الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي | المجلس الأول | أ.د علي جمعة - الأربعين في أصول الدين, تصوف

الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي | المجلس الأول | أ.د علي جمعة

40 دقيقة
  • كتاب "أسماء جواهر القرآن" للإمام الغزالي يمثل جزءاً من موسوعته "جواهر القرآن".
  • يناقش الكتاب المقاصد الأساسية للقرآن من خلال أربعة أقسام: العلوم، الأعمال الظاهرة، الأخلاق المذمومة، والأخلاق المحمودة.
  • يعرض الإمام الغزالي أصول العقيدة الإسلامية بدءاً بوحدانية الله وصفاته التي تنزهه عن مشابهة المخلوقات.
  • يؤكد أن الله منزه عن الزمان والمكان، فهو ليس جسماً ولا جوهراً ولا عرضاً.
  • يبين قدرة الله المطلقة وعلمه المحيط بكل شيء من الذرة إلى المجرات.
  • يتناول مسألة القضاء والقدر موضحاً الموقف الوسطي لأهل السنة بين الجبرية والقدرية.
  • يشرح كيف أن الله خالق لأفعال العباد والعبد مختار في أفعاله، فالفعل من الله خلقاً ومن العبد كسباً.
  • يحذر من الخوض في مسائل القدر دون علم راسخ مستشهداً بأقوال السلف.
محتويات الفيديو(32 أقسام)

مقدمة الدرس والتعريف بكتاب جواهر القرآن للإمام الغزالي

بسم الله الرحمن الرحيم، ألَّف الإمام حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة خمسمائة وخمسة عن عمرٍ يناهز الخمسة والخمسين، يعني في شبابه أو يكاد بكهولته، ألَّف كتابًا أسماه جواهر القرآن.

وهذا الكتاب الذي نقرؤه الآن هو جزء من هذا الكتاب الكبير أو الموسوعة التي وضعها الإمام الغزالي، والتي تُسمى بـ جواهر القرآن ودرره.

وسيستمر لقاؤنا لمدة ساعة في كل مرة، وسنقرأ في الكتاب ما يسَّر الله لنا، وعدد الجلسات التي سنمضيها سويًّا هي عشر جلسات، والله المستعان.

القسم الثالث من كتاب الجواهر وتقسيم مقاصد الآيات إلى علوم وأعمال

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المصنف رحمه الله ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين:

القسم الثالث من أقسام كتاب الجواهر هو قسم اللواحق. ولعلك تقول: هذه الآيات التي أوردتها في القسم الثاني تشتمل على أصناف من العلوم والأعمال المختلفة، هل يمكن تمييز مقاصدها وشرح جملها على وجه من التفصيل والتحصيل حتى يمكن معه التفكر في كل واحدة منهما على حيادها؟ ليعلم الإنسان تفصيل أبواب السعادة في العلم والعمل ويتيسر عليه تحصيل مفاتيحها بالمجاهدة والتفكر.

فأقول: نعم، ذلك ممكن وأنا أميزه لك إن شاء الله تعالى؛ فإنه ينقسم جمل مقاصدها إلى علوم وأعمال، والأعمال تنقسم إلى ظاهرة وباطنة، والباطنة تنقسم إلى تزكية وتحلية.

فهي أربعة أقسام: علوم وأعمال ظاهرة، وأخلاق مذمومة تجب التزكية عنها، وأخلاق محمودة تجب التحلية بها. كل قسم يرجع إلى عشرة أصول، واسم هذا القسم كتاب الأربعين في أصول الدين، فمن شاء أن يكتبه مفردًا فليكتبه؛ فإنه يشتمل على زبدة علوم القرآن.

الأصل الأول في معرفة ذات الله تعالى وصفات جلاله وكماله

القسم الأول في جمل العلوم وأصولها وهي عشرة. الأصل الأول في الذات:

فنقول: الحمد لله الذي تعرَّف إلى عباده بكتابه المنزل على لسان نبيه المرسل بأنه في ذاته واحد لا شريك له، فرد لا مثل له، صمد لا ضد له، متوحد لا ند له.

وأنه قديم لا أول له، أزلي لا بداية له، مستمر الوجود لا آخر له، أبديّ لا نهاية له، قيوم لا انقطاع له، دائم لا انصرام له؛ لم يزل ولا يزال موصوفًا بنعوت الجلال.

لا يُقضى عليه بالانقضاء والانفصال، وبتصرُّم الآماد وانقضاء الآجال؛ بل هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.

تعريف الله لعباده بنفسه من خلال صفاته في الكتاب والسنة

والله سبحانه وتعالى عرَّف لنا نفسه، وما كنا أن نعلم ذلك لولا أن علَّمنا ووصف نفسه في الكتاب بأكثر من مائة وخمسين صفة، وفي السنة بأكثر من مائة وستين صفة، وجمع الاثنين مع حذف المكرر يكون نحو مائتين وأربعين صفة.

فوصف ربنا نفسه بالجمال والجلال والكمال. هذه الصفات التي شاعت وذاعت وحفظها المسلمون في أسماء الله الحسنى، وفيما ورد من رواية حديث أبي هريرة عند الترمذي بثلاث روايات إلى آخر ما هنالك.

فالمهم أننا لا نعبد مجهولًا من كل جهة، ولكننا لا ندرك ذاته لأنها لم تُركَّب فينا إدراكات هذا الموجود العظيم سبحانه وتعالى. وفي الآخرة تُركَّب فينا آلات أخرى، حتى قال ربنا:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]

ورؤية الله سبحانه وتعالى ثبتت في الكتاب والسنة.

الأصل الثاني في التقديس وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقات

الأصل الثاني في التقديس:

وأنه ليس بجسم مصوَّر ولا جوهر محدود مقدَّر، وأنه لا يماثل الأجسام لا في التقدير ولا في قبول الانقسام.

وهنا تنبيه لغوي: كلمة "الانقسام" همزتها همزة وصل؛ لأن الخماسي والسداسي همزتهما همزة وصل، فيُقال: الانقسام وليس "الإنقسام".

وأنه ليس بجوهر ولا تحله الجواهر، ولا بعرض ولا تحله الأعراض، بل لا يماثل موجودًا ولا يماثله موجود.

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

ولا هو مثل شيء.

تنزيه الله عن المقدار والأقطار والجهات واستواؤه على العرش

وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأقطار، ولا تحيط به الجهات ولا تكتنفه الأرض والسماوات.

وأنه مستوٍ على العرش على الوجه الذي قال وبالمعنى الذي أراد، استواءً منزهًا عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال. لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته.

وهو فوق العرش وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقيةً لا تزيده قربًا إلى العرش والسماء، كما لا تزيده بعدًا عن الأرض والثرى. بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى.

وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبيد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد؛ إذ لا يماثل قربه قرب الأجسام، كلا، كما لا تماثل ذاته ذات الأجسام.

تنزيه الله عن الحلول في المكان والزمان وبيان مباينته لخلقه

وأنه لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، تعالى عن أن يحويه مكان، كما تقدس عن أن يحده زمان. بل كان قبل أن خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان.

وأنه بائن عن خلقه بصفاته، ليس في ذاته سواه ولا في سواه ذاته. وأنه مقدس عن التغير والانتقال، لا تحله الحوادث ولا تعتريه العوارض، بل لا يزال في نعوت جلاله منزهًا عن الزوال، وفي صفات كماله مستغنيًا عن زيادة الاستكمال.

وأنه في ذاته معلوم الوجود بالعقول، مرئي الذات بالأبصار نعمةً منه ولطفًا بالأبرار في دار القرار، وإتمامًا للنعيم بالنظر إلى وجهه الكريم.

تقسيم الكائنات إلى جوهر وجسم وعرض وبيان معنى كل منها

وهذا هو ما سماه [الإمام الغزالي] بالأصل الثاني، وفيه أمور: الكائنات التي حولنا والتي كوَّنها الله سبحانه وتعالى إما أن تكون لها حيز في الفراغ وإما ألا تكون لها حيز في الفراغ.

والذي له حيز إما أن يكون بسيطًا مكونًا من فرد لا يقبل التجزئة ويسمى بـالجزء الذي لا يتجزأ، وإما أن يكون مركبًا من هذا الجزء الذي لا يتجزأ فيسمى جسمًا. فالذي له حيز في الفراغ إما أن يكون جوهرًا وإما أن يكون جسمًا.

والذي ليس له حيز في الفراغ كالمرض والغنى والمعاني والصفات والألوان والطول والعرض والكيف، كل ذلك يسمى بـالعرض.

الفرق بين الجوهر والجسم والعرض وحاجة العرض إلى محل يقوم فيه

إذن فأنا عندي ذات إما أن تكون مفردة فتسمى جوهرًا، وإما أن تكون مركبة فتسمى جسمًا، وكلاهما له حيز في الفراغ. إلا أن هناك موجودات ليس لها حيز لكنها تحتاج إلى أن تقوم فيما له حيز، وهذه الأشياء نسميها بـالعرض.

فالعرض يحل في الأجساد؛ فترى الطفل صغيرًا ثم ينمو في طوله ووزنه ولونه ويتغير تغيرات حياتية أو حيوية، ولكنه هو نفس الإنسان. يمكن أن نتخيل إنسانًا أبيض نتخيله أسود، لكن كل هذه أعراض؛ يمكن أن تكون الصحة عرضًا، وقد يكون المرض عرضًا، وقد يكون اللون عرضًا، وهكذا.

مخالفة الله للكائنات فليس جوهرًا ولا جسمًا ولا عرضًا

فالله بخلاف ذلك؛ لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فالله ليس جوهرًا وليس جسمًا وليس عرضًا، ومعنى هذا أنه مخالف للكائنات.

فالله مكوِّن وليس كائنًا، بل هو موجود واجب الوجود لكنه مخالف لبقية هذه الكائنات. فهذه الكائنات تحتاج إليه وهو لا يحتاج إلى أحد، تقوم به سبحانه وتعالى، لكنه هو قيوم السماوات والأرض.

لها بداية لكنه أول بلا بداية، لها نهاية لكنه آخر بلا نهاية، وهو مخالف لهذه الحوادث. كل هذه الصفات قائمة به سبحانه وتعالى.

فمن عرف نفسه بالابتداء وبالفناء وبأنه قائم بغيره، عرف ربه بأنه هو الأول والآخر والظاهر والباطن وقيوم السماوات والأرض وهو بكل شيء عليم. فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.

المقولات العشر في الفلسفة وبيانها بالبيت الشعري المشهور

هذه الأعراض التي تحيط بالأجسام عدّوها تسعة وجعلوا الجسم واحدًا، وهذا مجموع في قوله:

زيدٌ الطويلُ الأزرقُ ابنُ مالكٍ ... في بيتِهِ بالأمسِ كان متكئًا ... بيدِهِ غصنٌ لواهُ فالتوى ... فهذه عشرُ مقولاتٍ سوى

وأسموها بـالمقولات العشر:

  • زيد: يشير إلى الجسم.
  • الطويل: يشير إلى الكم.
  • الأزرق: يشير إلى الكيف.
  • ابن مالك: النسبة.
  • في بيته: المكان.
  • بالأمس: الزمان.
  • كان متكئًا: الوضع.
  • بيده غصن: المُلك.
  • لواه: الفعل.
  • فالتوى: الانفعال.

فهذه عشر مقولات سوى.

أحكام العرض عند أهل السنة وأنه لا يبقى زمنين ولا ينتقل من محل لمحل

وهذا العرض له أحكامه: أنه لا ينتقل من مكان لمكان، بل إن الله سبحانه وتعالى يخلقه في ومضات متتالية. فلوني هذا الذي بدأنا به اللقاء غير لوني هذا الذي نحن عليه الآن؛ اللون الذي كان انتهى؛ لأن العرض لا يبقى زمنين ولا يقوم في محلين، ثم خلق الله نفس اللون في ذات المكان مرة أخرى.

وهذا عند أهل السنة والجماعة، وهو محل خلاف بين المحققين: هل يبقى العرض زمنين أو أنه لا يبقى زمنين؟ على كل حال هو لا ينتقل من مكان لمكان، وهو لا يبقى زمنين، وهو لا يقوم بنفسه بل يحتاج إلى جسم يظهر فيه، إلى آخر هذه الأحكام التي لعلنا نتعرض لها بعد ذلك.

الله خارج الزمان والمكان وأثر هذا التصور في حل المعضلات العقدية

وهذا معناه أن الله سبحانه وتعالى جل في علاه هو خارج عن الزمان والمكان. ولذلك يجب علينا أن نتصور العالم كله في ملكه وملكوته مخالفًا لله، خارجًا عنه، لا يماسه ولا يكون ربنا حالًّا فيه ولا مواجهًا له؛ لأن الله هو الذي خلق المكان.

هذا التجريد يصعب على كثير من الناس: كيف يكون هناك موجود خارج الزمان؟ لكنه لا يصعب في التصديق بل يصعب في التصور؛ لأننا في داخل الزمان وفي داخل المكان، فيصعب علينا أن نتصور موجودًا سبحانه وتعالى مكوِّنًا للخلق نتصوره وهو خارج هذا المكان. لا يمكن أن يتصور إنسان هذا لكنه يصدقه.

لماذا؟ لأن العقل الرياضي يصدق هذا؛ لأن قواعد الفكر المستقيم تصدق هذا.

ثمرات التصديق بأن الله خارج الزمان والمكان في حل قضايا القدر والابتلاء

وهذا [التصديق بأن الله خارج الزمان والمكان] سيحل لنا قضية القضاء والقدر، وسيحل لنا قضية الاختيار والإجبار، وسيحل لنا قضية الصبر على بلاء الدنيا وعلى أحوالها، وسيحل لنا التصور الكامل بالحياة الدنيا مع الحياة الآخرة وما العلاقة بينهما. سيحل معضلات كثيرة يتشتت فيها الناس ويسألون عنها.

ابدأ في تنمية التصور أن الله سبحانه وتعالى خارج الزمان وخارج المكان. إذا وصلنا إلى هذا الحد وإلى ذلك التصديق سهلت علينا المسائل، واتضح لنا أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه لا رب سواه، وأن ملكوت السماوات والأرض بيده سبحانه وتعالى يقلِّب فيها كيف يشاء.

﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]

فعَّال لما يريد، ولا يظلم ربك أحدًا، وأمره بين الكاف والنون. كل ذلك من ذلك الأصل العظيم الذي ينفي الزمان والمكان عن رب العالمين.

الأصل الثالث في صفات القدرة والجبروت وإطلاقية الله في خلقه

الأصل الثالث:

وأنه حي قادر جبار قاهر، لا يعتريه قصور ولا عجز، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يعارضه فناء ولا موت. وأنه ذو الملك والملكوت والعزة والجبروت، له السلطان والقهر والخلق والأمر، والسماوات مطويات بيمينه، والخلائق مقهورون في قبضته.

وأنه المتفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع، خلق الخلق وأعمالهم وقدَّر أرزاقهم وآجالهم. لا يشذ عن قبضته مقدور، ولا يعزب عن قدرته تصاريف الأمور، لا تُحصى مقدوراته ولا تتناهى معلوماته.

صدام عقيدة الإطلاقية مع الفلسفات التي تنكر المطلق وتؤكد النسبي

إذن هو المطلق، وهذا صدام بين هذه العقيدة وبين فلسفات كثيرة تنكر المطلق وتؤكد النسبي، كفلسفة نيتشه وغيره من الفلسفات. وإنكار المطلق فيه إنكار لله، وما فعلوه إلا لإنكار التكليف وإنكار الحلال والحرام، وبناءً عليه وتهدئةً لنفوسهم أنكروا الله سبحانه وتعالى.

ولذلك فهذا المسطور من أنه حي قادر جبار قاهر لا يعتريه قصور ولا عجز ولا تأخذه سنة ولا نوم، إنما هو يؤكد الإطلاقية؛ أن الله مطلق. ولذلك ليس هناك ما يحده لا في المكان ولا في الزمان ولا في الأفعال ولا في الصفات، فهو على كل شيء قدير.

الأصل الرابع في علم الله المحيط بجميع المعلومات من تخوم الأرض إلى السماوات

الأصل الرابع:

وأنه عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجري من تخوم الأرضين إلى أعلى السماوات. لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، بل يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويدرك حركة الذر في جو الهواء.

ويعلم السر وأخفى، ويطَّلع على هواجس الضمائر وحركات الخواطر وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلي لم يزل موصوفًا به في الأزل الآزال، لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال.

الصفات السبع الذاتية لله تعالى وترتيبها عند أهل العلم

وهنا يقولون حتى نحفظ هذه الصفات: قدرة، إرادة، سمع، بصر، علم، حياة، كلام، استمر.

فهذه سبعة يسمونها أنها الذاتية: قدرة، إرادة، سمع، بصر، علم، حياة، كلام، استمر. وسوف يعالجها [الإمام الغزالي] واحدة واحدة.

الأصل الخامس في إرادة الله ومشيئته النافذة في كل شيء

الأصل الخامس:

وأنه سبحانه مريد للكائنات مدبر للحادثات؛ فلا يجري في الملك والملكوت قليل أو كثير، صغير أو كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، فوز أو خسران، زيادة أو نقصان، طاعة أو عصيان، إلا بقضائه وقدره وحكمه ومشيئته.

فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا يخرج عن مشيئته لفتة ناظر ولا فلتة خاطر. بل هو المبدئ المعيد الفعال لما يريد، لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه، ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته إلا بمعونته وإرادته.

عجز الخلق أمام مشيئة الله وقدم إرادته الأزلية في إيجاد الأشياء

لو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يُحرِّكوا في العالم ذرة أو يُسكِّنوها دون إرادته ومشيئته لعجزوا عن ذلك.

وأن إرادته قديمة قائمة بذاته في جملة الصفات، لم يزل كذلك موصوفًا بها، مريدًا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدَّرها، ووُجدت في أوقاتها كما أراده في أزله، من غير تقدُّم ولا تأخُّر.

بل وقعت على وفق علمه وإرادته من غير تبدُّل ولا تغيُّر. دبَّر الأمور لا بترتيب أفكار وتربُّص زمان، فلذلك لم يشغله شأن عن شأن.

مقام القدر مزلة الأقدام والتحذير من الخوض فيه بالجدل

اعلم أن هذا المقام مزلة الأقدام، ولقد زلت فيه أقدام الأكثرين؛ لأن تمام تحقيقه مستمد من تيار بحر عظيم وراء بحر التوحيد، وهم يطلبونه بالبحث والجدال.

ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل»

ويستدلون بآيات القرآن مؤولين وليسوا من أهل التأويل. ولو نال كل واحد مقام التأويل لما قال صلى الله عليه وآله وسلم داعيًا لابن عباس رضي الله عنهما:

«اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»

ولما قال يعقوب ليوسف عليهما السلام:

﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: 6]

قال صاحب الكشاف: يعني معاني كتب الله وسنن الأنبياء وما غَمُض واشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها، يفسِّرها لهم ويشرحها ويدلُّهم على مودعات حِكَمِها.

سبب زلل الأكثرين في مقام القدر واتباعهم المتشابه دون رسوخ في العلم

وإنما زلَّت أقدام الأكثرين في هذا المقام لأنهم يتَّبعون الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.

﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُٓ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7]

وهؤلاء ليسوا براسخين، بل قاصرون عاجزون. فلقصورهم لم يطيقوا ملاحظة كنه هذا الأمر، وأُلجموا عما لم يطيقوا خوض غمراته بلجام المنع مع سائر القاصرين، فقيل لهم: اسكتوا فما لهذا خُلقتم.

﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]

حديث النهي عن التنازع في القدر وأثر يونس بن عبيد في ذلك

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمرَّ وجهه وقال:

«أبهذا أُمرتم أم بهذا أُرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم في هذا الأمر أن لا تنازعوا فيه»

وعن أبي جعفر قال: قلتُ ليونس بن عبيد: مررتُ بقومٍ يختصمون في القدر، فقال: لو همَّتهم ذنوبهم ما اختصموا في القدر.

من أشرقت مشكاته بنور الله أدرك أسرار القدر فأمسك تأدبًا

وامتلأت مشكاة بعضهم نورًا مقتبَسًا من نور الله، وكان زيتهم صافيًا يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، فاشتعل نورًا على نور، فأشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم بنور ربها، فأدركوا الأمور كما هي عليه.

فقيل لهم: تأدبوا بأدب الله واسكتوا، وإذا ذُكِرَ القدر فأمسكوا. فلذلك أمسك عمر رضي الله عنه لما سُئِلَ عن القدر، فقال للسائل: بحرٌ عميق لا تلجه. ولما كرر السؤال قال: طريقٌ مظلم لا تسلكه. ولما كرر الثالثة قال: سرُّ الله قد خَفِيَ عليك فلا تفتشه.

طريق معرفة أسرار الملكوت والربوبية بالمحبة والإخلاص والمجاهدة

ومن أراد معرفة أسرار الملكوت فليلازم بابهم [باب الأنبياء والأولياء] بالمحبة والإخلاص والصدق والإعراض عن عدائهم والامتثال بأوامرهم والسعي فيما يرضيهم.

وكذلك من أحب معرفة أسرار الربوبية فليلازم باب الله بالمحبة والصدق والإخلاص والتعظيم والحياء والامتثال بالأوامر والانتهاء عن المعاصي والمجاهدة والإقبال بكنه الهمة والتعرض لنفحاته والسعي فيما يرضى.

وهنا تنبيه: العبارة الصحيحة هي "عن عدائهم" وليس "عن أعدائهم"؛ لأن الأعداء قد يكونون غائبين، فالمقصود الإعراض عن العداء نفسه.

مذهب أبي حنيفة في القدر وأن إحداث الاستطاعة من الله واستعمالها من العبد

وإن لم يطق ذلك [أي الوصول إلى أسرار الربوبية بالمجاهدة] فعليه أن يعتقد في هذا البحث ما عليه أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه رحمهم الله، حيث قالوا:

إحداث الاستطاعة في العبد فعل الله، واستعمال الاستطاعة المُحدَثة فعل العبد حقيقة لا مجازًا.

وهذه العبارة يمكن أن نضع عليها خطًّا؛ يعني هذا أن الله خلق [الاستطاعة] ولكن العبد هو الذي اختار.

تقريب مسألة القدر بتصور علم الله المطلق وتصوير الخلق من البداية إلى النهاية

لو تصورنا أنه لا زمن يحدّ الله سبحانه وتعالى ولا مكان، وتصورنا أن الله عليم بكل شيء والله بكل شيء عليم، وأن الله - للتقريب - صوَّر الخلق من البداية إلى النهاية، صوَّر منذ بداية الخلق وإلى يوم القيامة صوَّرها في وسيلة تخزين.

وهذه الوسيلة مثل الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، يعني كأننا مُصوَّرون صوتًا وصورة؛ الأمس مصوَّر والغد مصوَّر.

أنا داخل هذه الصورة، من الذي أوجد هذه الصورة؟ الله. من الذي خلقني؟ الله. من الذي خلق حتى أفعالي؟ الله. ولكني في داخل الصورة، من الذي اختار أن أصلي أو لا أصلي، أن أفعل المعصية أو أمتنع عن المعصية؟ أنا الذي اخترت.

الاختيار الإنساني داخل الخلق الإلهي وانفكاك التعارض بين الظلم ومطلقية الخلق

لم يدفعني أحد دفعًا داخل هذه الصورة، لم يدفعني أحد بأن أفعل أو لا أفعل، تركني باختياري. وعلى ذلك تجري الأمور.

إن هناك اختيارًا في داخل العالم، ولكن هذا الاختيار بما فيه من الأكوان وبما فيه من الأفعال وكذلك إلى آخره هو من صنع الله سبحانه وتعالى.

ومن هنا تنفك قضية المعارضة بين الظلم وبين مطلقية الخلق؛ الله خالق وهو مطلق في خلقه، والله لا يظلم ولا يظلم ربك أحدًا.

ضلال القدرية والجبرية في مسألة أفعال العباد وموقف كل فرقة

والقدرية أنكروا قضاء الله ورأوا الخير والشر من أنفسهم، أرادوا بذلك تنزيه الله عن الظلم وفعل القبيح، ولكن ضلوا إذ نسبوا العجز إلى الله في ضمن ذلك ولم يدروا.

والجبرية اعتمدوا على القضاء ورأوا الخير والشر من الله، ولم يروا من أنفسهم فعلًا، أرادوا بذلك تنزيه الله عن العجز، فضلوا إذ نسبوا الظلم إليه في ضمن ذلك، وأضلوا سفهاءهم فكانوا يعصون الله وينسبون [المعصية] إلى الله كالشيطان حيث قال:

﴿فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى﴾ [الأعراف: 16]

فالحاصل أن القدرية أثبتوا الاختيار الكلي للعبد في جميع أفعال العباد وأنكروا قضاء الله وقدره بالكلية في أفعال العباد، والجبرية نفوا الاختيار بالكلية في أفعال العباد واعتمدوا على القضاء.

الرد العملي على الجبرية بضربهم وسؤالهم عن اعتذارهم بالقدر

فينبغي للباحث معهم [مع الجبرية] أن يضربهم ويمزق ثيابهم وعمائمهم ويخدش وجوههم وينتف أشعارهم وأشفارهم وشواربهم ولحاهم، وليعتذر بما اعتذر هؤلاء في سائر أفعالهم القبيحة الصادرة منهم.

يعني سيضربهم كل هذا الضرب وبعد ذلك يقول لهم: أنا متأسف، الله هو الذي خلق هذا الضرب وأنا ليس لي دخل! يعني يريد أن يقول أن كلامكم هذا حتى اجتماعيًّا مرفوض وقانونيًّا مرفوض.

أن تقوم أنت بفعل شيء ما وباختيارك ثم بعد ذلك تقول إن الله هو الذي خلقه! فتمسكهم وتضربهم وتقطع شعورهم وما إلى ذلك، وبعد ذلك تقول لهم: على فكرة، أنا ليس لي علاقة، هذا الله هو الذي سلَّط عليكم هكذا لأنكم تقولون هكذا! فأنتم تفعلون الشيء الذي يفعله الله بالضبط هكذا، أي كنوع من أنواع السخرية من فكرهم الذي يقولون به.

يعني لا أجرؤ أن أخطئ أمام فضيلتك وأقول هذا ليس مني! نعم، لا تقل مثل هذا.

موقف المعتزلة وأهل السنة والجماعة من مسألة أفعال العباد والقضاء والقدر

والمعتزلة أضافوا الشر فقط إلى أنفسهم وأثبتوا لأنفسهم الاختيار الكلي تحرُّزًا عن نسبة القبيح إلى الله والظلم، ولكن نسبوا إلى الله العجز في ضمن ذلك ولم يدروا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

وأهل السنة والجماعة توسطوا؛ فلم ينفوا الاختيار عن أنفسهم بالكلية، ولم ينفوا القضاء والقدر عن الله بالكلية، بل قالوا: أفعال العباد من الله من وجه ومن العبد من وجه، وللعبد اختيار في إيجاد فعله.

أوجه قضاء الله الأربعة والمذهب المستقيم في استقبالها وختام الدرس

واعلم أن قضاء الله على أربعة أوجه: قضاء الطاعة والمعصية والنعمة والشدة.

والمذهب المستقيم في ذلك: إذا قضى لعبدٍ الطاعة فعليه أن يستقبله بالجهد والإخلاص حتى يكرمه.

ولعلنا نقف هنا، واعلم أن قضاء الله [سنكمله] للمرة الأخرى، وسنأخذ إن شاء الله أكثر من ساعة لكي نعوِّض فيها ما بدأناه. وبداية موفقة إن شاء الله، وربنا سبحانه وتعالى يبارك فيكم ويجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة.

وإلى لقاء سيدي، نسألكم الدعاء. ربنا يشرح صدركم وينفع بكم ويعلمكم، ربنا يبارك فيكم وينفع بكم ويعلمكم العلم النافع. مع السلامة، اللهم آمين، جزاكم الله خيرًا سيدي.