ما معنى الوقت والمقام والحال والقبض والبسط في الرسالة القشيرية؟
الرسالة القشيرية تشرح هذه المصطلحات الصوفية على النحو الآتي: الوقت هو اللحظة الحاضرة التي يعيشها الإنسان وما يغلب عليه فيها، والمقام هو صفة مستقرة يكتسبها العبد بالمجاهدة والتربية، أما الحال فمعنى يرد على القلب من غير تعمد ولا اكتساب. والقبض والبسط حالتان تأتيان بعد ترقي العبد عن مرحلة الخوف والرجاء، فالقبض للعارف بمنزلة الخوف للمبتدئ، والبسط بمنزلة الرجاء له.
- •
هل يمكن أن تكون العبادة نفسها حجابًا بين العبد وربه إذا دخله العُجب بها؟
- •
الرسالة القشيرية تُعرِّف الوقت بأنه اللحظة الحاضرة التي يعيشها الإنسان، والصوفي ابن وقته أي مشتغل بما هو أولى به من العبادات الآن.
- •
المقام صفة مستقرة تُكتسب بالمجاهدة والتربية، ولا يصح الانتقال من مقام إلى آخر قبل استيفاء أحكام المقام الأول.
- •
الأحوال مواهب من الله ترد على القلب من غير تعمد، والمقامات مكاسب تحصل ببذل المجهود والرياضة.
- •
القبض والبسط حالتان للعارف تقابلان الخوف والرجاء عند المبتدئ، وتتفاوت درجاتهما بين وارد جزئي ووارد مستوفٍ بالكلية.
- •
التكاليف الشرعية لا تسقط عن أحد مهما بلغ من المقامات، وإحالة التقصير على التقدير خروج من الدين.
- 0:00
الرسالة القشيرية تشرح ألفاظ الصوفية المتداولة بينهم، مبيِّنةً أن لكل طائفة علمية اصطلاحاتها الخاصة المرتبطة بالمعنى اللغوي دون مطابقته.
- 2:07
قاعدة صرفية: تاء الافتعال تُقلب طاءً بعد حروف الإطباق الأربعة لأن تفخيمها يسري إلى التاء المجاورة فتتحول طاءً.
- 3:45
ابن مالك يُقعِّد إبدال تاء الافتعال طاءً بعد المُطبَق في نصف بيت، ومن عيوب النطق تبادل التاء والطاء في غير موضعهما.
- 5:38
تطبيق القاعدة الصرفية: تاء الافتعال تصبح طاءً بعد الحرف المطبق، وهو ما يُلخِّصه نصف بيت ابن مالك بصورة وافية.
- 6:25
الرسالة القشيرية تشمل مصطلحات صوفية واسعة كالقبض والبسط والحال والفناء والبقاء، إضافةً إلى أبواب الأخلاق من توبة وورع وزهد وصبر.
- 7:53
المقرر الدراسي من الرسالة القشيرية يشمل المصطلحات من الوقت إلى المحو والإثبات، والأخلاق من التوبة إلى الجوع وترك الشهوة.
- 9:30
بعد تحديد نطاق الدراسة، يدخل الشرح مباشرةً في مصطلح الوقت باعتباره أول المصطلحات الصوفية في الرسالة القشيرية.
- 10:21
أهل التحقيق يُقدِّمون الحكم مع دليله، وأهل التدقيق يُضيفون دليلًا آخر من جهة مغايرة كالانتقال من الكتاب إلى السنة أو من المنقول إلى المعقول.
- 11:39
مراتب الأداء الخمس: التحقيق والتدقيق والترقيق والتنميق والتزويق، وكل مرتبة تُضيف بُعدًا جديدًا من الدليل إلى الجمال الأسلوبي.
- 13:03
الوقت عند أهل التحقيق هو حادث متوهَّم عُلِّق حصوله على حادث متحقق، كقولك سآتيك رأس الشهر فرأس الشهر وقت للإتيان.
- 14:30
أبو علي الدقاق يُعرِّف الوقت باللحظة الحاضرة التي يعيشها الإنسان الآن، فوقتك هو ما أنت متلبس به في هذه اللحظة.
- 15:28
الوقت الغالب هو المتمكن من الإنسان في لحظته الراهنة، وهو عَرَض غير قارّ يجري على الإنسان دون استقرار.
- 16:27
الصوفي ابن وقته: لا يشغل باله بالماضي ولا بالمستقبل، بل يُركِّز على اللحظة الحاضرة وما هو مطلوب منه فيها.
- 17:20
الذكر لا قضاء له عند أهل التصوف لأن المكلَّف مشغول به في كل وقت، فلا يوجد وقت خالٍ للقضاء كما في الصلاة والصيام.
- 18:30
الصلاة والصيام يُقضيان لوجود وقت خالٍ لهما، أما الذكر فلا قضاء له لأن التكليف به مستمر ولا يوجد وقت فارغ للقضاء.
- 19:32
الصوفي مشتغل بما هو أولى به من العبادات في لحظته الحاضرة، والفقير إلى الله لا يهمه إلا وقته الذي هو فيه الآن.
- 20:48
الاشتغال بفوات الوقت الماضي يُضيِّع الوقت الحاضر، والصوفي يراقب ما يصادفه من تصريف الحق له متأملًا حكمة الله فيه.
- 22:03
فلان بحكم الوقت أي متلبس بالعقوبة، والصوفي يتأمل نفسه عند البلاء ويلجأ إلى الذكر لأن الله سلَّط البلاء ليحثه على ذكره.
- 23:01
من يتبرم من البلاء يبقى فيه، ومن يستسلم لحكم الوقت ويذكر الله يخرج من المحنة بمنحة ويجد السكينة.
- 23:57
من خاف من غير الله أخافه الله من كل شيء، ومن خاف الله وحده أمَّنه الله وجعل الأشياء تخافه، وذلك فيما لا يتعلق بالتكاليف الشرعية.
- 24:49
إحالة التقصير في العبادات على التقدير الإلهي خروج من الدين، وأهل التصوف لا يقولون بسقوط التكاليف الشرعية في أي حال.
- 25:51
التكاليف لم تسقط عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فهي لا تسقط عن أحد مهما بلغ.
- 26:17
الوقت سيف غالب بما يُجريه الحق، من استسلم لحكمه نجا ومن عارضه هلك، وهو تعبير عن ضرورة الاستسلام لتصريف الله.
- 27:38
ناط ثلاثي مضارعه يَنيط ومفعوله منوط، وأناط وردت عند بعض الشعراء ومجمع اللغة لكن المعاجم الأصيلة كلسان العرب لا تُثبتها.
- 29:00
تتمة معنى الوقت سيف: من استسلم لحكمه نجا ومن عارضه هلك، ومن ساعده الوقت كان له وقتًا ومن ناكده كان عليه مقتًا.
- 30:20
الوقت مِبرَد عند أبي علي الدقاق: يسحقك ويؤلمك لكنه لا يُهلكك بالكلية، بل يأخذ منك شيئًا فشيئًا كل يوم.
- 31:29
الكيِّس من يعيش وقته الحاضر دون حزن على الماضي، فإن كان في الصحو التزم الشريعة وإن كان في المحو غلبت عليه أحكام الحقيقة.
- 32:29
أحوال الحقيقة لا نهاية لها، فعند القبض يميل الإنسان إلى العزلة وعند البسط إلى مخالطة الناس، وكلاهما في إطار الانضباط بالشريعة.
- 33:44
الأحوال لا تتحول إلى أمراض نفسية إذا فهم السالك أنها أعراض عارضة ستمر، فلا يلتفت إليها لأن الملتفت في الطريق لا يصل.
- 34:42
الدين يضبط الظاهر والباطن بخلاف القانون الذي يضبط الظاهر فقط، وعلم السلوك غاية الشريعة لأنه يُحقِّق الإحسان وإخلاص النية.
- 35:48
عوارض الطريق إلى الله تنضبط تحت التجربة الإسلامية الرائقة للعلماء الأتقياء الذين جعلوا الكتاب والسنة أساس سلوكهم.
- 36:16
المقام في الرسالة القشيرية صفة مستقرة يكتسبها العبد بالمجاهدة والتربية، وهو نتاج التصرف والتكلُّف لا موهبة تأتي دون جهد.
- 37:21
المقام سُمِّي كذلك لديمومته واستقراره كالبيت الذي تبيت فيه، ويمكن الارتقاء إلى مقام أعلى بمزيد من التربية والمجاهدة.
- 38:29
الإدارة الحديثة تُميِّز بين التربية والتعليم والتدريب كما يفعل أهل التصوف، لكن الأخيرين يوجِّهون ذلك نحو السير في الطريق إلى الله.
- 39:41
لا يصح الانتقال من مقام إلى مقام أعلى قبل استيفاء أحكام المقام الأول، وإلا وقع السالك في الحيرة والتيه.
- 40:38
المقامات مترتبة: القناعة قبل التوكل قبل التسليم، والتوبة قبل الإنابة، والورع قبل الزهد، ولا يصح منازلة مقام إلا بإقامة الله للعبد فيه.
- 41:41
الواسطي رفض الاكتفاء برؤية التقصير في الطاعات معتبرًا إياه مجوسية محضة، وطالب بالغيبة عن العبادة برؤية الله مُنشئها ومُجريها.
- 42:47
الغيبة عن العبادة تعني الانتباه إلى الله مُنشئها لا إلى العبادة ذاتها، والخشوع محله القلب لا الجوارح.
- 43:42
العبادة تصبح حجابًا إذا دخلها العُجب، فيشتغل العبد بنفسه لا بالله، والواسطي أراد صيانة القلوب من الإعجاب لا الاستهانة بالعبادة.
- 44:57
مراد الواسطي صيانة القلوب من الإعجاب بالنفس الذي يحجب الإخلاص التام، لا الاستهانة بآداب العبادة أو الإخلال بها.
- 45:17
الحال معنى يرد على القلب من غير تعمد ولا اكتساب، والفرق الجوهري بينه وبين المقام أن الأحوال مواهب والمقامات مكاسب.
- 46:38
الأحوال تأتي من الله وهبًا من غير جهد السالك، والمقامات تحصل ببذل المجهود كسبًا، وكلاهما في نهاية المطاف بتوفيق الله.
- 47:51
المقام ثابت دائم وصاحبه مستقر، والحال عارض متنقل وصاحبه متقلب، وذو النون عبَّر عن ذلك بقوله في العارف: كان هاهنا فذهب.
- 49:00
الأحوال سُمِّيت كذلك لأنها تحل وتزول، وشبَّهها أهل التصوف بالفيء الذي يزداد وينقص باستمرار.
- 49:48
الفيء ظل العمود الذي كان يُستخدم لتحديد مواقيت الصلاة، فيُؤذَّن الظهر عند بدء زيادته والعصر عند بلوغه مثل العمود.
- 50:51
اللوائح والبوادر تأتي وتذهب بسرعة، والأحوال أكثر دوامًا منها، وإذا دامت الأحوال وتوالت ارتقت إلى مقام.
- 51:47
الحال إذا دام صار شربًا ومقامًا، وأبو عثمان الحيري مثال على دوام الرضا أربعين سنة، مع بقاء طوارئ أحوال أخرى فوقه.
- 52:55
السالك في ترقٍّ مستمر من حال إلى حال أعلى وألطف، والأحوال لا نهاية لها لأن مقدورات الحق من الألطاف لا تتناهى.
- 53:19
أبو علي الدقاق يفسِّر حديث الغين بأن النبي كان أبدًا في ترقٍّ، فكان يعدُّ الحال السابق غَيْنًا بالنسبة للحال الأعلى الذي وصل إليه.
- 53:59
حسنات الأبرار سيئات المقربين تعني أن ما يُعدُّ كمالًا في مرتبة يُعدُّ نقصًا في مرتبة أعلى، لأن العبد أبدًا في ترقٍّ لا نهاية له.
- 55:28
يجوز الدعاء بزيادة شرف النبي لأن الألطاف الإلهية لا تتناهى وفضل الله لا نهاية له، وهو يزداد أبدًا في الشرف.
- 56:09
الدعاء بزيادة الشرف ليس إساءة أدب لأن الشرف لا نهاية له، وإنما يكون إساءة لو كان للشرف نهاية محددة.
- 57:07
كل موجود محصور له نهاية، لكن العدد لا نهاية له لأن الوجود محقَّق والإضافة مقدَّرة، والتقدير مفتوح دائمًا.
- 58:17
التقدير مفتوح والموجود محصور، فيجوز الدعاء بزيادة شرف النبي لأن كل عدد يقبل الزيادة والأمر مفتوح دائمًا.
- 59:21
القبض والبسط حالتان للعارف تقابلان الخوف والرجاء عند المبتدئ، والفرق أن الأخيرين يتعلقان بالمستقبل بينما القبض والبسط حاضران.
- 60:21
الخوف والرجاء يتعلقان بالمستقبل، والقبض والبسط يتعلقان بالحاضر، وتتفاوت درجاتهما بحسب تفاوت أحوال أصحابها.
- 60:55
القبض الجزئي يُبقي مساغًا للأشياء الأخرى، والقبض التام يأخذ السالك بالكلية فلا يطيق شيئًا سوى وارده.
- 62:49
الوارد غير المستوفى قبض جزئي يُبقي مجالًا للأشياء الأخرى، والوارد المستوفى قبض تام يأخذ السالك بالكلية.
- 63:55
الردم هو القبض التام المغلق كليًا، والبسط التام يسع الخلق كله، والبسط الجزئي يكون بنسبة أقل من المائة في المائة.
- 65:03
أبو بكر القحطي ابتُلي بابن ضال يتعاطى المخدرات، وكان يجلس في سكينة تامة كأنه لا علم له بما يجري، مما أدهش أبا علي الدقاق.
- 66:12
القحطي قال إن سكينته منَّة من الله لا من جهده، فقد حرَّره الله من رِقِّ الأشياء في الأزل فأنزل عليه السكينة أمام ابتلائه.
- 67:05
الشيخ الأزهري صبر على ابنه العاصي بالمعاملة الطيبة الرفيقة وسدَّد عنه ديونه، حتى هداه الله في آخر عمره.
- 68:42
بعد القبض والبسط تأتي الهيبة والأنس في الرسالة القشيرية، والمجلس القادم سيتناول أبواب الأخلاق بعد العيد.
ما منهج الإمام القشيري في شرح ألفاظ الصوفية في الرسالة القشيرية؟
الإمام القشيري في الرسالة القشيرية يتناول تفسير الألفاظ المتداولة بين أهل التصوف، إذ لكل طائفة من أهل العلم اصطلاحات خاصة لها علاقة بالمعنى اللغوي دون أن تكون على تمامه. فالفقهاء لهم اصطلاحهم والمتكلمون لهم اصطلاحهم وأهل التصوف لهم اصطلاحهم، وقد تتفق هذه الاصطلاحات وقد تختلف حتى تكون الكلمة الواحدة لها معانٍ مختلفة في كل علم.
ما القاعدة الصرفية في إبدال تاء الافتعال طاءً بعد حروف الإطباق؟
تاء الافتعال تُقلب طاءً إذا وقعت بعد حرف من حروف الإطباق الأربعة وهي الصاد والضاد والطاء والظاء. والسبب أن هذه الحروف مفخمة مُطبَقة، وعندما تليها التاء المرققة يسري إليها التفخيم فتتحول إلى طاء، ومن جاور السعيد يسعد. وكلمة اصطلاح نفسها مثال على هذه القاعدة إذ أصلها افتعال من الصاد.
ما بيت ابن مالك في قاعدة إبدال تاء الافتعال طاءً وما عيوب النطق المتعلقة بها؟
ابن مالك يقول في ألفيته: طاتا افتعال رُدَّ إثر مُطبَق، أي تُردُّ تاء الافتعال طاءً إذا وقعت بعد حرف مُطبَق. ومن عيوب النطق أن تتحول التاء إلى طاء أو الطاء إلى تاء في غير موضعها، وقد يفعل ذلك بعضهم تكسُّرًا في الكلام.
كيف تُطبَّق قاعدة إبدال تاء الافتعال طاءً بعد الحرف المطبق؟
القاعدة مختصرة في نصف بيت ابن مالك: طاتا افتعال رُدَّ أثر مُطبَق، أي تُردُّ تاء الافتعال طاءً إذا وقعت بعد حرف مُطبَق. وهذه القاعدة تامة في هذا النصف، وبقية البيت تتعلق بقاعدة أخرى مستقلة.
ما المصطلحات الصوفية التي تتناولها الرسالة القشيرية؟
الرسالة القشيرية تتناول طائفة كبيرة من المصطلحات الصوفية منها: الحال والقبض والبسط والهيبة والأنس والتواجد والوجد والوجود والجمع والفرق وجمع الجمع والفناء والبقاء والغيبة والحضور والصحو والسكر والذوق والشرب والمحو والإثبات، فضلًا عن النفس والروح والسر. ثم تتناول أبواب الأخلاق كالتوبة والورع والزهد والصمت والخوف واليقين والصبر والرضا والفراسة والأدب.
ما نطاق الدراسة المقرر من الرسالة القشيرية في هذا المجلس؟
المقرر للدراسة من المصطلحات يمتد من مصطلح الوقت إلى المحو والإثبات، وما عدا ذلك يُقرأ قراءة مطَّلع مستفيد. أما أبواب الأخلاق فتبدأ من التوبة إلى الجوع وترك الشهوة، والغاية داخلة في المقرر.
كيف يدخل الإمام القشيري في شرح مصطلح الوقت في الرسالة القشيرية؟
بعد تحديد نطاق الدراسة من الوقت إلى المحو والإثبات، يدخل الإمام القشيري مباشرةً في شرح مصطلح الوقت باعتباره أول المصطلحات الصوفية المقررة للدراسة في الرسالة القشيرية.
ما الفرق بين أهل التحقيق وأهل التدقيق في إيراد الأدلة؟
أهل التحقيق هم الذين يأتون بالجملة المفيدة مع دليلها من الوحي أو من الوجود المنضبط بالوحي. أما أهل التدقيق فهم الذين يوردون الشيء بدليل آخر من جهة مغايرة، فإن كان الأول من الكتاب كان الثاني من السنة، وإن كان من المنقول كان الثاني من المعقول.
ما مراتب الأداء الخمس عند أهل العلم؟
مراتب الأداء الخمس هي: التحقيق وهو إيراد الكلام بدليله، والتدقيق وهو إيراده بدليل آخر من جهة مغايرة، والترقيق وهو صياغة العبارة بصيغة رقيقة، والتنميق وهو إدخال المحسنات البلاغية لتوازن العبارة، والتزويق وهو إدخال السجع واتساق المقاطع لتسهيل الحفظ.
ما تعريف الوقت عند أهل التحقيق من الصوفية؟
الوقت عند أهل التحقيق هو حادث متوهَّم عُلِّق حصوله على حادث متحقق، فالحادث المتحقق كالإناء والحادث المتوهَّم كالماء، والوقت هو علاقة وضع الماء في الإناء. مثاله: إذا قلت سآتيك رأس الشهر، فالإتيان حادث متوهَّم ورأس الشهر حادث متحقق، فرأس الشهر وقتٌ للإتيان.
ما قول أبي علي الدقاق في تعريف الوقت؟
أبو علي الدقاق يقول: الوقت الذي أنت فيه هو الوقت، أي اللحظة الحاضرة الآن بين الماضي والمستقبل. ومعنى ذلك أن وقتك هو ما أنت فيه الآن: إن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت في السرور فوقتك السرور، وإن كنت في الحزن فوقتك الحزن.
ما معنى أن الوقت هو الغالب على الإنسان وأنه عرض غير قار؟
الوقت الغالب على الإنسان يعني المتمكن منه في هذه اللحظة، لا أكثر عمره، فأنت متلبس به وهو متلبس بك. والوقت عَرَض غير قارّ أي أنه يجري عليك ولا يستقر، كأنك واقف وهو يمر عليك باستمرار دون توقف.
ما معنى قولهم الصوفي ابن وقته؟
قولهم الصوفي ابن وقته يعني أنه لا يشغل باله بما فات ولا بما سيأتي، بل يشغل نفسه بما هو فيه الآن. وقد يُراد بالوقت ما هو فيه من الزمان، وهو ما بين الزمانين الماضي والمستقبل.
هل يُقضى الذكر الفائت عند أهل التصوف ولماذا؟
أهل التصوف يقولون إن الذكر لا قضاء له؛ لأن المكلَّف مشغول بما كُلِّف به الآن، والذي فات مات. والسبب أن الإنسان مكلَّف بالذكر في كل وقت، فلا يوجد وقت خالٍ يمكن أن يقضي فيه الذكر الفائت، بخلاف الصلاة والصيام اللذين لهما أوقات محددة يمكن القضاء فيها.
لماذا تُقضى الصلاة والصيام ولا يُقضى الذكر؟
الصلاة والصيام يُقضيان لأن الإنسان لم يُكلَّف بهما بصورة مستمرة، فيوجد وقت لا يصلي فيه ولا يصوم يمكن أن يقضي فيه ما فات. أما الذكر فالإنسان مكلَّف به دائمًا ولا يوجد وقت خالٍ يقضي فيه، فما لا تجد له وقتًا لتقضي فيه لأن الوقت كله قد شُغِل من قِبَل الشرع فما فات مات.
ما معنى أن الصوفي مشتغل بما هو أولى به من العبادات في الحال؟
يُراد بذلك أن الصوفي قائم بما هو مطلوب منه في الوقت الحاضر، لا يهمه ماضي وقته ولا مستقبله. وهذه العبارات تأتي بأساليب متعددة من التنميق والتزويق لكنها تحمل المعنى ذاته: الاشتغال بما أنت فيه الآن.
كيف يُضيِّع الاشتغال بفوات الوقت الماضي الوقتَ الحاضر؟
الاشتغال بفوات وقت ماضٍ يُضيِّع وقتًا ثانيًا، فإن اشتغلت بقضاء الورد الذي فات أمس فقد ضيَّعت ورد اليوم والكأس ممتلئة. وقد يُراد بالوقت أيضًا ما يصادف الإنسان من تصريف الحق له دون أن يختاره لنفسه، فيراقب الصوفي نفسه في كل ما يُسلَّط عليه متأملًا حكمة الله في ذلك.
ما معنى قولهم فلان بحكم الوقت وكيف يتعامل الصوفي مع البلاء؟
قولهم فلان بحكم الوقت يعني أنه متلبس بالعقوبة ويقضي مدتها. والصوفي في هذه الحالة يتأمل نفسه ويتساءل عن سبب هذا التسليط، ثم يلجأ إلى ذكر الله لأن الله ما أرسل العقوبة إلا ليحثه على ذكره.
ما الفرق بين من يتبرم من البلاء ومن يخرج منه بالذكر؟
من يتبرم من البلاء يبقى في ضيقه، أما من يستسلم لحكم الوقت ويذكر الله فإنه يخرج من المحنة بمنحة. وقولهم فلان بحكم الوقت يعني أنه مستسلم لما يبدو له من الغيب من غير اختيار، فهو واقف في موقف العقوبة خائف من كل شيء.
ما أثر الخوف من الله وحده مقارنةً بالخوف من غيره؟
من خاف من غير الله أخافه الله من كل شيء، أما من خاف من الله وحده حقًا فإن الله يجعل كل شيء يخاف منه. وهذا فيما ليس لله تعالى عليه فيه أمر أو اقتضاء بحق الشرع كالصلاة والصيام.
هل يجوز إحالة التقصير في العبادات على التقدير الإلهي؟
إحالة التقصير على التقدير وترك المبالاة بما يحصل من التقصير خروج من الدين بالكلية. فمن يترك الصلاة ويقول إن الله قدَّر ذلك فهو في لا مبالاة تامة، وأهل التصوف لا يقولون بسقوط التكاليف ولا يتركون الورع والعفاف الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هل سقطت التكاليف الشرعية عن النبي صلى الله عليه وسلم؟
التكاليف لم تسقط حتى عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، بل كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه ويقول ألا أكون عبدًا شكورًا. فلو كانت التكاليف تسقط لسقطت عنه أولًا، وهذا دليل قاطع على أن التكاليف لا تسقط عن أحد مهما بلغ من المقامات.
ما معنى قولهم الوقت سيف ومن لاينه سلم ومن خاشنه اصطُلِم؟
قولهم الوقت سيف يعني أن الوقت بما يُمضيه الحق ويُجريه غالب قاطع كالسيف. ومن لاينه أي استسلم لحكمه نجا وسلم، ومن خاشنه وعارضه انتكس وهلك. وأنشدوا: وكالسيف إن لاينته لان مسُّه وحدَّاه إن خاشنته خَشِنانا.
ما الفرق بين ناط وأناط في المعاجم العربية؟
ناط فعل ثلاثي يكون مضارعه يَنيط واسم المفعول منه منوط. أما أناط فقد وردت عند بعض الشعراء ويكون اسم المفعول منها مَناط، لكن المعاجم الأصيلة كلسان العرب وتاج العروس والقاموس المحيط لا تُثبتها، وإنما أثبتها مجمع اللغة العربية.
ما تتمة معنى الوقت سيف وما مصير من ساعده الوقت ومن ناكده؟
الوقت كالسيف ليِّن مسُّه قاطع حدُّه، فمن لاينه سلم ومن خاشنه اصطُلِم. ومن استسلم لحكم الوقت نجا ومن عارضه انتكس وتردَّى. ومن ساعده الوقت فالوقت له وقت، ومن ناكده فالوقت عليه مقت.
ما معنى قول أبي علي الدقاق إن الوقت مِبرَد يسحقك ولا يمحقك؟
أبو علي الدقاق يشبِّه الوقت بالمِبرَد وهو الأداة التي يُحَكّ بها الحديد، فهو يسحقك ويؤلمك لكنه لا يمحقك ولا يُهلكك بالكلية. فلو محاك وأفناك لاسترحت حين فنيت، لكنه يأخذ منك شيئًا فشيئًا دون أن يمحوك كلية، وهذا معنى قوله: كل يوم يمر يأخذ بعضي.
من هو الكيِّس عند أهل التصوف وما الفرق بين حالتي الصحو والمحو؟
الكيِّس هو من كان بحكم وقته الناصح، يلتفت إلى حاله الآن دون حزن على ما فات ولا تشوُّف لما هو آتٍ. وإن كان وقته الصحو فقيامه بالشريعة بأركانها وشروطها الواضحة، وإن كان وقته المحو فالغالب عليه أحكام الحقيقة من الأذواق والأنوار.
كيف تتقلب أحوال الحقيقة على الإنسان بين القبض والبسط؟
أحوال الحقيقة لا نهاية لها وتتقلب على الإنسان، فيشعر بضآلته مرة وبعظم خلق الله فيه مرة، وبالقبض مرة وبالبسط مرة. عند القبض يتوجه إلى حب العزلة وترك الناس وقلة الكلام، وعند البسط يتوجه إلى مباسطة الناس ومحادثتهم والشفقة عليهم وتبليغ الدعوة، وهو في كل ذلك منضبط بالشريعة.
كيف يتجنب السالك تحوُّل الأحوال الروحية إلى أمراض نفسية؟
لا تتحول الأحوال التي ترد على القلوب إلى أمراض نفسية إذا فهم السالك أنها أعراض وأحوال ووقت سيمر، فلا يلتفت إليها. فإن الملتفت في الطريق إلى الله لا يصل، وهذا علم مهم جدًا لمن أراد أن يسلك الطريق إلى الله.
ما الفرق بين الدين والقانون وما علاقة علم السلوك بالإحسان؟
القانون يضبط الظاهر فقط، أما الدين فيضبط الإنسان في ظاهره وباطنه وسره وعلانيته. والإحسان هو الدرجة العليا التي من غيرها يصير الدين قانونًا، وعلم السلوك هو غاية الشريعة لأنه يعالج أشرف المقاصد وهو إخلاص النية لله، ولذلك هو من أشرف العلوم.
كيف تنضبط عوارض الطريق إلى الله عند السالك؟
عوارض الطريق ينبغي أن تنضبط تحت التجربة الإنسانية الإسلامية الرائقة التي قام بها العلماء الأتقياء الأنقياء الذين كان الكتاب والسنة ديدنهم ونُصب أعينهم.
ما تعريف المقام في الرسالة القشيرية وكيف يُكتسب؟
المقام في الرسالة القشيرية هو ما يتحقق به العبد بمنازلته من الآداب مما يُتوصَّل إليه بنوع من التصرف والتكلُّف. والإنسان يجاهد نفسه ويربيها، وبهذه المجاهدة والتربية يكتسب صفات مستقرة باقية تُسمَّى بالمقام. فالمقام لا يأتي إلا بنوع من المجاهدة وهو مستقر لا يتغير ونتاج للتربية.
لماذا سُمِّي المقام مقامًا وما علاقته بالسكن والمنزل والبيت؟
سُمِّي المقام مقامًا لأن فيه نوعًا من الاستمرار والديمومة، كما سُمِّي البيت بيتًا لأنك تبيت فيه مدة طويلة، والمنزل منزلًا لأنك تنزل فيه، والسكن سكنًا لأنك تسكن فيه. ويمكن أن تربي نفسك فيأتيك مقام أعلى بعد مزيد من التربية والمجاهدة.
ما العلاقة بين مفاهيم التربية والتعليم والتدريب في الإدارة الحديثة وعلم السلوك الصوفي؟
الإدارة الحديثة عرفت هذه الأمور فميَّزت بين التربية التي مقامها القيم والأخلاق، والتعليم الذي مقامه المعلومات والمعرفة، والتدريب الذي مقامه المهارات والملكات. وأهل التصوف يتحدثون عن هذه الأمور الثلاثة أيضًا لكن في اتجاه السير في الطريق إلى الله.
ما شرط الانتقال من مقام إلى مقام أعلى في السلوك الصوفي؟
شرط الانتقال من مقام إلى مقام أعلى ألا يرتقي العبد إلا بعد استيفاء أحكام المقام الأول. فإذا انتقل قبل ذلك وقع في الحيرة والتيه ولم يجد نتيجة، كمن ينتقل إلى بيت جديد قبل أن يكون مجهزًا ومؤسسًا.
ما ترتيب المقامات الصوفية وكيف يرتبط كل مقام بما يليه؟
المقامات مترتبة ومتلازمة: من لا قناعة له لا يصح له التوكل، ومن لا توكل له لا يصح له التسليم. ومن لا توبة له لا تصح له الإنابة، ومن لا ورع له لا يصح له الزهد. ولا يصح لأحد منازلة مقام إلا بشهود إقامة الله تعالى إياه في ذلك المقام.
ما موقف الواسطي من أمر أبي عثمان لأصحابه برؤية التقصير في الطاعات؟
لما سأل الواسطي أصحاب أبي عثمان عما كان يأمرهم به شيخهم، قالوا إنه كان يأمرهم بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها. فقال الواسطي إن هذا أمر بالمجوسية المحضة، أي تحويل المعاني الروحية إلى ضوابط مادية، وكان ينبغي أن يأمرهم بالغيبة عن العبادة برؤية مُنشئها ومُجريها.
ما معنى الغيبة عن العبادة وكيف يختلف عن الانتباه المادي لها؟
الغيبة عن العبادة تعني أن يصلي المرء دون أن ينتبه في ذهنه أنه يصلي، بل ينتبه إلى أن الله هو الذي وفَّقه للصلاة. فالخشوع محله القلب لا الجوارح، وتحويل المعاني الروحية إلى ضوابط مادية كالنظر إلى موضع السجود هو مجوسية محضة. والمطلوب الالتفات عن العبادة برؤية مُنشئها ومُجريها.
كيف تصبح العبادة حجابًا بين العبد وربه؟
العبادة تصبح حجابًا بين العبد وربه إذا دخله العُجب بها، فيشتغل بحال نفسه في الصلاة دون أن يلتفت إلى خشوع لله. والواسطي أراد بكلامه صيانة القلوب عن محل الإعجاب، لا تعريجًا في أوطان التقصير ولا تجويزًا للإخلال بأدب من الآداب.
ما مراد الواسطي من نهيه عن رؤية التقصير في العبادة؟
مراد الواسطي صيانة القلوب من الإعجاب بالنفس الذي يكون حجابًا بين العبد والإخلاص التام، لا الاستهانة بآداب العبادة. فهو لا يريدهم أن يُعجَب أحدهم بنفسه لأن هذا الإعجاب يحول بينه وبين الإخلاص التام لله.
ما تعريف الحال عند الصوفية وما الفرق بينه وبين المقام؟
الحال عند الصوفية معنى يرد على القلب من غير تعمُّد ولا اجتلاب ولا اكتساب، من طرب أو حزن أو بسط أو قبض أو شوق أو انزعاج أو هيبة. والفرق الجوهري أن الأحوال مواهب والمقامات مكاسب، فالحال يأتي من عند الله كرمًا من غير أي سبب من السالك، بينما المقام يُكتسب بالمجاهدة والتربية.
كيف يُفرِّق الصوفية بين الأحوال الموهوبة والمقامات المكتسبة؟
الأحوال تأتي من عين الجواد سبحانه وتعالى من غير الوجود أي من غير جهد السالك، والمقامات تحصل ببذل المجهود. فالأحوال من عند الله وهبًا، والمقامات من فعل البشر الموفَّق بها من عند الله كسبًا، وهذا الفرق الجوهري بين النوعين.
ما الفرق بين صاحب المقام وصاحب الحال وما قول ذي النون في العارف؟
صاحب المقام مستقر في مقامه لأن المقام له صفة الثبات والديمومة، أما صاحب الحال فمتنقل عن حاله لأن الحال له صفة العَرَض والانتهاء. وسُئل ذو النون المصري عن العارف فقال: كان هاهنا فذهب، يريد أن العرفان نوع من أنواع الحال يأتي ويمضي.
لماذا سُمِّيت الأحوال أحوالًا وما علاقتها بالفيء؟
سُمِّيت الأحوال أحوالًا لأنها تحل بالقلب وتزول، وأنشدوا: لو لم تَحُل ما سُمِّيت حالًا وكل ما حال فقد زالا. وشبَّهوها بالفيء وهو ظل العمود الذي يزداد ثم ينقص، فكما أن الفيء يتغير باستمرار فكذلك الأحوال تأتي وتذهب.
ما الفيء وكيف كان يُستخدم لتحديد مواقيت الصلاة؟
الفيء هو ظل العمود الذي كان يُستخدم قديمًا لتحديد مواقيت الصلاة. يبدأ الظل في الزيادة ثم ينقص حتى يصل إلى أصل العمود، ثم يبدأ في الزيادة فيُؤذَّن الظهر، ويظل يزداد إلى أن يصل إلى مثل العمود فيُؤذَّن العصر.
ما الفرق بين الأحوال واللوائح والبوادر عند أهل التصوف؟
اللوائح والبوادر هي ما يأتي ويذهب بسرعة دون أن يدوم، وصاحبها لم يصل بعد إلى مرتبة الأحوال. أما الأحوال فتدوم أكثر من اللوائح، وإذا دامت الأحوال وتوالت أصبحت مقامًا. وقد اختلف أهل الفن في المصطلح وهذا وارد في كل علم.
متى يصير الحال شربًا ومقامًا وما قول أبي عثمان الحيري في دوام الرضا؟
إذا دامت صفة الحال فعند ذلك تُسمَّى حالًا، وإذا دامت أكثر صارت شربًا ومقامًا. وأبو عثمان الحيري يقول: منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته، مشيرًا إلى دوام الرضا. فالرضا صار له مشربًا يُربَّى فيه، لكن لصاحب هذه الحال أحوال طوارئ أخرى لا تدوم فوق أحواله الأصلية.
كيف يترقى السالك في الأحوال وهل للأحوال نهاية؟
إذا دامت الطوارق والأحوال السريعة كما دامت الأحوال المتقدمة، ارتقى السالك إلى أحوال أخرى فوقها وألطف منها. والأحوال لا نهاية لها، فالسالك في ترقٍّ مستمر من حال إلى حال أعلى وألطف.
كيف فسَّر أبو علي الدقاق حديث الغين على قلب النبي صلى الله عليه وسلم؟
أبو علي الدقاق يفسِّر قول النبي صلى الله عليه وسلم إنه ليُغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة بأنه كان أبدًا في الترقي من أحواله. فإذا ارتقى من حال إلى حالة أعلى ربما حصل له ملاحظة إلى ما ارتقى عنه فكان يعدُّها غَيْنًا بالإضافة إلى ما حصل فيه، وأحواله كانت في تزايد مستمر.
ما معنى قولهم حسنات الأبرار سيئات المقربين؟
العبد أبدًا في ارتقاء أحواله، فلا معنى يصل إليه إلا وفي مقدور الله ما هو فوقه. وعلى هذا يُحمل قولهم حسنات الأبرار سيئات المقربين، أي أن ما يُعدُّ كمالًا عند مرتبة معينة يُعدُّ نقصًا بالنسبة لمرتبة أعلى منها. وسُئل الجنيد عن هذا فأنشد في معنى الترقي وطوارق الأنوار.
هل يجوز الدعاء بزيادة شرف النبي صلى الله عليه وسلم؟
يجوز الدعاء بزيادة شرف النبي صلى الله عليه وسلم لأن الألطاف الإلهية لا تتناهى وفضل الله لا نهاية له. وقد ذكر الخطيب البغدادي في مغني المحتاج أن الألطاف لا تتناهى، فالنبي يزداد أبدًا في الشرف لأن الشرف لا غاية له ولا نهاية له.
متى يكون الدعاء بزيادة شرف النبي إساءة أدب ومتى لا يكون؟
يكون الدعاء بزيادة الشرف إساءة أدب لو كان للشرف نهاية، إذ يعني حينئذ أن النبي لم يبلغ الغاية. لكن لما كان الشرف لا نهاية له أصلًا فلا إساءة أدب. والصفات الإلهية لا نهاية لها باتفاق، وكل موجود له نهاية، لكن التقدير مفتوح والموجود محصور.
ما الفرق بين المحصور والمقدَّر وكيف يُثبت أن العدد لا نهاية له؟
كل موجود لا بد أن يكون محصورًا معدودًا فيكون له نهاية، أما العدد فلا نهاية له لأنه بعد أي رقم يمكن إضافة واحد. والسبب أن الوجود محقَّق والإضافة مقدَّرة وليست محققة، فالموجود محصور والتقدير مفتوح.
كيف يُثبت أن الدعاء بزيادة شرف النبي جائز انطلاقًا من مفهوم التقدير والتحقيق؟
التقدير مفتوح والموجود محصور، فلو بلغت الصلوات على النبي عددًا هائلًا فإن صلاة واحدة إضافية تجعله أكثر، والأمر مفتوح دائمًا. ولذلك يجوز أن نقول زيادة في شرف النبي صلى الله عليه وسلم لأن الشرف لا نهاية له من حيث التقدير.
ما تعريف القبض والبسط في الرسالة القشيرية وما الفرق بينهما وبين الخوف والرجاء؟
القبض والبسط حالتان تأتيان بعد ترقي العبد عن حالة الخوف والرجاء، فالقبض للعارف بمنزلة الخوف للمبتدئ، والبسط للعارف بمنزلة الرجاء للمبتدئ. والفرق أن الخوف والرجاء يتعلقان بالمستقبل، أما القبض والبسط فللمعنى الحاصل في الوقت الحاضر.
كيف يختلف القبض والبسط عن الخوف والرجاء في تعلق القلب؟
صاحب الخوف والرجاء تعلَّق قلبه في حالتيه بآجله أي بما هو آتٍ في المستقبل، أما صاحب القبض والبسط فأخذ وقته بوارد غلب عليه في عاجله أي في حاضره. وتتفاوت صفاتهم في القبض والبسط على حسب تفاوتهم في أحوالهم.
ما الفرق بين القبض الجزئي والقبض التام في تأثيرهما على السالك؟
القبض الجزئي هو وارد يوجب قبضًا لكن يبقى مساغ للأشياء الأخرى، فيستطيع السالك أن يأكل ويشرب ويذهب لقضاء مصلحة. أما القبض التام فلا مساغ فيه لغير وارده لأنه مأخوذ عنه بالكلية، فلا يطيق أن يرى أحدًا ولا يسمع صوتًا ولا ينظر إلى شيء.
ما معنى الوارد المستوفى والوارد غير المستوفى في القبض؟
الوارد غير المستوفى هو قبض جزئي لم يبلغ مائة في المائة، فيبقى مجال للأشياء الأخرى كالذهاب لقضاء مصلحة. أما الوارد المستوفى فهو قبض تام مائة في المائة، فلا يعرف السالك كيف يفعل أي شيء لأنه مأخوذ بالكلية بوارده.
ما معنى الردم في القبض وكيف يتفاوت البسط بين التام والجزئي؟
الردم هو القبض التام الذي لا مساغ فيه، وهو ما يعبِّر عنه بعضهم بقوله أنا رَدْم أي قُفِلت مائة في المائة. أما البسط التام فصاحبه يسع الخلق كله فلا يستوحش من شيء، يرى العدو فيعذره والصديق فيحبه. والبسط الجزئي يكون سبعين في المائة مثلًا فيبقى أثر لبعض الأشياء.
ما قصة أبي بكر القحطي مع ابنه الضال وكيف تعامل معها؟
أبو بكر القحطي كان من كبار الأولياء وكان له ابن يتعاطى المخدرات ويجلس مع أقران السوء. ولما دخل عليه أحدهم وجده كأنه لا علم له بما يجري في الغرفة المجاورة، فتعجب أبو علي الدقاق من سكينته وقال: مسكين هذا الشيخ كيف ابتُلي بمعاناة هذا الابن.
ما قول القحطي في سر سكينته أمام ابتلائه بابنه الضال؟
القحطي قال: حُرِّرنا من رِقِّ الأشياء في الأزل، أي أن الله قدَّر عليه أن يصبر على هذا وأنزل على قلبه السكينة، وهذا ليس من جهده بل هو منَّة من الله سبحانه وتعالى.
كيف تعامل الشيخ الأزهري مع ابنه العاصي حتى هداه الله؟
كان الشيخ الأزهري يصبر على ابنه العاصي ويُسدِّد عنه أجرة الخمر، وكان الابن يرجع سكرانًا عند الفجر فيجد أباه نازلًا لصلاة الفجر. وصبر عليه الشيخ بالمعاملة الطيبة الرفيقة حتى هداه الله سبحانه وتعالى في آخر عمر ذلك الولد.
ما الذي يأتي بعد القبض والبسط في الرسالة القشيرية وما خطة الدراسة القادمة؟
بعد القبض والبسط دخل الإمام القشيري في الهيبة والأنس. وفي المجلس القادم بعد العيد سيُدرَس باب الأخلاق من الرسالة القشيرية، مع تحديد كيفية الإجابة على أسئلة الامتحان.
الرسالة القشيرية تُميِّز بين المقامات المكتسبة بالمجاهدة والأحوال الموهوبة من الله، مع التأكيد على أن الشريعة لا تسقط في أي مقام.
الرسالة القشيرية تُعرِّف الوقت بأنه اللحظة الحاضرة الغالبة على الإنسان، وعلى هذا بنى أهل التصوف قولهم إن الصوفي ابن وقته، أي مشتغل بما هو مطلوب منه الآن لا بما فات ولا بما سيأتي. وفرَّق القشيري بين الأذكار التي لا قضاء لها لاستغراقها الوقت كله، وبين الصلاة والصيام اللذين يُقضيان لوجود وقت خالٍ يتسع لهما.
أما المقام فهو صفة مستقرة تُكتسب بالمجاهدة والتربية، ولا يصح الانتقال من مقام إلى آخر قبل استيفاء أحكام المقام الأول وإلا وقع السالك في الحيرة والتيه. في المقابل، الحال معنى يرد على القلب من غير تعمد، فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب. والقبض والبسط حالتان للعارف تقابلان الخوف والرجاء عند المبتدئ، وتتفاوت درجاتهما بين وارد جزئي يُبقي مساغًا للأشياء الأخرى ووارد مستوفٍ يأخذ الإنسان بالكلية.
أبرز ما تستفيد منه
- الصوفي ابن وقته: مشتغل بما هو مطلوب منه الآن لا بالماضي ولا بالمستقبل.
- الأحوال مواهب من الله والمقامات مكاسب تحصل ببذل المجهود والمجاهدة.
- لا يصح الانتقال من مقام إلى مقام أعلى قبل استيفاء أحكام المقام الأول.
- التكاليف الشرعية لا تسقط عن أحد، وإحالة التقصير على التقدير خروج من الدين.
- العبادة تصبح حجابًا إذا دخلها العُجب، والمطلوب الغيبة عنها برؤية مُنشئها.
مقدمة الدرس وبيان منهج الإمام القشيري في تفسير ألفاظ الصوفية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
بعدما تحدث الإمام القشيري عن ترجمة طائفة من أولياء الله الصالحين الكبار، تحدث في باب عن تفسير ألفاظ تتداول بين هذه الطائفة. وكل طائفة من أهل العلم والصناعة تتداول بينهم ألفاظ مخصوصة لها معانٍ مخصوصة، لها علاقة بالمعنى اللغوي وليست على تمام معناها اللغوي.
ومن هنا ظهر قولهم: لفظة كذا لغةً، ثم بعد ذلك يقولون: واصطلاحًا. فالفقهاء لهم اصطلاحهم، والمتكلمون لهم اصطلاحهم، وأهل الله من المتصوفة لهم اصطلاحهم في مؤلفاتهم وكلامهم، وأهل الأصول لهم اصطلاحهم، وهكذا.
وقد تتفق هذه الاصطلاحات وقد تختلف، فتكون الكلمة الواحدة لها معانٍ مختلفة في كل علم، وفي كل علم تختلف هذه المعاني عن المعنى اللغوي.
قاعدة صرفية: إبدال تاء الافتعال طاءً بعد حروف الإطباق
فالاصطلاح على وزن افتعال، وما كان على وزن افتعال هكذا فتاؤه إذا وردت بعد حرف من حروف الإطباق الأربعة تُقلب طاءً. وحروف الإطباق كما تعلمنا في علم التجويد هي: الصاد والضاد والطاء والظاء، وسُمِّيت بهذا الاسم لأنها يحدث إطباق في الفم عند النطق بها وهي مفخمة.
فعندما يأتي هذا التفخيم بعده تاء، والتاء من شأنها الترقيق الذي هو ضد التفخيم، فإن هذا التفخيم يسري إليها. ومن جاور السعيد يسعد، ومن هنا تفخيم هذه الحروف وإطباقها يسري إلى التاء التي بجوارها فتتحول إلى طاء.
والفرق بين التاء والطاء هو ذلك الترقيق والتفخيم، أو ذلك الإطباق الذي إذا ما أدخلناه إلى تاء تحولت إلى طاء.
عيوب النطق في التاء والطاء وبيت ابن مالك في القاعدة الصرفية
ومن عيوب النطق أن تتحول عند بعضهم التاء إلى طاء أو الطاء إلى تاء. وإذا أراد أحدهم خاصة من النساء أن تتكسر في كلامها فإنها تحول الطاء إلى تاء. اصطلاح اصطلاح هي افتعال.
يقول ابن مالك: "طاتا افتعال رُدَّ إثر مُطبَقٍ"، وأدانا وازدد وادَّكر دالِ بقي حدّ. فهم شيء، وما نحن قلناه هو نصف البيت وهي القاعدة التي وضعناها هكذا: طاء تاء يصبح طاء، وبعد ذلك تاء. ليس هناك شيء سهل، أي شيء أخف من وخزة الدبوس.
طاء إبدال التاء التي للافتعال رُدَّ، أي رُدَّ تاء الافتعال طاءً، أي تحويلها من تاء الافتعال إلى الطاء عندما تقع بعد حرف مُطبَق.
شرح قاعدة إبدال تاء الافتعال طاءً بعد المطبق وتطبيقها
طاتا افتعال رُدَّ، وهكذا أكملت العبارة: رُدَّ تاء الافتعال طاءً أثر مُطبَق، إذا وقعت التاء هذه بعد حرف مُطبَق. طاتا افتعال رُدَّ أثر مُطبَق، سهلة الآن.
فكت، أهي طاتا افتعال رُدَّ أثر مُطبَقِ؟ انتهى، انتهت القاعدة في نصف البيت هذا. بقيته فهذه قاعدة أخرى لا علاقة لنا بها الآن، هذه ندعوها بعد ذلك.
طاتا افتعال رُدَّ أثر مُطبَق.
بيان المصطلحات الصوفية التي سيتناولها الدرس من الرسالة القشيرية
سيتكلم [الإمام القشيري] عن بعض هذه المصطلحات، وهذه المصطلحات [تشمل]: الحال، والقبض، والبسط، والهيبة، والأنس، والتواجد، والوجد، والوجود، والجمع، والفرق، وجمع الجمع، والفناء، والبقاء، والغيبة، والحضور، والصحو، والسكر، والذوق، والشرب، والمحو والإثبات.
حتى تكلم عن النفس والروح والسر إلى آخره. ثم بعد ذلك تحدث عن مجموعة من الأخلاق منها: التوبة، والورع، والزهد، والصمت، والخوف، كل هذه أخلاق، واليقين، والصبر، والرضا، والفراسة، والأدب، في طائفة كبيرة جدًا من الأخلاق.
تحديد المنهج الدراسي واختيار المصطلحات والأخلاق المقررة للدراسة
وعلى عادتنا سوف نختار مجموعة من هذه المصطلحات ومجموعة من هذه الأخلاق حتى تكون محلًا للنظر والدراسة في عامنا هذا.
وعلى ذلك فنأخذ إلى المحو والإثبات، نأخذ إلى المحو والإثبات، يبقى من [مصطلح] الوقت إلى المحو والإثبات، والباقي تقرؤونه قراءة مُطَّلِع مستفيد.
وبالنسبة لأبواب الأخلاق سنأخذ ابتداءً من التوبة إلى الجوع وترك الشهوة. الجوع وترك الشهوة، والغاية داخلة، يعني ما معنى الغاية داخلة؟ هذا داخل، يعني هذا لقوله تعالى:
﴿إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]
يبقى المرفق داخل أم ليس [داخلًا]؟ لأن الغاية داخلة.
تحديد نطاق الدراسة النهائي والدخول في مصطلح الوقت عند الصوفية
وبذلك ينتهي [التحديد]، بعد أن حددنا هذا بأن الغاية داخلة في الجوع والعطش والجوع وترك الشهوة، وحددنا [المصطلحات من الوقت] إلى المحو والإثبات، تنتهي المقارنة.
ونحن الآن نتكلم في الوقت فسندخل في المصطلحات الآن. قال رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: فمن ذلك الوقت، مصطلح عندهم اسمه الوقت.
تعريف أهل التحقيق والتدقيق والفرق بينهما في إيراد الأدلة
حقيقة الوقت عند أهل التحقيق، أهل التحقيق هم أولئك الذين يريدون الجملة المفيدة والحكمة بمعنى النسبة التامة [أي] الجملة المفيدة، ويريدون له الدليل. ودليلهم إما أن يكون من الوحي وإما أن يكون من الوجود المنضبط بالوحي كما تكلمنا.
فإذا أتى بالجملة المفيدة مع دليلها سُمِّي أنه من أهل التحقيق. فإذا أتى بدليل آخر من وجه آخر سُمِّي أنه من أهل التدقيق.
فما الفرق بين التحقيق والتدقيق؟ التدقيق أن تورد الشيء بدليل آخر ليس بالدليل الأول، بدليل من جهة أخرى. فلو كان الأول من الكتاب يكون الثاني من السنة، وإذا كان الأول من السنة يكون الثاني من الإجماع، إذا كان الأول من المنقول فيكون الثاني من المعقول.
مراتب الأداء الخمس: التحقيق والتدقيق والترقيق والتنميق والتزويق
والترقيق أن تصوغ العبارة بصيغة رقيقة. والتنميق أن تُدخل فيها من المحسنات البلاغية ما يجعلها متزنة. والتزويق أن تُدخل فيها من المحسنات كالسجع واتساق المقاطع ما يجعلها سهلة الحفظ.
تبقى لدينا خمس مراتب للأداء: التحقيق، والتدقيق، والترقيق، والتنميق، والتزويق.
حسنًا، سمعتم هذا الكلام من قبل أم لم تسمعوه من قبل؟ ما من أحد إلا هذا الفتى الذي يلازمني، هذا لأنه يجلس معي ستة أو سبعة أعوام يقرأ عليَّ. وأهل التحقيق ينبغي أن يورد الكلام بالدليل.
تعريف مصطلح الوقت عند الصوفية وعلاقة الحادث المتوهم بالمتحقق
قالوا: الوقت حادث متوهَّم عُلِّق حصوله على حادث متحقق. فيكون هناك حادث متحقق وكأنه الإناء، وهناك حادث متوهَّم وكأنه الماء. وعند [تحديد] الوقت هو أن تضع الماء في الإناء.
أي تصوَّر هكذا إناءً، وتصوَّر ماءً، ثم تصوَّر أنك قد وضعت الماء في الإناء. فالوقت هو هذه العلاقة ما بين الحادث المتوهَّم والحادث المحقَّق، فالحادث المتحقق وقتٌ للحادث المتوهَّم.
تقولون: سآتيك رأس الشهر، فيكون رأس الشهر هذا الوقت. هذا عبارة عن القضاء والإتيان، هذا الإتيان متوهَّم لم يحدث بعد، ولكن ما يخص هذا الشهر محسوب معروف في بداية الشهر. فالإتيان متوهَّم ورأس الشهر حادث متحقق، فرأس الشهر وقتٌ للإتيان.
قول أبي علي الدقاق في تعريف الوقت بأنه اللحظة الحاضرة
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: الوقت الذي أنت فيه هو الوقت. عند علي الدقاق أبي علي الدقاق، الآن والآن هذا فترة بين الماضي والمستقبل.
من خمس دقائق هذا ماضٍ مضى انتهى، وما زال كذلك بقية المحاضرة هذا مستقبل، ولكن أين الوقت الآن؟ هذا هو الوقت الآن.
يعني ماذا هذا الوقت؟ ها، الذي هو الآن، اللحظة التي أنت قائم فيها الآن: إن كنت بالدنيا فوقتك الدنيا، وإن كنت بالآخرة فوقتك الآخرة، إن كنت في السرور فوقتك السرور، وإن كنت في الحزن فوقتك الحزن.
معنى أن الوقت هو الغالب على الإنسان وأنه عرض غير قار
يريد [أبو علي الدقاق] أن يقول إن وقتك هو الآن، وهذا سيترتب عليه كلام. يريد بهذا أن الوقت ما كان هو الغالب على الإنسان، الغالب على الإنسان ليس يعني أكثر عمر الإنسان، لا، الغالب على الإنسان يعني المتمكن من الإنسان.
الماضي [مضى والمستقبل] لم يأتِ بعد، فما الذي يتمكن منك الآن في هذا الوقت؟ فأنت ملبوس به، كذلك يعني أنت متلبس به وهو متلبس بك.
ولذلك عند هذه المناطق، الوقت عَرَض غير قارّ، عَرَض يجري. كما قلنا: زيد الطويل الأزرق بن مالك في بيته بالأمس، هذا بالأمس هذه زمان، يقولون عليه عَرَض غير قارّ، أي أنك واقف هكذا وهو يجري عليك هكذا غير مستقر.
معنى الوقت بين الزمانين وقولهم الصوفي ابن وقته
هذا العَرَض غير القارّ هو الآن يغلبك، أي ما معنى غالبك؟ أي متلبس بك.
وقد يعنون بالوقت ما هو فيه من الزمان، فإن قومًا قالوا: الوقت ما بين الزمانين، أي الماضي والمستقبل.
ويقولون: الصوفي ابن وقته. فها هنا نبتدئ إذن نعيش مع كلمة الوقت وأهميتها عند [أهل التصوف]. الصوفي ابن وقته يعني: لا تشغل بالك بالذي فات، ولا تشغل بالك بالذي آتٍ، لا الذي فات ولا ما هو آتٍ، اشغل نفسك بما أنت فيه الآن.
حكم قضاء الأذكار الفائتة وأن المكلف مشغول بوقته الحاضر
أنت من مخلوق مكلَّف أم غير مكلَّف؟ مكلَّف. بماذا؟ بالذكر. إذن لا تُضيِّع وقتًا فأنت مكلَّف بالذكر الآن.
طيب، هذا أنا ما عملت الأذكار التي تخص الأمس. قالوا: ما فيه قضاء؛ لأنك مشغول بما كُلِّفت به، والذي فات مات.
الله! هم الجماعة أصحاب الناس الذين جاؤوا بالكلام هذا من أين؟ الذي فات مات، أليس هذا الكلام نسمعه؟ يجيئون به من أين؟ يجيئون به من هذه الجماعة [أهل التصوف].
تنبَّه إلى الآن، فماذا يعني؟ أي التفت لحالك الآن، فليس هناك قضاء، ليس هناك قضاء؛ لأنك أيها المسكين مكلَّف الآن بشيء آخر، ولا يمكن إحداث القضاء مع ما أنت مكلَّف به في وقت واحد.
الفرق بين قضاء الصلاة والصيام وعدم قضاء الذكر لاستغراقه الوقت
فاشتغل إذن بالذكر الآن، ليس قضاءً للورد الذي فاتك أمس، وإنما قيامًا بما أنت فيه الآن.
ولما كان الإنسان لم يُكلَّف بصلاة مستمرة ولا بصيام مستمر، أصبح هناك وقت للقضاء. لماذا تقضي الصلاة ولا تقضي الذكر؟ على أساس أن الذكر هذا أنت عليه دائمًا ولا يوجد وقت أقضي فيه، لكن الصلاة في وقت ما نحن لا نصلي فيه فلنقم ونصلِّ ما فات.
فما أنا لست صائمًا اليوم، صُم لتقضي ما فات. فكلما وجدت شيئًا يمكنك أن تقضي فيه فاقضِ، سدِّد الديون. وما لا تجد له وقتًا لتقضي فيه لأن الوقت كله قد شُغِل من قِبَل الشرع الشريف، فما فات مات. مفهوم؟
معنى أن الصوفي ابن وقته مشتغل بما هو أولى به من العبادات
انظر، هذا الوقت أصبح له عبارة هنا. يريدون بذلك أنه مشتغل بما هو أولى به من العبادات في الحال، قائم بما هو مطلوب منه في الوقت الحاضر.
وقيل: الفقير إلى الله لا يهمه ماضي وقته ومستقبله، لا الذي مضى ولا الذي سيأتي، بل يهمه الوقت الذي هو فيه الآن.
هذه عبارات فيها تنميق وتزويق، هي هو المعنى واحد؟ أهل التحقيق هذا الكلام وله أدلة، لكن بعد الدليل ودور التدقيق يأتي التنميق، يأتي الترقيق، فالتنميق فالتزويق. تزويق يقول لك: إن الفقير لا يهمه ماضي وقته وآتيه، بل يهمه وقته الذي هو فيه. قُمْ لتكون موزونة، قُمْ لتتحفظ أكثر، وهو هو نفس الكلام.
الاشتغال بفوات الوقت الماضي يضيع الوقت الحاضر
ولهذا قيل: إن الاشتغال بفوات وقت ماضٍ يُضيِّع وقتًا ثانيًا. فإن اشتغلت الآن بقضاء الورد الذي فات أمس فقد ضيَّعت ورد اليوم، فالكأس ممتلئة.
وقد يريدون بالوقت ما يصادفهم من تصريف الحق لهم، فيراقبون أنفسهم قائلين: انظروا، ربنا ابتلاني ببعض الناس الثرثارة، فلأراقب نفسي. سبحانك، ماذا عملت اليوم؟ لا بد أن هناك شيء خاطئ، والخطأ يجلب الخطأ، فلماذا سلَّطه [الله] عليَّ؟
وانتبه: ما يصادفهم من تصريف الحق لهم دون أن يختاروه لأنفسهم. أنا لم أختر أن يتكلم [فلان] بلا معنى ولم أختر ذلك، وكذلك سلَّطني الله عليه فأوقفته هكذا، وما هو إلا تسليط أجساد على أجساد وهم يقولون الله.
مراقبة النفس عند البلاء والتأمل في حكمة الله من التسليط
فهذا سلَّطه [الله] عليَّ، لماذا رآني؟ لماذا سمعني؟ لماذا؟ وما هو كان يقدر سبحانه أن يصرف عني هذا، ولكن لا بد من الحكمة. ويجلسون يتأملون أنفسهم، هو الآن يحدث ماذا؟
ويقولون: فلان بحكم الوقت، عندهم عبارة كذلك يقولونها. فلان بحكم الوقت، فصاحبنا هذا متلبس بالعقوبة، فيبقى هو الآن يقضي مدة العقوبة، هو الذي [أخطأ].
ولذلك قلت له ماذا؟ اذكر الله إن كنتم تذكرون، اذكر الله وأنت على هذه الحالة. نذكر الله: يا رب اغفر لي، يا رب يا رب اغفر لي. قُمْ يكون جميلًا هكذا؛ لأنه ما أرسل إليك العقوبة إلا ليحثك على أن تذكره.
الفرق بين من يتبرم من البلاء ومن يخرج من المحنة بالذكر والمنحة
يا الله، لماذا جاء بهذا؟ ما دام قد تبرَّم من أي شيء، هذا طيب. وأنا ما شأني؟ أنا تعبت، يا ليتني ما جئت اليوم!
والآخر يقول له: سبحانك ما أعظم شأنك، لا إله إلا أنت. قُمْ فليأخذ، ليخرج من المحنة بمنحة. أنت منتبه؟ نعم.
ويقولون: فلان بحكم الوقت، أي أنه مستسلم لما يبدو له من الغيب من غير اختيار. هل هذا واقف مختار في أصل الاختيار؟ لا؛ لأنه هذا واقف عقوبة، وخائف من الأستاذ، وخائف من الكلية، وخائف من الامتحانات، وخائف من نفسه، وخائف من [كل شيء].
من خاف من غير الله أخافه الله من كل شيء ومن خاف الله وحده أمنه
وإذا خاف الإنسان من غير الله أخافه الله من كل شيء، وإذا خاف من الله وحده - ليس بوقاحة يعني - لا، هذا هو خائف الله وحده حقًا هكذا، قوم الله سبحانه وتعالى يخاف منه كل شيء.
خِفْ يا ولد من الله وحده، خِفت من الله وحده، اجلس هكذا. هو لا يصدق أنه سيجلس.
وهذا فيما ليس لله تعالى عليه فيه أمر أو اقتضاء بحق الشرع الذي هو الصلاة والصيام وكذلك إلى آخره.
التحذير من إحالة التقصير على التقدير وسقوط التكاليف الشرعية
إذ التضييع لما أُمِرت به، وإحالة الأمر فيه على التقدير، وترك المبالاة بما يحصل منك من التقصير، خروج من الدين.
وأحد لا يصلي [ويقول]: أنا ماذا أفعل؟ وربنا هو الذي جعلني لا أصلي، وخلق أن لا أصلي، وماذا يعني أن لا أصلي؟ فماذا عن القتل الذي تقتله، والظلم الذي تظلمه، والسرقة التي تسرقها، والزنا الذي تفعله؟ فماذا أفعل أنا؟ آه، هذه لا مبالاة، يعني هكذا قال بدعوى أنه يعني بيد الله. آه، هذا خروج من الدين بالكلية.
مهمة هي، يعني لا يقولون بسقوط التكاليف، ولا حتى يتركون الورع ولا العفة والعفاف الذي أتانا به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
التكاليف لا تسقط حتى عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم
ولو كانت التكاليف تسقط لسقطت عن سيد الخلق [صلى الله عليه وسلم]، ولكن هذا هكذا قال:
قال رسول الله ﷺ: «ألا أكون عبدًا شكورًا»
وكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، وشدَّ من سَغَبٍ أحشاءه، وطوى تحت الحجارة كَشْحًا مُتْرَفَ الأدب، وراودته الجبال الشُّمّ من ذهب عن نفسه فأراها أيَّما شَمَم، عليه الصلاة والسلام.
قولهم الوقت سيف ومعنى أن من لاينه سلم ومن خاشنه اصطلم
ومن كلامهم: الوقت سيف، أي كما أن السيف قاطع فالوقت بما يُمضيه الحق ويُجريه غالب.
يُجريه لما يكون رباعيًا من أجرى ويُجري، يبقى من جرى وفي جرى وفي أجرى. لما يكون رباعيًا يبقى نضم ياء المضارعة، ولما يكون ثلاثيًا أو خماسيًا أو سداسيًا تُفتح ياء المضارعة. أفاد يُفيد، أطاق يُطيق.
وفي أفعال: حَكَم واحكُم، إذا جئت بها من حَكَم فيبقى يَحكُم، إذا من أحكَم فيبقى يُحكِم لأنه من الرباعي. وفي أفعال تدور عليها تجدها ثلاثيًا لكن ليس فيها رباعي: شانَ فيبقى يَشين. خطأ أن تقول ماذا؟ يُشين، كما يقول بعض الناس هكذا يُشين، فيبقى كأنه جاء بها من أشان وليس هناك أشان في اللغة.
استطراد لغوي حول كلمة ناط وأناط والفرق بين المعاجم
وفي أشياء جرت على ألسنة الشعراء وما إلى ذلك، وإن كانت اللغة ليس فيها هذا. مثل ناط فيكون يَنيط ويكون منوط، لكن أناط نعم في بعض الشعراء قال أناط فيكون مَناط وليس منوط إذن. أتدرك كيف؟ ويكون يُنيط عندما نفعله.
لكن عندما تبحث في المعاجم لا تجد أناط هذه، تجدها عند مجمع اللغة العربية ولكن عندنا هنا في الزمالك. لكن في لغة [أهل] الأزهري يقول ماذا؟ منوط. لماذا؟ لأنها ناط فقط.
ولكن أصل الأزاهرة يقرؤون لسان العرب ويقرؤون التاج ويقرؤون القاموس وهذه الأشياء. نعم، تاج العروس شارح القاموس. وهذا القاموس اسمه ماذا؟ القاموس الوسيط والقاموس المحيط والقابوس الوسيط فيما ذهب من لغة العرب شماطيط. شماطيط، وإن شاء الله ربنا يجمعكم من غير شماطيط.
تتمة معنى الوقت سيف وأن من لاينه سلم ومن خاشنه هلك
طيب، يبقى إذا أجرى يبقى يُجري، ويُجريه بما يُمضيه الحق ما هو إذن الذي نحن موجودون أمامه وما هذا. ويُجريه غالب، من أجرى.
وقيل: السيف ليِّن مسُّه قاطع حدُّه، فمن لاينه سَلِم، ومن خاشنه اصطُلِم. اصطُلِم أهي افتعل؟ فبقيت التاء إيه؟ طاء؛ لأنها جاءت وراء الصاد. اصطُلِم.
كذلك الوقت: من استسلم لحكمه نجا، ومن عارضه انتكس وتردَّى [أي] هلك يعني.
وأنشدوا في ذلك:
وكالسيف إن لاينته لان مسُّه ... وحدَّاه إن خاشنته خَشِنانا
ومن ساعده الوقت فالوقت له وقت، ومن ناكده فالوقت عليه مقت.
قول أبي علي الدقاق إن الوقت مبرد يسحقك ولا يمحقك
وسمعت يقول أبو علي الدقاق: إن الوقت مِبرَد. والمِبرَد هو الأداة التي يُحَكّ بها الحديد، فهو يسحقك ولا يمحقك، أي يؤلمك ولكن لا يُهلكك.
فلو محاك وأفناك لاسترحت حين فَنِيت، ولكنه يأخذ منك ولا يمحوك كلية.
وكان يُنشد في هذا المعنى:
كل يوم يمر يأخذ بعضي ... يورث القلب حسرة ثم يمضي
وكان يُنشد أيضًا:
كأهل النار إن نَضِجت جلود ... أُعيدت للشقاء لهم جلود
وفيها معناه: ليس من مات فاستراح بميت، إنما الميت ميت الأحياء.
الكيّس من كان بحكم وقته ناصحًا لنفسه ملتفتًا لحاله
والكيِّس من كان بحكم وقته الناصح، الذي يلتفت إلى حاله الآن دون حزن على ما فات ولا تشوُّف على ما هو آتٍ.
إن كان وقته الصحو فقيامه بالشريعة، وإن كان وقته المحو فالغالب عليه أحكام الحقيقة.
الشريعة معروفة: هو صاحٍ هكذا، يجب عليه أن يصلي، وعليه أن يصوم، وعليه أن يزكي، وعليه أن يفعل كذا، ومنضبط. الصلاة لها شروط، ولها شروط الصحة: أن يتوضأ، أن يدخل الوقت، أن يستر العورة، أن يستقبل القبلة، أن يكون المكان طاهرًا. شروط واضحة، الصلاة تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم، شروط واضحة وأركان واضحة.
أحكام الحقيقة والأذواق التي لا تتناهى وتقلب الأحوال على الإنسان
إنما الحقيقة فيها أذواق، هذه الأذواق لا تتناهى. يشعر الإنسان بضآلته مرة، وبعظم خلق الله فيه مرة، بالقبض مرة وبالبسط مرة، بالحزن مرة وبالسرور مرة.
هذه أحوال لا نهاية لها تتقلب على الإنسان، ومن خلالها يرى مرائي. فيتوجه مرة عند القبض إلى حب العزلة وترك الناس وقلة الكلام، ويتوجه مرة أخرى عند البسط إلى مباسطتهم ومحادثتهم والشفقة عليهم وتبليغ الدعوة إليهم.
يحدث هذا في حالة، هذه الحالة التي قال فيها المحو: نفسه مُحِيَت، وبدأت الأذواق والأنوار وانكشاف الأسرار تتلألأ عنده، لكنه بالجملة منضبط بالشريعة.
الفرق بين حالتي الصحو والمحو وعدم تحول الأحوال إلى أمراض نفسية
لو عرفنا هذه الكلمة البسيطة: إذا كان وقته الصحو فقيامه بالشريعة، وإن كان وقته المحو فالغالب عليه - ليس دائمًا، ليس في كل شيء - فالغالب عليه أحكام الحقيقة.
لا تتحول هذه الأحوال التي ترد على القلوب إلى أمراض نفسية؛ لأنه هو فيها فاهم أنها أعراض، وأنها أحوال، وأنها وقت وسيمر، ولحظة يراها فلا يلتفت إليها.
فإن الملتفت في الطريق إلى الله لا يصل. مهم، علم مهم جدًا لمن أراد أن يسلك الطريق إلى الله.
الفرق بين الدين والقانون وأهمية علم السلوك في تحقيق الإحسان
والسلوك وسلوك الطريق إلى الله هو غاية الشريعة، والإحسان هو الدرجة العليا التي من غيرها يصير الدين قانونًا.
وهناك فرق بين الدين والقانون: أن القانون يضبط الظاهر فقط، لكن الدين يضبط الإنسان في ظاهره وفي باطنه، في سره وفي علانيته. ليس يضبط جانبًا واحدًا من الإنسان وهو مهم، جانب مهم هو جانب العلن وجانب الظاهر وجانب العلاقات مع الناس، لكنه ليس كل شيء.
فالإنسان له نية وله إخلاص فيها لله، فلا بد أن يقصد الدين هذه الغاية. أن ذلك العلم [علم التصوف] من أشرف العلوم؛ لأنه يعالج أشرف المقاصد وهو إخلاص النية لله.
ضرورة انضباط عوارض الطريق تحت التجربة الإسلامية الرائقة
أثناء الطريق يتعرض الإنسان لعوارض ينبغي أن تنضبط تحت هذه التجربة الإنسانية الإسلامية الرائقة التي قام بها هؤلاء العلماء الأتقياء الأنقياء الذين كان الكتاب والسنة ديدنهم ونُصب أعينهم.
تعريف المقام عند الصوفية وأنه يُكتسب بالمجاهدة والتربية
تكلم [الإمام القشيري] بعد ذلك عن المقام وقال: المقام ما يتحقق به العبد بمنازلته من الآداب، مما يُتوصَّل إليه بنوع من التصرف، ويتحقق به بضرب تطلُّب ومقاساة التكلُّف.
فالإنسان يجاهد نفسه ويربيها، وبهذه المجاهدة وهذه التربية يكتسب صفات مستقرة باقية تُسمَّى بالمقام.
إذ إن المقام لا يأتي إلا بنوع من المجاهدة، وهو مستقر لا يتغير، وهو نتاج للتربية. فمقام كل هذا فسُمِّي مقامًا لأن فيه نوعًا من أنواع الاستمرار.
تشبيه المقام بالسكن والمنزل والبيت في معنى الاستقرار والديمومة
فالإنسان لا يغير بيته كل يوم، قد يغير ملابسه كل يوم وفي اليوم مرتين، لكنه لا يغير بيته في اليوم مرتين. ولذلك سُمِّي هذا بالسَّكَن لأنك تسكن فيه، وسُمِّي بالمنزل لأنك تنزل فيه، وسُمِّي بالبيت لأنك تبيت فيه مدة طويلة.
هكذا هو، فإذا كنت تمر ونزلت في شيء يسمونه نُزُلًا أو فندقًا أو لوكندة، لكن البيت المنزل المقام يعني فيه نوع من أنواع الديمومة، فسُمِّي هذا الشأن بالمقام.
لكن يمكن أن تربي نفسك ويأتي لك مقام أعلى من هذا المقام، ومقام آخر بعد التربية والمجاهدة والمعاناة وتدريب النفس، فيكون أعلى من ذلك كله.
مفهوم التعليم والتربية والتدريب في الإدارة الحديثة وعلاقته بالسلوك
عرفت الإدارة الحديثة هذه الأمور فتحدثوا عن التعليم وعن التربية وعن التدريب قائلين هكذا:
- •
التربية مقامها القيم والأخلاق.
- •
التعليم مقامه المعلومات والمعرفة.
- •
التدريب مقامه المهارات والملكات.
فندربك لتصبح نجارًا؛ لأن النجار يحتاج إلى يد حساسة مدربة تعمل بمفردها هكذا، في حين أنك عندما تمسك قطعة خشب لكي تنشرها ولكنها تفسد منك لأن المنشار غير موجود في يدك.
فإذن هؤلاء الناس يتحدثون أيضًا في التدريب وفي التربية وفي التعليم لكي ينشئوا الإنسان في النهاية، ولكن تدريب وتربية وتعليم في أي اتجاه؟ في اتجاه السير في الطريق إلى الله.
شرط الارتقاء من مقام إلى مقام وعدم الانتقال قبل استيفاء الأحكام
وشرطه [أي المقام] موضع إقامته عند ذلك وما هو مشتغل بالرياضة له. وشرطه ألا يرتقي من مقام إلى مقام آخر ما لم يستوفِ أحكام ذلك المقام.
لا تستطيع أن تنتقل من بيت إلى بيت آخر إلا عندما يكون البيت الآخر مجهزًا ومؤسسًا وكل شيء، وبعد ذلك تنتقل؛ لأن البيت فيه الأشياء التي تستعملها كل يوم. مقام إلى مقام إلا إذا استوفيت المقام الأول.
فإذا نقلت نفسك من مقام إلى مقام يُخشى عليك أن تتشكك في كل هذا؛ لأنك لن تجد نتيجة، لأن هذا سيؤدي إلى الحيرة والتيه وستصبح المسألة سيئة جدًا.
ترتيب المقامات: القناعة ثم التوكل ثم التسليم والتوبة ثم الإنابة
فإن من لا قناعة له لا يصح له التوكل، ومن لا توكل له لا يصح له التسليم. فلا بد أن يسبق مقام القناعة مقام التوكل، ومقام التوكل تتمكن فيه ثم تنتقل بعد ذلك إلى مقام التسليم.
وكذلك من لا توبة له لا تصح له الإنابة، فمقام التوبة ثم تنتقل إلى مقام الإنابة. ومن لا ورع له لا يصح له الزهد، فلا بد في مقام الورع ثم مقام الزهد.
والمقام هو الإقامة، كالمَدخَل بمعنى الإدخال، والمَخرَج بمعنى الإخراج. ولا يصح لأحد منازلة مقام إلا بشهود إقامة الله تعالى إياه في ذلك المقام، ليصح بناء أمره على قاعدة صحيحة.
قصة الواسطي مع أصحاب أبي عثمان وإنكاره رؤية التقصير في الطاعات
قال أبو علي الدقاق: لما دخل الواسطي نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان: بماذا كان يأمركم شيخكم؟ فقالوا: كان يأمرنا بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها.
يجب أن تنتبه إلى الصلاة، ويجب أن ترى أنت في الصلاة قصَّرت في أي شيء لكي تُكمله.
فقال [الواسطي]: أمركم بالمجوسية المحضة، المادية المحضة. نعم.
ما معنى التفسير؟ لا تقصير ورؤية التقصير فيها. فقال: أمركم بالمجوسية المحضة، مادية محضة. صلِّ وانتبه وأنت تصلي، وبعد ذلك انتبه أنت نقصت في أي [شيء].
نقد تحويل المعاني الروحية إلى ضوابط مادية والأمر بالغيبة عن العبادة
مذهب بعض الإخوة الآن هكذا يقول لك: الخشوع هو أن تنظر إلى موضع السجود. لا، هذا الخشوع محله القلب، ولكن حكاية تحويل المعاني إلى ضوابط مادية هذه مجوسية محضة.
هلَّا أمركم بالغيبة عنها؟ هذا كان يجب أن يقول لكم: صلُّوا ولا تنتبهوا في أذهانكم أنكم صليتم، فصلُّوا وانتبهوا إلى أن الله هو الذي وفَّقكم للصلاة، ولا تنتبهوا إلى الصلاة فحسب.
نعم، ولكن يكفيكم ذلك. ولا تلتفتوا عنها ولا تلتفتوا إليها، بل التفتوا عنها برؤية مُنشئها ومُجريها.
التحذير من العجب بالعبادة وأن العبادة قد تصبح حجابًا عن الله
هو أنا الذي صليت؟ هذا الله الذي وفَّقني. حينئذ تستعظمون منَّة الله عليكم، وحينئذ لا ترى لنفسك يعني كبرياء: أنا صليت، هذا أنا مُصَلٍّ، هذا غيرنا لا يصلي.
لا، وصليت ماذا؟ ووضعت يدي هكذا ما بين الثديين هكذا هو، وجعلت رجلي هكذا وهكذا، ويا عيني! يشتغل بحال نفسه دون أن يلتفت إلى خشوع لله، ولأن الله هو الذي وفَّقه لذلك، فتصبح العبادة حجابًا بينه وبين الله.
وإنما أراد الواسطي بهذا صيانتهم عن محل الإعجاب، لا يريد العُجب أن يدخل قلوبهم، لا تعريجًا في أوطان التقصير ولا تجويزًا للإخلال بأدب من الآداب.
مراد الواسطي صيانة القلوب من الإعجاب لا الاستهانة بآداب العبادة
بل هو لا يريدهم أن يُعجَب أحدهم بنفسه، هذا الإعجاب وحجاب بينه وبين الإخلاص التام، فلا يريدهم أن يشتغلوا بهذا المعنى.
تعريف الحال عند الصوفية وأنه معنى يرد على القلب من غير تعمد
بعد ذلك قال: ومن ذلك الحال. والحال عند القوم معنى يرد على القلب من غير تعمُّد منهم ولا اجتلاب ولا اكتساب لهم، من طرب أو حزن أو بسط أو قبض أو شوق أو انزعاج أو هيبة.
ما ليس هناك هيبة أو انزعاج أو هيبة، أفضل. ويمكن أيضًا أن تكون أفضل، أو انزعاج أو هِبَّة، يعني هو منزعج وخائف، أو هو نشيط وهابّ هكذا، أو احتياج.
فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب. يبقى الحال هذا شيء يأتي للإنسان هكذا من عند الله من غير تكلُّف ولا معاناة، يجد روحه فيها. إذن هذا كرم من عند الله هكذا هو، من غير أي سبب من الأسباب التي تنشأ من سالك الطريق.
الفرق بين الأحوال والمقامات: الأحوال مواهب والمقامات مكاسب
والأحوال تأتي من غير الوجود [أي من عند الله]، والمقامات تحصل ببذل المجهود. عندكم هكذا، أليس كذلك؟ عندكم هكذا.
حسنًا، فالأحوال تأتي هو هنا عندي من عين الجواد [سبحانه وتعالى]، والمقامات تحصل ببذل المجهود. وهكذا لن تتوازن، إن هذه من عند الله وهبًا، وهذه من فعل البشر أو بسبب فعل البشر الموفَّق بها من عند الله كسبًا.
yريد أن يقول هكذا، ولكن العبارة غير الموجودة يعني كأنها أتت من وراء ذلك المنظور: من غير الوجود، وأنها والمقامات تحصل ببذل الجهد. والمعنى واضح أن هذه من عند الله [وهبًا] وهذه من تصرفات السالك [كسبًا].
صاحب المقام مستقر وصاحب الحال متنقل وقول ذي النون في العارف
وصاحب المقام يمكن أن يكون في مقامه قد استقر فيه، وصاحب الحال متنقل عن حاله. الحال يأتي ويذهب، فيكون للمقام صفة الثبات والديمومة، وللحال صفة العَرَض والانتهاء.
وسُئل ذو النون [المصري] عن العارف فقال: كان هاهنا فذهب. يعني من هو العارف؟ قال: والله إن العارف هذا أصل العرفان هذا ويذهب، عَرَض، كان هنا ومضى.
ربما أكون أنا كنت منذ خمس دقائق عارفًا، حدث لي هكذا ومضة حال، وبعد ذلك الآن لست أعرف، ذهب الأمر. يريد أن يقول هكذا، يريد أن يقول إن العرفان نوع من أنواع الحال.
الأحوال كاسمها أحوال تحل وتزول وتشبيهها بالفيء
وقالوا: الأحوال كاسمها أحوال، يقول لك يا أخي هذا له أحوال، متقلب يعني. أنها كما تحل بالقلب تزول في الوقت.
وأنشدوا:
لو لم تَحُل ما سُمِّيت حالًا ... وكل ما حال فقد زالا
انظر إلى الفيء إذا ما انتهى ... يأخذ في النقص إذا طالا
لما يكون لدينا عمود وبه كانوا يدركون الصلاة قديمًا مواقيت الصلاة، هذا العمود تأتي الشمس ويكون له ظل. كلما تحركت الشمس من الشرق إلى الغرب تحرك هذا الظل.
شرح الفيء وعلاقته بمواقيت الصلاة وتشبيه الأحوال به
ظل هذا العمود يُسمَّى الفيء، يأخذ في الزيادة ثم في النقصان حتى يصل إلى جزء بسيط في أصل العمود.
هو هذا الذي يُسمَّى بالفيء، وبعد ذلك يبدأ في الزيادة فيؤذَّن الظهر، ويظل يزداد إلى أن يصل إلى مثل العمود يؤذَّن العصر، ويجلس هكذا إلى غروب الشمس.
وبهذا فإن الفيء هو النهاية عند الاستواء التي تكون ظلًا لهذا العمود.
الخلاف في بقاء الأحوال والفرق بين اللوائح والبوادر والأحوال
أشار قوم إلى بقاء الأحوال في قوم، أشاروا قالوا: لا، هذا الحال أيضًا بقي قليلًا يعني ودوامها.
وقالوا: إنها إن لم تدم أو إذا لم تدم ولم تتوالَ فهي لوائح وبوادر، سمَّوها شيئًا آخر. ففي شيء هم متفقون أن في شيئًا يأتي ويذهب، لكن نسميه أحوالًا أم نسميه لوائح؟ شيء لاح هكذا في الأفق وذهب.
فإذا أهل الفن والصناعة والعلم اختلفوا في المصطلح وارد. ولم يصل صاحبها بعد إلى الأحوال، فاللوائح هذه ما تأتي وتذهب بسرعة، والأحوال أي انتظر قليلًا. فإذا انتظرت قليلًا يصبح مقامًا.
دوام الحال يصيره شربًا ومقامًا وقول أبي عثمان الحيري في دوام الرضا
فإذا دامت تلك الصفة فعند ذلك تُسمَّى حالًا. وهذا أبو عثمان الحيري يقول: منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته. كل الأحوال جميلة، مسلم راضٍ، ليس عنده مقام.
أشار إلى دوام الرضا، والرضا من جملة الأحوال. فالواجب في هذا أن يُقال: إن من أشار إلى بقاء الأحوال فصحيح ما قال، فقد يصير المعنى شربًا لأحد فيُربَّى فيه.
مشرب أصبح الرضا مشربًا هكذا، مشرب الرضا فيُربَّى فيه، يعني ينشأ عليه. ولكن لصاحب هذه الحال أحوال، نفس صاحب الحال التي صارت شربًا له أحوال هي طوارئ لا تدوم فوق أحواله التي صارت شربًا له.
ترقي الأحوال فوق بعضها وأن الأحوال لا نهاية لها
تأتي أيضًا أحوال أخرى سريعة هكذا لوامع. فإذا دامت هذه الطوارق له كما دامت الأحوال المتقدمة، ارتقى إلى أحوال أخرى فوق هذه وألطف من هذه.
فأبدأ يكون في الترقي؛ لأن الأحوال لا نهاية لها.
تفسير حديث الغين على قلب النبي ﷺ بأنه كان أبدًا في الترقي
سمعت أبا علي الدقاق يقول في معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «إنه ليُغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين مرة»
أنه كان صلى الله عليه وسلم أبدًا في الترقي من أحواله. فإذا ارتقى من حال إلى حالة أعلى مما كان فيه، فربما حصل له ملاحظة إلى ما ارتقى عنه، فكان يعدُّها غَيْنًا بالإضافة إلى ما حصل فيه.
فأبدًا كان أحواله في التزايد، ومقدورات الحق سبحانه من الألطاف لا نهاية لها.
العبد أبدًا في ارتقاء أحواله ومعنى حسنات الأبرار سيئات المقربين
فإذا كان حق الحق تعالى العز، وكان الوصول إليه بالتحقيق محال، فالعبد أبدًا في ارتقاء أحواله. فلا معنى يصل إليه إلا وفي مقدوره سبحانه ما هو فوقه، يقدر أن يوصله إليه.
وعلى هذا يُحمل قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وسُئل الجنيد عن هذا فأنشد:
طوارق أنوار تلوح إذا بدت ... فتُظهر كتمانًا وتُخبر عن جمعه
فالترقي، وليس على الله بمستغرب أن يجمع العالم في واحد. فلعل الله سبحانه وتعالى أن يُنشئ منكم أولياء له، ليس ببعيد مع كثافة طبعكم وقلة خبرتكم وحبكم للدنيا وحرمانكم منها في نفس الوقت.
جواز الدعاء بزيادة شرف النبي ﷺ لأن الألطاف الإلهية لا تتناهى
متمسكون جدًا بالدنيا قلوبكم. إذا كان الترقي لا يتناهى؛ لأن الألطاف لا نهاية لها عند الله.
وهنا قالوا: هل يجوز أن نقول اللهم أو مثلًا دعاء وكذا نقول زيادة في شرف النبي؟ أم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نال الغاية العليا بحيث أنه لا زيادة فيها؟
yقول الشيخ الخطيب البغدادي في مغني المحتاج شرح المنهاج: أن الألطاف لا تتناهى، وأن فضل الله لا يتناهى. ولذلك فهو يزداد أبدًا في الشرف، حيث إن الشرف لا غاية له ولا نهاية له.
متى يكون الدعاء بزيادة الشرف إساءة أدب ومتى لا يكون
فيكون، ومن هنا ومن هذا المعنى يكون قولنا: زيادة في شرف النبي ليس فيه إساءة أدب.
فمتى يكون فيه إساءة أدب؟ لو كان للشرف نهاية، فينبغي أن تكون العقيدة أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ الغاية والنهاية فلا زيادة فوق ذلك، فقولنا حينئذ زيادة معناها أنه لم يصل إلى الغاية والنهاية.
لكن لو كان هذا الشيء لا نهاية له أصلًا، وهل يُتصوَّر أن يكون هناك شيء في الوجود لا نهاية له سوى الخالق؟ الصفات الإلهية لا نهاية لها باتفاق، لكن أي شيء موجود له نهاية.
الفرق بين المحصور والمقدر وأن كل موجود محصور لكن العدد لا نهاية له
عُدَّ النجوم فظهر رقم، أي رقم؟ ديشليون يعني ماذا؟ لا نعرف. ديشليون، جريجول يقول لك: واحد وأمامه مائة صفر، أُسّ واحد وأمامه مائة صفر، أي شيء. نعم، هذا ليس النهاية؛ لأن هذا لا بد أن يكون كذلك، يكون محصورًا.
كل موجود لا بد أن يكون محصورًا معدودًا فيكون له نهاية. لكن العدد لا نهاية له؛ لأنه بعد أن قلنا ديشليون أو جريجول نقول جريجول زائد واحد، وهكذا أي رقم تقوله في ذهنك فيكون زائد واحد.
فيكون إذن العدد لماذا هو كذلك؟ لأنه وهو محصور يدل على الوجود؛ لأن الوجود محقَّق والإضافة مقدَّرة وليست محققة.
التقدير مفتوح والموجود محصور وجواز الدعاء بزيادة شرف النبي ﷺ
عندما تأتي لتعدَّ حبَّ الرمال في الأرض وصلت إلى الرقم، فهذا محصور، ولكن يمكن أن يخلق الله واحدًا إضافيًا على سبيل أنه مقدَّر وليس محقَّق. وما إن يتحقق حتى يصبح ضمن العدد المحصور، ولكن يمكن أن يخلق واحدًا مرة أخرى وهكذا.
yبقى مفتوحًا، التقدير مفتوح والموجود محصور.
ولذلك فلو أن النبي صلى الله عليه وسلم من صلواتنا عليه بلغ عدد الصلوات جريجول بليكس، فلو صليت عليه الآن يكون جريجول بليكس زائد واحد، عليه الصلاة والسلام. وهكذا دائمًا فالأمر مفتوح.
فيجوز أن نقول: زيادة في شرف النبي صلى الله عليه وسلم.
تعريف القبض والبسط وأنهما حالتان بعد ترقي العبد عن الخوف والرجاء
تحدث [الإمام القشيري] عن القبض والبسط وقال: إنهما حالتان تأتيان بعد ترقي العبد عن حالة الخوف والرجاء.
فالقبض للعارف بمنزلة الخوف للمستأنف [المبتدئ]، والبسط للعارف بمنزلة الرجاء للمستأنف. والمستأنف يعني المبتدئ.
وأما الفصل بين القبض والخوف والبسط والرجاء، أي ما الفرق بينهم؟ الفصل يعني الفرق بينهم: أن الخوف في المستقبل، أما أن يخاف فوات محبوب أو هجوم محظور. وكذلك الرجاء إنما يكون بتأميل محبوب في المستقبل أو بتطلُّع زوال محظور وكفاية مكروه في المستقبل.
الفرق بين القبض والبسط وبين الخوف والرجاء في تعلق القلب
وأما القبض فللمعنى الحاصل في الوقت، وكذلك البسط. يبقى القبض والبسط هذان حالان الآن.
فصاحب الخوف والرجاء تعلَّق قلبه في حالتيه بآجله [أي] بما هو آتٍ، وصاحب القبض والبسط أخذ وقته بوارد غلب عليه في عاجله.
ثم تتفاوت صفاتهم في القبض والبسط على حسب تفاوتهم في أحوالهم.
تفاوت درجات القبض بين وارد يترك مساغًا ووارد يستوفي الإنسان بالكلية
فمن وارد يوجب قبضًا ولكن يبقى مساغ للأشياء [الأخرى]. أنت عندك مساغًا، فمن وارد يوجب قبضًا ولكن يبقى مساغ للأشياء الأخرى.
يعني الوارد جاء حال قبضني، لما قبضني لو كان القبض تامًا يُغلق كل الأبواب؛ لأنني لا أطيق أن أرى أحدًا، ولا أطيق أن أسمع صوت القطة، ولا أطيق أن أنظر إلى وردة، ولا أطيق أن أشمَّ العطور، انغلق كل شيء.
ولا، وارد عمل قبضًا بمعنى شيء من الانطواء، وما زال هناك مساغ. يبقى مساغ للأشياء الأخرى: أستطيع أن آكل، أشرب، أشمّ. كيف أذهب إلى العمل وأنا مقبوض؟ لكن الآن لا يعرف.
الوارد غير المستوفى والوارد المستوفى في القبض والبسط
إذا كان الوارد لم يترك مساغًا فلن يعرف كيف يفعل شيئًا، لكن هنا تبقى مساغ للأشياء الأخرى. ما هذه الأشياء الأخرى التي لم يرد عليها القبض؟
ورد القبض فلست قادرًا على أن أكلمك نهائيًا في حالة قبض، لكن قادر أن أذهب لقضاء مصلحة، أن أفعل شيئًا وهكذا.
فمن وارد يوجب قبضًا ولكن يبقى مجال للأشياء الأخرى؛ لأن الوارد غير مستوفى، ما هو وارد قبض تام مائة في المائة، غير مستوفى.
ومن مقبوض لا مساغ لغير وارده فيه؛ لأنه مأخوذ عنه بالكلية بوارده. يبقى الوارد منه مائة في المائة، ومنه خمسون وسبعون وليس مائة في المائة. هذه العبارة واضحة، نعم.
حالة الردم في القبض التام وحالة البسط التام والجزئي
ولكن يبقى مساغًا للأشياء الأخرى، يبقى كأنها صفة للوارد. وكلام لا معنى له كما قال بعضهم: أنا رَدْم، أي لا مساغ فيَّ، أنا انتهيت، قُفِلت مائة في المائة.
وكذلك المبسوط قد يكون فيه بسط يسع الخلق مائة في المائة، فلا يستوحش من أكثر الأشياء، أن يرى الأسد فيريد أيضًا أن يحتضنه، ويرى العدو فيعذره، والصديق فيحبه وهكذا. ويكون مسرورًا لا يؤثر فيه شيء بحال من الأحوال، مائة في المائة.
وقد يكون غير ذلك، أنه لا، البسط جاء سبعين في المائة فقط وهكذا. أمفهوم يا أولاد؟
قصة أبي بكر القحطي وابنه الضال وصبر الولي على البلاء
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: دخل أحدهم على أبي بكر القحطي وكان له ابن يتعاطى ما يتعاطاه الشباب، وقد فسد، يشرب المخدرات والحشيش وأشياء لا أدري ما هي، وهو من كبار الأولياء والولد قد ضلَّ. فماذا سيفعل له؟ كابن نوح.
وكان ممر هذا الداخل على هذا الابن، أي وهو ماشٍ إلى أبيه داخل عليه هكذا وهم جالسون في المجلس، فإذا هو مع أقرانه في اشتغالهم ببطالتهم، يشغلون الجوزة ويشربون المخدرات.
فانفطر قلبه وتألم للقحطي. قال أبو علي الدقاق: لا إله إلا الله، انظر كيف ابتلى ربنا هذا الولي بابن يستحق الحرق! وقال: مسكين هذا الشيخ، كيف ابتُلي بمعاناة هذا الابن.
سكينة القحطي وقوله حررنا من رق الأشياء في الأزل
فلما دخل على القحطي وجده كأنه لا علم له [بما] يجري في الغرفة التي بجانبه بما يجري عليه من الملاهي.
فتعجب منه أبو علي الدقاق تعجبًا من القحطي وقال: فُدِيت، يا من لا تؤثر فيه الجبال الرواسي! هذا أنا لو كنت مكانه وكان عندي ابن مثل هذا لمُتُّ، وهو ربنا أنزل على قلبه السكينة.
فقال القحطي: أنا قد حُرِّرنا من رِقِّ الأشياء في الأزل، أي ربنا قدَّر عليَّ أن أصبر على هذا، فهذا ليس من جهدنا بل هو منَّة من الله سبحانه وتعالى.
قصة شيخ أزهري صبر على ابنه حتى هداه الله في آخر عمره
كان أحد العلماء الكبار من مشايخ مشايخنا في أوائل القرن، وكان ابنه على هذه الصفة. ومما أنزل الله على قلبه من السكينة أنه كان يسدد عنه أجرة الخمر، يعني أن الولد يذهب إلى منزل صاحب الخمارة ويحسب في النهاية جنيهًا خلال الشهر، ثم يذهب ليسدده الشيخ.
وكان شيخًا من شيوخ الأزهر العظام، من تقوى الله سبحانه وتعالى ومن هذا الحال أنه صابر.
وكان هذا الولد إذا رجع إلى البيت عند الفجر سكرانًا، يرجع بظهره يصعد السلم، حتى إذا ما فتح الشيخ الباب من أجل أن ينزل لصلاة الفجر، فإذا كان هذا الشخص يقول له: هذا أنا نازل أصلي الفجر وهو صاعد بظهره.
وإذا لم يجد أباه يظل صاعدًا حتى الباب حتى يدخل وينام، ولا صلاة ولا غير ذلك. وصبر عليه الشيخ حتى هداه الله سبحانه وتعالى في آخر عمر ذلك الولد، من المعاملة الطيبة الرفيقة وهكذا.
خاتمة الدرس والإعلان عن الدخول في الأخلاق بعد العيد
ثم بعد ذلك وبعد كلام في القبض والبسط دخل [الإمام القشيري] في الهيبة والأنس.
ونكتفي بما ذكرنا عما قررناه، وسندخل في المرة الثانية التي هي بعد العيد إن شاء الله في الأخلاق، نأخذ منها بعضها أيضًا.
ثم نعطيكم كيفية الإجابة على الأسئلة، في الأسئلة محدودة محددة لكي لا تبكوا. ونلتقي على الخير إن شاء الله.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما تعريف الوقت عند أهل التحقيق من الصوفية؟
حادث متوهَّم عُلِّق حصوله على حادث متحقق
ما الفرق الجوهري بين الأحوال والمقامات عند الصوفية؟
الأحوال مواهب والمقامات مكاسب
ما معنى قولهم الصوفي ابن وقته؟
مشتغل بما هو مطلوب منه في اللحظة الحاضرة
لماذا لا يُقضى الذكر الفائت عند أهل التصوف؟
لأن الإنسان مكلَّف بالذكر في كل وقت فلا يوجد وقت خالٍ للقضاء
ما شرط الانتقال من مقام إلى مقام أعلى في السلوك الصوفي؟
استيفاء أحكام المقام الأول قبل الانتقال
ما الفرق بين القبض والخوف عند الصوفية؟
الخوف يتعلق بالمستقبل والقبض يتعلق بالحاضر
ما مراتب الأداء الخمس عند أهل العلم؟
التحقيق والتدقيق والترقيق والتنميق والتزويق
ما حروف الإطباق الأربعة التي تُقلب بعدها تاء الافتعال طاءً؟
الصاد والضاد والطاء والظاء
ما معنى قول أبي علي الدقاق إن الوقت مِبرَد؟
الوقت يؤلمك ويأخذ منك لكنه لا يُهلكك بالكلية
ما الذي يحدث إذا أحال الإنسان تقصيره في العبادات على التقدير الإلهي؟
خروج من الدين بالكلية
ما ترتيب المقامات الصحيح وفق الرسالة القشيرية؟
القناعة ثم التوكل ثم التسليم
كيف فسَّر أبو علي الدقاق حديث الغين على قلب النبي صلى الله عليه وسلم؟
كان النبي أبدًا في ترقٍّ فكان يعدُّ الحال السابق غَيْنًا بالنسبة للحال الأعلى
ما معنى قول القحطي حُرِّرنا من رِقِّ الأشياء في الأزل؟
الله قدَّر عليه الصبر وأنزل عليه السكينة وهذا منَّة منه لا من جهده
ما الفرق بين اللوائح والأحوال عند أهل التصوف؟
اللوائح تأتي وتذهب بسرعة وصاحبها لم يصل إلى مرتبة الأحوال
ما مراد الواسطي حين قال لأصحاب أبي عثمان أمركم بالمجوسية المحضة؟
أن تحويل المعاني الروحية إلى ضوابط مادية خطأ والمطلوب الغيبة عن العبادة برؤية الله مُنشئها
ما تعريف المقام في الرسالة القشيرية؟
المقام هو ما يتحقق به العبد بمنازلته من الآداب مما يُتوصَّل إليه بالمجاهدة والتربية، وهو صفة مستقرة باقية لا تتغير.
ما الفرق بين التحقيق والتدقيق في إيراد الأدلة؟
التحقيق إيراد الكلام مع دليله، والتدقيق إيراده بدليل آخر من جهة مغايرة كالانتقال من الكتاب إلى السنة أو من المنقول إلى المعقول.
ما معنى الوقت عند أبي علي الدقاق؟
الوقت عند أبي علي الدقاق هو اللحظة الحاضرة التي أنت فيها الآن، وهو ما يغلب على الإنسان ويتمكن منه في هذه اللحظة.
لماذا تُقضى الصلاة ولا يُقضى الذكر؟
الصلاة تُقضى لأن الإنسان لم يُكلَّف بها بصورة مستمرة فيوجد وقت للقضاء، أما الذكر فالتكليف به مستمر ولا يوجد وقت خالٍ للقضاء.
ما معنى قولهم الوقت سيف؟
الوقت بما يُمضيه الحق ويُجريه غالب قاطع كالسيف، فمن استسلم لحكمه نجا ومن عارضه انتكس وهلك.
ما الفرق بين صاحب المقام وصاحب الحال؟
صاحب المقام مستقر لأن المقام له صفة الثبات والديمومة، وصاحب الحال متنقل لأن الحال له صفة العَرَض والانتهاء.
ما معنى حسنات الأبرار سيئات المقربين؟
ما يُعدُّ كمالًا في مرتبة معينة يُعدُّ نقصًا بالنسبة لمرتبة أعلى، لأن العبد أبدًا في ترقٍّ لا نهاية له.
هل يجوز الدعاء بزيادة شرف النبي صلى الله عليه وسلم؟
نعم يجوز لأن الألطاف الإلهية لا تتناهى وفضل الله لا نهاية له، والتقدير مفتوح والموجود محصور.
ما الفرق بين الدين والقانون؟
القانون يضبط الظاهر فقط، أما الدين فيضبط الإنسان في ظاهره وباطنه وسره وعلانيته ويُحقِّق إخلاص النية لله.
ما معنى قول ذي النون المصري في العارف: كان هاهنا فذهب؟
يريد أن العرفان نوع من أنواع الحال يأتي ويمضي، فربما كان الإنسان عارفًا في لحظة ثم ذهب الأمر.
ما الفرق بين الإحسان والقانون في ضبط الإنسان؟
الإحسان هو الدرجة العليا التي تجعل الدين يضبط الباطن مع الظاهر، ومن غيره يصير الدين قانونًا يضبط الظاهر فقط.
ما معنى الوقت عَرَض غير قارّ؟
الوقت يجري على الإنسان دون استقرار، كأنك واقف وهو يمر عليك باستمرار، فهو لا يثبت ولا يستقر.
ما الذي يحدث إذا انتقل السالك من مقام إلى مقام قبل استيفاء أحكام المقام الأول؟
يقع في الحيرة والتيه ولا يجد نتيجة، وتصبح المسألة سيئة جدًا لأنه لم يُرسِّخ أساسه في المقام الأول.
ما معنى أن العبادة تصبح حجابًا بين العبد وربه؟
إذا دخل العُجب قلب العابد بعبادته اشتغل بنفسه لا بالله، فتصبح العبادة حجابًا بينه وبين الإخلاص التام.
ما الفرق بين القبض التام والقبض الجزئي؟
القبض الجزئي يُبقي مساغًا للأشياء الأخرى فيستطيع السالك القيام ببعض الأمور، أما القبض التام فيأخذه بالكلية فلا يطيق شيئًا.
ما معنى قول أبي عثمان الحيري: منذ أربعين سنة ما أقامني الله في حال فكرهته؟
يشير إلى دوام الرضا عنده، فالرضا صار له مشربًا يُربَّى فيه، وهو مثال على حال صار شربًا ومقامًا.
ما معنى التزويق في مراتب الأداء؟
التزويق هو إدخال المحسنات كالسجع واتساق المقاطع في العبارة لتسهيل حفظها وجعلها موزونة.
ما الدليل على أن التكاليف الشرعية لا تسقط عن أحد مهما بلغ؟
التكاليف لم تسقط عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه ويقول ألا أكون عبدًا شكورًا.
