ما أهمية اللغة العربية وقداستها وكيف أسهمت في بناء العقلية المسلمة والحضارة الإسلامية؟
اللغة العربية لغة مقدسة لاشتمالها على القرآن الكريم النص المقدس، وأهميتها تكمن في أنها المفتاح الذي لا غنى عنه لفهم الكتاب والسنة واستنباط الأحكام. اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، فمن أراد نهضة صحيحة للأمة وجب عليه إحسان لغتها. الكتاب والسنة نقّيا اللغة العربية وجعلا أساليبها قدرًا مقدسًا لا يُتلاعب به، وبهذه اللغة صنع المسلمون حضارتهم وجعلوا القرآن والسنة محورًا لها.
- •
هل اللغة العربية مقدسة بذاتها أم أن قداستها مستمدة من اشتمالها على النص المقدس وهو القرآن الكريم؟
- •
اللغة المقدسة هي كل لغة تحتوي على نص مقدس عند أهله، كالعبرية والآرامية والسنسكريتية والفارسية.
- •
القرآن الكريم يحتوي على ستة وستين ألف كلمة تعود إلى ألف وثمانمائة وعشرين جذرًا، لا تمثل سوى اثنين في المائة من جذور اللغة العربية البالغة ثمانين ألف جذر.
- •
الكتاب والسنة نقّيا اللغة العربية وجعلا أساليبها قدرًا مقدسًا لا يُتلاعب به، لأنها الأداة الوحيدة لتفسير النص المقدس.
- •
أهمية اللغة العربية تتجلى في أن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، فإهمالها يُذيب الاجتماع البشري ويُضيع الهوية والحضارة.
- •
الأمم المتقدمة كالألمان واليابانيين والصينيين حافظت على لغاتها حتى في ظل التقليد الغربي، مما يؤكد أن الحفاظ على اللغة شرط لا غنى عنه لبناء الحضارة.
- 0:00
مقدمة تُعرّف بموضوع قداسة اللغة العربية بوصفها لغة القرآن الكريم ولغة الوحي التي تحظى باحترام المسلمين.
- 1:10
يُفرّق بين مفهومَي اللغة المقدسة وقداسة اللغة، مبيّنًا أن العربية لغة مقدسة لاشتمالها على القرآن لا لذاتها.
- 2:22
يستعرض أمثلة على اللغات المقدسة كالعبرية والآرامية والسنسكريتية والفارسية، مبيّنًا أن معيار القداسة هو النص المقدس.
- 3:00
يُحصي كلمات القرآن الكريم البالغة ستة وستين ألف كلمة، ويُبيّن أن ألفًا وستمائة وعشرة ألفاظ منها لم ترد إلا مرة واحدة.
- 4:17
يضرب أمثلة على الألفاظ القرآنية الفريدة التي لم ترد إلا مرة واحدة كقسورة وضيزى ونفحة، وعددها ألف وستمائة وعشرة.
- 5:08
يكشف أن جذور القرآن الكريم تبلغ ألفًا وثمانمائة وعشرين جذرًا من أصل ثمانين ألف جذر في اللغة العربية الكاملة.
- 6:06
يشرح كيف ينتج الجذر الواحد كجذر علم كلماتٍ متعددة بالتصاريف والصيغ المختلفة، مع إحصاء حروف القرآن.
- 6:49
يُبيّن أن جذور القرآن والسنة معًا لا تتجاوز أربعة بالمائة من ثمانين ألف جذر عربي، مما يكشف سعة اللغة الهائلة.
- 8:00
يُبيّن كيف نقّى الكتاب والسنة اللغة العربية وجعلا أساليبها قدرًا مقدسًا لا غنى عنه لتفسير النصوص المقدسة.
- 9:01
يستشهد بتعدد أسماء الخمر التي بلغت تسعين اسمًا والكلب الذي له أكثر من أربعين اسمًا دليلًا على سعة اللغة العربية.
- 9:26
يحكي قصة أبي العلاء المعري الذي ردّ على من شتمه بالكلب بأن الكلب من لا يعرف له أربعين اسمًا في العربية.
- 10:18
يذكر أن السيوطي ألّف كتاب التبري من معرة المعري وأورد فيه سبعين اسمًا للكلب ردًّا على قصة أبي العلاء.
- 11:01
يُفرّق بين اسم نوع الكلب واسم العلم الخاص بكلب بعينه، مستنتجًا أن اللغة العربية واسعة تتسع للنوعين.
- 11:38
يُقرر أن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، وأن إحسان اللغة العربية شرط لا غنى عنه لأي نهضة حقيقية للأمة.
- 12:50
يشرح مفهوم الوضع والاستعمال والحمل في اللغة، ويُحذّر من أن إهمال اللغة يُذيب الاجتماع البشري.
- 13:46
يشرح آلية الاستعمال اللغوي بمثال السماء فوقنا، موضحًا كيف يستحضر السامع العربي المعنى الصحيح من الألفاظ.
- 14:52
يُوضح مفهوم الحمل اللغوي بمثال من يفهم السماء على أنها بطيخ، مبيّنًا كيف يختلف الحمل عن مراد المتكلم.
- 16:07
يُبيّن أن الوضع اللغوي المُدوَّن في المعجم هو المرجع الفصل عند الاختلاف بين المتكلم والسامع في فهم الألفاظ.
- 17:15
يُبيّن كيف دفعت الحاجة إلى فهم القرآن والسنة العلماءَ إلى تأليف المعاجم وحفظ الشعر وإنشاء علوم البلاغة والتراكيب.
- 18:10
يُقرر أن علوم اللغة العربية بنت المقياس الحضاري الذي جعل القرآن والسنة محورًا تدور حوله الحضارة الإسلامية.
- 18:52
يُقرر أن اللغة العربية هي الأداة والمفتاح الذي لا غنى عنه لفهم القرآن والسنة والاستنباط منهما وبناء الحضارة.
- 19:53
يُبيّن أن ازدهار الحضارة الإسلامية كان ثمرة مباشرة لإتقان المسلمين قواعد اللغة العربية وجعلهم القرآن والسنة محورًا.
- 20:26
يُفسّر سبب هجوم العلماء على طه حسين بأن إنكاره الشعر الجاهلي يُسقط المعيار اللغوي الذي يُفهم به القرآن والسنة.
- 21:01
يكشف أن التشكيك في الشعر الجاهلي جاء من المستشرق مرجليوس مستوحيًا من محاولات إنكار لغة الكتب المقدسة السابقة.
- 21:45
يُثبت صحة الشعر الجاهلي بمقارنته بالشعر الأموي والعباسي، ويُقرر أن اللغة العربية ثابتة أقوى من كل التشكيكات.
- 22:12
يُقرر أن التفريط في قدسية اللغة يُهدد هوية الأمة وحضارتها، مستشهدًا بالألمان واليابانيين والصينيين الذين حافظوا على لغاتهم.
- 23:02
يُمهّد للحلقة القادمة بالإشارة إلى الحملات التي تنتقص من مكانة اللغة العربية في المجتمعات العربية المعاصرة.
ما المقصود بقداسة اللغة العربية ولماذا تحظى بمكانة خاصة في نفوس المسلمين؟
اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم ولغة الوحي، ولذلك تحظى باحترام وقداسة كبيرة في نفوس المسلمين على اختلاف ألسنتهم. وتتمحور الحلقة حول مفهوم قداسة اللغة العربية وما يرتبط بها من خصائص ومكانة.
ما الفرق بين اللغة المقدسة وقداسة اللغة وهل اللغة العربية مقدسة بذاتها؟
هناك فرق دقيق بين مصطلحَي اللغة المقدسة وقداسة اللغة؛ فاللغة كائن حي متطور متغير في تعبيراته ودلالاته وتراكيبه، ولذلك لا قداسة للغة من حيث ذاتها. أما اللغة المقدسة فهي كل لغة تشتمل على نص مقدس عند أهلها، واللغة العربية مقدسة لأن القرآن الكريم موجود فيها ويعتقد أهلها أنه نص مقدس.
ما هي اللغات المقدسة عند أصحاب الديانات المختلفة وما سبب قداستها؟
اللغات المقدسة هي كل لغة تشتمل على نص مقدس في نظر أهله؛ فالعبرية مقدسة لأن أهلها يعتقدون أن التوراة نص مقدس، والآرامية لأن عيسى عليه السلام تكلم بها، والسنسكريتية لأن الفيدا مكتوبة بها، والفارسية لأن مصحف زرادشت بها. وهكذا فمعيار القداسة هو وجود النص المقدس في تلك اللغة عند المؤمنين به.
كم عدد كلمات القرآن الكريم وكم لفظًا منها لم يرد إلا مرة واحدة؟
القرآن الكريم يحتوي بالمكرر على ستة وستين ألف كلمة، منها ألفاظ وردت بالآلاف كلفظ الجلالة الذي ورد نحو ثمانية آلاف موضع، ومنها ألفاظ بالمئات والعشرات. أما الألفاظ التي لم تُذكر إلا مرة واحدة في القرآن الكريم فعددها ألف وستمائة وعشرة ألفاظ، مما يدل على ضرورة الحفاظ على كل ما اشتمل عليه النص المقدس.
ما أمثلة الألفاظ التي وردت مرة واحدة فقط في القرآن الكريم؟
من الألفاظ التي وردت مرة واحدة فقط في القرآن الكريم: كلمة قسورة، وكلمة العلماء في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وكلمة ضيزى، وكلمة نفحة في قوله تعالى ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾. ومجموع هذه الألفاظ الفريدة ألف وستمائة وعشرة ألفاظ.
كم عدد الجذور اللغوية في القرآن الكريم وما علاقتها بجذور اللغة العربية الكاملة؟
كلمات القرآن الكريم البالغة ستة وستين ألف كلمة تعود إلى ألف وثمانمائة وعشرين جذرًا فقط، مثل جذر ضرب وأكل وشرب. وهذه الجذور القرآنية تمثل نسبة ضئيلة من إجمالي جذور اللغة العربية التي تبلغ ثمانين ألف جذر، مما يدل على سعة اللغة العربية وثرائها الهائل.
كيف تتفرع الكلمات من الجذر الواحد في اللغة العربية وما أمثلة ذلك في القرآن؟
الجذر الواحد في اللغة العربية ينتج كلمات متعددة بالتصاريف المختلفة من ماضٍ ومضارع ومصدر وجمع وصيغ مبالغة؛ فجذر علم مثلًا ينتج: عالم وعليم وعلّام وعلماء وعلم ويعلم. والقرآن الكريم يحتوي على ثلاثمائة وخمسة وسبعين ألف حرف، وجذوره البالغة ألفًا وثمانمائة وعشرين تُنتج هذا الثراء اللغوي الهائل.
ما نسبة جذور القرآن والسنة من إجمالي جذور اللغة العربية وما دلالة ذلك؟
جذور القرآن الكريم تبلغ ألفًا وثمانمائة وعشرين جذرًا من أصل ثمانين ألف جذر في اللغة العربية، أي ما يعادل اثنين في المائة تقريبًا. وإذا أضفنا السنة النبوية بوصفها مصدرًا للأحكام وتفسيرًا معصومًا للقرآن، ارتفع العدد إلى ثلاثة آلاف وستمائة جذر، أي نحو أربعة في المائة من جذور اللغة العربية، مما يُبيّن أهمية اللغة العربية في استيعاب ما لم يرد في النصوص المقدسة.
كيف نقّى الكتاب والسنة اللغة العربية وجعلا أساليبها قدرًا مقدسًا لا يُتلاعب به؟
الكتاب والسنة عملا في اللغة العربية فنقّياها وجعلا الأساليب الواردة فيهما ترقيةً لحال هذه اللغة، فأصبح هذا القدر قدرًا مقدسًا لا يجوز التلاعب به. والسبب أن المفسر يحتاج إلى هذا القدر مفردًا وتركيبًا وسياقًا وسباقًا ولحاقًا وبلاغةً ودلالةً حتى يتمكن من تفسير كتاب الله وسنة نبيه تفسيرًا صحيحًا.
كيف تتجلى سعة اللغة العربية في تعدد أسماء المسمى الواحد؟
تتجلى سعة اللغة العربية في أن المسمى الواحد قد يحمل عشرات الأسماء؛ فالخمر مثلًا لها تسعون اسمًا في اللغة العربية منها الداء والدواء والصفراء والعجوز والشامول. وكذلك الكلب له أكثر من أربعين اسمًا في لغة العرب، مما يدل على الثراء الاستثنائي للمعجم العربي.
ما قصة أبي العلاء المعري مع أسماء الكلب الأربعين في اللغة العربية؟
أبو العلاء المعري كان ضريرًا فاصطدم برجل مدّ رجليه في الطريق، فشتمه الرجل قائلًا: ألا تفتح عينيك يا كلب؟ فردّ عليه أبو العلاء بقوله: الكلب من لا يعرف للكلب أربعين اسمًا في لغة العرب. وبذلك حوّل الشتيمة إلى مسألة علمية، وذكر من أسماء الكلب: الواشق والواثق والزارع والجرو وغيرها حتى بلغت أربعين اسمًا.
ما الكتاب الذي ألّفه السيوطي ردًّا على قصة أبي العلاء المعري وكم اسمًا أورد فيه للكلب؟
لما قرأ الإمام السيوطي قصة أبي العلاء المعري وقوله إن الكلب من لا يعرف له أربعين اسمًا، غضب وألّف كتابًا أسماه التبري من معرة المعري، أورد فيه نحو سبعين اسمًا للكلب في لغة العرب، وليس أربعين فقط، مما يُثبت سعة اللغة العربية وثراء معجمها.
ما الفرق بين اسم النوع واسم العلم في أسماء الكلاب وكيف يدل ذلك على سعة اللغة العربية؟
العلماء فرّقوا بين اسم النوع الذي يدل على جنس الكلاب كالواشق والجرو، واسم العلم الخاص بكلب بعينه كاسم كساب الذي أورده السيوطي. وهذا التفريق يُقلّص عدد أسماء النوع إلى حدود الأربعين أو الخمسين، لكنه في الوقت ذاته يُثبت أن اللغة العربية واسعة تتسع لأسماء الأنواع وأسماء الأعلام معًا.
ما دور اللغة العربية في بناء العقلية المسلمة وكيف ترتبط اللغة بالفكر والنهضة؟
اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، وهذه قاعدة لا مفر منها؛ فمن أراد نهضة صحيحة للأمة وجب عليه إحسان لغتها، ومن أراد تطورًا وإبداعًا وانطلاقًا في عمارة الأرض وجب عليه إحسان اللغة. وأهمية اللغة العربية تكمن في أنها الأداة التي تُصحح التفكير وتُمكّن من الاستنباط والقياس وبناء الحضارة.
ما معنى الوضع والاستعمال والحمل في اللغة وكيف يؤثر إهمال اللغة في الاجتماع البشري؟
الوضع هو الأصل اللغوي الذي وُضع قبل المتكلم والسامع، والاستعمال هو توظيف الألفاظ من قِبَل المتكلم لتوصيل المعاني، والحمل هو ما يفهمه السامع من تلك الألفاظ. وإذا أُهملت اللغة وتشوشت ولم يعد الناس قادرين على التفاهم بها على قدر عالٍ من التواصل، ذاب الاجتماع البشري وضاع وضلّ.
كيف يعمل الاستعمال اللغوي في توصيل المعاني من ذهن المتكلم إلى ذهن السامع؟
الاستعمال يعني توظيف الألفاظ لتوصيل المعاني من ذهن المتكلم إلى ذهن السامع؛ فحين يقول المتكلم السماء فوقنا، يستحضر السامع العربي في ذهنه القبة الزرقاء التي فوقنا واتجاه الفوقية. وهذا الفهم يتكون من ثلاثة عناصر: المسمى وهو السماء، والوصف وهو الفوقية، والنسبة بين المسمى ووصفه، وهذه هي الجملة المفيدة.
ما المقصود بالحمل في اللغة وكيف يختلف ما يفهمه السامع عما يريده المتكلم؟
الحمل هو ما يحمله السامع من معنى على الكلام الذي سمعه، وقد يختلف عما أراده المتكلم؛ فإذا سمع شخص من لغة أخرى جملة السماء فوقنا وكانت كلمة السماء في لغته تعني البطيخ، حمل الكلام على معنى البطيخ لا على القبة السماوية. وهذا الاختلاف في الحمل هو الذي يستدعي الرجوع إلى الوضع اللغوي الأصلي فصلًا للنزاع.
كيف يكون الوضع اللغوي مرجعًا عند الاختلاف بين المتكلم والسامع في فهم الألفاظ؟
عند الاختلاف بين المتكلم والسامع في فهم الألفاظ، يكون المرجع هو الوضع اللغوي الأصلي الذي يُرجع إليه المعجم؛ فإذا اختلف المتكلم والسامع في معنى كلمة السماء، رجعا إلى المعجم الذي يُبيّن أن السماء هي القبة السماوية التي فوقنا لا البطيخ. وهذا الوضع اللغوي هو الحكم الفصل الذي يضبط التواصل بين الناس.
كيف أسهمت قاعدة الوضع والاستعمال والحمل في بناء علوم اللغة العربية وفهم القرآن والسنة؟
لما جاء كتاب الله وسنة رسوله، أدرك العلماء أن فهمهما يستلزم فهم دلالات الألفاظ فألّفوا المعاجم، وفهم التراكيب فحفظوا الشعر، وفهم ما وراء الكلام فأنشأوا علم التراكيب وعلم البلاغة. وهكذا بنت قاعدة الوضع والاستعمال والحمل العقليات وأرست أسس أهمية اللغة العربية في خدمة النص المقدس.
كيف أصبحت علوم اللغة العربية أساسًا لضبط الاستعمال والحمل وبناء المقياس الحضاري؟
علوم اللغة أصبحت أساسًا لتحقيق الكلمة وضبط معانيها، والوضع اللغوي أصبح الأساس الرئيسي المحترم الذي يتقيد به الاستعمال ويرجع إليه الحمل. وبذلك بنى العلماء المقياس الذي يُقاس به الكلام، وجعلوا القرآن والسنة محورًا لحضارتهم ينطلقون منه ويعودون إليه ويخدمونه ويُقوِّمون به.
لماذا لا يمكن فهم القرآن والسنة وبناء الحضارة الإسلامية بدون اللغة العربية؟
اللغة العربية هي الأداة التي تُفكّ رموز القرآن والسنة والمفتاح الذي يدخل به المسلم إلى عالمهما؛ فبدون اللغة لا يمكن التأمل في عظمة القرآن ولا الانبهار به ولا استنباط الأحكام منه. وقد صنعت اللغة شيئًا قويًا جدًا إذ أفهمت الإنسان وصحّحت تفكيره وجعلته قادرًا على الاستنباط والقياس ومعرفة الحق من الباطل، فأصبح إنسان حضارة.
كيف جعل المسلمون القرآن والسنة محورًا لحضارتهم بفضل إتقانهم لقواعد اللغة العربية؟
المسلمون أتقنوا قواعد اللغة العربية ومفاتيحها فانبهروا بالكتاب والسنة وجعلوهما محورًا لحضارتهم؛ والمحور يعني أن كل شيء ينطلق منه ويعود إليه ويخدمه ويُقوَّم به. وكان ازدهار حضارة المسلمين نتيجة مباشرة لما أتقنوه من قواعد اللغة التي فتحت لهم أبواب الفهم والاستنباط والإبداع الحضاري.
لماذا هاجم العلماء طه حسين حين شكّك في الشعر الجاهلي وما علاقة ذلك بالمعيار اللغوي؟
هاجم العلماء طه حسين لأن إنكاره الشعر الجاهلي يعني إنكار المعيار اللغوي الذي يُفهم به القرآن والسنة، وهو كمن يقول إن المتر الذي يُقاس به غير موجود. والشعر الجاهلي هو الأساس الذي تُقاس به دلالات الألفاظ العربية وتراكيبها، فإنكاره يُسقط الأداة التي تُفسَّر بها النصوص المقدسة. وقد جاءت هذه الفكرة من محاولات مشابهة لإنكار لغة الكتب المقدسة السابقة.
من أين جاءت فكرة التشكيك في الشعر الجاهلي وما هدفها من إسقاط المعيار اللغوي للقرآن؟
فكرة التشكيك في الشعر الجاهلي جاءت من المستشرق مرجليوس وغيره، وهي مستوحاة من محاولات مشابهة طُبّقت على الكتب المقدسة السابقة حين قيل إنها ليس لها لغة. والهدف من ذلك إسقاط المعيار اللغوي للقرآن الكريم، كمن يقول إن المتر الذي يُقاس به مزيّف حتى يسرق من صاحبه ضعف ما يستحق.
لماذا يُعدّ الشعر الجاهلي صحيحًا وكيف تثبت اللغة العربية أمام التشكيكات؟
الشعر الجاهلي صحيح لأنه حين يُقارَن بالشعر الأموي أو العباسي يظهر فرق واضح في الغاية والألفاظ والتراكيب والسياق والأغراض، مما يدل على أنه ينتمي إلى حقبة مختلفة ولم يُختلق لاحقًا. واللغة العربية لغة ثابتة أقوى من هذه التشكيكات، وأهميتها تتجلى في صمودها أمام كل محاولات الطعن فيها.
هل يُعرّض التفريط في قدسية اللغة هوية الأمة للخطر وما دور الحفاظ على اللغة في بناء الحضارة؟
التفريط في قدسية اللغة يُعرّض هوية الأمة للخطر بدون شك، لأن اللغة المقدسة تُساعد على بناء الحضارة وعمارة الدنيا، وإذا اختلت اللغة انعدم البناء الحضاري. والدليل على ذلك أن الأمم المتقدمة كالألمان والصينيين واليابانيين حافظت على لغاتها حتى وإن قلّدت الاختراعات الغربية، لأن الحضارة المادية لا بد فيها من الحفاظ على اللغة.
ما واقع اللغة العربية في المجتمعات العربية المعاصرة وما التحديات التي تواجهها؟
تواجه اللغة العربية في مجتمعاتنا المعاصرة حملات تنتقص من مكانتها وقدرها، سواء في الاستخدامات اليومية العادية أو في الأمور العلمية والبحثية. وهذا الموضوع يستدعي تقييمًا دقيقًا لواقع اللغة العربية في ظل هذه التحديات، وهو ما سيكون محور الحلقة القادمة.
أهمية اللغة العربية تكمن في كونها المفتاح الوحيد لفهم القرآن والسنة وبناء الحضارة الإسلامية، وإهمالها يُذيب هوية الأمة.
أهمية اللغة العربية لا تنفصل عن قداستها المستمدة من القرآن الكريم؛ فالقرآن يحتوي على ستة وستين ألف كلمة تعود إلى ألف وثمانمائة وعشرين جذرًا، لا تمثل سوى اثنين في المائة من ثمانين ألف جذر في اللغة العربية. والكتاب والسنة معًا نقّيا هذه اللغة وجعلا أساليبها قدرًا مقدسًا لا يُتلاعب به، لأنها الأداة الضرورية لتفسير النص المقدس وفهم دلالاته.
اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة؛ فمن أراد نهضة صحيحة للأمة وجب عليه إحسان لغتها. وقد أدرك علماء المسلمين الأوائل هذه الحقيقة فألّفوا المعاجم وحفظوا الشعر وأنشأوا علوم التراكيب والبلاغة، وجعلوا القرآن والسنة محورًا لحضارتهم. والأمم المتقدمة اليوم كالألمان واليابانيين والصينيين تؤكد هذه القاعدة بحفاظها على لغاتها شرطًا لبقاء حضاراتها.
أبرز ما تستفيد منه
- اللغة العربية مقدسة لاشتمالها على القرآن الكريم لا لذاتها.
- جذور القرآن والسنة معًا لا تتجاوز أربعة بالمائة من جذور اللغة العربية.
- اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، وإهمال اللغة يُذيب الاجتماع البشري.
- الحفاظ على اللغة شرط أساسي لبناء الحضارة وصون هوية الأمة.
مقدمة الحلقة والترحيب بالدكتور علي جمعة للحديث عن قداسة اللغة العربية
[المذيع]: أهلًا بكم، في حلقات سابقة تحدثنا مع فضيلة الدكتور حول مفهوم ومصطلح القداسة، وتعلمنا من فضيلته الكثير في هذا الأمر. اليوم نتحدث عن اللغة، وتحديدًا اللغة العربية.
اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، هي لغة الوحي، لها في نفوس المسلمين جميعًا حتى على اختلاف ألسنتهم احترام وقداسة كبيرة. نتحدث اليوم عن اللغة وقداسة اللغة المرتبطة بها.
اسمحوا لي أن أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بفضيلة مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، أهلًا وسهلًا بكم.
الفرق بين اللغة المقدسة وقداسة اللغة وارتباطها بالنص المقدس
[المذيع]: مولانا، هل نستطيع أن نقول أو هل كنت مصيبًا حينما قلت بأن اللغة العربية هي لغة مقدسة؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هناك تعبيران أحدهما قد يكون أدق من الآخر، وهو اللغة المقدسة وقداسة اللغة.
كل لغة فيها نص مقدس عند أهله فهي لغة مقدسة، لكن ليس هناك قداسة للغة [ذاتها]؛ فاللغة كائن حي متطور متغير في تعبيراته، في دلالات ألفاظه، في تراكيبه. وبذلك فهي تتغير وليس لها قداسة من هذه الناحية.
فليس هناك قداسة للغة، لكن اللغة المقدسة هي اللغة العربية لأن القرآن موجود فيها ويعتقد أهلها أنه نص مقدس.
أمثلة على اللغات المقدسة عند أصحاب الديانات المختلفة
والعبرية لأن أهلها يعتقدون أن التوراة نص مقدس، والآرامية لأن عيسى عليه السلام يتكلم بالآرامية، والسنسكريتية لأن الفيدا مكتوبة بها، والفارسية لأن مصحف زرادشت بالفارسية.
وهكذا فهناك لغات يمكن أن نقول إنها لغات مقدسة باعتبار من ناحية معينة، وهي أنها تشتمل على نص مقدس في نظر أهله، أي بمعنى من المؤمنين به.
وجوب الحفاظ على النص المقدس وإحصاء كلمات القرآن الكريم وجذورها
فماذا يعني وجود نص مقدس في لغة ما؟ إنه يجب أن نحافظ على القدر الذي اشتمل عليه ذلك النص المقدس. فلو جئنا إلى اللغة العربية وإلى القرآن، وهو ما نتعلق به ونعرضه على العالمين، نجد أن القرآن فيه بالمكرر ستة وستين ألف كلمة.
هذه الستة والستون ألف كلمة فيها مكررات؛ لفظ الجلالة "الله" مثلًا ورد بالضم والفتح والجر بالآلاف، نحو ثمانية آلاف موضع في القرآن الكريم فيها لفظ جلالة. الثمانية دول من ستة وستين.
هناك ألفاظ بالمئات، وهناك ألفاظ تُعَدّ بالآلاف والمئات والعشرات، وهناك ألفاظ من الستة وستين ألفًا لم تُذكر إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، وعدد هذه الألفاظ المفردة ألف وستمائة وعشرة.
أمثلة على الألفاظ التي لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن الكريم
"قسورة" وردت مرة واحدة فقط في القرآن. "العلماء" انظر:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
وردت مرة واحدة فقط، وكذلك "علماء بني إسرائيل" بدون الألف واللام.
وفي مرة أخرى مثلًا كلمة "ضيزى" وردت مرة واحدة فقط، وقس على هذا. "نفحة" في قوله:
﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ﴾ [الأنبياء: 46]
فكلمة "نفحة" وردت مرة واحدة فقط، وفي سورة الأنبياء لا توجد "نفحة" أخرى في القرآن. وهكذا إلى آخره، ألف وستمائة وعشر لفظًا بهذه الكيفية.
جذور كلمات القرآن الكريم ونسبتها من جذور اللغة العربية الكاملة
إذا كانت لدي ألفاظ مكررة، هكذا هو وضعها: أنه توجد أشياء تكررت بالآلاف، وأشياء بالمئات، وأشياء بالعشرات، وأشياء لم تأتِ إلا مرة واحدة. مجموع كلمات القرآن ستة وستون ألف كلمة.
هذه الستة والستون ألف كلمة نريد أن نرجعها إلى جذورها، فالجذور الخاصة بها ألف وثمانمائة وعشرون جذرًا، مثل: ضرب، وأكل، وشرب.
عندما أذهب إلى كلمة الأكل سأجد:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
فسأجد في القرآن جذورًا معينة، هذه الجذور هي ألف وثمانمائة وعشرون جذرًا.
التصاريف المختلفة للجذر الواحد في القرآن وصيغ المبالغة والاشتقاق
ومن هذه الألف وثمانمائة والعشرين جذرًا تستطيع أن ترى الجذر أنتج كم كلمة تحته. فكلمة "علم" مثلًا ستجد تحتها: عالم، وعليم، وعلّام، وعلماء، وعلم، ويعلم.
وتجد منها التصاريف المختلفة: الماضي والمضارع والمصدر والجمع وهذه الأشياء، والصيغ كلها صيغ المبالغة إلى آخره.
فيكون إذا كان عندي جذور، والجذور ألف وثمانمائة وعشرون، ثم نذهب للغة [العربية كاملة]. هذا كله القرآن نبحث فيه وفيه ثلاثمائة وخمسة وسبعون ألف حرف.
نسبة جذور القرآن والسنة من إجمالي جذور اللغة العربية البالغة ثمانين ألف جذر
ماذا عن اللغة العربية؟ ثمانون ألف جذر. يعني القرآن ألف وثمانمائة واللغة العربية ثمانون ألف جذر، يعني واحد وثمانية من عشرة على ثمانين. لما تقسم واحدًا وثمانية من عشرة على ثمانين تصبح اثنين في المائة تقريبًا.
لو كانت مائة ألف جذر في اللغة العربية، منها ألفان فقط - أي اثنان في المائة - فما بال الثمانية والتسعين في المائة؟ هل الثمانية والتسعون في المائة لم يتكلم بها القرآن؟
حسنًا، إذا اعتبرنا أن السنة أيضًا مصدرًا للأحكام، واعتبرنا أنها سببًا للهداية، واعتبرنا أننا قد أُمرنا أن نتبعها، ألهمنا بحفظها فحفظت، وأنها تفسير المعصوم للقرآن الكريم، كان أصل فيها ثلاثة آلاف وستمائة [جذر].
الكتاب والسنة نقّيا اللغة العربية وجعلا أساليبها قدراً مقدساً لا يُتلاعب به
منهم الألف، منهم الألف وثمانمائة التي هنا [في القرآن]، يعني كأنها زادت ألفًا وثمانمائة أيضًا، ثلاثة آلاف وستمائة. يعني ثلاثة وستة من عشرة، عندما نقسمها على ثمانين يخرج أربعة في المائة ولا شيء.
والستة والتسعون في المائة المتبقية من اللغة لم تُذكر في الكتاب والسنة. فالكتاب والسنة عملا في اللغة العربية، وما عملاه؟ نقّياها وجعلا تلك الأساليب الموجودة في الكتاب والسنة ترقية لحال هذه اللغة.
فأصبح هذا القدر قدرًا مقدسًا لا أستطيع التلاعب به. لماذا؟ لأنني أحتاج إليه مفردًا وتركيبًا وسياقًا وسباقًا ولحاقًا وبلاغةً ودلالةً حتى أفسر كتاب الله وسنة نبيه.
سعة اللغة العربية في تعدد أسماء المسمى الواحد كالخمر والكلب
وبقية اللغة أيضًا [واسعة]، فمثلًا الخمر هي الخمر كما هو اسمها، لكن في اللغة تُسمى أيضًا: الداء، والدواء، والصفراء، والعجوز، والشامول. هناك تسعون اسمًا لها.
وكذلك:
﴿وَكَلْبُهُم بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلْوَصِيدِ﴾ [الكهف: 18]
ليس مجرد كلب، بل له أكثر من أربعين اسمًا [في لغة العرب].
قصة أبي العلاء المعري مع الرجل الذي شتمه وأسماء الكلب الأربعون
كان أبو العلاء المعري - دعني أحكي لك - كان ضريرًا، فمشى فاصطدم برجل [شخص]، فقال له الشخص الذي كان يمد رجليه هكذا: ألا تفتح عينيك يا كلب؟ يبدو أن الاصطدام آلمه قليلًا فقال هكذا.
فوقف أبو العلاء وقال له: الكلب من لا يعرف للكلب أربعين اسمًا في لغة العرب. شتم ماذا؟ كل شتم الجميع هو تعريفه [للكلب]: أربعون اسمًا في لغة العرب.
أعطني إذن [الأسماء]. اختلط الأمر ودخل في المسألة العلمية. هذه قالوا: نعم، هو الكلب والواشق والواثق والزارع والجرو وكذا، عدده أربعون.
تعارف أبي العلاء المعري مع الرجل وتأليف السيوطي كتاب التبري من معرة المعري
الرواية أو القصة جاءت لنا بهذا الموقف فقط، وهو أن أبا العلاء استخف بواحد شتمه وقال له يا كلب. رُدَّ عليه، قال له: الكلب من لا يعرف للكلب أربعين اسمًا. وذكر أبو العلاء [اسمه]، فقال: والله هل أنت أبو العلاء أم ماذا؟ وتعارفا على بعضهما هكذا.
الرواية لم تذكر ما هي الأسماء الأربعون تلك. فجاء الإمام السيوطي عندما قرأها وغضب، وقال: الله، إنه يشتمنا! كيف أن الذي لا يعرف للكلب أربعين اسمًا في لغة العرب يُشتم هكذا.
فذهب وألّف كتابًا أسماه "التبري من معرة المعري" وأورد فيه نحو سبعين اسمًا، وليس أربعين فقط.
التفريق بين اسم النوع واسم العلم في أسماء الكلاب وسعة اللغة العربية
من ضمنهم شيء اسمه "كساب". ما هذا كساب؟ فجاء العلماء بعده وقالوا: لا، هذا يعني أنه سيكون في حدود أربعين أو خمسين، لكن هذا ["كساب"] ليس اسم نوع الكلب، بل هو اسم خاص لكلب من الكلاب.
أعني اسم كلب معين، مثلما نقول "ركس" أو "زنجر" أو ما شابه ذلك. نحن نسمي الكلاب أسماء من هذا القبيل، فـ"كساب" هذا اسم كلب وليس اسم النوع.
[المذيع]: النوع؟
[الشيخ]: نعم، ليس اسم النوع. فاللغة واسعة.
الانتقال للحديث عن دور اللغة العربية في بناء العقلية المسلمة وعلاقة اللغة بالفكر
[المذيع]: حسنًا مولانا أستاذك، بعد الفاصل نستكمل الحديث في فكرة دور اللغة في بناء العقلية المسلمة خصوصًا في هذه الأيام، مقارنة باللغة في بناء العقلية المسلمة الأولى، إن شاء الله بعد الفاصل. ابقوا معنا.
أهلًا بحضراتكم مرة أخرى مشاهدينا الكرام، والحديث مع فضيلة الدكتور حول اللغة. وإلى أي مدى، وهذا هو سؤالي أو مدخلي في هذه الفقرة دكتور، إلى أي مدى ساهمت اللغة العربية في تكوين عقلية وحضارة المسلمين؟
[الشيخ]: اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، وهذه قاعدة لا مفر منها. فإذا أردتَ نهضة صحيحة للأمة، أحسِنْ لغتها. إذا أردتَ تطورًا وإبداعًا وانطلاقًا في واقع حياة الناس وعمارة البشر لهذه الأرض، أحسِنْ لغتها.
إهمال اللغة يؤدي إلى ذوبان الاجتماع البشري ومفهوم الوضع والاستعمال والحمل
إذا أُهملت اللغة وتشوشت ولم نعد قادرين على التفاهم بها على قدر عالٍ من التواصل، ذاب الاجتماع البشري وضاع وضَلَّ.
ولذلك يقولون: الاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما. هذه العبارة لبعض الناس عندما يسمعونها الآن يظنون أننا نتحدث الألمانية، أو يظنون أننا نتحدث اليابانية. تحتاج إلى تفسير.
حسنًا، لنتناولها. هي ثلاثة: إذا وضعنا الحالة [أي الوضع] قبلهما، حسنًا، فهناك شيء يُسمى الوضع قبل الاستعمال والحمل.
شرح مفهوم الاستعمال في اللغة وكيفية توصيل المعاني من المتكلم إلى السامع
ما هو الاستعمال والحمل؟ أولًا، الاستعمال يعني أنني أستعمل اللغة. ونحن نسأل السؤال الذي يقول: ما دور اللغة في بناء الشخصية والعقلية والنفسية أولًا وأخيرًا مقارنةً بالأول؟
حسنًا، لنرَ ما الحكاية. أنا أستعمل اللغة هكذا، أصبحتُ مُستخدِمًا للألفاظ، فذهبتُ وقلتُ: السماءُ فوقنا. كان يجلسُ أمامي أحدُ أبناءِ العربِ مثل حضرتك، ففهمَ كلمةَ السماءِ في ذهنهِ على أنها القبةُ التي فوقنا ذات اللونِ الأزرق.
فَهِمَها على أنها اتجاهٌ من الاتجاهات، أنَّ هذا فوقَنا، وهذا تحتَنا، وهذا عن يميننا، وهذا عن شمالِنا، أمامنا، هذا خلفنا. واختار من ذلك فوقنا.
مفهوم الحمل في اللغة والفرق بين ما يريده المتكلم وما يفهمه السامع
ماذا فعل [السامع]؟ أصبح هناك شيء يتحدث عنه اسمه السماء، وفي وصف لها اسمه الفوقية أو الأعلى، ونسب هذا لذاك. ففي ثلاثة مواضع: أمامي، في السماء، وفي الأعلى، وفيه نسبة هذا لذاك. هذه هي الجملة المفيدة.
أنا قلت: السماء فوقنا. فشخص جالس من لغة [أخرى]، كلمة السماء هذه معناها البطيخ في لغته هكذا، وفوقنا معناها نريد أن نأكلها.
وأنا قلتُ: السماء فوقنا. فراح عقله يعمل بماذا؟ البطيخة، البطيخ تحتاج إلى أكله. لقد حملتَ سيادتك الكلام على محمل غير الذي أريده أنا، وهو حملها على شيء آخر حسب ما هو مخزن في دماغه.
الوضع اللغوي هو المرجع عند الاختلاف بين المتكلم والسامع في فهم الألفاظ
إذن، إذا فهمنا أي استعمال الألفاظ من أجل توصيل المعاني من ذهني إلى ذهن السامع، وعلى ماذا تحمل كلامي يا سامع؟ أتحمله على ما أريده أنا، أم على أكثر منه، أم على أقل منه، أم على غيره؟
حسنًا، ما المرجع في ذلك؟ حتى عندما يقول لي: أنت تحدثت عن البطيخ، أقول له: لا لم أتحدث عن البطيخ. أقلت أم لم أقل السماء؟ قلت له: نعم، السماء التي فوقنا.
لنرجع إلى أي شيء حتى نحتكم، أنا كمتحدث وأنت كمستمع، إلى الوضع [اللغوي]. لنذهب إلى اللغة، لنذهب إلى المعجم. ما معنى السماء؟ فيقول لي هناك أن السماء معناها القبة السماوية التي فوق، هذه وليست البطيخ. ومعنى [فوقنا] يقول: اتجاه من الاتجاهات.
قاعدة الاستعمال والحمل والوضع وأثرها في بناء العقليات وفهم الكتاب والسنة
فتكون السماء فوقنا، ويكون الحامل الأول الذي حمل هذه الألفاظ على ما قد وُضعت له هو الصحيح. نرجع مرة أخرى للعبارة: الاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما. قبل أن نُخلق أنا وأنت كانت موضوعة هكذا.
هذا ما بنى العقليات. فلما جاء كتاب الله وسنة رسوله، قالوا: أول شيء لكي نفهم يجب أن نفهم دلالات الألفاظ، فقاموا بتأليف المعاجم.
ويجب أن نفهم ماهية هذه التراكيب، فحفظوا الشعر. ويجب أن نفهم ما وراء هذا الكلام، فأنشأوا علم التراكيب وعلم البلاغة.
علوم اللغة أساس لتحقيق الكلمة والوضع اللغوي أساس رئيسي لضبط الاستعمال والحمل
وبدأت علوم اللغة تصبح أساسًا لتحقيق الكلمة، والوضع قبلهما أساس رئيسي محترم.
طيب، وبدأ الاستعمال يتقيد بما وُضع لكي نسير بشكل صحيح، وبدأ الحمل يذهب إلى ما وُضع أيضًا.
فماذا بنوا بذلك؟ بنوا بذلك المقياس الذي نقيس به، المتر الذي نقيس به. بنوه لكي نفهم الكلام الوارد إلينا، فجعلوا القرآن والسنة محورًا لحضارتهم.
اللغة هي المفتاح الذي لا يمكن بدونه فهم القرآن والسنة وبناء الحضارة الإسلامية
وما كان يمكن أن يجعلوه كذلك [محورًا] إلا باللغة. ما كان يمكن أن يتأملوا فيه فينبهروا بعظمته إلا إذا كانوا فاهمين. ما كان يمكن أن يستنبطوا منه كل هذا الذي بنى الحضارة إلا إذا كانت معهم الأداة التي تفكه والمفتاح الذي يدخلون به، وهو اللغة.
إذن هذه اللغة قد صنعت شيئًا قويًا جدًا، وهو أنها أفهمت الإنسان وصححت من تفكيره، وجعلته قادرًا على الاستنباط، قادرًا على القياس، قياس الأمور، فمعرفة الحق من الباطل. وبذلك كله أصبح رجل حضارة أو إنسان حضارة.
إتقان قواعد اللغة مفتاح الحضارة وجعل القرآن والسنة محوراً للحضارة الإسلامية
فبالتالي كانت حضارة المسلمين أو هذا الازدهار الذي حدث نتيجة لما أتقنوه من قواعد اللغة أو من مفاتيح اللغة.
[المذيع]: تجد مفتاح الحضارة.
[الشيخ]: نعم، وجعلوا من أجل هذا - بعد أن فهموا فانبهروا بالكتاب والسنة - خلوها المحور. يعني عامل مثل الإكس هكذا، يعني مثل هذه العصا.
ما الذي يدور حول المحور؟ منه المنطلق وإليه العودة، وله الخدمة وبه التقويم. هذا هو محور الحضارة.
الكتاب والسنة محور الحضارة واللغة أداة فهمهما وغضب العلماء على طه حسين
معناه هكذا: عندما يأتي ليصنع خطًا، عندما يأتي ليشيد عمارة، عندما يأتي ليبدع فنونًا، عندما تأتي الآداب لتعمل أي شيء للمحور. وما هو هذا المحور؟ إنه الكتاب والسنة.
كيف نفهم الكتاب والسنة؟ باللغة. وما هي اللغة؟ وذهب مقدمًا له، اللغة جاهزة ومُعدة.
ولذلك هاجت الدنيا على طه حسين رحمه الله عندما جاء وقال إن الشعر الجاهلي غير موجود وليس موجودًا. كيف أنت! أنت [تنكر] المعيار نفسه، تقول المتر غير موجود. قال: أصل مرة كلمة هنا وكلمة هناك.
سبب الهجوم على طه حسين ومحاولات إنكار لغة القرآن كما حدث مع الكتب المقدسة السابقة
هاجموا عليه. لماذا هاجموا عليه؟ لأنه ينكر المتر [أي المعيار اللغوي]. يعني انتبه: أنت ذهبت لتشتري قطعة قماش فقال لك ثلاثة أمتار، وبعدها قلت له: هذا المتر ليس مترًا، هذا نصف متر.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أنت تريد أن تسرق منه، والثلاثة أمتار يعطيك إياها ستة. فأحسوا أن طه حسين سيسرق منهم هذا المعيار.
مَن الذي رأى ذلك؟ يقول لك هذا مرجليوس الذي كان يقول هكذا. حسنًا، ومن أين جاءت هذه [الفكرة]؟ جاءت من الكتب المقدسة السابقة عندما قالوا عنها أنها ليس لها لغة، فيريد أن يجعل هذه [اللغة العربية] أيضًا ليس لها لغة.
صحة الشعر الجاهلي وتميز اللغة العربية وثباتها أمام التشكيكات
لكنها تمتلك لغة متميزة، ولغتها موجودة في الشعر الجاهلي، وهذا الشعر الجاهلي صحيح. لماذا؟ لأننا إذا قارناه بالشعر الأموي أو العباسي، نجد فرقًا كبيرًا في الغاية والألفاظ والتراكيب والسياق والأغراض، وهذا صحيح.
إذن نحن أمام لغة وأمامنا لغة ثابتة أقوى من هذه التشكيكات.
التفريط في قدسية اللغة يعرض هوية الأمة للخطر وأهمية الحفاظ على اللغة لبناء الحضارة
[المذيع]: هل حينما تفرط أمة من الأمم في قدسية لغتها أو نصوص لغتها، هل بالتالي تعرّض هوية الأمة للخطر؟
[الشيخ]: بدون شك؛ لأن الحقيقة أن اللغة المقدسة تساعد على بناء الحضارة، وبناء الحضارة هو في النهاية عمارة الدنيا. فإذا اختلت اللغة فإنه لا يوجد بناء.
ولذلك نجد أن كل من تقدموا مثل الألمان والصينيين واليابانيين، جميعهم حتى وإن قلدوا الأوضاع الغربية والاختراعات الغربية، إلا أنهم حافظوا على لغتهم حتى يحافظوا على حضاراتهم وتقدمهم المادي. الحضارة المادية لا بد فيها من الحفاظ على اللغة.
ختام الحلقة والتمهيد للحديث عن واقع اللغة العربية في المجتمعات المعاصرة
[المذيع]: حسنًا، إن شاء الله فضيلة الدكتور، في الحلقة في المرة القادمة بإذن الله سنتحدث مع فضيلتكم حول اللغة العربية في مجتمعاتنا العربية في عصرنا المعاصر.
كيف تقيِّم هذا الأمر فضيلة الدكتور، خاصة في ظل الحملات التي نراها ونتابعها هذه الأيام التي تنتقص من مقدار اللغة العربية وقدر اللغة العربية، سواء في الاستخدامات العادية اليومية أو حتى في الأمور العلمية والبحثية.
أشكرك شكرًا جزيلًا فضيلة الدكتور، شكرًا جزيلًا لحضرتك. الشكر موصول لكم مشاهدينا الكرام، إلى اللقاء.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الفرق الجوهري بين مصطلح اللغة المقدسة ومصطلح قداسة اللغة؟
اللغة المقدسة هي التي تشتمل على نص مقدس عند أهلها، أما قداسة اللغة فتعني أن اللغة مقدسة بذاتها
كم عدد كلمات القرآن الكريم بالمكرر؟
ستة وستون ألف كلمة
كم عدد الألفاظ التي لم ترد إلا مرة واحدة في القرآن الكريم؟
ألف وستمائة وعشرة ألفاظ
كم عدد جذور اللغة العربية الكاملة؟
ثمانون ألف جذر
ما نسبة جذور القرآن الكريم من إجمالي جذور اللغة العربية تقريبًا؟
اثنان في المائة
ما الكتاب الذي ألّفه الإمام السيوطي ردًّا على قصة أبي العلاء المعري؟
التبري من معرة المعري
كم اسمًا أورد السيوطي للكلب في كتابه؟
نحو سبعين اسمًا
ما المقصود بمصطلح الوضع في علم اللغة؟
الأصل اللغوي الذي وُضع للألفاظ قبل المتكلم والسامع
ما الذي دفع العلماء إلى تأليف المعاجم وحفظ الشعر وإنشاء علوم البلاغة؟
الحاجة إلى فهم دلالات ألفاظ القرآن والسنة وتراكيبهما
لماذا هاجم العلماء طه حسين حين شكّك في الشعر الجاهلي؟
لأن إنكاره يُسقط المعيار اللغوي الذي يُفهم به القرآن والسنة
ما الدليل الذي يُثبت صحة الشعر الجاهلي ويُميّزه عن الشعر اللاحق؟
الفرق الواضح في الغاية والألفاظ والتراكيب والأغراض بينه وبين الشعر الأموي والعباسي
ما الذي يحدث للاجتماع البشري إذا أُهملت اللغة وتشوشت؟
يذوب الاجتماع البشري ويضيع ويضل
لماذا تُعدّ اللغة العربية لغة مقدسة؟
لأنها تشتمل على القرآن الكريم الذي يعتقد أهلها أنه نص مقدس، وليس لذاتها، إذ اللغة كائن حي متطور لا قداسة لها من حيث ذاتها.
ما اللغات المقدسة عند أصحاب الديانات الأخرى غير الإسلام؟
العبرية لأن التوراة مكتوبة بها، والآرامية لأن عيسى عليه السلام تكلم بها، والسنسكريتية لأن الفيدا مكتوبة بها، والفارسية لأن مصحف زرادشت بها.
كم مرة ورد لفظ الجلالة في القرآن الكريم تقريبًا؟
ورد لفظ الجلالة نحو ثمانية آلاف موضع في القرآن الكريم بالضم والفتح والجر.
ما كلمة ضيزى وأين وردت في القرآن الكريم؟
ضيزى لفظ قرآني فريد لم يرد إلا مرة واحدة في القرآن الكريم، وهي من ضمن ألف وستمائة وعشرة ألفاظ لم تُذكر إلا مرة واحدة.
كم جذرًا تشتمل عليها السنة النبوية مضافةً إلى جذور القرآن الكريم؟
جذور القرآن والسنة معًا تبلغ ثلاثة آلاف وستمائة جذر، أي نحو أربعة في المائة من ثمانين ألف جذر في اللغة العربية.
ما معنى قاعدة الاستعمال من صفة المتكلم والحمل من صفة السامع والوضع قبلهما؟
الاستعمال هو توظيف المتكلم للألفاظ لتوصيل المعاني، والحمل هو ما يفهمه السامع من تلك الألفاظ، والوضع هو الأصل اللغوي المُدوَّن في المعجم الذي يُحتكم إليه عند الاختلاف.
كم اسمًا للخمر في اللغة العربية؟
للخمر تسعون اسمًا في اللغة العربية، منها الداء والدواء والصفراء والعجوز والشامول.
ما رد أبي العلاء المعري على من شتمه بالكلب؟
قال له: الكلب من لا يعرف للكلب أربعين اسمًا في لغة العرب، وذكر من أسمائه الواشق والواثق والزارع والجرو وغيرها.
ما الفرق بين اسم نوع الكلب واسم العلم الخاص بكلب بعينه؟
اسم النوع يدل على جنس الكلاب كالواشق والجرو، أما اسم العلم فهو اسم خاص بكلب معين كاسم كساب الذي أورده السيوطي، وهذا لا يُحسب ضمن أسماء النوع.
ما العلاقة بين اللغة والفكر وفق ما يُقرره هذا المحتوى؟
اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، فمن أراد نهضة صحيحة للأمة وجب عليه إحسان لغتها، ومن أراد تطورًا وإبداعًا وجب عليه إحسان اللغة.
كيف جعل المسلمون الأوائل القرآن والسنة محورًا لحضارتهم؟
أتقنوا قواعد اللغة العربية فانبهروا بالكتاب والسنة وجعلوهما محورًا تنطلق منه كل الفنون والعلوم والآداب وتعود إليه وتخدمه وتُقوَّم به.
من أين استوحى المشككون في الشعر الجاهلي فكرتهم؟
استوحوها من محاولات مشابهة طُبّقت على الكتب المقدسة السابقة حين قيل إنها ليس لها لغة، وقد نسبت هذه الفكرة إلى المستشرق مرجليوس.
ما الدليل على أن الحفاظ على اللغة شرط لبناء الحضارة المادية؟
الأمم المتقدمة كالألمان والصينيين واليابانيين حافظت على لغاتها حتى وإن قلّدت الاختراعات الغربية، مما يُثبت أن الحضارة المادية لا بد فيها من الحفاظ على اللغة.
ما الذي أنشأه علماء المسلمين لفهم ما وراء تراكيب القرآن والسنة؟
أنشأوا علم التراكيب وعلم البلاغة، إضافة إلى تأليف المعاجم لفهم دلالات الألفاظ وحفظ الشعر لفهم التراكيب.
ما حروف القرآن الكريم الإجمالية؟
يحتوي القرآن الكريم على ثلاثمائة وخمسة وسبعين ألف حرف.
