما الحرف كهل وفي ولم. ولذلك فإن الحروف ليس لها علامة. إن الاسم له علامات — ابن مالك ذكر منها خمسًا وهم ثلاثة عشر — والفعل له علامات، الحرف ليس له علامة. فلو حاولت أن تجرب فيه العلامات، فحين لا تجد فيها شيئًا، فيكون حرفًا.

إذن «مع» الراجح أنها ظرف.

مزحة الشيخ حول البحث عمن قال إن مع حرف جر ونصيحة بالبحث عند ابن الحاجب

أما لو قلت لي من الذي قال إنها حرف فيكون هناك مائة جنيه على الفور، لكن لا، لن أعطيكم مائة جنيه حتى تبحثوا عنها.

وسُئل ذو النون المصري — أي تبحثونها وتخبروني في المرة القادمة. ابحثوا من الذي قال — لا، ليس السيوطي! لقد قال لك: عندما لا تعرف الحديث قل أخرجه أحمد! لأن أحمد [بن حنبل] أخرج ثلاثون ألف حديث، فمن الذي سيذهب ويراجعهم ليتأكد؟

وأيضًا أيضًا على المسانيد هذه، ولكن طبعًا الآن أصبح هناك حاسوب خاص يجيب على الفور. ولكن قديمًا كان يقول لك: إذا كنت في مأزق قل أخرجه أحمد بن حنبل، ومن الممكن بل بنسبة ثمانين في المائة تجده في مسند أحمد بن حنبل. هذه تسمى تذاكيًا، هذا تذاكٍ وليس علمًا.

نصيحة الشيخ بالبحث في كتب ابن الحاجب وتوجيه الطلبة

السيوطي يا مولانا، والله العظيم، يا لهذا العمل! أنا سأقربها لك، وعليك أن تذهب وتبحث في كتب ابن الحاجب، ولكن ابحث في أي موضوع عند ابن الحاجب، هذا يكفيك.

تفسير ذي النون المصري لآية الاستواء بإثبات الذات ونفي المكان

وسُئل ذو النون المصري عن قوله تعالى:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

فقال: أثبت ذاته — الرحمن ذاته هو — ونفى مكانه. فهو موجود بذاته، لا يحتاج لمكان يتمكن فيه، ولا يحتاج إلى شيء يقوم به.

إن الأشياء موجودة بحكمة كما شاء سبحانه، أي إن العرش هذا موجود ومحيط بالأكوان، ولذلك هو على حكمة الله كما أراد وكما شاء.

تفسير الشبلي لآية الاستواء ومعاني استوى في لغة العرب

وسُئل الشبلي عن:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

فهي كلمة موهمة في اللغة أنه جلس — الرحمن على العرش استوى — ولكن «استوى» في لغة العرب لها خمسة عشر معنى، وهذا يسمى المشترك.

ومن ضمن معاني «استوى»: استولى وقهر. فإذا كان قد استولى وقهر — استوى — لقد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق، فاستوى بمعنى استولى.

وقد يتساءل أحدهم: هل المعنى هنا أن العرش كان سيأبى على الله؟ لا، بل أمر الله سبحانه وتعالى كان إبرازًا لجلاله وإظهارًا لعظمته سبحانه وتعالى.

معنى الطوع والكره في أمر الله للسماوات والأرض وإظهار جلاله

﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: 11]

هو يقول هكذا: ائتيا طوعًا أو كرهًا، بمعنى أنتم ستأتون، ولكن هناك إتيان بالطوع وهناك إتيان بالكره.

إن السماوات والأرض كلها تعتبر كحلقة في فلاة بالنسبة للعرش. إن العرش عظيم جدًا وأعظم من السماوات السبع والأراضين وأعظم من كل شيء.

فيقول الله: ائتيا طوعًا أو كرهًا، قالتا أتينا طائعين. فهل يمكن أن يتخلف أحدهم؟ نعم، يمكن أن يتخلف فيقهره الله سبحانه وتعالى. فلماذا يتخلف؟ بأمر الله، حتى يُظهر الله لباقي الكائنات أنه أخضع الكبير فيهم، فما بالهم بالصغير؟

﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ [غافر: 57]

أي إنكم أشياء بسيطة هكذا، ذرة في الكون.

معنى الاستيلاء بالقهر على العرش إظهارًا لجلال الله وقدرته

إذن إذا كان القهر واردًا إظهارًا لجلال الله، فلا يأتي أحد ليقول لك: هل من المعقول أن يبقى مستوليًا بالقهر على العرش؟ نعم، هذا إظهار لجلاله.

سكت العرش، قال له: تعال يا عرش، فسكت هكذا تلكَّأ، فيشده الله من حلقته إظهارًا لجلال الله، يجعله يتحرك وحده، فإنه إذا أراد شيئًا:

﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]

الفاء تعني على الفور وللتعقيب أيضًا. فهل يجوز أن ترفض الكائنات؟ لقد رفض إبليس، ألم يرفض إبليس؟ اسجدوا لآدم، هذا أمر.

رفض إبليس السجود لآدم واعتبار الاختيار في أمر الله

حتى مع قوله:

﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: 11]

لكنه جعل فيه اختيارًا.

﴿ٱسْجُدُوا لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]

أرأيت هذا؟ ولو أراد الله أن يُسجده لأسجده على الأرض مرة أخرى، إنما أراد شيئًا آخر وهو اعتبار الاختيار، اعتبار الاختيار. تفكروا في هذه العبارات.

تفسير الشبلي لآية الاستواء بأن الرحمن أزلي والعرش محدث

الشبلي [في تفسيره لآية الاستواء]:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

فقال: الرحمن لم يزل والعرش محدث. أين كان [الله] قبل أن يخلق العرش؟ لأنه لو كان هو يحتاج للعرش، فإن هذا العرش لا يزال موجودًا لأنه خلقه، فأين كان هو قبل أن يخلقه؟ هو الآن على ما عليه كان سبحانه وتعالى.

والعرش بالرحمن استوى، أي أن العرش — إذا قلت إن «استوى» هذه تعني بلغ نهاية كماله كما نقول إن الثمرة استوت — ما معنى استوت؟ أي بلغت نهاية كمالها. فإذا قلت هكذا فإن العرش هو الذي استوى [أي بلغ كماله بالرحمن]. هذا رأي الشبلي.

قول الإمام مالك في الاستواء وأن الكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة

أما مالك [بن أنس] فيقول: الاستواء معلوم — أي في اللغة — والكيف غير معقول.

أخرجه البيهقي. والكيف غير معقول، أي أنه لا يوجد كيف، والسؤال عنه بدعة.

وأراك رجل سوء، فاحملوه من أمامي. فحملوه مقيدًا وألقوه خارج المسجد. وكانوا يفعلون ذلك عندما كان أهل العلم متمكنين، كانوا يُخرجون [أهل البدع] من المسجد.

تفسير جعفر بن نصير لآية الاستواء بأن علم الله استوى بكل شيء

وسُئل جعفر بن نصير عن:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

فقال: استوى علمه بكل شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء.

إن هناك بعض الناس من المغفلين يقول: إن الذي فوق المنارة أقرب إلى الله ممن هو أسفل منها، أي إنك عندما تصعد إلى البرج تصبح قريبًا من ربنا! هذا جاهل، لقد جعل ربنا كأنه في مكان، بل وقام بقياس المكان.

لا، ليس كذلك، الله ليس كمثله شيء. مازال مصرًا أن الله شيء مثل المخلوقات؟ لا!

تنزيه الله عن الإدراك والتصور وأن كنهه سر لا يحيط به أحد

فما هو إذن؟ لا أعرف. من الذي لا يعرف؟ الأنبياء لا تعرف، ولا المرسلون، حتى الملائكة المقربون. هذا سر، لسنا قادرين على النظر إليه.

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ [الأنعام: 103]

وإن الله ليس شيئًا كالسحاب ولا النور، بل إنه شيء آخر. ولقد قلنا أن كل ما خطر في بالك فهو شيء آخر، فالله بخلاف ذلك.

ولذلك فإن لله قوانين أخرى، لا يصح أن تطبق عليه قوانين ما قد حُصرت فيه كإنسان من مكان وزمان وحال. فأنت لا تستطيع أن تتصور انتفاء الزمان — وسينتفي في الجنة — ولا تستطيع أن تتصور انتفاء المكان، والله كان قبل خلق المكان.

العقل يدل على ما لا يمكن تصوره ومثال ورقة البفرة في التصديق دون التصور

إنما العقل يدل عليه بدلائله، فالعقل أحيانًا يدلك على شيء لا تستطيع أن تتصوره، وفي نفس الوقت تصدقه بالعقل. وهذه معلومة مهمة جدًا في حياتكم: أن العقل يؤدي بك إلى اليقين، وذهنك لا يطيق أن يتحمل تصور ذلك.

سأبسطها لكم، سأضرب مثالًا بورقة بفرة — أتعرفون ورقة البفرة؟ التي كانوا يصنعون فيها الدخان قديمًا، أم لا يزالون يصنعونها؟

إذن ما حجم ورقة البفرة؟ إنها واحد على عشرة من المليمتر. عندما تأتي بمسطرة تجد عشر أوراق منها تساوي مليمترًا.

تجربة مضاعفة ورقة البفرة وتصاعد الأرقام بشكل مذهل

قم بتطبيقها هكذا، ستصبح اثنين من عشرة من المليمتر. طبقها مرة أخرى تصير أربعة، ثمانية، ستة عشر، اثنان وثلاثون من المليمتر.

أنت مازلت تطبق فيها، وكلما طبقت تتضاعف في اثنين، أي أربعة وستون، مائة ثمانية وعشرون. ها أكملوا هكذا: مائتان ستة وخمسون، خمسمائة واثنا عشر، ألفًا وأربعة وعشرين، ألفين وثمانية وأربعين.

كم طبقة من ورق البفرة الآن؟ عشرة، اثنان، أربعة، ثمانية، ستة عشر، اثنان وثلاثون، أربعة وستون، مائة وثمانية وعشرون، مائتان وستة وخمسون، خمسمائة واثنا عشر، ألفًا وأربعة وعشرين، عشرة آلاف وأربعة وعشرين.

هذه كم تساوي؟ ألف وأربعة وعشرون، أي عشرة سنتيمترات. ألم نقل أنها كانت واحد مليمتر هكذا؟ الآن عشرة سنتيمترات.

استمرار المضاعفة حتى تصل ورقة البفرة إلى المسافة بين الأرض والقمر

إذن طبِّق: تصبحان عشرين سنتيمترًا، أربعين سنتيمترًا، ثمانين سنتيمترًا، مائة وستين سنتيمترًا، — عفوًا — ثلاثمائة وعشرين سنتيمترًا، ستمائة وأربعين سنتيمترًا.

وأكمل هكذا حتى تأتي العشرة الثانية فالعشرة الثالثة فالعشرة الرابعة، فرقم ثمانية وأربعين — يعني العشرة الخامسة — تأتي منها ثمانية.

تخيل الآن ورقة البفرة كم يكون حجمها؟ كم حجم — قولوا: متر، مترين أم عشرة؟ كم متر في تصورك؟ المسافة بين الأرض والقمر تصنعها بالورقة! تخرج هكذا.

التصديق بالعقل والرياضيات لما لا يمكن تصوره وتطبيقه على معرفة الله

فتصدق لأن جدول الضرب لا يكذب، ثم تحاول أن تتصورها فلا تصدقها، لا تبدو غير منطقية.

إذن فيمكن للإنسان أن يصدق بقواعد الرياضيات ما لا يمكن أن يتصوره. فالتصور شيء والتصديق شيء آخر.

يقول [العلماء]: التصديق بالشيء فرع عن تصوره. لقد قالوا غالبًا — انتبه — لأنه يمكن أن تصدق بالشيء دون أن تتصوره. وضربوا لذلك مثالًا: أن أحدهم قد طرق على الباب بانتظام، فتعرف أن إنسانًا [يطرق]، لأنه في انتظام، ليس خدش قطة. لا، هذا فيه انتظام، فتعلم أن أحدًا في الخلف، لكن لا تتصور من هو.

الدلائل العقلية توصل إلى اليقين بوجود الله دون إحاطة بكنهه سبحانه

لكن تعرف بدلائل العقول وبالتجربة وبقرائن الالتزام والرتابة في الطرق على الباب، أن هناك إنسانًا وراء الباب هذا يطرق. تصدق ولكنك لا تعلم من هو.

يمكن للدلائل أن توصل بيقين دون تصور كامل وإحاطة. وهذا شأننا مع هذا العالم الذي يدل في كل شيء، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.

وبالرغم من ذلك فإننا لم نره، ولم نحط به علمًا، ولم ندرك كنهه سبحانه وتعالى. ولسنا في حاجة إلى ذلك، من حكمته سبحانه لكي يتم الاختبار ويتم الاختيار؛ فيكفر بالله أقوام، وآخرون يعبدون فيه شجرة وبقرة وحجرة ومدرة، وآخرون يهديهم بهدايتهم إليه سبحانه وتعالى، والأمر كله بيد الله.

التصوف مرتبط بالعقيدة وليس مجرد أخلاق عالمية مستقلة

عقائد! هل نحن نتكلم في تصوف أم في العقائد؟ ما هو التصوف مرتبط بالعقيدة، والتصوف ليس وحده هكذا مستقلًا ومعرفًا كأخلاق عالمية.

كما يقولون في الأخلاق العالمية: أن تكون مؤدبًا، وأن تكون مهذبًا، كذلك تكون رحيمًا، وتكون كما يقولون «جنتلمان» بمعنى رجلًا نبيلًا، أيضًا أن تتعاون مع جارك. كل هذا الكلام نحن نعمله وأكثر، ولكنه متصل بالعقيدة.

حديث أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز وشرح معناها

قال رسول الله ﷺ: «أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، من عمل بواحدة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها أدخله الله بها الجنة»

ما معنى منيحة العنز؟ بمعنى أن عندك عنزة — أي شاة — عندما تعيرها لجارك ليحتلبها ويأخذ اللبن منه، ويرد العنزة إليك في آخر النهار.

فماذا خسرت إذن؟ لا شيء. كم دفعت من جيبك؟ لا شيء. هل نقص من العنزة شيء؟ لا شيء. إن هذا لبن خلقه الله ما بين الدم والفرث، ويخرجه هكذا سائغًا للشاربين. شيء جميل، أنت لم تصنعه والعنزة لم ينقصها شيء.

بحث الصحابة عن الخصال الأربعين ومنها التبسم في وجه الأخ

فقوله عن منيحة العنز هذه، هناك أقل منها أربعون مرة. الحديث أخرجه البخاري. قال الصحابة: ما الأقل من منيحة العنز؟ فجلسوا يتداولون ما الذي أقل من منحة العنز، فوجدوا خمسة عشر شيئًا، ولم يستطيعوا أن يأتوا بالأربعين.

فجلسنا نتذاكر فما استطعنا إلا أن نجمع خمس عشرة خصلة. منها:

قال رسول الله ﷺ: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»

لم تبذل جهدًا، حركت عضلات فمك وفرَّجت شفتيك لتصل حتى أذنيك فقط لا غير. دع العبوس هذا والتجهم والتكشير، تكشر عن أنيابك! فأخذوها من هنا هكذا.

التبسم والوجه الطلق من أبسط الخصال الموجبة للجنة

أي المطلوب التبسم فقط هكذا.

قال رسول الله ﷺ: «ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»

فمادام التبسم شيء قد لا تقدر عليه، دع عنك تقطيب جبينك، أي أرخِ عضلات وجهك وتبسم بعينك هكذا فقط.

فإذا قال: لا، أي لا أستطيع أن أتبسم، إذن فكيف نساعدك؟ أنت لن تبذل جهدًا إطلاقًا، إن كل ما أقوله لك أن استرخِ فقط.

مثال آخر: التساهل في النقد، أي أن يعطيك ورقة نقدية فئة الربع جنيه مثلًا، فتقول: لا أريد هذه الورقة القديمة بل أريد ورقة جديدة. فلتبسط الأمور وتقبلها ثم تستبدلها من المصرف. إن هذه من الأربعين.

كتاب تمام المنة للغماري وجمع الخصال الموجبة للجنة من الأحاديث النبوية

وهكذا ألَّف الشيخ عبد الله الغماري كتابًا أسماه [تمام المنة في الخصال الموجبة للجنة]، ولقد حاول فيه أن يجمع كل شيء في الحديث النبوي الشريف.

فقد تركنا رسول الله ﷺ تركنا على المحجة البيضاء، إذن يجب أن يقول لنا هذه الخصال الأربعين. هكذا تجري الأمور، هكذا على سبيل المثال.

جمع الناس الخصال الموجبة لظل العرش:

قال رسول الله ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»

أي ظل العرش، فوجدوهم تسعين! نحفظ منهم سبعة.

شرح الموطأ للزرقاني وجمع تسعين صفة لأهل ظل العرش

عندما تقرأوا في [شرح الموطأ]، وشرح الموطأ ليس للشيخ الباجي — الزرقاني — لا، بل للشيخ الزرقاني صحيح، للشيخ الزرقاني، ستجدون فيه وعند باب الحديث جمع تسعين صفة من بقية الأحاديث.

كذلك:

قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»

ذكره الشيخ الأجهوري والشيخ السيوطي أيضًا — هذا يُنسب للسيوطي هنا — ذكر ثلاثة عشر من الأحاديث؛ لأن الثلاثة وجدوهم سبعة عند البيهقي:

«انقطع عمله إلا من سبعة، إذا مات ابن آدم ليس يجري عليه من خصال غير عشر: علوم بثها، ودعاء نجل، وحفر البئر، والصدقات تجري» إلى آخره.

تفسير جعفر الصادق لآية ثم دنا فتدلى ونفي المسافة عن الله تعالى

وقال جعفر الصادق في قوله تعالى:

﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾ [النجم: 8]

من توهم أنه بنفسه دنا، جعل «ثم» مسافة، أي جعل مسافات وكأن الله ينتقل. أي كالذي قال في تفسيره للحديث النبوي:

«ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير»

قال: ترك عرشه وانتقل! أمر مجنون، هذا جهل مطلق. والله لو لم نسمعها من هؤلاء ما صدقنا أن إنسانًا يقول بذلك، لكن أمرنا لله.

الرد على من يفسر النزول الإلهي بالانتقال المكاني وأن الأرض تدور

حسنًا، ترك [عرشه وانتقل]! ألم تنتبه أن الأرض تدور؟ ألم تنتبه إلى أن هذا الثلث الخاص بالليل يدور حول الأرض؟ أي أن ربنا — جل جلال الله — في ذهن هذا الجاهل يدور حول الأرض!

بما أنه قال أنه ينزل في ثلث الليل، ألم يكن أفضل أن تفسرها بأنه ينزل علمه وتنزل رحمته ويفتح باب الإجابة؟

لماذا هذا التفسير؟ قالوا: لأننا نأخذ باللفظ الذي أمامنا. ولكن هذه لغة العرب، فيجب أن تعرف لغة العرب. إن — ولكن من الواضح أنك لا تعرف لغة العرب.

إنكار المجاز في اللغة العربية والرد عليه بآية ومن كان في هذه أعمى

الذين عرفوا لغة العرب عرفوا فيها حقيقة ومجازًا. قال [أحدهم]: ليس في اللغة حقيقة ومجاز. قلنا له: ما هذه إلا بلواك! إن بلواك إنك تنكر المجاز.

هل آية:

﴿وَمَن كَانَ فِى هَـٰذِهِٓ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 72]

تعني أن الضرير الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة لصبره على فقد حبيبتيه، هل فسرتوها على أنه سيكون يوم القيامة أعمى؟ هذا مجاز! «أعمى» هنا تعني أعمى البصيرة وليس أعمى البصر.

إن أعمى البصر هذا شخص مغفور له، إننا نخفي على الأعمى ذلك حتى لا يرتكب معاصي. نعم، لأن ربنا سبحانه وتعالى قد أكرمه بكرم كبير.

نصيحة بإعمال العقل ودراسة اللغة العربية لفهم كتاب الله

فيفسرها الآخر ويقول لك: لا، هذا أعمى على الحقيقة هكذا. كيف هذا؟

إذن إن هؤلاء، يا أولادي، نصيحتي أن أعملوا عقولكم، احذروا أن يسرق أحد عقولكم منكم، وادرسوا لغتكم.

هل دراسة اللغة مهمة جدًا هكذا؟ نعم، فبها نزل كتاب الله، فلا بد علينا أن ندركه.

تفسير جعفر الصادق للتداني بأنه قرب معرفي لا مسافي

من توهم أنه بنفسه دنا جعل «ثم» مسافة. إنما التداني أنه كلما قرب منه [العبد]، كلما قرب منه بَعُدَ عن أنواع المعارف [أي ازداد إدراكًا لعجزه عن الإحاطة بالله].

إذ لا دنو ولا بعد — لا دنو مسافي ولا بعد مسافي.

قال رسول الله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد»

كل هذا مجاز وليس على الحقيقة المترية، وليس بالقياس [المكاني].