ما حقيقة الأنس بالله والهيبة والتواجد والوجد والوجود عند الصوفية؟
الأنس بالله حالة روحية عالية تفوق البسط، وحقّه صحوٌ بحق؛ بمعنى أن صاحبه يتعامل مع الناس بالحق مع انبساط قلبه بالله. وأدنى محل الأنس أن لا يتكدّر صاحبه لو طُرح في لظى، لأن أنسه بالله لا بالرفاهية. أما التواجد والوجد والوجود فهي مراتب متدرجة: التواجد استدعاء الوجد بالاختيار، والوجد ما يرد على القلب، والوجود أعلاها وهو مقام أهل المعرفة والانكشاف.
- •
هل يمكن أن يُضرب الإنسان بالسيف فلا يشعر بالألم؟ أقوال السلف في الأنس بالله تجيب بنعم.
- •
الهيبة والأنس مقامان فوق القبض والبسط، وهما أعلى درجات السلوك الروحي في الترتيب الصوفي.
- •
حق الهيبة الغيبة عن الخلق، وقد تكون في القلب أو الذهن أو ظاهرة، وتستلزم العزلة والخلوة المشروعة.
- •
الاعتكاف والخلوة جائزان شرعًا، لكن السعي في حاجة الأخ بإخلاص النية يفوق ثواب الاعتكاف أربعين سنة.
- •
التواجد والوجد والوجود مراتب متدرجة: التواجد استدعاء بالاختيار، والوجود أعلاها وهو مقام أهل المعرفة.
- •
الهيبة والأنس رغم جلالتهما يُعدّان نقصًا عند أهل التمكين لتضمّنهما تغيّر العبد عن حال الثبات الكامل.
- 0:00
الهيبة والأنس مقامان فوق القبض والبسط في السلوك الروحي، وهما من الألفاظ المتداولة بين الصوفية التي يشرحها القشيري.
- 1:07
الصوفي لا يرى الدنيا في ذاتها بل من خلال تذكّره لله، فيتبع ما يُرضيه ويبتعد عما يُغضبه في كل أحواله.
- 1:53
مراتب الأحوال الروحية متدرجة: خوف فقبض فهيبة، ورجاء فبسط فأنس، والهيبة والأنس أعلى الدرجتين.
- 2:37
الهيبة تستلزم الغيبة عن الخلق، والهائبون يتفاوتون في مدة غيبتهم وعمقها بين ظاهرة وخفية وقلبية وذهنية.
- 3:38
الداخل في الهيبة من الله يغيب عن الدنيا ويكون في حضرة القدس بأدب تام، وتدفعه الهيبة إلى حبّ العزلة والغيبة عن الخلق.
- 4:51
مشروعية الخلوة مستمدة من تعبّد النبي في غار حراء، حيث كان يغيب عن الخلق فيحدث له أنس بالله وتفرّد معه.
- 5:55
موقع غار حراء وصعوبة الصعود إليه يدلّان على تباعد النبي عن الخلق واستئناسه بالله وتفرّده بالعبادة مع التعلّق بالكعبة.
- 6:47
السعي في حاجة الأخ بإخلاص النية يفوق ثواب الاعتكاف، وقد يبلغ أجر أربعين سنة اعتكافًا بحسب درجة الإخلاص.
- 7:49
الاعتكاف جائز لأن الهيبة تقتضي الغيبة وقطع العلائق، وإن كان السعي في حاجة الأخ أعظم ثوابًا فالاعتكاف يُقام لحاجة العبد الروحية.
- 8:34
الغيبة عن الخلق ممكنة مع مخالطتهم، وصاحب الهيبة يكون عفيفًا لا يطلب من الخلق ولا يمدّ يده لمحرّم.
- 9:25
حق الأنس بالله صحوٌ بحق: صاحبه منبسط مسرور لكنه لا يعامل أحدًا إلا بالحق، ويتفاوت أهله بحسب شربهم من معين الله.
- 10:39
أدنى محل الأنس بالله أن لا يتكدّر صاحبه لو طُرح في لظى، لأن أنسه بالله لا بالرفاهية، فهو مستمر مهما اشتدّ البلاء.
- 11:47
قال السري السقطي إن العبد يبلغ من الأنس بالله حدًّا لو ضُرب وجهه بالسيف لم يشعر، لأن الأنس يسيطر على الدماغ فيحجب الألم.
- 12:44
الجنيد شكّ في قول السري عن انقطاع الألم من الأنس بالله، حتى دخل في الأنس بنفسه فتيقّن أن الأمر حقيقة لا مبالغة.
- 13:48
الشبلي نتف حاجبه بمنقاش ليُدخل الألم على نفسه فيستتر عنه الأنس بالله، لكنه لم يشعر بالألم لغلبة الأنس عليه.
- 15:03
غلب الأنس بالله على الشبلي حتى لم يستطع الشعور بالألم رغم محاولته إيذاء نفسه، فالأنس شغله عن الألم لا العكس.
- 15:37
الهيبة والأنس رغم جلالتهما يُعدّان نقصًا عند أهل الحقيقة لأنهما قد يحجبان عن عمارة الدنيا ويتضمّنان تغيّر العبد.
- 16:12
الغين على قلب النبي هو غَيْن أنوار يجعله مستأنسًا بالله، فيستغفر خشية أن يكون ذلك حجابًا عن كمال تبليغ الرسالة.
- 17:35
آية الرعد تُسلّي النبي بأن الرسل قبله كانت لهم التزامات دنيوية، مما يدل على أن الغيبة الكاملة لا تصلح مع الرسالة.
- 18:33
استغفار النبي ليس عن ذنب بل من توهّم النقص في التبليغ، وأهل التمكين تجاوزوا الهيبة والأنس لأنهما يتضمّنان تغيّر العبد.
- 19:27
استغفار النبي مع مغفرة الله له كان لتعليم الأمة، كما أن قيام الليل كان شكرًا لله لا واجبًا، وكل ذلك لتعليم أمته.
- 20:16
النبي كامل معصوم لا نقص فيه حقيقةً، لكن أحوال النقص الظاهر تجري عليه في الظاهر فقط لتعليم أمته.
- 20:48
سها النبي في الصلاة خمس مرات فقط بسبب اشتغال سرّه بالله، وهو ليس نقصًا حقيقيًّا بل أجراه الله عليه لتعليم الأمة.
- 21:54
سهو النبي في الصلاة تعظيم لله لا نقص، لأن سرّه غاب عن كل شيء سوى الله فسها عمّا سواه تعظيمًا له.
- 23:37
سهو النبي وأميّته كلاهما ظاهره نقص وباطنه علو ومعجزة، فما يكون نقصًا في حق غيره يكون علوًّا في حقه.
- 24:04
الأمية نقص في حق غير النبي لكنها معجزة وعلو في حقه، وقد ألّف السيوطي كتابًا في تأديب من يقيس نفسه بالأنبياء.
- 24:59
وصال النبي بين اليومين وعدم تسحّره خاصية فيه وعلو لشأنه، وإن كان ظاهره نقصًا فباطنه علو وتعليم للأمة.
- 26:12
أجمعت الأمة بجميع فرقها على أن النبي هو أفضل الخلق أجمعين، وهو الإنسان الكامل وسيد الخلق بإجماع.
- 26:52
النبي أفضل من المصحف المطبوع لأنه مخلوق، أما كلام الله فصفة إلهية لا تصحّ المقارنة فيها، والنبي أفضل المخلوقين.
- 27:46
مسألة أفضلية النبي على المصحف دقيقة قد تلتبس على العامة، لذلك لا تُقال إلا في مجالس العلم لطلبة العلم.
- 28:31
أبو سعيد الخراز تاه في البادية من شدة الأنس بالله حتى لم يعرف من هو، وامّحت هويته في استغراقه الكامل بالله.
- 29:32
أبيات الهاتف تُبيّن أن أهل الوجود الحقيقي يغيبون عن الأكوان كلها، وأن الفرح بالأنس دليل على عدم بلوغ أعلى الدرجات.
- 30:41
المصدر على وزن تَفعال كله مفتوح إلا تِبيان وتِلقاء المذكورَين في القرآن، أما الأسماء على نفس الوزن فقد تكون مكسورة.
- 31:53
المصادر على وزن تَفعال مفتوحة كلها إلا تِبيان وتِلقاء، أما الأسماء على نفس الوزن فقد تكون مكسورة كتِمثال وتِمساح.
- 32:15
أهل الوجود عند الصوفية مصطلح يعني أهل المعرفة وانكشاف الحقائق، وهو مصطلح يستخدمه ابن عربي للدلالة على أهل الكشف.
- 33:19
قاعدة إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا تعني أن المصطلحين يختلفان عند اجتماعهما ويتحدان عند انفراد أحدهما.
- 34:17
الكشف والوجود عند الصوفية متقاربان في المعنى، وعند الانفراد يدلّ كل منهما على المعرفة والانكشاف الإلهي.
- 34:55
التواجد والوجد والوجود مراتب متدرجة: التواجد طلب واستدعاء، والوجد ما يرد على القلب، والوجود أعلاها وهو مقام المعرفة.
- 36:09
التاء في تواجد تدل على الطلب والاستدعاء كالألف والسين والتاء، فتواجد يعني طلب الوجد واستدعاءه.
- 36:47
التواجد استدعاء الوجد بالاختيار، ودليله الحديث النبوي فتباكوا أي اطلبوا البكاء، وليس لصاحبه كمال الوجد.
- 37:40
التواجد في الدرجة الدنيا لأن فيه تكلّفًا واختيارًا، وصاحبه متواجد لا واجد، فهو ناقص بالنسبة للوجد الحقيقي.
- 38:13
باب التفاعل في أكثره يدل على إظهار الصفة دون التحقق بها، كتفاقر وتغانى وتعالَم وتواجد.
- 39:12
الشاهد الشعري على التفاعل: إذا تخازرتُ وما بي من خزر، أي أظهر ضيق العينين وهو ليس به ذلك.
- 40:16
تتمة البيت الشعري تؤكد أن التفاعل يفيد إظهار الصفة لا التحقق بها، ولو أفاد التحقق لكان اسم فاعل.
- 41:08
اختلف العلماء في التواجد: فريق ردّه لما فيه من تكلّف، وفريق أجازه للفقراء المجرّدين وسيلةً للوصول إلى الوجد.
- 41:56
الدليل على التواجد حديث فتباكوا، وحكاية الجريري مع الجنيد في مجلس السماع تُبيّن موقف الجنيد من التواجد.
- 42:37
الجنيد أجاب عن وجده في السماع بآية الجبال التي تمرّ مرّ السحاب، مشيرًا إلى أن تأثره عميق خفي لا ظاهر.
- 43:20
الجريري كان يُمسك وجده في الجلسات المحتشمة ويُطلقه في الخلوة، ولم يُنكر عليه الجنيد، مما يُجيز التواجد للفقراء المتجرّدين.
ما معنى الهيبة والأنس عند الصوفية وما علاقتهما بالقبض والبسط؟
الهيبة والأنس مقامان روحيان فوق القبض والبسط في طريق السلوك إلى الله. القبض يحدث للسالك في طريقه إلى الله، والهيبة أعلى منه درجة، كما أن الأنس أتمّ من البسط. وهذه المصطلحات من الألفاظ المتداولة بين الصوفية التي يُبيّن القشيري معناها ومشكلها.
كيف يرى الصوفي الدنيا والآخرة وما حقيقة تجرّده؟
الصوفي لا يرى إلا الله، فلا يحسب حسابًا لنفسه ولا للدنيا ولا للآخرة إلا من خلال الله. ما يُرضي الله يتبعه في كل شيء وما يُغضبه يبتعد عنه. فهو لا يرى الدنيا في ذاتها وإنما يراها من خلال تذكّره لله رب العالمين.
ما ترتيب مقامات الخوف والقبض والهيبة والرجاء والبسط والأنس عند الصوفية؟
هذه المقامات مرتّبة تدريجيًّا: الخوف في الأسفل وفوقه القبض وفوق القبض الهيبة، وفي الجانب الآخر الرجاء وفوقه البسط وفوق البسط الأنس. فالهيبة أعلى من القبض والأنس أتمّ من البسط، وهي مسألة متدرجة في السلوك الروحي.
ما علاقة الهيبة بالغيبة عن الخلق وكيف يتفاوت الهائبون فيها؟
حق الهيبة الغيبة، فكل هائب غائب عن الخلق. والهائبون يتفاوتون في الهيبة على حسب تباينهم في الغيبة؛ فمنهم من تطول غيبته ومنهم من تقصر. والغيبة قد تكون في الذهن أو في القلب أو ظاهرة أو خفية.
كيف يكون حال من دخل في الهيبة من الله وما أثرها على سلوكه؟
من دخل في الهيبة من الله كأنه أُغلقت عليه أبواب الدنيا فلا يراها، وهو في حضرة القدس مؤدّب غاية الأدب مع هدوء كامل. وتدفعه الهيبة إلى حبّ العزلة لأن العزلة فيها غيبة عن الخلق، وهي الحالة المتلبّسة به في تلك اللحظة.
ما دليل مشروعية الخلوة وكيف ارتبطت بالأنس بالله في سيرة النبي؟
دليل مشروعية الخلوة ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء، إذ كان يغيب عن الخلق فيحدث له أنس بالله. الغيبة تقتضي الهيبة والهيبة تقتضي التفرّد والتوحّد مع الله. وكان النبي يذهب الأيام ذوات العدد متزوّدًا بالزاد حتى لا ينزل، فأصل الخلوة مأخوذ من هذا الفعل النبوي.
ماذا يدل موقع غار حراء وصعوبة الصعود إليه على طبيعة عبادة النبي فيه؟
غار حراء فوق الجبل ومنه تُرى الكعبة وهو على أطراف مكة والصعود إليه صعب، مما يدل على تباعد النبي عن الخلق والاستئناس بالله والتفرّد والتوحّد له في عبادته. كما يدل اختياره مكانًا يرى منه الكعبة على التعلّق بالله وإبقاء الشوق والرغبة في القلب.
ما فضل السعي في حاجة الأخ مقارنةً بالاعتكاف وما الدليل على ذلك؟
السعي في حاجة الأخ له من الثواب ما يفوق الاعتكاف؛ فمن سعى في حاجة أخيه بإخلاص النية فله أجر كأنه اعتكف أربعين سنة. والثواب يتفاوت بحسب النية: فمن خرج مخلصًا فأربعون سنة، ومن خرج متبرّمًا فأربعون شهرًا، ومن خرج رغمًا عنه فأربعون يومًا.
لماذا يُقام الاعتكاف إذا كان السعي للأخ أفضل منه ثوابًا وهل الاعتكاف جائز؟
الاعتكاف جائز لأنه يُقام لصاحبه نفسه حين تأتيه الهيبة فتقتضي الغيبة واشتياقه إلى قطع العلائق. فالشرع يقول له: امضِ واعتكف وهو جائز. أما السعي للأخ فأفضل من ناحية الثواب، لكن الاعتكاف يُقام لحاجة العبد الروحية حين تغلب عليه الهيبة.
هل يمكن أن تحصل الغيبة عن الخلق مع مخالطتهم وما أثر الهيبة على سلوك صاحبها؟
نعم، يمكن أن تأتي الغيبة ونحن نخالط الناس؛ فالغائب بقلبه لا يخاف من الخلق ولا يقول الباطل. وتجده عفيفًا لا يمدّ يده بسرقة ولا رشوة ولا عدوان، ولا يطلب من الخلق لأن الهيبة دخلت فيه فصار لا يسأل إلا الله.
ما معنى قولهم حق الأنس صحوٌ بحق وكيف يتفاوت أهل الأنس فيه؟
حق الأنس صحوٌ بحق، أي أن صاحب الأنس بالله يكون صاحيًا يعرف من أمامه ويتعامل معه، لكنه لا يعامله إلا بالحق. فهو منبسط مسرور لكن تعامله مع الناس قائم على الحق دائمًا. وأهل الأنس يتباينون في درجاتهم بحسب تباينهم في الشرب والتذوّق من معين الله.
ما أدنى محل الأنس بالله وكيف يصف العلماء هذه الحالة؟
أدنى محل الأنس بالله أنه لو طُرح صاحبه في لظى لم يتكدّر عليه أنسه. فأنسه بالله لا بجسمه المرتاح ولا بالرفاهية حوله، فمهما تكدّر ما حوله يبقى الأنس مستمرًا لأنه بالله الذي لا يزول.
ما قول السري السقطي في بلوغ العبد حدًّا لا يشعر فيه بالألم من شدة الأنس بالله؟
قال السري السقطي: يبلغ العبد إلى حدٍّ لو ضُرب وجهه بالسيف لم يشعر من شدة الأنس بالله. فالأنس بالله حالة من السرور والاطمئنان والشعور بالأمن تسيطر على الإنسان حتى تشغله عن الإحساس بالألم الجسدي. والألم عادةً ينتقل إلى الدماغ فيأمر بالتألم، لكن سيطرة حالة الأنس تقطع هذا الاتصال.
كيف تحقّق الجنيد من صحة قول السري في انقطاع الإحساس بالألم من شدة الأنس بالله؟
كان الجنيد يسمع السري يقول إن العبد يبلغ حدًّا لو ضُرب وجهه بالسيف لم يشعر، وكان في قلبه شيء من الشك. لكن لمّا دخل الجنيد في الأنس بنفسه تبيّن له أن الأمر كذلك فعلًا وحقيقةً وليس مبالغة، وأنه لو ضُرب بالسيف لم يشعر فعلًا.
ما حكاية الشبلي في نتف حاجبه وما دلالتها على غلبة الأنس بالله عليه؟
دخل أحدهم على الشبلي وهو ينتف الشعر من حاجبه بمنقاش، فقال له: الحقيقة ظاهرة لي ولست أطيقها، فأنا أُدخل الألم على نفسي لعلّي أحسّ به فيستتر عنّي الأنس، فلست أجد الألم وليس يتستّر عنّي. فمن شدة دخوله في الهيبة والأنس أراد أن يُحدث ألمًا يُنهي هذه الحالة فلم يستطع.
كيف غلب الأنس بالله على الشبلي حتى لم يستطع الشعور بالألم رغم محاولته؟
الشبلي أراد أن يؤلم نفسه حتى ينشغل عن الأنس، فكان يطعن نفسه فلا يشعر بالألم. غالب عليه الأنس بالله لدرجة أن الألم لا يصل إليه؛ كان يريد أن يتألم حتى ينشغل عن الأنس، فإذا بالأنس شغله عن الألم.
لماذا يعدّ أهل الحقيقة الهيبة والأنس نقصًا رغم جلالتهما؟
أهل الحقيقة يعدّون الهيبة والأنس نقصًا لأن الهيبة تؤدي إلى الغيبة والأنس يؤدي إلى الفرح والسرور، وكلاهما قد يكون حجابًا عن عمارة الدنيا. فصاحبهما يتغيّر عن حال التمكين الكامل، وأهل التمكين سمت أحوالهم عن التغيّر.
ما تفسير حديث الغين على قلب النبي واستغفاره سبعين مرة في اليوم؟
الغين على قلب النبي هو غَيْن أنوار، أي شيء يعتريه فيجعله زاهدًا في الناس مستأنسًا بالله. فكان يرى في نفسه أنه بذلك لا يبلّغ الرسالة على الوجه الأتمّ الأكمل، فيستغفر الله أي يطلب منه أن يردّه إلى الدنيا ليبلّغ. فاستغفاره خشية أن يكون الأنس بالله حجابًا بينه وبين كمال التبليغ.
ما دلالة آية الرعد في تسلية النبي بأن الرسل قبله كانت لهم أزواج وذرية والتزامات؟
الآية تُسلّي قلب النبي بأن الرسل من قبله كانت لهم أزواج وذرية وعلائق في الدنيا لا بدّ من أدائها، بالإضافة إلى الرسالة. وهذا يعني أن الغيبة والخلوة الكاملة لا تصلح مع الرسالة التي تقتضي الانخراط في الدنيا والقيام بتكاليفها.
هل استغفار النبي كان عن ذنب وما معنى قولهم إن الهيبة والأنس نقص لتضمّنهما تغيّر العبد؟
استغفار النبي ليس عن ذنب معاذ الله فهو معصوم كامل، بل يأتي من توهّم النقص في تبليغ الرسالة حين يغلب عليه الأنس بالله. وأهل التمكين سمت أحوالهم عن التغيّر فلا هيبة لهم ولا أنس ولا علم ولا حسّ، لأن الهيبة والأنس يتضمّنان تغيّر العبد وهو نقص عند أهل التمكين.
لماذا كان النبي يستغفر مع أن الله غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر؟
ما كان يجري على النبي من أحوال إنما كان لتعليم الأمة. فاستغفاره مع أن الله غفر له يُعلّم الأمة معنى الاستغفار وأنه ليس فقط عن الذنب. وهو مثل قيام الليل الذي كان يقوم به شكرًا لله قائلًا: أفلا أكون عبدًا شكورًا، فكل ذلك في معنى من هذه المعاني التعليمية.
كيف يُجمع بين كمال النبي وعصمته وبين ورود أحوال النقص الظاهر عليه؟
النبي كامل معصوم لا يعتريه النقصان حقيقةً، لكن أحوال النقصان تجري عليه في الظاهر لتعليم أمته. فهو ليس بناقص في الحقيقة، وإنما تجري عليه في الظاهر أحكام النقصان من أجل تعليم الأمة كيف تتعامل مع هذه الأحوال.
لماذا سها النبي في الصلاة وكم مرة حدث ذلك في حياته؟
سها النبي في الصلاة خمس مرات فقط في عمره الطويل كله. وسبب السهو ليس غفلة القلب بل اشتغال سرّه بالله دائمًا حتى سها عن الحاضرين وعن الصلاة نفسها. وهذا السهو ليس نقصًا حقيقيًّا بل أجراه الله عليه من أجل تعليم أمته أحكام السهو في الصلاة.
كيف يكون سهو النبي في الصلاة تعظيمًا لله لا نقصًا؟
سهو النبي تعظيم في حقه لأن سرّه غاب عن كل شيء سوى الله، فسها عمّا سوى الله تعظيمًا لله. فالسهو الذي يكون من القلب الغافل اللاهي هو نقص، أما سهوه فكان من استغراق سرّه في الله فصار تعظيمًا لا نقصًا.
ما وجه الشبه بين سهو النبي في الصلاة وأميّته في كونهما علوًّا لا نقصًا؟
كلاهما ظاهره نقص وباطنه علو؛ فالسهو تعظيم في حق النبي لأنه من استغراق سرّه بالله، والأمية معجزة وعلو لشأنه لأنها أثبتت أن القرآن وحي لا تعلّم. فما يكون نقصًا في حق غيره يكون علوًّا ومعجزةً في حقه صلى الله عليه وسلم.
كيف تكون الأمية نقصًا في حق غير النبي ومعجزةً وعلوًّا في حقه؟
الأمية نقص في حق غير النبي لأنها تُعيق إقامة الصلاة وأداء الواجبات الشرعية. أما في حق النبي فهي معجزة وعلو لشأنه لأنها أثبتت أن القرآن وحي لا تعلّم. وقد ألّف السيوطي كتاب تنبيه السفهاء عن تشبيه الأنبياء ليُبيّن أن من يقيس نفسه بالنبي في هذه الأمور يُؤدَّب.
ما الذي اختصّ به النبي من أحوال ظاهرها نقص وباطنها علو كالوصال وعدم التسحّر؟
من خصائص النبي أنه كان يواصل بين اليومين دون إفطار ويقول: أبيتُ عند ربي يُطعمني ويسقين. فعدم التسحّر في حق غيره نقص لأنه لا يقدر على الصيام، أما في حقه فليس نقصًا لأن الله يُطعمه ويسقيه. وهذا من الأحوال التي أجراها الله عليه لخاصية فيه أو لعلو قدره أو لتعليم الأمة.
ما الذي أجمعت عليه الأمة بشأن مكانة النبي وأفضليته؟
أجمعت الأمة بجميع فرقها من وهابية وصوفية ومالكية وسنة وشيعة على أن النبي هو أفضل الخلق أجمعين. فهو الإنسان الكامل والنبي المصطفى وسيد الخلق، وهو أفضل من العرش والكعبة وكل المخلوقات قطعًا.
هل النبي أفضل من المصحف وما الفرق بين المصحف المطبوع وكلام الله؟
قال الإمام الجويني إن النبي أفضل من المصحف المطبوع قطعًا باعتبار أن المصحف المطبوع مخلوق حادث. أما كلام الله فهو صفة من صفاته وليس مخلوقًا، فلا تصحّ المقارنة بين النبي وبين رب العالمين. فالنبي أفضل المخلوقين من سماء وأرض وعرش وملائكة وأنبياء ومصاحف مطبوعة.
لماذا لا تُقال مسألة أفضلية النبي على المصحف إلا لطلبة العلم؟
هذه مسألة دقيقة يمكن أن تلتبس على عامة الناس، لذلك لا تُقال إلا لطلبة العلم ولا تصلح أن تكون خطبة جمعة. فالعامة قد لا يفهمون الفرق بين المصحف المطبوع المخلوق وبين كلام الله القائم بذاته، فتُحفظ هذه المسألة لمجالس العلم.
ما حكاية أبي سعيد الخراز في التيه بالبادية وما دلالتها على الأنس بالله؟
قال أبو سعيد الخراز: تُهتُ في البادية مرة فكنت أقول أتيه فلا أدري من أتيه، أي لم يعد يعرف من هو. فقد امّحى نهائيًّا من شدة الأنس بالله واستغراقه فيه، حتى لم يعد يعرف جنسه ولا هويته، وكان منشغلًا بالله انشغالًا تامًّا.
ما معنى أبيات الهاتف لأبي سعيد الخراز وكيف تدل على أن الهيبة والأنس حال نقص؟
أبيات الهاتف تقول إن من كان من أهل الوجود الحقيقي لغاب عن الأكوان والعرش والكرسي وكان مع الله خليًّا عن التذكار. فالفرح بالتيه والأنس دليل على أنه لم يبلغ أعلى الدرجات. وهذا يؤكد أن الهيبة والأنس رغم جلالتهما هما حال نقص بالنسبة لما هو أعلى منهما.
ما القاعدة الصرفية في وزن تفعال وما الاستثناءان منها في القرآن الكريم؟
المصدر على وزن تَفعال كله مفتوح إلا اثنين: تِبيان وتِلقاء، وكلاهما مذكوران في القرآن الكريم. فتَذكار وتَسيار وتَكرار كلها بالفتح. أما تِمثال وتِمساح فهذه أسماء لا مصادر، والأسماء شيء والمصادر شيء آخر.
ما الفرق بين المصادر والأسماء في وزن تفعال من حيث الضبط؟
المصادر على وزن تَفعال كلها مفتوحة إلا تِبيان وتِلقاء. أما الأسماء على نفس الوزن فكثير منها مكسور كتِمثال وتِمساح وتِمرز، لأنها أسماء لا مصادر. فالقاعدة تخصّ المصادر فقط لا الأسماء.
ما معنى أهل الوجود عند الصوفية وما علاقته بالكشف والمعرفة؟
أهل الوجود عند الصوفية مصطلح يعني أهل المعرفة، أي العارف الذي يشعر أن الله موجود في قلبه. يُقصد بالكشف الأكوان وبالوجود الرحمن، فأهل الوجود هم أهل انكشاف الحقائق في الدنيا وتمكّن المعرفة الإلهية من القلب.
ما معنى قاعدة إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا وكيف تُطبَّق على الكشف والوجود؟
هذه القاعدة تعني أن المصطلحين إذا اجتمعا في الكلام افترقا في المعنى، وإذا انفرد أحدهما اجتمعا في المعنى. مثالها الفقراء والمساكين في آية الزكاة: إذا اجتمعا في الذكر كان لكل منهما معنى مختلف، وإذا انفرد أحدهما دلّ على الآخر. وكذلك الكشف والوجود عند الصوفية.
هل الكشف والوجود مترادفان أم مختلفان عند الصوفية؟
الكشف والوجود عند الصوفية يجريان مجرى المترادفين عند الانفراد، فأهل الوجود يعني أهل الانكشاف والمعرفة، وأهل الكشف يعني أهل الانكشاف والمعرفة. وعند اجتماعهما في الكلام يمكن أن يُفرَّق بينهما في المعنى وفق قاعدة إذا اجتمعا افترقا.
ما الفرق بين التواجد والوجد والوجود وكيف هي مراتب متدرجة؟
التواجد والوجد والوجود ثلاث مراتب متدرجة: التواجد فيه استدعاء وطلب للوجد، والوجد ما يرد على القلب، والوجود أعلاها وهو مقام أهل المعرفة. فالتواجد هو الطلب والسعي، والوجد هو الباب الموصل، والوجود هو الغاية.
ما دلالة التاء في تواجد وما علاقتها بالألف والسين والتاء في الصرف العربي؟
التاء في تواجد تدل على الطلب والاستدعاء، وهي مثل الألف والسين والتاء التي تدخل للطلب. فاستهبل يعني طلب الحماقة، واستخرج يعني طلب الخروج، واستفهم يعني طلب الفهم. وتواجد يعني طلب الوجد واستدعاءه.
كيف يكون التواجد استدعاءً للوجد بالاختيار وما الدليل النبوي على ذلك؟
التواجد استدعاء الوجد بضرب من الاختيار، أي أن الإنسان يسعى لاستجلاب الوجد بإرادته. والدليل النبوي قوله صلى الله عليه وسلم: إذا قرأتم القرآن فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا. فتباكوا أي اطلبوا البكاء واستدعوه، وهذا هو التواجد بعينه. وليس لصاحب التواجد كمال الوجد لأن فيه تكلّفًا.
لماذا يُعدّ التواجد في الدرجة الدنيا عند الصوفية وما الفرق بينه وبين الوجد الحقيقي؟
التواجد في الدرجة الدنيا لأن فيه تكلّفًا؛ لا يأتي من تلقاء نفسه بل الإنسان هو الذي يصنعه. وليس كمال الوجد لأن صاحبه متواجد لا واجد؛ لو كان واجدًا حقيقيًّا لما احتاج إلى استدعاء الوجد. فالتواجد ناقص بالنسبة للوجد الحقيقي.
ما معنى باب التفاعل في اللغة العربية وما أمثلته في إظهار الصفة دون التحقق بها؟
باب التفاعل في أكثره يدل على إظهار الصفة دون التحقق بها. فتفاقر يعني أظهر الفقر وهو ليس بفقير، وتغانى يعني أظهر الغنى وهو ليس كذلك، وتعالَم يعني أظهر أنه عالم وهو ليس بعالم. وتواجد كذلك يعني أظهر الوجد وهو لم يتحقق به.
ما الشاهد الشعري على باب التفاعل في إظهار صفة غير متحقق بها؟
الشاهد الشعري: إذا تخازرتُ وما بي من خزر. فتخازر يعني أظهر ضيق العينين وهو ليس به ضيق في العينين. فهو يُمثّل صغر العينين لكن عيناه سليمتان. وهذا هو معنى التفاعل: إظهار الصفة دون التحقق بها.
كيف يُكمل البيت الشعري تأكيد أن التفاعل يفيد الصفة دون التحقق بها؟
تتمة البيت: ثم كسرتُ العين من غير أن أعور. فهو أغلق عينه فظنّ الناس أنه أعور وهو ليس كذلك، فهذا تعاوُر وهو ليس أعور. وهذا يؤكد أن التفاعل يفيد الصفة وليس كذلك في الحقيقة، ولو أفاد الصفة لكان اسم فاعل وانتهى.
ما موقف العلماء من حكم التواجد وهل هو مقبول أم مردود؟
اختلف العلماء في التواجد: فقوم قالوا إنه غير مُسلَّم لصاحبه لما فيه من تكلّف يبعد عن التحقق. وقوم قالوا إنه مُسلَّم للفقراء المجرّدين عن الدنيا، لأن من حقهم أن يتواجدوا حتى يصلوا إلى الوجد فيصلوا إلى الوجود.
ما الدليل النبوي الذي استند إليه الصوفية في إجازة التواجد وما حكاية الجريري مع الجنيد؟
الدليل النبوي هو قوله صلى الله عليه وسلم: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا. فتباكوا هو التواجد بعينه، وهو دليل على مشروعية استدعاء الوجد بالاختيار. وحكاية الجريري أنه كان عند الجنيد وكان هناك قوّال، فقام ابن مسروق وغيره والجنيد صامت.
ما موقف الجنيد من السماع وكيف أجاب حين سُئل عن وجده فيه؟
حين سُئل الجنيد ألا يوجد له في السماع شيء، أجاب بالآية: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب. ثم ردّ السؤال على الجريري سائلًا إياه عن وجده في السماع. وهذا يدل على أن الجنيد كان يتأثر بالسماع لكن بطريقة خفية عميقة كحركة الجبال التي لا تُرى.
كيف أطلق الجريري التواجد في الخلوة ولم يُنكر عليه الجنيد وما دلالة ذلك؟
قال الجريري إنه إذا حضر مجلسًا فيه سماع وكان فيه محتشم أمسك على نفسه ووجده، لكن إذا خلا أرسل وجده فتواجد. فأطلق التواجد في الخلوة ولم يُنكر عليه الجنيد، وهذا يقف مع الفريق الذي يرى أن من حق الفقراء المتجرّدين أن يتواجدوا.
الأنس بالله أعلى من البسط ويبلغ بصاحبه حدًّا لا يحسّ فيه بألم، غير أن أهل التمكين يعدّونه نقصًا لتضمّنه تغيّر العبد.
الأنس بالله حالة روحية تفوق البسط كما تفوق الهيبة القبض، وأقوال السلف في الأنس بالله تكشف عمق هذا المقام؛ فقد قال السري السقطي إن العبد يبلغ حدًّا لو ضُرب وجهه بالسيف لم يشعر، وصدّق الجنيد هذا بعد أن دخل في الأنس بنفسه. وحق الأنس صحوٌ بحق، أي أن صاحبه يتعامل مع الناس بالحق مع انبساط قلبه بالله، ولا يتكدّر أنسه لو طُرح في لظى لأن أنسه بالله لا بالرفاهية.
التواجد والوجد والوجود مراتب متدرجة في الاصطلاح الصوفي: التواجد استدعاء الوجد بضرب من الاختيار وفيه تكلّف، والوجد ما يرد على القلب، والوجود أعلاها وهو مقام أهل المعرفة والانكشاف. وقد اختلف العلماء في حكم التواجد بين من ردّه لما فيه من تكلّف، ومن أجازه للفقراء المجرّدين وسيلةً للوصول إلى الوجد الحقيقي. والهيبة والأنس رغم جلالتهما يُعدّان نقصًا عند أهل التمكين لتضمّنهما تغيّر العبد، وهو ما فسّر به العلماء استغفار النبي صلى الله عليه وسلم سبعين مرة في اليوم.
أبرز ما تستفيد منه
- الأنس بالله فوق البسط كما الهيبة فوق القبض في مراتب الأحوال الروحية.
- أدنى محل الأنس أن لا يتكدّر صاحبه لو طُرح في لظى لأن أنسه بالله لا بالجسد.
- التواجد استدعاء الوجد بالاختيار وفيه تكلّف، والوجود أعلى المراتب وهو مقام المعرفة.
- الهيبة والأنس يُعدّان نقصًا عند أهل التمكين لتضمّنهما تغيّر العبد عن حال الثبات.
مقدمة باب تفسير الألفاظ المتداولة بين الصوفية وبيان مشكلها
بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين.
باب في تفسير الألفاظ التي تدور بين هذه الطائفة [الصوفية] وبيان ما يُشكل منها.
قال: ومن ذلك الهيبة والأنس، وهما فوق القبض والبسط. الإنسان وهو في طريقه إلى الله يحدث له شيء من القبض عن الناس، أو وفوق ذلك ومثل القبض والبسط يحدث الهيبة والأنس.
حقيقة الصوفي في عدم رؤية شيء إلا من خلال الله تعالى
والصوفي لا يرى إلا الله، يعني لا يحسب حسابًا لنفسه، ولا يحسب حسابًا للدنيا، ولا يحسب حسابًا للآخرة، ولا يحسب حسابًا للآخر ولا للأكوان إلا من خلال الله. فما يُرضي الله يتبعه في كل هذا؛ في نفسه، في كونه، في مستقبله، في وقته.
وما يُغضب الله فهو بعيد عنه. ولذلك هو لا يرى الدنيا في ذاتها هكذا، وإنما يرى الدنيا من خلال تذكّره لله رب العالمين.
ترتيب مقامات الخوف والقبض والهيبة والرجاء والبسط والأنس
وهما [الهيبة والأنس] فوق القبض والبسط، فكما أن القبض فوق رتبة الخوف، والبسط فوق رتبة الرجاء، فالهيبة أعلى من القبض، والأنس أتمّ من البسط.
فتبقى كأنها مسألة متدرجة:
-
خوف، وفوقه قبض، وفوق القبض هيبة.
-
أو رجاء، وفوق الرجاء بسط، وفوق البسط أنس.
حق الهيبة الغيبة عن الخلق وتفاوت الهائبين في ذلك
وحق الهيبة الغيبة، فكل هائب غائب. ثم الهائبون يتفاوتون في الهيبة على حسب تبايُنهم في الغيبة؛ فمنهم ومنهم، يعني منهم من تطول غيبته ومنهم من تقصر غيبته.
والغيبة تبقى غيبة عن الخلق. الغيبة غائب [عن الخلق]، والغيبة قد تكون في الذهن، وقد تكون في القلب، وقد تكون ظاهرة، وقد تكون خفية.
وصف حال الداخل في الهيبة من الله وأدبه في حضرة القدس
إنما لمّا يدخل في الهيبة من الله كأنه قد أُغلقت عليه أبواب الدنيا، لا يرى هكذا، ما عاد يرى، انتهى. وهو في حضرة القدس وفي حال الهيبة هو مؤدّب غاية في الأدب، لكنه في هذه الغيبة مع الهدوء الكامل.
إلا أن هذه الهيبة، هناك ما هو أعلى منها. وعندما تأتي [الهيبة] الإنسانَ يحب العزلة؛ لأن العزلة فيها غيبة عن الخلق، والحالة الآن المتلبّسة هي حالة الغيبة عن الخلق.
مشروعية الخلوة ودليلها من تعبد النبي في غار حراء
ومن هنا يأتي الشرع فينظّم له هذه [الحالة] بالخلوة. ودليلها ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء؛ فكان يغيب عن الخلق هذه الغيبة، يحدث له أنس بالله.
الغيبة تقتضي الهيبة، والهيبة تقتضي التفرّد والتوحّد مع الله. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب الأيام ذوات العدد إلى غار حراء يتعبّد ويخلو.
فأصل الخلوة مأخوذة من ذهاب النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد أن يتزوّد لأسبوع أو أسبوعين بالزاد والزواد حتى لا ينزل.
وصف غار حراء ودلالة موقعه على تباعد النبي عن الخلق واستئناسه بالله
وغار حراء فوق الجبل ومنه تُرى الكعبة، وهو قريب من مِنى، فهو على أطراف مكة، والصعود إليه صعب. مما يدل على أمور منها:
- •
تباعد النبي صلى الله عليه وسلم عن الخلق.
- •
والاستئناس بالله سبحانه وتعالى.
- •
والتفرّد والتوحّد له في عبادته.
- •
والتعلّق [بالله]؛ اختار مكانًا ينظر فيه إلى الكعبة.
وشرع لنا الشرع ما يؤكد أو يسهّل أو يجعل الشوق والرغبة في القلوب قائمة.
الاعتكاف وقطع الصلة بالحياة الرتيبة وفضل قضاء حوائج الناس عليه
والاعتكاف أيضًا نوع من أنواع قطع الصلة بين العبد والحياة الرتيبة. إلا أنه [الشرع] جعل قضاء مصالح الناس له من الثواب ما يفوق الاعتكاف.
فمن سعى في حاجة أخيه فله أجر فكأنه اعتكف أربعين. فقالوا له: أربعين سنة أو أربعين شهرًا؟ قال: هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يعني منّا من يكون اعتكافه لمّا يتركه ويذهب يقضي في حاجة أخيه ومُخلص النية [فله أجر] أربعين سنة، ومنه واحد آخر متبرّم فيحصل على أجر اعتكاف فقط وهو أربعين شهرًا فقط، ومنه الذي خرج رغمًا عنه فيكون أربعين ماذا؟ يومًا، وهكذا.
تفاوت الدرجات في ثواب الاعتكاف بحسب النية وأفضلية السعي للأخ
ولذلك الإطلاق حين لا نأتي بكلمة أربعين ماذا؟ فيكون كأن هناك تفاوتًا في الدرجات، كل واحد ونيّته.
سعيك لأخيك أفضل من الاعتكاف من ناحية الثواب. فلماذا إذن نقوم بالاعتكاف؟ نقوم به لك أنت؛ لأنك أنت تريد أن تعتكف.
فهل الاعتكاف جائز أم غير جائز؟ [نعم جائز]؛ لأنه حصل لك هيبة، والهيبة تقتضي غيبة، فاشتقت إلى قطع العلائق. فيقول لك: حسنًا، امضِ، اقطع العلائق، اعتكف. يصبح إذن الاعتكاف جائزًا والخلوة جائزة.
الهيبة تستلزم الغيبة وإمكان حصول الغيبة مع مخالطة الناس
والهيبة تستلزم الغيبة، ومن الممكن أن تأتي الغيبة ونحن نعافص الناس [نخالطهم] أيضًا. غائب! ألم تنتبه؟
ولذلك هذا الغائب [عن الخلق بقلبه] لا يخاف من الخلق ولا يقول الباطل، ولكنه أيضًا لا يعافص المعصية. تجده عفيفًا؛ لا يمدّ يده، لا يطلب، لا يمدّ يده لا بسرقة ولا برشوة ولا بعدوان ولا باغتصاب ولا كذلك إلى آخره أو الأراضي للشيء.
لا يطلب من الخلق، وإذا سألت فاسأل الله. لماذا؟ لأنه داخل فيه الهيبة، ما هو على حالة كبيرة [من الهيبة].
تفاوت الغيبة والهيبة وحق الأنس الصحو بالحق
والغيبة والهيبة تتفاوت؛ فمنهم ومنهم، فمنهم ومنهم، أي منهم من يطول معه هذا الأمر ومنهم من تقصر الغيبة حسب ورود الهيبة عليه.
وحق الأنس صحوٌ بحق. يبقى هذه غيبة وهذا صحو. الصحو فقد عرف أنت من، وما حكايتك، وما الرواية، وداخل في التعامل معك وكل شيء. لكن وهو منبسط هكذا ومسرور، لكنه لا يعاملك إلا بحق.
فكل مستأنس صاحٍ، ثم يتباينون حسب تباينهم في الشرب والتذوّق من معين الله سبحانه وتعالى.
أدنى محل الأنس أنه لو طُرح في لظى لم يتكدر أنسه
ولهذا قالوا: أدنى محل الأنس أنه لو طُرح في لظى لم يتكدّر عليه أنسه. لظى تعني النار، فلو ألقوه في مكان شديد الحرارة ومتعب جدًا لدرجة أنه كأنه نار جهنم أم لظى.
ونقول نحن هكذا في كلامنا العام عندما يكون هناك يوم شديد الحر نقول: الله إن جهنم فتحت أبوابها اليوم من شدة الحر.
فإن أنسه لا يتأثر؛ لأن أنسه بمن؟ بالله، وليس بأن جسمه مرتاح أو بالرفاهية حوله. لا، هذا بالله. الله موجود فالأنس مستمر حتى لو تكدّر ما حوله.
قول السري في بلوغ العبد حدًا لا يشعر فيه بالألم من شدة الأنس بالله
قال الجنيد رحمه الله: كنت أسمع السري يقول:
«يبلغ العبد إلى حدٍّ لو ضُرب وجهه بالسيف لم يشعر» من الأنس.
يعني الأنس بالله حالة من السرور والاطمئنان والشعور بالأمن لدرجة أنه لو تعرّض للضرب في وجهه بالسيف ففي هذه الحالة تشغله [حالة الأنس] عن الألم.
فعندما يُضرب سيتألم، وهذا معناه ماذا يا أولاد؟ من أين يأتي هذا الألم؟ ضُرب وجهه بالسيف فجُرح. ما الذي يحدث؟ الذي يحدث أن هذا الألم ينتقل إلى المخ، إلى الدماغ، والدماغ يشعر به فيأمر هذه الأماكن بأن تتألم كي تبتعد من المكان المؤلم.
سيطرة حالة الأنس على الإنسان وانقطاع الإحساس بالألم
هذا يصبح الاتصال [بين الجرح والدماغ] هذا كأنه غير موجود. فلماذا غير موجود؟ لأنه سيطرت عليه حالة أخرى، وهذه الحالة الأخرى التي هي الأنس هنا التي يقولون عنها الأنس.
هذا كان السري يقول: يبلغ العبد إلى حدٍّ لو ضُرب وجهه بالسيف لم يشعر. وكان في قلبي منه شيء [أي شكّ].
الجنيد لم يصدّق. لماذا؟ هذه الدرجات، وهل هذه مبالغة أم هي على سبيل المبالغة وليست على سبيل الحقيقة؟ حتى تبيّن له أن الأمر كذلك. لمّا دخل في الأنس عرف أن الأمر كذلك، وأنه لو ضُرب بالسيف لم يشعر فعلًا وليس مجازًا، فعلًا وحقيقة وليس مبالغة.
حكاية الشبلي في نتف شعر حاجبه ومحاولته إدخال الألم على نفسه
وحكى أبو القاسم الخُشيري عن أبيه عن مقاتل العكّي أنه قال: دخلت على الشبلي وهو ينتف الشعر من حاجبه بمنقاش.
فقلت: يا سيدي، أنت تفعل هذا بنفسك ويعود الألم إلى قلبي!
فقال: ويلك، الحقيقة ظاهرة لي ولست أطيقها، فها أنا ذا أُدخل الألم على نفسي لعلّي أحسّ به فيستتر عنّي، فلست أجد الألم وليس يتستّر عنّي.
من دخوله في الهيبة والأنس أراد أن يفعل شيئًا مثل ضرب السيف حتى ينتهي الأنس عنه أو تنتهي الهيبة عنه.
غلبة الأنس على الشبلي حتى لم يستطع الشعور بالألم
والحقيقة أنه أراد أن يؤلم نفسه، فكأنه أمسك مثلًا شوكة وظلّ يطعن بها نفسه، فلا يشعر بالألم أيضًا.
غالب عليه الأنس لدرجة أن الألم أن يصل إليه [مستحيل]؛ هو كان يريد أن يتألم حتى ينشغل عن الأنس، فإذا بالأنس شغله عن الألم.
الهيبة والأنس نقص عند أهل الحقيقة لأنهما قد يحجبان عن عمارة الدنيا
وحال الهيبة والأنس وإن جلّتا فأهل الحقيقة يعدّونهما نقصًا. كما قلنا منذ قليل، الهيبة والأنس أيضًا نقص؛ لأن الهيبة ستؤدي بك إلى الغيبة، والأنس سيؤدي بك إلى الفرح والسرور، وكلاهما قد يكون حجابًا لك عن عمارة الدنيا.
تفسير حديث الغين على قلب النبي واستغفاره صلى الله عليه وسلم
وهذا الذي فسّروا به حال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال:
«إنه ليُغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة»
فهو غَيْنُ أنوار، ومعنى هذا أن شيئًا ما يعتري رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجعله زاهدًا في الناس وزاهدًا فيمن حوله، مستأنسًا بالله.
وبذلك يرى في نفسه صلى الله عليه وسلم أنه بذلك لا يبلّغ الرسالة على الوجه الأتمّ الأكمل الذي أراده الله. فلمّا يأتي له هذا الخاطر وهذا الشعور يستغفر الله، يعني: اللهم رُدّني إلى الدنيا وإلى هؤلاء أبلّغهم. يخاف أن يكون هذا حجابًا بينه وبين كمال التبليغ.
الآية القرآنية في تسلية النبي بأن الرسل قبله كانت لهم أزواج وذرية والتزامات
تقول الآية:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: 38]
أي يُسلّي قلبه، أي يقول له: إن هناك رسلًا أرسلناهم من قبلك ولست أول من له الالتزامات. وجعلنا لهم أزواجًا لا بدّ عليك من رعايتهن، وذرية لا بدّ عليك من القيام بها، وعلائق في الدنيا لا بدّ عليك أن تؤديها، بالإضافة إلى الرسالة التي يجب عليك أن تقوم بتكاليفها وبأوامرها، وأن تكون على قيام بأحكامها.
إذ لا تصلح مع هذا قضية الغيبة والخلوة وكذلك إلى آخره، لا تصلح معه.
الاستغفار النبوي ليس عن ذنب بل من توهم النقص في تبليغ الرسالة
فيأتي من هنا الاستغفار. فالاستغفار ليس — معاذ الله — عن ذنب ارتكبه صلى الله عليه وسلم أبدًا؛ فهو معصوم وهو كامل.
الاستغفار يأتي من توهّم النقص الذي يريده الله منه في تبليغ الرسالة.
فإذا الهيبة والأنس وإن كانتا جليلتين فأهل الحقيقة يعدّونهما نقصًا لتضمّنهما تغيّر العبد. فإن أهل التمكين سمت أحوالهم عن التغيّر، وهم محوٌ في وجود العين، فلا هيبة لهم ولا أنس ولا علم ولا حسّ.
ما كان يجري على النبي من أحوال إنما كان لتعليم الأمة وليس نقصًا حقيقيًا
انظروا، بقي واحد يقول: حسنًا، إذا كان الأمر كذلك فما هذا الذي كان يحدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذا يجري على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعلّم الأمة ما يأتي.
ولا يأتي أحد يقول لي: الكلام الذي تقولونه هذا لم يكن النبي قد علّمه لنا. لا، النبي علّمه لنا عندما [قال]: إنني أستغفر الله في اليوم مائة مرة وسبعين مرة وهو لم يفعل شيئًا.
هذا ربنا غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. لماذا تستغفر؟ فلماذا لا تحمد؟ مثل قيام الليل:
«أفلا أكون عبدًا شكورًا»
لماذا تقول أستغفر الله؟ لأن في معنى من هذه المعاني.
ورود أحوال النقص الظاهر على النبي كان للأمة وليس له وهو الكامل المعصوم
إنما ورود ذلك المعنى عليه صلى الله عليه وسلم — إن كان — إنما كان للأمة وليس له. هو كامل، هو كامل لا يعتريه النقصان.
إنما أحوال النقصان تجري عليه في الظاهر لتعليم أمته. إنما هو ليس بناقص، إنما تجري عليه في الظاهر أحكام النقصان من أجل تعليم الأمة.
سهو النبي في الصلاة خمس مرات فقط وبيان أنه كان لتعليم الأمة
مثل أن سها في الصلاة، وسها خمس مرات في العمر الطويل هذا كله، سها خمس مرات فقط. لماذا؟ هذا السهو من القلب الغافل [عادةً].
قالوا: سها من أجل أمته. أي يعني سها قصدًا؟ يعني ما هو لا يصلح [أن يكون قصدًا]، وإنما سها بسبب اشتغال سرّه بالله دائمًا، حتى سها عن الحاضرين وعن الصلاة نفسها.
حسنًا، أليس غيابه عن الصلاة فيه شيء من النقص الظاهر؟ لكن ليس النقص الحقيقي؛ لأن الله أجرى هذا عليه من أجل تعليم أمته.
أبيات في تعظيم سهو النبي وأنه غاب عما سوى الله فسها تعظيمًا لله
يا سائلي عن رسول الله كيف سها، والسهو من كل قلب غافلٍ لاهِ:
الله قد غاب عن كل شيء سرّه، فسها عمّا سوى الله، فالتعظيم لله.
فهمتَ؟ نعم، أجل.
إذن ما الذي يجب أن تكتبوه؟
يا سائلي عن رسول الله، كيف سها، والسهو من كل قلب غافلٍ لاهِ. قد غاب عن كل شيء سرّه، فسها عمّا سوى الله، فالتعظيم لله.
قل لي ماذا تريد؟ ماذا تريد؟ قل الذي كتبته. ها:
قد غاب عن كل شيء سرّه، فسها عمّا سوى الله، فالتعظيم لله.
إعادة أبيات سهو النبي وبيان أن السهو تعظيم في حقه صلى الله عليه وسلم
يا سائلي عن رسول الله كيف سها، والسهو من كل قلب غافلٍ لاهِ. الله قد غاب عن كل شيء سرّه، فسها عمّا سوى الله، فالتعظيم لله.
يعني السهو تعظيم في حقه صلى الله عليه وسلم، مثل الأمية؛ نقص لكنها جرت عليه من أجل المعجزة.
الأمية نقص في حق غير النبي لكنها معجزة وعلو في حقه صلى الله عليه وسلم
الأمية نقص، ما لا يوجد أحد يقول ما يعني ما النبي كان أميًّا، هذا يُؤدَّب! وألّف فيها السيوطي كتاب «تنبيه السفهاء عن تشبيه الأنبياء»، وقال: يُؤدَّب ويُعزَّر الذي يقول النبي كان يرعى الغنم وأنا أرعى الغنم، يريد أن يضع رأسه برأس النبي.
يعني لا، الغنم من أجل جريان ذلك النقص ظاهرًا عليه لعلوّه. وكان أميًّا لعلوّه.
لكن الأمية نقص فيك أنت؛ لو كنت أميًّا تصبح ناقصًا وتتأخر ولا تقيم الصلاة، ولو أقمت الصلاة بالقارئ تصبح صلاتك باطلة. الأحكام الشرعية كذلك.
ما اختص به النبي من أحوال ظاهرها نقص وباطنها علو كعدم التسحر والوصال
فكيف؟ نعم، هذا تفرّد. هذا جرى عليه النقص معجزةً وتعليمًا وعلوًّا لشأنه.
أنت منتبه إلى النقص أن عدم تسحّرك هو نقص؛ لأنك بذلك لا تقدر على صيام اليوم التالي. وهو [صلى الله عليه وسلم] كان يصل بين اليومين ويقول:
«أبيتُ عند ربي يُطعمني ويسقين»
فعدم التسحّر هنا ليس في حقه هو ليس ناقصًا ولا شيء، وهو في ذاته عدم التسحّر ناقص، وهكذا.
فهناك ما اختصّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجراه الله عليه في الظاهر. والظاهر أنه لا يستسحر، والظاهر أنه يواصل ولا يفطر حتى ويواصل بين يومين، هذا هو الظاهر. لكن هذا الظاهر إنما من أجل خاصية فيه أو من أجل علوّ قدره أو من أجل تعليم متى، وهكذا.
كل ما جرى على النبي في الظاهر بخلاف الحقيقة فهو الإنسان الكامل وسيد الخلق
يُؤوَّل كل شيء في الظاهر بخلاف الحقيقة يجري على رسول الله، إنما رسول الله هو الإنسان الكامل، وهو النبي المصطفى والحبيب المجتبى وسيد الخلق أجمعين.
أفضل من كل شيء بإجماع الأمة. أهذه هي الحاجة الوحيدة التي أجمعت عليها الأمة في هذا الباب؟ الوهابية والصوفية والمالكية، كل المسلمين من السنة والشيعة أجمعوا على أن النبي هو أفضل الخلق.
فهو أفضل من العرش قطعًا، وهو أفضل من الكعبة قطعًا.
هل النبي أفضل من المصحف وتفريق الإمام الجويني بين المصحف المطبوع وكلام الله
وأما هل هو أفضل من المصحف؟ فالإمام الجويني قال: لا يُقال إلا في مجلس العلم أنه أفضل من المصحف قطعًا، باعتبار أن المصحف المطبوع هذا مخلوق. فهو سيّد هذا الورق.
أما كلام الله فهذه صفة من صفاته، لا يصحّ إذن أن نقارن بين النبي وبين رب العالمين. رب العالمين هو الخالق.
نحن نقول: أفضل المخلوقين؛ أفضل من السماء، من الأرض، من العرش، من الملائكة، من الأنبياء، من القرآن، من الإنجيل المطبوعين. أما كلام الله القائم بذاته فليس لنا تدخّل، ليس معنا، ما هو ليس مخلوقًا. كلام الله ليس مخلوقًا، أما المصحف مخلوق، خرج من المطبعة أمس، مخلوق هو، حادث هو.
التنبيه على أن مسألة أفضلية النبي على المصحف لا تقال إلا لطلبة العلم
قالوا: هذه مسألة دقيقة يمكن أن تلتبس على الناس، ولذلك لا تُقال إلا لمن؟ إلا لطلبة العلم. يعني لا يصلح أن نجعلها خطبة جمعة.
هؤلاء طلبة العلم، قال: طلاب علم. حسنًا، هذه ندعها، هذه حسنًا نأخذها، أي نجعلها حسنًا. سنعتبركم طلاب علم، أي باعتبار الظاهر الكلية والمسجد وما إلى ذلك، لا يحدث شيئًا.
حكاية أبي سعيد الخراز في التيه بالبادية وفقدانه لذاته من شدة الأنس
باعتبار أن أبا سعيد الخرّاز قال: تُهتُ في البادية مرة فكنت أقول: أتيه فلا أدري من أتيه.
من أنا سوى ما يقول الناس فيّ وفي جنسي؟ أنت من؟ إنسان. أنا إنسان، طيب. رجل ليست سيدة، طيب. رجل، أم أنا أعرف أنا إنسان أم لا؟ أم رجل أم لا؟ إلى هذه الدرجة!
آه، يقول: تُهتُ فلا أدري من التيه، من أنا يا هذا! منشغل جدًا، كان اتّمحى نهائيًّا، انتهى.
سواء ما يقول الناس فيّ وفي جنسي، جنّ البلاد وإنسها. فإن لم أجد شخصًا آتيه على نفسي.
أبيات الهاتف لأبي سعيد الخراز في أن أهل الوجود الحقيقي يغيبون عن الأكوان
قال: فسمعت هاتفًا يهتف بي:
أيا من يرى الأسباب أعلى وجوده ويفرح بالتيه الدنيّ وبالأنس فلو كنت من أهل الوجود حقيقة لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي وكنت بلا حال مع الله واقفًا خليًّا عن التذكار للجن والأنس
لو كنت حقيقيًّا أي في العلو لكنت تركتك من كل هذه الحكاية وتركت نفسك لله يا أخي.
فيبقى كأنه يريد أن يقول أنه أيضًا الهيبة والأنس بالرغم من جلالة مكانتهما وأنهما أي لا يدخل [فيهما] إلا القليل، إلا أنهما حال نقص أيضًا لما هو أعلى منهما.
قاعدة صرفية في وزن تفعال أنه مفتوح إلا تبيان وتلقاء
هنا يقول: التذكار، وتَفعال تُملى مفتوحة؛ لأن الناس كثيرة تخطئ فيها. تَذكار، تَسيار، عسى التَّسيار، التَّكرار، كلها بالفتح؛ لأن المصدر الذي على وزن تَفعال كله مفتوح إلا اثنين: تِبيان وتِلقاء، ومذكوران في القرآن:
﴿تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 22]
﴿تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: 89]
والباقي كله مفتوح، والباقي كله مفتوح.
فما هذا المصدر؟ لا تأتي فتقول لي فقط في تِمثال مكسور، تِمساح مكسور. أقول لك: هذه أسماء، الأسماء شيء والمصدر شيء آخر. المفتوح ما [هو إلا] المصدر، كل هذه المصادر مفتوحة إلا اثنين فقط موجودان والحمد لله في القرآن حتى لا ننساهما.
التفريق بين المصادر والأسماء في وزن تفعال مع أمثلة
أما الأسماء ففي أشياء كثيرة مكسورة: تِمثال وتِمساح وتِمرز وليس وهكذا، وهي على نفس الوزن تِفعل لأنها اسم.
حسنًا، ما الآخر؟
معنى أهل الوجود عند الصوفية وأنه مصطلح يعني أهل المعرفة
طبعًا أنتم ترون ما بين أنس وأنس، وترون أهل الوجود. أهل الوجود دائمًا الشيخ محيي الدين [ابن عربي] يتحدث عن أهل الكشف والوجود.
عندهم معناها المعرفة، أي أن العارف يشعر أن الله موجود في قلبه. فكلمة الوجود مصطلح عندهم، ومعناها أهل الوجود يعني معناها أهل المعرفة.
يُقصد بالكشف الأكوان وبالوجود الرحمن. يعني أهل الوجود معناها أهل المعرفة، أهل انكشاف الحقائق في الدنيا وتمكّن المعرفة الإلهية من القلب. أهل الوجود هذا مصطلح كذلك عندهم. مفهوم يا أولاد؟ أهل الكشف والوجود.
قاعدة إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا في الكشف والوجود
فهل الكشف هو الوجود والوجود والكشف هما مترادفان أم مختلفان؟ فقالوا: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. تعرفون هذه القاعدة.
﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ﴾ [التوبة: 60]
اجتمعا وهما في ذكر واحد، فيجب أن يكون للفقراء معنى وللمساكين معنى. ولكن لو وأنا أكلّمك أقول لك: أين تؤدي الزكاة؟ فيقول لك: للفقراء، يعني هم المساكين، أو للمساكين أي الفقراء.
فإذا افترق عن الكلام اجتمع في المعنى؛ أصبح الفقير هو المسكين والمسكين هو الفقير. عندما يجتمعان في الكلام — اذهب بهذا إلى الفقراء والمساكين — يصبحان مختلفين في المعنى.
تطبيق قاعدة الاجتماع والافتراق على مصطلحي الكشف والوجود
وإذا اختلف في المعنى اجتمع في الذكر.
الكشف والانكشاف يعني إذن الوجود. هؤلاء أهل المعرفة لو اجتمعوا أو اختلفوا أو انفردوا: أهل الوجود يعني أهل الانكشاف والمعرفة، أهل الكشف يبقون أهل الانكشاف والمعرفة.
أهل الكشف والوجود، نعم، لا يبقون يختلفون بمعنى أن هذا البيان وهذه المعرفة. فهمنا هذه الحكاية.
تعريف التواجد والوجد والوجود وبيان أنها مراتب متدرجة
قال: ومن ذلك التواجد والوجد والوجود.
التواجد والوجد والوجود، هذه الثلاثة مبنية لديهم في خط كذلك، مثل المسجد الذي نحن فيه الآن والبوابة هذه وبعد ذلك الصحن الذي في الخارج.
فالذي يحدث أن هناك تواجدًا. التواجد فيه استدعاء؛ أن تأتي للطلب. تفاهُم يعني أريد أن أتفاهم معك، تساوُم يعني يطلب الفِصال في السلعة. تواجُد يبقى يطلب الوجد.
التاء في تواجد للطلب والاستدعاء مثل الألف والسين والتاء
تواجد، فتواجد التاء هنا للطلب، تسمّى الاستدعاء بأنك تستدعيه. الألف والسين والتاء تدخل للطلب.
لماذا قالوا ذلك؟ لأن التاء التي فيها، أما الألف والسين فدخلت لماذا؟ قالوا: من أجل الاستقبال.
فالألف والسين والتاء تدخل للطلب:
- •
استهبل يعني طلب الحماقة.
- •
استخرج يعني طلب الخروج.
- •
استفهم يعني طلب الفهم.
تحذف الألف والسين والتاء وتضع مكانها كلمة «طلب».
التواجد استدعاء الوجد بالاختيار وحديث فتباكوا دليل عليه
التواجد يكون استدعاء الوجد، لكن التوجّد بالاختيار، يعني أنا يعني يقول لك ماذا؟
«إذا قرأتم القرآن فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا»
فالتاء تاء، ها هي آتية، ها هي فتباكوا. التاء هنا هذا الطلب. فتباكوا يعني اطلبوا البكاء.
أيكون فيها اختيار أم لا؟ نعم، هذا أنا إذن أنا الذي سأستجلب [البكاء]؛ دام البكاء غير راضٍ أن يأتي وحده.
فالتواجد استدعاء الوجد بضرب من الاختيار، أي بنوع من أنواع الاختيار، وليس لصاحبه كمال الوجد.
التواجد في الدرجة الدنيا لأن فيه تكلفًا وليس كمال الوجد
فالتواجد استدعاء الوجد بضرب من الاختيار في الاختيار. ولذلك فالتواجد عندهم في الدرجة الدنيا؛ لأنه فيه تكلّف، لا يأتي إليك من تلقاء نفسك، بل أنت الذي تصنعه.
وليس كمال الوجد. يبقى إذا هو ناقص. توجّد، إذ لو كان [صاحب وجد حقيقي] لكان واجدًا. لو كان لا [يحتاج إلى استدعاء] الوجد لكان هو واجدًا، لكن هو ليس واجدًا، هو متواجد.
باب التفاعل في اللغة أكثره لإظهار الصفة وليست كذلك في الحقيقة
وباب التفاعل أكثره على إظهار الصفة وليست كذلك. يعني عندما أقول تواجد، تفاعل، فيها نوع من أنواع التكلّف. كل هذا الوزن وأنه يُظهر الصفة لكن هو ليس كذلك.
يعني مثلًا:
- •
تفاقر يعني أظهر الفقر لكنه ليس بفقير.
- •
تغانى يعني أظهر الغنى وهو ليس كذلك.
- •
تعالَم يعني هو أظهر أمام الناس أنه عالم لكنه ليس بعالم.
فالتفاعل هذا في الواقع قواعد جميلة جدًا. هذا وقد بسطتموها وجعلتموها هكذا الفوائد الخاصة بها.
شاهد شعري على باب التفاعل في إظهار صفة غير متحقق بها
باب التفاعل أكثره وليس كله، أكثره لإظهار الصفة وليست كذلك. انظر كيف أن التعريف جميل: إظهار صفة لكن هو غير متحقق بهذه الصفة. هذا هو التفاعل.
قال الشاعر: إذا تخازرتُ وما به من خَزَر. تخازر لكنه ما به من خزر. والتخازر أن يجعل عينيه هكذا، يعني يضمّ ويغلق عينيه قليلًا هكذا، فتظن إن عينيه ضيقتان لكن عينيه ليستا ضيقتين.
إذا تخازرتُ وما بي من خزر، فهو يُمثّل أو يُظهر صغر العينين لكن ليس به من خزر.
تتمة الشاهد الشعري على التفاعل وبيان أن التفاعل يفيد الصفة دون التحقق بها
ثم كسرتُ العين من غير أن ما عُوِّر. وبعد ذلك ذهب أي كسر العين هكذا ذهب فأقفلها، فتظن أنه أعور. فيبقى تعاوُرًا وهو ليس أعور ولا شيء، عيناي الاثنتان سليمتان، يضرب فيهما رصاص.
فيصبح: إذا تخازرتُ وما بي من خزر، ثم كسرتُ العين من غير أن أعور. هذا هو المعنى الذي هو أن التفاعل يفيد الصفة وليس كذلك.
مهم كلمة «وليس كذلك»، إذن لأنه لو أفاد الصفة لكان اسم فاعل وانتهى.
اختلاف العلماء في حكم التواجد بين من رده ومن أجازه للفقراء المجردين
فقوم قالوا: التواجد غير مُسلَّم لصاحبه. قالوا: ما هذا؟ هذا التواجد الذي تفعله، فهذا يعني أنه لا يوجد شيء واجهك في الطريق إلى الله. هذا الذي تفعله التواجد لما يتضمنه من التكلّف ويبعد عن التحقّق.
وقوم قالوا: إنه مُسلَّم للفقراء المجرّدين. الفقير المجرّد عن الدنيا من حقه أن يتواجد حتى يصل إلى الوجد فيصل إلى الوجود كما قلنا.
التواجد والوجد والوجود كمراتب ودليلهم حديث فتباكوا
التواجد كما نحن الآن، والوجد الذي هو الباب الذي يوصل إلى الصحيح الذي هو الوجود.
الذين ترصّدوا لوجدان هذه المعاني وأصلهم خبر الرسول صلى الله عليه وسلم:
«ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا»
والحكاية المعروفة لأبي محمد الجُريري رحمه الله تعالى أنه قال: كنت عند الجنيد وهناك ابن مسروق وغيره، وكان هناك قوّال [مُنشد].
حكاية الجريري مع الجنيد في مجلس السماع وموقف الجنيد من التواجد
فقام ابن مسروق وغيره والجنيد صامت. فقلت: يا سيدي، ألا يوجد لك في السماع شيء؟
وكان هناك قوّال، يعني مُنشد، يعني لكن المغنّي تُطلق على من يغنّي بأغاني الدنيا، والقوّال تُطلق على من يُنشد الإنشاد الديني.
يا لك في السماع شيء، ألست تريد أن تسمع شيئًا جميلًا هكذا أُنشد؟
قال الجنيد:
﴿وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ﴾ [النمل: 88]
ثم قال: وأنت يا أبا محمد، ما لك في السماع شيء؟
موقف الجريري من السماع وإطلاقه التواجد في الخلوة دون إنكار الجنيد
فقلت: يا سيدي، أنا إذا حضرت موضعًا فيه سماع وهناك محتشم — يعني رجل وقور هكذا — أمسكت على نفسي ووجدي. أنا أريد أن أسمع ومن داخلي أقول: يا رب نسمع شيئًا جميلًا اليوم.
لكن عندما وجدت شخصًا كبيرًا في الجلسة أضغط على نفسي وأتركها، أقول: لا، أقول شيئًا.
فإذا خلوتُ أرسلت وجدي فتواجدت. فأطلق في هذه الحكاية التواجد ولم يُنكر عليه الجنيد.
وسمعت الأستاذ يقول: الحكاية هذه يقف مع الفريق الذي يرى أن من حق الفقراء المتجرّدين أن يتواجدوا.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقّاق رحمه الله يقول لمّا رأى...
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الترتيب الصحيح لمراتب الأحوال الروحية من الأدنى إلى الأعلى؟
خوف، قبض، هيبة / رجاء، بسط، أنس
ما أدنى محل الأنس بالله عند الصوفية؟
أن لا يتكدّر أنسه لو طُرح في لظى
ما الذي قاله السري السقطي عن بلوغ العبد حدًّا من الأنس بالله؟
يبلغ العبد حدًّا لو ضُرب وجهه بالسيف لم يشعر
لماذا نتف الشبلي شعر حاجبه بمنقاش؟
أراد أن يُدخل الألم على نفسه لعلّ الأنس يستتر عنه
ما الفرق بين التواجد والوجد والوجود؟
التواجد استدعاء الوجد بالاختيار، والوجد ما يرد على القلب، والوجود أعلاها
ما الدليل النبوي الذي استند إليه الصوفية في إجازة التواجد؟
إذا قرأتم القرآن فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا
لماذا يعدّ أهل الحقيقة الهيبة والأنس نقصًا؟
لأنهما يتضمّنان تغيّر العبد وقد يحجبانه عن عمارة الدنيا
ما تفسير العلماء لحديث الغين على قلب النبي واستغفاره؟
غَيْن أنوار يجعله مستأنسًا بالله فيستغفر خشية أن يحجبه عن كمال التبليغ
كم مرة سها النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة طوال حياته؟
خمس مرات
ما القاعدة الصرفية في المصادر على وزن تَفعال؟
كلها مفتوحة إلا تِبيان وتِلقاء
ما معنى أهل الوجود عند الصوفية؟
أهل المعرفة وانكشاف الحقائق الإلهية
ما الذي يدل عليه باب التفاعل في أكثر استعمالاته؟
إظهار الصفة دون التحقق بها
ما الذي أجمعت عليه الأمة بجميع فرقها بشأن النبي؟
أنه أفضل الخلق أجمعين
ما موقف الإمام الجويني من مسألة أفضلية النبي على المصحف؟
قال إنه أفضل من المصحف المطبوع المخلوق ولا تُقال إلا في مجلس العلم
ما أصل مشروعية الخلوة في الإسلام؟
تعبّد النبي في غار حراء أيامًا متواصلة
ما حق الهيبة عند الصوفية؟
حق الهيبة الغيبة، فكل هائب غائب عن الخلق، والهائبون يتفاوتون في الهيبة على حسب تباينهم في الغيبة.
ما الفرق بين الغيبة الظاهرة والغيبة الخفية؟
الغيبة قد تكون في الذهن أو في القلب أو ظاهرة أو خفية، وكلها غيبة عن الخلق بدرجات متفاوتة.
ما معنى قولهم حق الأنس صحوٌ بحق؟
يعني أن صاحب الأنس بالله يكون صاحيًا يتعامل مع الناس لكنه لا يعاملهم إلا بالحق، فهو منبسط مسرور مع التزام الحق في كل تعامل.
لماذا كان النبي يذهب إلى غار حراء؟
كان يذهب ليتعبّد ويخلو عن الخلق أيامًا متواصلة متزوّدًا بالزاد، فيحدث له أنس بالله وتفرّد معه، وهو أصل مشروعية الخلوة.
ما ثواب السعي في حاجة الأخ بإخلاص النية مقارنةً بالاعتكاف؟
من سعى في حاجة أخيه بإخلاص النية فله أجر كأنه اعتكف أربعين سنة، وهو أفضل من الاعتكاف من ناحية الثواب.
لماذا يُجيز الشرع الاعتكاف إذا كان السعي للأخ أفضل ثوابًا؟
الاعتكاف جائز لأنه يُقام لحاجة العبد الروحية حين تأتيه الهيبة فتقتضي الغيبة وقطع العلائق، فالشرع يُجيزه لهذه الحاجة.
ما الذي يُميّز صاحب الهيبة في تعامله مع الناس؟
صاحب الهيبة عفيف لا يمدّ يده بسرقة ولا رشوة ولا عدوان، ولا يطلب من الخلق لأن الهيبة دخلت فيه فصار لا يسأل إلا الله.
ما الذي تحقّق به الجنيد من صحة قول السري؟
لمّا دخل الجنيد في الأنس بنفسه تبيّن له أن قول السري حقيقة لا مبالغة، وأنه لو ضُرب بالسيف لم يشعر فعلًا.
ما الذي أراده الشبلي حين نتف حاجبه ولم يستطع تحقيقه؟
أراد أن يُدخل الألم على نفسه لعلّ الأنس يستتر عنه، لكنه لم يشعر بالألم لأن الأنس بالله غالب عليه شغله عن الإحساس بأي ألم.
ما معنى التواجد في باب التفاعل الصرفي؟
التواجد من باب التفاعل الذي يدل على إظهار الصفة دون التحقق بها الكامل، فصاحبه يُظهر الوجد ويستدعيه لكنه لم يتحقق به تحققًا كاملًا.
ما القاعدة الصرفية إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا؟
تعني أن المصطلحين إذا اجتمعا في الكلام افترقا في المعنى، وإذا انفرد أحدهما دلّ على الآخر واجتمعا في المعنى.
ما الاستثناءان من قاعدة فتح المصادر على وزن تَفعال؟
الاستثناءان هما تِبيان وتِلقاء، وكلاهما مذكوران في القرآن الكريم: تِلقاء مدين وتِبيانًا لكل شيء.
ما الفرق بين المصادر والأسماء على وزن تفعال من حيث الضبط؟
المصادر على وزن تَفعال كلها مفتوحة إلا تِبيان وتِلقاء، أما الأسماء على نفس الوزن فقد تكون مكسورة كتِمثال وتِمساح.
ما الذي اختصّ به النبي في الوصال وعدم التسحّر؟
كان النبي يواصل بين اليومين دون إفطار ويقول: أبيتُ عند ربي يُطعمني ويسقين، وهذا خاصية فيه وعلو لشأنه لا نقص.
ما الكتاب الذي ألّفه السيوطي في تأديب من يقيس نفسه بالأنبياء؟
ألّف السيوطي كتاب تنبيه السفهاء عن تشبيه الأنبياء، وقال إن من يقيس نفسه بالنبي في أموره الخاصة يُؤدَّب ويُعزَّر.
ما حكاية أبي سعيد الخراز في التيه بالبادية؟
قال: تُهتُ في البادية مرة فكنت أقول أتيه فلا أدري من أتيه، أي امّحت هويته من شدة الأنس بالله واستغراقه فيه.
ما موقف فريق من العلماء من التواجد؟
فريق قال إن التواجد غير مُسلَّم لصاحبه لما فيه من تكلّف يبعد عن التحقق، وفريق آخر أجازه للفقراء المجرّدين عن الدنيا.
كيف أجاب الجنيد حين سُئل عن وجده في السماع؟
أجاب بالآية: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب، مشيرًا إلى أن تأثره عميق خفي كحركة الجبال التي لا تُرى.
ما الفرق بين القوّال والمغنّي في الاصطلاح؟
المغنّي يُطلق على من يغنّي بأغاني الدنيا، والقوّال يُطلق على من يُنشد الإنشاد الديني.
ما معنى غَيْن الأنوار الذي كان يعتري النبي؟
هو شيء يعتري النبي فيجعله زاهدًا في الناس مستأنسًا بالله، فيرى في نفسه أنه بذلك لا يبلّغ الرسالة على الوجه الأتمّ فيستغفر الله.
