الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي | المجلس التاسع| أ.د علي جمعة
- •العُجب من المهلكات ويتمثل في استعظام النفس وخصالها من النعم مع نسيان إضافتها إلى الله.
- •سماه النبي صلى الله عليه وسلم من المهلكات الثلاث مع الشح المطاع والهوى المتبع، وقال ابن مسعود: "الهلاك في القنوط والعجب".
- •علاج العجب بالعلم، فإن أعجب بقوة أو مال أو جمال فليعلم أنها ليست باختياره، وإن أعجب بعلمه وعمله فليتفكر أنها لا تتيسر إلا بعضو وقدرة وإرادة من الله.
- •الرياء هو طلب المنزلة في قلوب الناس بالعبادات، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم "الشرك الأصغر".
- •للرياء درجات متفاوتة أشدها الرياء بأصل الإيمان كالمنافق، ثم الرياء بأصل العبادات، ثم الرياء بالنوافل.
- •علاج الرياء يكون بدفع أسبابه: حب المدح، وخوف الذم، والطمع في الناس.
- •ينبغي إخفاء العبادات كما تخفى المعاصي، ولا يترك المرء الطاعات خوفاً من الرياء بل يخلص النية فيها.
افتتاح الدرس والبدء بقراءة الأصل التاسع في العُجب
[الشيخ]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم، السلام ورحمة الله وبركاته.
إلى أين وصلتم يا شباب؟
[الضيف]: إلى علاج العُجب.
[الشيخ]: أنتم لم تبدأوا بعد؟
[الضيف]: قمنا بقرارنا إذن تحقيقه في المسجد.
[الشيخ]: تفضلوا، ابدأ الأصل التاسع في العُجب.
[الضيف]: الأصل التاسع في العُجب.
الأدلة القرآنية والنبوية على ذم العُجب وخطورته
قال الله تعالى:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: 25]
الآية. وقال عز وجل:
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]
وقال تعالى:
﴿فَلَا تُزَكُّوٓا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ [النجم: 32]
وقال صلى الله عليه وسلم:
«ثلاث مهلكات: شحٌّ مُطاع، وهوًى مُتَّبَع، وإعجاب المرء بنفسه»
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الهلاك في اثنين: القنوط والعجب، وإنما جمع بينهما لأن القانط لا يطلب السعادة لقنوطه، والمُعجَب لا يطلبها لظنه أنه قد ظفر بها.
أحاديث وآثار في التحذير من العُجب وخطره على العبد
وقال صلى الله عليه وسلم:
«لو لم تُذنبوا لخِفتُ عليكم ما هو أعظم من ذلك، العُجبَ العُجبَ»
وقيل لعائشة رضي الله عنها: متى يكون الرجل مسيئًا؟ فقالت: إذا ظنَّ أنه مُحسن.
ونظر رجلٌ إلى بِشر بن منصور وهو يُطيل الصلاة ويُحسن العبادة، فلما فرغ قال: لا يغرنَّك ما رأيت مني؛ فإن إبليس عبد الله تعالى وصلى آلاف سنين، ثم صار إلى ما صار إليه.
حقيقة العُجب واستعظام النفس ونسيان إضافة النعم إلى الله تعالى
فصل في بيان حقيقة العجب: حقيقة العجب استعظام النفس وخصالها التي هي من النعم، والركون إليها مع نسيان إضافتها [إلى الله تعالى]، والأمن من زوالها.
فإن انضاف إليه أن رأى لنفسه عند الله حقًّا ومكانةً، سُمِّي ذلك إدلالًا. وفي الخبر:
«إن صلاة المُدِلِّ لا ترتفع فوق رأسه»
وعلامة إدلاله أن يتعجب من رد دعائه، ويتعجب من استقامة حال من يؤذيه. والعجب هو سبب الكبر، ولكن الكبر يستدعي مُتكبَّرًا عليه، والعجب يُتصوَّر على الانفراد.
الفرق بين المُعجَب وبين من يفرح بنعمة الله مع الخوف من زوالها
أما من رأى نعمة الله على نفسه بعمل أو علم أو غيره، وهو خائف على زواله، وفرح بنعمة الله تعالى عليه من حيث إنها من الله تعالى، فليس بمُعجَب.
بل المُعجَب من يأمن وينسى الإضافة إلى المُنعِم [سبحانه وتعالى].
علاج العُجب بما ليس من اختيار الإنسان كالقوة والمال والجمال
فصل في بيان علاج العجب: العجب جهل محض؛ فعلاجه العلم المحض.
فإنه إن أُعجِب بقوة وبمال وجمال أو أمر مما ليس يتعلق باختياره، فهو جهل أيضًا؛ إذ ليس ذلك إليه. فينبغي أن يُعجَب بمن أعطاه ذلك من غير استحقاق.
وينبغي أن يتفكر في أن زوال ذلك مخوف على القرب بأدنى مرض وضعف.
علاج العُجب بالعلم والعمل وأن جميع الأسباب بيد الله تعالى
وإن أُعجِب بعلمه وعمله وما يدخل تحت اختياره، فينبغي أن يتفكر في تلك الأعمال: بماذا تيسرت له؟ وأنها لا تتيسر إلا بعضو وقدرة وإرادة ومعقولة، وأن جميع ذلك من عند الله عز وجل.
وإذا خلق الله تعالى العضو والقدرة، وسلَّط الدواعي وصرف الصوارف، كان حصول الفعل ضروريًّا. فليس للمضطر أن يُعجَب بما يحصل منه اضطرارًا؛ إذ هو مضطر إلى اختياره، فإنه يفعل إن شاء أو لم يشأ مهما خُلِقت فيه المشيئة.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]
مثال الملك والمفتاح في بيان أن الفضل كله لله تعالى لا للعبد
فمفتاح العمل انجزام المشيئة وانصراف الدواعي الصارفة مع كمال القدرة والأعضاء، وكل ذلك بيد الله تعالى.
أرأيت لو كان بيد ملكٍ مفتاح خزانة، فأعطاك إياه، فأخذت منها أموالًا، أتُعجَب بجوده إذا أعطاك المفتاح بغير استحقاق، أو بكمالك في أخذه؟ وأيُّ كمال في الأخذ بعد التمكين؟
من يجعل عطية الله تعالى سببًا لاستحقاق عطية أخرى وبيان جهله
فصل فيمن يجعل عطية الله تعالى سببًا لاستحقاق عطية أخرى:
من العجائب الأخرى أن يُعجَب العاقل بعلمه وعقله حتى يتعجب إن أفقره الله تعالى وأغنى بعض الجهال، ويقول: كيف وسَّع الله النعمة على الجاهل وحرمني؟
فيُقال له: كيف رزقك العلم والعقل وحرمهما الجاهل؟ فهذه عطية منه، أفتجعلها سببًا لاستحقاق عطية أخرى؟ بل لو جمع لك بين العقل والغنى وحرم الجاهل منهما جميعًا لكان ذلك أولى بالتعجب.
مثال الفرس والغلام في بيان أن العاقل يتعجب من فضل الله لا من نفسه
وما تعجُّب العاقل منه إلا كتعجُّب من أعطاه الملك فرسًا وأعطى غيره غلامًا، فيقول: كيف يُعطي الغلام لفلان وليس له فرس، ويحرمني وأنا صاحب الفرس؟ وإنما صار صاحب الفرس بعطائه، فيجعل عطاءه سببًا لاستحقاق عطاء آخر، وهذا عين الجهل.
بل العاقل يكون أبدًا تعجُّبه من فضل الله تعالى وجوده، حيث أعطاه العلم والعقل ووفَّقه للعبادة من غير تقدُّم استحقاق منه، وحرم غيرَه ذلك وسلَّط عليه دواعيَ الفساد واضطرَّه إليه بصرف دواعي الخير عنه، وذلك بغير جريمة سابقة منه.
غلبة الخوف على العاقل عند مشاهدة نعم الله والخشية من الاستدراج
وإذا شاهد ذلك تحقيقًا، غلب عليه الخوف؛ إذ يقول: قد أنعم الله عليَّ في الدنيا من غير وسيلة، وخصَّني به دون غيري، ومن يفعل مثل هذا بغير سبب فيوشك أن يُعذِّب ويسلب النعم أيضًا بغير جناية وسبب.
فماذا أصنع إن كان ما أفاضه عليَّ من النعم مكرًا واستدراجًا؟ كما قال تعالى:
﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا بِمَآ أُوتُوٓا أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: 44]
وكما قال تعالى:
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 182]
تعليق الشيخ على خطورة العُجب وأنه أساس الأخلاق الذميمة
[الشيخ]: هذا القبيح وهو العُجب يُعطِّل كثيرًا الإنسان، وهو أمر أيضًا يصعب التعامل معه؛ لأنه من مجريات الأخلاق اليومية لعموم الناس.
وهو مثل اللغو، بل هو أشد اللغو، لا يتخلص منه كثير من الناس إلا من رحم ربي، فكذلك العجب. والعجب مصائبه كثيرة، وأغلب البلايا منه.
كما أن الكرم هو أساس الأخلاق الحميدة، فإن العجب هو أساس الأخلاق الذميمة.
الأصل العاشر.
الأصل العاشر في الرياء والأدلة القرآنية على تحريمه
[الضيف]: الأصل العاشر في الرياء.
قال الله تعالى:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ﴾ [الماعون: 4-6]
وقال تعالى:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]
وقال تعالى:
﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا﴾ [الكهف: 110]
الآية، وأراد به الإخلاص.
أحاديث نبوية في التحذير من الرياء وأنه الشرك الأصغر
وقال صلى الله عليه وسلم:
«إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قيل: وما هو؟ قال: الرياء. يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تُراؤون فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء»
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث طويل:
«يُقال للغازي والعالم والمُنفق إذا قال: فعلتُ كذا وكذا، كذبتَ، أردتَ أن يُقال فلان عالمٌ أو شجاعٌ أو جوادٌ، فيُذهب به إلى النار»
أحاديث في جُبِّ الحزن وعدم قبول العمل الذي فيه رياء
وقال صلى الله عليه وسلم:
«استعيذوا بالله من جُبِّ الحزن، قيل: ما هو؟ قال: وادٍ في جهنم أُعِدَّ للقرّاء المرائين»
وقال صلى الله عليه وسلم:
«قال الله تعالى: من عمل لي عملًا أشرك فيه غيري فهو له كله، وأنا منه بريء، وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك»
وقال صلى الله عليه وسلم:
«لا يقبل الله عملًا فيه مقدار ذرة من الرياء»
وقال صلى الله عليه وسلم:
«إن أدنى الرياء شرك»
وصية عيسى عليه السلام بإخفاء العبادة وقول عمر في الخشوع
وقال عيسى عليه السلام:
«إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته ويمسح شفتيه لكي لا يرى الناس أنه صائم، وإذا أعطى بيمينه فليُخفِ عن شماله، وإذا صلى فليُرخِ ستر بابه؛ فإن الله تعالى يقسم الثناء كما يقسم الرزق»
ولهذا قال عمر رضي الله عنه لرجل طأطأ رقبته: يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب وإنما الخشوع في القلوب.
حديث نداء المرائي يوم القيامة وأثر قتادة والحسن في ذم الرياء
وقال نبينا صلى الله عليه وسلم:
«إن المرائي يُنادى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا مرائي، يا غادر، يا فاجر، يا خاسر، اذهب فخذ أجرك ممن عملت له، فلا أجر لك عندنا»
وقال قتادة: إذا راءى العبد، يقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي كيف يستهزئ بي.
وقال الحسن: صحبتُ أقوامًا إن كان أحدهم لتعرض له الحكمة، لو نطق بها نفعته ونفعت أصحابه، وما يمنعه منها إلا الشهرة [أي: خوف الشهرة والرياء].
حقيقة الرياء وأصنافه الستة: الرياء بالبدن وإظهار النحول والحزن
حقيقة الرياء طلب المنزلة في قلوب الناس بالعبادات وأعمال الخير. وما يُراءى به ستة أصناف:
الأول: الرياء من جهة البدن، وهو إظهار النحول والاصفرار ليُظَنَّ به السهر والصيام، وإظهار الحزن ليُظَنَّ به أنه شديد الاهتمام بأمر الدين، وإظهار شعث الشعر ليُظَنَّ به أنه لشدة استغراقه بالدين ليس ليتفرغ لنفسه، وإظهار ذبول الشفتين ليُستدَلَّ به على صومه، وخفض الصوت ليُستدَلَّ به على ضعفه من شدة المجاهدة.
الرياء بالهيئة والمظهر الخارجي كإطراق الرأس وإبقاء أثر السجود
الأمر الثاني: الرياء بالهيئة، كحلق الشارب، وإطراق الرأس في المشي، والهدوء في الحركة، وإبقاء أثر السجود على الوجه، وتغميض العينين ليُظَنَّ به أنه في الوجد والمكاشفة، أو غائب أو غائص في الفكر.
الرياء في الثياب بين لبس الخشن للصالحين ولبس النفيس للسلاطين
الأمر الثالث: الرياء في الثياب، كلبس الصوف والثوب الخشن وتقصيره إلى قريب من نصف الساق، وتقصير الكُمَّين، وترك الثوب مخرَّقًا ووسخًا ليُظَنَّ أنه مستغرق الوقت عن الفراغ له، ولبس المرقَّعة، والصلاة على السجادة ليُظَنَّ أنه من الصوفية مع إفلاسه عن حقائق التصوف.
ولبس الضراعة والطيلسان وتوسيع الأكمام ليُظَنَّ أنه عالم، والتقنُّع فوق العمامة بإزار، ولبس الجوارب ليُظَنَّ أنه متقشف لشدة ورعه، ولشدة ورعه من غبار الطريق.
من يطلب المنزلة في قلوب أهل الصلاح بلبس الثوب الخَلِق
ثم منهم من يطلب المنزلة في قلوب أهل الصلاح فيلازم الثوب الخَلِق، ولو كُلِّف لبس ثوب جديد حسن مما يُباح في الشرع ولبسه السلف لكان عنده كالذبح؛ إذ يخاف أن يقول الناس: قد بدا له من الزهد.
ومنهم من يطلب المنزلة من السلاطين والتجار بنفيس ثياب الصوف المرقَّعة، ولو لبس ثيابًا بالية لازدروه، ولو لبس فاخر الثياب لم يعتقدوا زهده. فيطلب المرقَّعات المصبوغة والفوط الرقيقة والأصواف الرفيعة، فتكون ثيابهم في القيمة والنفاسة كثياب الأغنياء، وفي اللون والهيئة كثياب الصالحين.
خوف المرائين من سقوط منزلتهم عند الأغنياء أو الصالحين
ولو كُلِّفوا أن يلبسوا الثياب البالية لكان ذلك عندهم كالذبح، خوفًا من السقوط من أعين الأغنياء. ولو كُلِّفوا لبس الحرير والثياب المزركشة والأقمشة الرفيعة وما يُباح لبسه وقيمته أقل من قيمة ثيابهم، لاشتد عليهم الأمر خوفًا من سقوط منزلتهم من قلوب الصالحين؛ إذ يقولون: بدا له من الزهد.
الرياء بالقول كتحسين الألفاظ في الوعظ مع خلو الباطن من الإخلاص
الرابع: الرياء بالقول، كرياء أهل الوعظ والتذكير في تحسين الألفاظ وتسجيعها، والنطق بالحكمة والأخبار وكلام السلف، مع ترقيق الصوت وإظهار الحزن مع الخلو عن حقيقة الصدق والإخلاص في الباطن، بل ليُظَنَّ به ذلك.
فهو يُظهر الحزن في الملأ ويعصي الله في الخلوة. وكادِّعاء حفظ الحديث ولقاء الشيوخ، والمبادرة إلى الحديث أنه صحيح أو سقيمٌ ليُظَنَّ به غزارة العلم.
وكتحريك الشفتين بالذكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الناس مع خلو القلب عن التفجُّع بالمعصية، وكإظهار الغضب على المنكرات والأسف على المعاصي مع خلو القلب عن التألم به.
الرياء بالعمل كتطويل القيام وتحسين الركوع والسجود أمام الناس
الأمر الخامس: الرياء بالعمل، كتطويل القيام وتحسين الركوع والسجود، وإطراق الرأس وقلة الالتفات، والتصدُّق والصوم والحج، والإخبات في المشي وإرخاء الجفون.
مع أن الله تعالى يعلم من باطنه أنه لو كان خاليًا لما فعل شيئًا من ذلك، بل تساهل في الصلاة وأسرع في المشي. وقد يفعل ذلك في المشي، فإذا شعر باطلاع غيره عليه عاد إلى السكينة كي يُظَنَّ به الخشوع.
الرياء بكثرة التلاميذ والأصحاب وأن جميع ذلك من الكبائر
السادس: الرياء بكثرة التلاميذ والأصحاب وكثرة ذكر الشيوخ ليُظَنَّ أنه لقي شيوخًا كثيرين، وكمن يحب أن يزوره العلماء والسلاطين ليُقال إنه ممن يُتبرَّك به.
فهذه مجامع مما يُراءى به في الدين، وكل ذلك حرام، بل هو من الكبائر.
وأما طلب المنزلة في قلوب الناس بأفعال ليست من العبادات وأعمال الدين فليست بحرام ما لم يكن فيها تلبيس كما ذكرناه في طلب الجاه.
طلب الجاه بأمور الدنيا المباحة وبيان سبب استقصاء أقسام الرياء
فأهل الدنيا قد يطلبون الجاه بكثرة المال والغلمان وحسن الثياب الفاخرة، وحفظ الأشعار وعلم الطب والحساب والنجوم والنحو واللغة وغير ذلك من الأعمال والأحوال.
ولم يُحرَّم ذلك ما لم ينتهِ إلى الإيذاء بالتكبر وإلى أخلاق أخرى مذمومة. وإنما استقصينا أقسام ما به الرياء؛ لأنه أغلب الأخلاق الذميمة على النفوس، فمن لا يعرف الشر ومواقعه لا يمكنه أن يتقيه.
درجات الرياء الأولى: الرياء بغير العبادات كالثياب والإنفاق على الأغنياء
أصل في بيان درجات الرياء: الرياء على درجات، إحداها ألا يكون بالأمور الدينية والعبادات، كالذي يلبس عند الخروج ثيابًا حسنة خلاف ما يلبسه في الخلوة، وكالذي ينفق في الضيافات وعلى الأغنياء أموالًا ليُعتقَد أنه سخي، لا ليُعتقَد أنه ورع صالح.
فذلك ليس من صفاته [المحرَّمة]؛ فإن تملُّك القلوب كتملُّك الأموال. نعم، القليل منه صالح نافع، والكثير منه يُلهي عن ذكر الله تعالى كالكثير من المال. ومهما انصرفت الهمة إلى سعة الجاه فإنه يجرُّ ذلك إلى الغفلة والمعاصي، فيكون محظورًا لذلك لا لنفسه.
تحريم إظهار شمائل الدين رياءً لسببين: التلبيس والاستهزاء بالله تعالى
وأما إظهار الشمائل التي ذكرناها ليعتقد الناس فيه الدين والورع فحرام لسببين:
أحدهما: أنه تلبيس؛ إذا أراد أن يعتقد الناس أنه مخلص مطيع لله تعالى محب، وهو بهذه النية فاسق ممقوت عند الله تعالى. ولو سلَّم الرجل دراهم إلى جماعة يُخيَّل إليهم أنه يجود عليهم بها، وإنما هي ديون لازمة، عصى به لتلبيسه؛ وإن لم يطلب به أن يُعتقَد صلاحه؛ لأن كسب القلوب بالتلبيس حرام.
والثاني: أنه إذا قصد بعبادة الله تعالى خلقَ الله فهو مستهزئ. ومن وقف بين يدي ملكٍ في معرض الخدمة وليس غرضه ذلك، بل غرضه ملاحظة عبد من عبيد الملك أو جارية من جواريه، فانظر ماذا يستحقه من النكال لاستهزائه بالملك.
المرائي يعتقد أن العباد أقدر على نفعه من الله ولذلك سُمي الرياء شركًا أصغر
فكأنه إذا قصد العباد بالعبادة فقد اعتقد أن عباد الله أقدر على نفعه وخيره من الله تعالى؛ إذ عظمة العباد في قلبه دعته إلى أن يتجمَّل عندهم بعبادة الله تعالى. ولهذا سُمِّي الرياء الشرك الأصغر.
تفاوت إثم الرياء بحسب فساد القصد من طلب الجاه إلى الفجور
ثم يزداد الإثم بزيادة فساد القصد والنية؛ إذ من المرائين من لا يطلب إلا مجرد الجاه، ومنهم من يطلب أن يُودَع الودائع ويُولَّى الأوقاف ومال الأيتام ليختزل منها، وذلك أخبث لا محالة.
ومنهم من يُرائي ليقصد أن يتقرب إليه النساء والصبيان ليتمكن من الفجور، أو ليكثر عنده المال ليصرفه إلى الخمر والملاهي. وهذا هو الأعظم؛ إذ جعل عبادة الله تعالى وسيلة له إلى مخالفته، والعياذ بالله تعالى.
تعليق الشيخ على خطورة اتخاذ العبادة وسيلة للمخالفة ووجوب الإخلاص
[الشيخ]: نعم، إنه أمر عظيم وهو اتخاذ العبادة وسيلة إلى المخالفة، وهذا يحدث كثيرًا عندما يُستغَلُّ الدين واسم الدين في أمور الاقتصاد أو في الأمور الاجتماعية أو في الأمور السياسية.
وهذا معنى قوله تعالى:
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ [غافر: 14]
فيجب أن يُخلِص المسلم لله الدين.
فصل.
بيان ما تكون به المراءاة ودرجاتها الثلاث في أصل الإيمان والعبادات والنوافل
[الضيف]: فصل في بيان ما تكون به المراءاة. كما يعظم الرياء ويتغلَّظ إثمه بسبب اختلاف الغرض الباعث عليه، فيعظم أيضًا بما به المراءاة وبقوة قصد الرياء.
أما ما به المراءاة فهو على ثلاث درجات:
- أغلظها: أن يُرائي بأصل الإيمان كالمنافق يُظهر أنه مسلم ولم يُسلم بقلبه، وكالملحد ومعتقد الإباحة يُظهر أنه مستديم الإيمان وقد انسلخ منه باطنه.
- الثانية: الرياء بأصل العبادات، كمن يصلي ويُخرج الزكاة أمام الناس، والله يعلم من باطنه أنه لو خلا بنفسه لم يفعل ذلك.
- الثالثة وهي أدناها: ألا يُرائي بالفرائض بل بالنوافل.
تغليظ الرياء بدرجات القصد وأحوال انضمام قصد العبادة إلى قصد الرياء
وأما تغليظه بدرجات القصد فهو أنه قد يتجرد قصد الرياء حتى يصلي مثلًا على غير طهارة لأجل الناس، ويصوم ولو خلا بنفسه لأفطر.
وقد ينضاف إليه قصد العبادة أيضًا، وله ثلاثة أحوال:
- إحداها: أن تكون العبادة باعثة مستقلة لو خلا بنفسه لفعل، ولكن زاده رؤية غيره ومشاهدته نشاطًا وخفَّ عليه العمل بسببه. فأرجو ألا يُحبِط ذلك القدر عمله، بل تصح عبادته ويُثاب عليها، ويُعاقَب على قصد الرياء، أو ينقص من ثوابه.
- الثانية: أن يكون قصد العبادة ضعيفًا بحيث لو انفرد عن الناس ما استقل بالحمل على العبادة، فهذا لا تصح عبادته، والقصد الضعيف لا ينفي عنه شدة المقت.
حكم تساوي قصد العبادة وقصد الرياء وهل يكون أحدهما كفارة للآخر
- الثالثة: أن يتساوى القصدان بحيث يستقل كل واحد بالحمل إذا انفرد، أو لينبعث الفعل بأحدهما، بل بمجموعهما. فهذا قد أصلح شيئًا وأفسد مثله، بل أكثر منه.
فالغالب أنه لا يسلم رأسًا برأس. ويُحتمَل أن يُقال: إذا تساوى القصدان فأحدهما كفارة للآخر.
وقوله تعالى:
«أنا أغنى الأغنياء عن الشرك»
يدل على أنه لا يقبله ولا يُثيبه عليه. أما أنه يُعاقبه عليه ففيه نظر. فالأغلب عندي، والعلم عند الله تعالى، أنه لا يخلو عن إثم وعقاب.
بيان أن الرياء جلي وخفي وأخفى من دبيب النمل
فصل في بيان أن الرياء جلي وخفي:
اعلم أن بعض الرياء جلي وبعضه خفي، وبعضه أخفى من دبيب النمل.
أما الجلي فهو ما يبعث على العمل حتى لو لولاه لم يرغب في العمل.
وأما الخفي فألا يستقل بالحمل عليه، ولكن يُخفِّف العمل ويزيد في نشاطه، كالذي يتهجد كل ليلة وإذا كان عنده ضيف زاد نشاطه.
الرياء الأخفى وعلاماته كالفرح باطلاع الغير وتوقع التوقير من الناس
وأخفى منه ألا يزيد نشاطه، ولكن لو اطلع غيره على تهجده قبل فراغه أو بعده فرح به ووجد في نفسه هزة. وذلك يدل على أن الرياء كان مستكنًّا في باطن القلب استكنان النار تحت الرماد، حتى يترشح منه السرور عند الاطلاع، وقد كان غافلًا عنه قبله.
وأخفى منه ألا يُسَرَّ بالاطلاع، لكن يتوقع أن يُبدأ بالسلام ويُوقَّر، ويتعجب ممن يُسيء إليه ولا يُسامحه في المعاملة ولا يحترمه. وذلك يدل على أنه يمُنُّ على الناس بعمله، فكأنه يتوقع احترامهم وتوقيرهم لعبادته مع إخفائه عنهم.
وأمثال هذه الخفايا لا يخلو منها إلا الصدِّيقون، وجميع ذلك إثم ويُخشى منه إحباط العمل.
متى يجوز الفرح باطلاع الغير على العبادة ومتى يكون رياءً
نعم، لا بأس أن يفرح باطلاع غيره عليه إذا كان فرحه بالله تعالى من حيث أظهر منه الجميل وستر منه القبيح، مع أنه قصد سترهما جميعًا، فيفرح بلطف صنع الله تعالى.
وكذلك يفرح لأنه يُبشِّره بأنه حيث أحسن صنعه به في الدنيا فكذلك يصنع به في الآخرة، أو يفرح ليقتدي به من يراه، أو يُطيع الله بحمله له عليه.
وعلامة هذا أن يفرح أيضًا إذا اطلع على غيره ممن تُرجى قدوته.
احتراز أولي الحزم بإخفاء العبادة وأثر علي رضي الله عنه في القرّاء
ومن أجل خفاء أبواب الرياء وشدة استيلائه على الباطن، احترز أولو الحزم فأخفوا عبادتهم وجاهدوا أنفسهم.
وقد قال سيدنا علي رضي الله عنه:
«إن الله عز وجل يقول للقرّاء يوم القيامة: ألم يكن يُرخَّص عليكم في السعر؟ ألم تكونوا تُبدَؤون بالسلام؟ ألم تكن تُقضى لكم الحوائج؟ لا أجر لكم فقد استوفيتم أجركم»
فاجتهد إن أردت الخلاص أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان، ولا تُفرِّق في حق عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها أو غفلتهم عنها، واقنع بعلم الله تعالى وحده، واطلب الأجر منه؛ فإنه لا يقبل إلا الخالص، كي لا تُحرَم من فائدته في أحوج أوقاتك إليه.
أحكام وارد الرياء: ما يقارن ابتداء العمل وما يطرأ في أثنائه
فصل في بيان أحكام وارد الرياء:
لعلك تقول: ما أقدر على الانفكاك عن الرياء الخفي كما وصفته، وإن قدرت على الرياء الجلي، فهل تنعقد عبادتي مع ذلك؟
اعلم أن وارد الرياء لا يخلو: إما أن يرد مع أول العمل، أو في دوامه، أو بعد الفراغ منه.
أما ما يُقارن الابتداء فيُبطله ويمنع انعقاده إن صار باعثًا مؤثرًا في الحمل على العمل، بل أول العقد يجب أن يكون خالصًا. وإنما يُبطل بالرياء الباعث على أصل العمل.
وأما إذا لم يحمل إلا على المبادرة في أول الوقت مثلًا، فأظن والعلم عند الله تعالى أن أصل الصلاة يصح، وإنما تفوته فضيلة المبادرة، ويعصي بقصد المراءاة به، ولكن يسقط الفرض عنه.
حكم وارد الرياء في أثناء الصلاة وأحوال انقطاع النية أو انغمار الباعث
وأما ما يرد في دوام الصلاة: أنه إذا أبطل باعث الصلاة فتبطل الصلاة. مثال ذلك أن يحضر في أثناء الصلاة نظَّارة ويتذكر نسيان شيء، ولو كان وحده لقطع الصلاة، لكنه أتمها حياءً من الناس، فهذا لا يُسقط الفرض؛ لأن النية قد انقطعت وانقطع باعث العبادة.
وأما إذا لم تنقطع نيته لكن صار مذمورًا مغلوبًا، كما لو حضر قوم فغلب على قلبه الفرح باطلاعهم وانغمر باعث العبادة، فغالب الظن أنه إن انقضى ركن ولم يُعاوده الباعث الأصلي فسدت صلاته؛ بأننا نستصحب نية البداية بشرط ألا يطرأ ما لو قارن ابتداءها لمنع.
وإن لم ينغمر باعث العبادة ولكن حصل مجرد سرور ولم يؤثر في العمل بل في تحسين الصلاة فقط، فغالب الظن والله أعلم أن الصلاة لا تفسد ويتأدى الفرض.
حكم ما يطرأ بعد الصلاة من ذكر وسرور ومراءاة وعلامة الرياء الخفي
وأما ما يطرأ بعد الصلاة من ذكر وسرور ومراءاة فلا ينعطف على ما مضى، ولكن يعصي به ويأثم، ويكون عقابه بقدر قصده وإظهاره.
ومهما ظهرت له داعية ذكر العبادة إما بالتصريح وإما بالتعريض، فذلك يدل على أن الرياء كان خفيًّا في باطنه.
علاج داء الرياء بدفع أسبابه الثلاثة: حب المدح وخوف الذم والطمع
فصل في علاج داء الرياء:
إذا عرفت حقيقة الرياء وكثرة مداخله، فعليك بالتأمل لمعالجته. وعلاجه دفع الأسباب الباعثة عليه، وهي ثلاثة:
- حب المدح.
- خوف الذم.
- الطمع.
أما حب المدح فكمن يهجم على صف القتال ليُقال إنه شجاع، أو يُظهر العبادات ليُقال إنه ورع. فعلاجه ما ذكرناه في علاج حب الجاه، وأن يعلم أنه كمال وهمي لا حقيقة له.
علاج الرياء بتقرير ضرره على النفس والخزي يوم القيامة
وعلاجه في الرياء خاصة أن يُقرِّر على نفسه ما فيه من الضرر؛ فإن العسل وإن كان لذيذًا فإذا علم أن فيه سمًّا سهل تركه.
فليُقرِّر على نفسه أنه يُقال له في يوم فقره [يوم القيامة] بسبب ريائه:
«يا فاجر، يا غاوٍ، استهزأت بالله عز وجل، وراقبت العباد، وتحببت إليهم، واشتريت حمدهم بذم الله تعالى، وطلبت رضاهم بسخطه. أما كان أحد أهون عليك من الله تعالى؟»
فلو لم يكن إلا هذا الخزي والخجلة لكان سببًا في المنع منه. كيف وقد انضم إليه العقوبة وإحباط العبادة، وأنه ربما يترجح به كفة السيئات بعد أن قاربت كفة الحسنات، فيكون سبب هلاكه.
رضا الناس غاية لا تُدرك ومن سعى إليه بسخط الله أسخطهم عليه
وليعلم أن رضا الناس غاية لا تُدرك، ومن سعى إلى رضا الناس بسخط الله تعالى أسخطهم عليه. فكيف يتقرب إلى الله بما لا يطمع في حصوله؟
علاج الباعث الثاني وهو الخوف من ذم الناس وأن الله يكشف سر المرائي
وأما الباعث الثاني وهو الخوف من ذمهم، فليُقرِّر على نفسه أن ذمهم لن يضره إن كان محمودًا عند الله عز وجل. فلماذا يتعرض لذم الله ومقته خوفًا من ذم الخلق؟
ويكفيه أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء لمقتوه، ويأبى الله إلا أن يكشف سرَّه حتى يُعرَف نفاقه، فيمقته الناس أيضًا بعد أن مقته الله تعالى.
ولو أخلصَ وأعرضَ بقلبه عنهم وجعل نظره إلى الله تعالى، لكشفَ لهم إخلاصَه له فأحبوه.
علاج الباعث الثالث وهو الطمع في الخلق وأن الله هو المسخر للقلوب
وأما باعث الطمع فيدفعه بأن يعلم أن ذلك أمر موهوم، وفوات رضا الله تعالى ناجز. ويعلم أن الله تعالى هو المسخِّر للقلوب، وأن من طمع في الخلق لم يخلُ عن الذل والمهانة والمنة.
ومن أعرض عن الطمع في الخلق كفاه الله تعالى وسخَّر له القلوب. فإذا أحضر في قلبه نعيم الآخرة والدرجات الرفيعة، وعلم أن ذلك يفوت بالرياء، أعرض قلبه عن الخلق واجتمع همه، وفاضت عليه أنوار الإخلاص، وأمدَّه الله سبحانه بمعونته وتوفيقه.
علاج وارد الرياء البغتة بإخفاء العبادة وتجديد المعرفة في القلب
فصل في علاج وارد الرياء بغتة:
لعلك تقول: إنني قررت هذا كله على نفسي ونفرت عن الرياء قلبي، ولكن ربما هجم عليَّ وارد الرياء بغتة في بعض العبادات عند اطلاع الخلق، فما العلاج عند هجومه؟
فاعلم أن أصل هذا العلاج أن تُخفي عبادتك كما تُخفي فواحشك، ففيه السلامة.
رُوي أن بعض أصحاب أبي حفص الحداد ذمَّ الدنيا وأهلها، فقال له: أظهرتَ ما كان ينبغي عليك أن تُخفيه، لا تُجالسنا بعد هذا.
واعلم أن إخفاء العبادة إنما يشُقُّ في البداية، فإذا صار ذلك عادةً ألِفَ الطبعُ لذة المناجاة في الخلوة.
كيفية دفع وارد الرياء بتجديد الكراهية والإعراض عن داعيته
ومهما هجم وارد الرياء، فعلاجه أن تُجدِّد على قلبك ما رسخ فيه من قبل من المعرفة بالتعرض لمقت الله عز وجل، مع عجز الناس عن نفعك وضرك، حتى تنبعث منه كراهية لداعية الرياء.
ثم الشهوة تدعو إلى إجابة الرياء بتحسين العمل والفرح به، والكراهية تدعو إلى رده والإعراض عنه، وتكون الغلبة للأقوى.
فإن قويت الكراهية حتى منعتك من الركون إليه، واستصحبت حالتك التي كنت عليها فلم تزد ولم تنقص ولم تتكلف إظهار الفعل وانتشاره، فقد اندفع عنك الإثم ولم تُكلَّف أكثر من ذلك.
وأما دفع الخواطر ودفع الطبع عن الميل إلى قبول الناس فلا يدخل تحت التكليف، وإنما منتهى التكليف الكراهية والإباء عن إجابة الداعي.
حكم إظهار الطاعات للاقتداء وترك الطاعة خوفًا من الرياء
فصل في إظهار الطاعات لأجل الاقتداء أو إخفائها خوفًا من الرياء:
يجوز إظهار الطاعات لأجل اقتداء الناس وترغيبهم إذا صحت النية ولم يكن معه شهوة خفية. وعلامته أن يُقدِّر أن الناس لو اقتدوا بأحد أقرانه وكُفي مؤونة الترغيب، وأُخبِر بأن أجره في الإسرار كأجره في الإظهار، فلا يرغب في الإظهار.
فإن كان ميله إلى أن يكون هو المُقتدى به أكثر، ففيه داعية الرياء؛ لأنه إن كان يطلب سعادة الناس وخلاصهم [فلا بأس].
ولا بأس بفرحه باستتار معاصيه وحزنه بانكشافها، إما فرحًا بستر الله تعالى عليه، وإما فرحًا بموافقة أمر الله تعالى؛ فإنه تعالى يحب كتمان المعاصي وينهى عن المجاهرة بها.
الفرق بين الحياء والرياء وحكم ترك العمل خوفًا من الرياء
وإما لأنه يكره أن يُذَمَّ فيتألم به؛ إذ التألم بذم الناس ليس بحرام، بل يوجبه الطبع. وإنما الحرام الفرح بمدح الناس إياه بالعبادة؛ فإن ذلك كأجر يأخذه على العبادة.
وإما لأنه يخاف أن يُقصَد بسوء إذا عُرفت معصيته، وإما لأنه يستحيي من ظهورها. والحياء غير الرياء، ولكنه قد يمتزج به.
وأما ترك الطاعة خوفًا من الرياء فلا وجه له. قال الفضيل [بن عياض]: من الرياء ترك العمل خوفًا من الرياء. أما العمل لأجل الناس فهو شرك، بل ينبغي أن يعمل المرء ويُخلص.
حكم من يخاف الرياء في الأعمال المتعلقة بالخلق كالقضاء والوعظ
إلا إذا كان العمل فيما يتعلق بالخَلْق كالقضاء والإمامة والوعظ، فإذا علم من نفسه أنه بعد الخوض فيه لا يملك نفسه بل يميل إلى دواعي الهوى، فيجب عليه الإعراض والهرب. كذلك فعل جماعة من السلف رحمهم الله.
وأما الصلاة والصدقة فلا يتركهما إلا إذا لم تحضره أصلًا نية العبادة، بل لو تجردت نية الرياء فلا يصح عمله فليتركه.
أما معتاد فعله فحضر جماعةً فخاف على نفسه من الرياء، فلا ينبغي أن يتركه، بل ينبغي أن يستمر على عادته ويجتهد في دفع باعث الرياء.
ختام الدرس والإجازة بالكتاب والتوديع
[الشيخ]: والحمد لله رب العالمين.
وهذا المنقول عنه: وأما ترك الطاعة خوفًا من الرياء فلا وجه له، قال الفضيل، وهو الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى.
وسنلتقي إن شاء الله في الأسبوع القادم، وسيكون آخر لقاء بالنسبة لي، ثم تُكملون بقية الكتاب. وقد أجزتكم به، والإجازة المطوَّلة ستكون في الحلقة القادمة إن شاء الله يوم الأحد القادم.
ونرجو الله لكم كل التوفيق، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[الضيف]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، جزاكم الله خيرًا يا سيدي، بارك الله فيكم، وكل عام وأنتم بخير.
[الشيخ]: وأنتم بالصحة والسلامة.
[الضيف]: جزاكم الله خيرًا.
