ما حقيقة العجب والرياء وكيف يمكن علاجهما وما درجاتهما في الإسلام؟
العجب هو استعظام النفس وخصالها مع نسيان إضافة النعم إلى الله وعلاجه العلم بأن كل شيء من عند الله. أما الرياء فهو طلب المنزلة في قلوب الناس بالعبادات وهو الشرك الأصغر وعلاجه دفع أسبابه الثلاثة: حب المدح وخوف الذم والطمع. كلاهما من أخطر الأخلاق الذميمة وأشدها ضررًا على العبد في الدنيا والآخرة.
- •
هل يجوز ترك العبادة خوفًا من الرياء، وما الفرق بين الحياء والرياء في الإسلام؟
- •
العجب هو استعظام النفس مع نسيان أن النعم كلها من الله، وهو أساس الأخلاق الذميمة كما أن الكرم أساس الأخلاق الحميدة.
- •
الرياء شرك أصغر يشمل ستة أصناف: الرياء بالبدن والهيئة والثياب والقول والعمل وكثرة التلاميذ، وكل ذلك من الكبائر.
- •
علاج العجب يكون بالتفكر في أن القوة والعلم والعمل كلها من الله، وأن العبد مضطر إلى اختياره بما خلق الله فيه من المشيئة.
- •
درجات الرياء تتفاوت من الرياء بأصل الإيمان كالنفاق إلى الرياء بالنوافل، وإثمه يزداد بفساد القصد وبلوغه حد اتخاذ العبادة وسيلة للفجور.
- •
علاج الرياء يقوم على دفع أسبابه الثلاثة: حب المدح وخوف الذم والطمع في الخلق، مع إخفاء العبادة وتجديد الإخلاص لله وحده.
- 0:00
افتتاح المجلس التاسع من الأربعين في أصول الدين للغزالي والبدء بقراءة الأصل التاسع المتعلق بالعجب وعلاجه.
- 0:30
الأدلة القرآنية والنبوية وأقوال الصحابة في ذم العجب وبيان أنه من المهلكات التي تحول بين العبد وطلب السعادة.
- 1:19
أحاديث وآثار تبين أن العجب قد يكون أعظم خطرًا من الذنب ذاته، مستشهدًا بقول النبي وأثر عائشة وقصة بشر بن منصور.
- 1:54
تعريف العجب بأنه استعظام النفس مع نسيان إضافة النعم إلى الله، وبيان الفرق بينه وبين الإدلال والكبر.
- 2:43
التمييز بين من يفرح بنعمة الله مع الخوف من زوالها فليس معجبًا، وبين المعجب الذي يأمن وينسى إضافة النعمة إلى الله.
- 3:03
علاج العجب بما ليس من اختيار الإنسان كالقوة والمال والجمال يكون بالتفكر في أن هذه النعم من الله وأن زوالها مخوف.
- 3:35
علاج العجب بالعلم والعمل يكون بالتفكر في أن الأسباب كلها بيد الله وأن العبد مضطر إلى اختياره بما خلق الله فيه من المشيئة.
- 4:26
مثال الملك الذي يعطي مفتاح خزانته يوضح أن الفضل في العطاء لا في الأخذ، وأن العبد لا يستحق العجب بعمله لأن أسبابه كلها من الله.
- 5:03
بيان جهل من يجعل عطية الله كالعلم والعقل سببًا لاستحقاق عطية أخرى كالمال، وأن العاقل يتعجب من فضل الله لا من نفسه.
- 5:44
مثال الفرس والغلام يكشف أن جعل عطاء الله سببًا لاستحقاق عطاء آخر جهل، والعاقل يتعجب من فضل الله لا من نفسه.
- 6:32
مشاهدة نعم الله ينبغي أن تُولّد الخوف لا العجب، إذ قد تكون النعم استدراجًا كما أنذر القرآن الكريم.
- 7:18
تعليق على خطورة العجب وأنه أساس الأخلاق الذميمة كما أن الكرم أساس الأخلاق الحميدة، وأنه منتشر بين عموم الناس.
- 8:06
الأصل العاشر في الرياء مع الأدلة القرآنية على تحريمه ووجوب الإخلاص لله في جميع الأعمال.
- 8:43
أحاديث نبوية تبين أن الرياء هو الشرك الأصغر وأن المرائي يُحال يوم القيامة إلى من عمل لأجلهم ولا أجر له عند الله.
- 9:24
أحاديث تبين أن الله لا يقبل عملًا فيه ذرة من الرياء وأن جب الحزن في جهنم أُعدّ للقراء المرائين.
- 9:57
وصية عيسى عليه السلام بإخفاء العبادة عن الناس وقول عمر رضي الله عنه بأن الخشوع في القلوب لا في الرقاب.
- 10:35
المرائي يُنادى يوم القيامة بأسماء الذم ويُحرم من الأجر، وقتادة والحسن يذمان الرياء ويصفانه بالاستهزاء بالله.
- 11:16
تعريف الرياء بأنه طلب المنزلة في قلوب الناس بالعبادات، وبيان أول أصنافه وهو الرياء بالبدن كإظهار النحول والحزن.
- 12:00
الرياء بالهيئة يشمل إطراق الرأس وإبقاء أثر السجود وتغميض العينين وغيرها مما يُظهر به المرء التقوى أمام الناس.
- 12:18
الرياء بالثياب يشمل لبس الخشن والمرقع والصوف لإيهام الناس بالتقشف والزهد والعلم مع خلو الباطن من حقائق ذلك.
- 13:04
تفصيل الرياء بالثياب بين من يطلب المنزلة عند الصالحين بالثوب الخلق ومن يطلبها عند السلاطين بالمرقعات النفيسة.
- 13:56
المرائون يعيشون بين خوفين: خوف سقوط منزلتهم عند الأغنياء وخوف سقوطها عند الصالحين، فيختارون ثيابًا تجمع بين الأمرين.
- 14:24
الرياء بالقول يشمل تحسين الوعظ وادعاء العلم وإظهار الحزن والغضب على المنكرات مع خلو الباطن من الإخلاص الحقيقي.
- 15:13
الرياء بالعمل يشمل تطويل الصلاة وتحسين الركوع والسجود والتصدق والصوم أمام الناس مع التساهل في الخلوة.
- 15:46
الصنف السادس من الرياء هو الرياء بكثرة التلاميذ والشيوخ، وكل أصناف الرياء في الدين حرام بل من الكبائر.
- 16:21
سبب استقصاء أقسام الرياء هو أنه أغلب الأخلاق الذميمة، مع بيان الفرق بين طلب الجاه بالدين المحرم وطلبه بالدنيا المباح.
- 16:58
أولى درجات الرياء هي الرياء بغير العبادات كالثياب والإنفاق على الأغنياء، وهو ليس محرمًا في ذاته لكن كثيره يُلهي عن الله.
- 17:55
إظهار شمائل الدين رياءً محرم لسببين: التلبيس على الناس بإيهامهم الإخلاص، والاستهزاء بالله بتوجيه العبادة لغيره.
- 18:56
الرياء شرك أصغر لأن المرائي يُضمر في قلبه أن العباد أقدر على نفعه من الله فيتجمل عندهم بعبادته.
- 19:17
إثم الرياء يتفاوت من طلب الجاه إلى اختزال أموال الأيتام إلى اتخاذ العبادة وسيلة للفجور وهو أعظمها.
- 19:55
اتخاذ العبادة وسيلة للمخالفة أمر عظيم يحدث باستغلال الدين في الاقتصاد والسياسة، ويُناقض وجوب الإخلاص لله.
- 20:29
درجات المراءاة ثلاث: الرياء بأصل الإيمان كالنفاق وهو أغلظها، ثم الرياء بالعبادات، ثم الرياء بالنوافل وهو أدناها.
- 21:21
أحوال اجتماع قصد العبادة مع قصد الرياء ثلاثة تتفاوت في صحة العبادة وحجم الإثم بحسب قوة كل قصد.
- 22:20
تساوي قصد العبادة والرياء لا يُسلّم صاحبه من الإثم، والأرجح أن الله لا يقبل العمل المشوب بالرياء ولا يُثيب عليه.
- 23:05
الرياء الجلي يبعث على العمل ابتداءً، والرياء الخفي يزيد في نشاط العمل دون أن يكون باعثًا مستقلًا كزيادة التهجد عند وجود الضيف.
- 23:42
الرياء الأخفى يتجلى في الفرح باطلاع الغير على العبادة أو توقع التوقير منهم، وهو مستكن في القلب ولا يخلو منه إلا الصديقون.
- 24:40
الفرح باطلاع الغير على العبادة مباح إذا كان فرحًا بلطف الله أو بالقدوة، وعلامته الفرح باطلاع الغير على عبادة غيره أيضًا.
- 25:20
أولو الحزم يُخفون عبادتهم ويجعلون الناس كالبهائم في حق عبادتهم، قانعين بعلم الله وحده طلبًا للأجر منه.
- 26:11
الرياء المقارن لابتداء العمل يُبطله إن كان باعثًا مؤثرًا، أما إن حمل على المبادرة فقط فيصح أصل العبادة مع الإثم.
- 27:14
الرياء الطارئ في أثناء الصلاة يُفسدها إن أبطل باعثها أو انغمر فيه، ولا يُفسدها إن حصل مجرد سرور دون تأثير في العمل.
- 28:19
الرياء الطارئ بعد الفراغ من الصلاة لا يُبطلها لكن يُوجب الإثم، وظهور داعية ذكر العبادة علامة على رياء خفي في الباطن.
- 28:44
أسباب الرياء ثلاثة: حب المدح وخوف الذم والطمع، وعلاج حب المدح معرفة أنه كمال وهمي وتقرير ضرر الرياء على النفس.
- 29:23
علاج حب المدح بتقرير ضرر الرياء وما ينتظر المرائي من الخزي والعقوبة وإحباط العبادة يوم القيامة.
- 30:19
رضا الناس غاية لا تُدرك، ومن سعى إليه بسخط الله أسخطهم عليه، فالرياء خسارة في الدنيا والآخرة.
- 30:38
علاج خوف الذم بمعرفة أن ذم الناس لا يضر مع رضا الله، وأن الله يكشف سر المرائي فيمقته الناس بعد أن مقته الله.
- 31:16
علاج الطمع في الخلق بمعرفة أن الله هو المسخر للقلوب وأن الإعراض عن الطمع يجلب توفيق الله وأنوار الإخلاص.
- 32:06
علاج وارد الرياء البغتة يكون بإخفاء العبادة ابتداءً حتى يصير عادة، فيألف الطبع لذة المناجاة في الخلوة.
- 32:52
دفع وارد الرياء يكون بتجديد كراهيته في القلب، ومنتهى التكليف هو الكراهية والإباء لا دفع الخواطر الطبيعية.
- 33:50
إظهار الطاعات للاقتداء جائز بشرط صحة النية، وعلامتها عدم الحرص على أن يكون هو المُقتدى به دون غيره.
- 34:49
الحياء غير الرياء، وترك العبادة خوفًا من الرياء لا وجه له بل هو نفسه رياء كما قال الفضيل بن عياض.
- 35:35
من يخاف الرياء في القضاء والوعظ يجب عليه الهرب، أما الصلاة والصدقة فلا يتركهما بل يستمر ويدفع باعث الرياء.
- 36:20
ختام الدرس بالتأكيد على قول الفضيل بن عياض وإعلان الإجازة بكتاب الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي.
ما هو الأصل التاسع في كتاب الأربعين في أصول الدين للغزالي؟
الأصل التاسع في كتاب الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي هو موضوع العجب وعلاجه. يبدأ الدرس بالانتقال مباشرة إلى قراءة هذا الأصل والتعمق في بيان حقيقته وأضراره.
ما الأدلة القرآنية والنبوية على ذم العجب وخطورته؟
ذم الله العجب في القرآن الكريم في آيات عدة منها قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ وقوله ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا أَنفُسَكُمْ﴾. وفي السنة النبوية عدّ النبي صلى الله عليه وسلم إعجاب المرء بنفسه من الثلاث المهلكات. وقال ابن مسعود رضي الله عنه إن الهلاك في اثنين: القنوط والعجب، لأن القانط لا يطلب السعادة لقنوطه والمعجب لا يطلبها لظنه أنه قد ظفر بها.
لماذا يكون العجب أشد خطرًا من الذنب نفسه وما الدليل على ذلك؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أعظم من ذلك، العجب العجب»، مما يدل على أن العجب قد يكون أشد خطرًا من الذنب. وقالت عائشة رضي الله عنها إن الرجل يكون مسيئًا حين يظن أنه محسن. وضرب بشر بن منصور مثلًا بإبليس الذي عبد الله آلاف السنين ثم صار إلى ما صار إليه بسبب عجبه.
ما حقيقة العجب وما الفرق بينه وبين الإدلال والكبر؟
حقيقة العجب هي استعظام النفس وخصالها التي هي من النعم والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى الله والأمن من زوالها. فإن انضاف إليه أن رأى لنفسه عند الله حقًا ومكانة سُمي ذلك إدلالًا، وعلامته أن يتعجب من رد دعائه. والعجب هو سبب الكبر، غير أن الكبر يستدعي متكبَّرًا عليه بينما العجب يُتصور على الانفراد.
هل الفرح بنعمة الله على النفس يُعدّ عجبًا محرمًا؟
لا يُعدّ الفرح بنعمة الله عجبًا محرمًا إذا كان الإنسان خائفًا من زوال النعمة وفرح بها من حيث إنها من الله تعالى. أما المعجب الحقيقي فهو من يأمن وينسى إضافة النعمة إلى المنعم سبحانه وتعالى.
كيف يُعالج العجب بالقوة والمال والجمال وما ليس من اختيار الإنسان؟
العجب جهل محض وعلاجه العلم المحض. فمن أُعجب بقوة أو مال أو جمال فهو جاهل لأن ذلك ليس إليه، وينبغي أن يُعجب بمن أعطاه ذلك من غير استحقاق وهو الله تعالى. كما ينبغي أن يتفكر في أن زوال ذلك مخوف على القرب بأدنى مرض أو ضعف.
كيف يُعالج العجب بالعلم والعمل وما علاقة ذلك بمشيئة الله؟
من أُعجب بعلمه وعمله ينبغي أن يتفكر في أن هذه الأعمال لا تتيسر إلا بعضو وقدرة وإرادة، وأن جميع ذلك من عند الله. وإذا خلق الله العضو والقدرة وسلّط الدواعي وصرف الصوارف كان حصول الفعل ضروريًا، فليس للمضطر أن يُعجب بما يحصل منه اضطرارًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾.
ما مثال الملك والمفتاح وكيف يبين أن الفضل كله لله لا للعبد؟
يُضرب المثل بملك أعطاك مفتاح خزانته فأخذت منها أموالًا، فهل تُعجب بجوده حين أعطاك المفتاح بغير استحقاق أم بكمالك في الأخذ؟ وأي كمال في الأخذ بعد التمكين؟ كذلك العبد الذي أعطاه الله أسباب العمل كلها، فلا ينبغي أن يُعجب بعمله بل بفضل الله عليه.
لماذا لا يجوز للعاقل أن يجعل عطية الله سببًا لاستحقاق عطية أخرى؟
من العجائب أن يُعجب العاقل بعلمه وعقله حتى يتعجب إن أفقره الله وأغنى بعض الجهال. فيُقال له: كيف رزقك الله العلم والعقل وحرمهما الجاهل؟ فهذه عطية منه، أفتجعلها سببًا لاستحقاق عطية أخرى؟ بل لو جمع له بين العقل والغنى وحرم الجاهل منهما جميعًا لكان ذلك أولى بالتعجب من فضل الله.
ما مثال الفرس والغلام وكيف يبين أن العاقل يتعجب من فضل الله لا من نفسه؟
يُشبَّه العاقل المعجب بمن أعطاه الملك فرسًا وأعطى غيره غلامًا فيقول: كيف يُعطي الغلام لفلان وليس له فرس ويحرمني؟ وهذا عين الجهل لأنه صار صاحب الفرس بعطاء الملك فجعل عطاءه سببًا لاستحقاق عطاء آخر. أما العاقل فيكون تعجبه دائمًا من فضل الله وجوده حيث أعطاه العلم والعقل ووفقه للعبادة من غير تقدم استحقاق.
كيف يغلب الخوف على العاقل عند مشاهدة نعم الله وما معنى الاستدراج؟
إذا شاهد العاقل نعم الله عليه تحقيقًا غلب عليه الخوف، إذ يقول: قد أنعم الله عليّ في الدنيا من غير وسيلة، ومن يفعل مثل هذا بغير سبب فيوشك أن يُعذّب ويسلب النعم أيضًا بغير جناية. ويخشى أن تكون النعم مكرًا واستدراجًا كما قال تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا بِمَآ أُوتُوٓا أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً﴾.
لماذا يُعدّ العجب أساس الأخلاق الذميمة وما مدى انتشاره بين الناس؟
العجب يُعطّل الإنسان كثيرًا وهو أمر يصعب التعامل معه لأنه من مجريات الأخلاق اليومية لعموم الناس. وهو مثل اللغو بل أشد منه، ولا يتخلص منه كثير من الناس إلا من رحم الله. وكما أن الكرم هو أساس الأخلاق الحميدة فإن العجب هو أساس الأخلاق الذميمة وأغلب البلايا منه.
ما الأدلة القرآنية على تحريم الرياء ووجوب الإخلاص في العبادة؟
حرّم الله الرياء في القرآن الكريم في آيات عدة منها قوله تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ﴾، وأمر بالإخلاص في قوله ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا﴾ أي بالإخلاص. كما أثنى على المخلصين في قوله ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾.
لماذا سُمي الرياء الشرك الأصغر وما جزاء المرائي يوم القيامة؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قيل: وما هو؟ قال: الرياء». ويقول الله يوم القيامة للمرائين: «اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء». وكذلك يُقال للغازي والعالم والمنفق الذين أرادوا الثناء: «كذبت، أردت أن يُقال فلان عالم أو شجاع أو جواد، فيُذهب به إلى النار».
ما جب الحزن وما حكم العمل الذي يشوبه الرياء ولو بمقدار ذرة؟
جب الحزن وادٍ في جهنم أُعدّ للقراء المرائين كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «من عمل لي عملًا أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا منه بريء». وأكد النبي صلى الله عليه وسلم أن الله لا يقبل عملًا فيه مقدار ذرة من الرياء، وأن أدنى الرياء شرك.
ما وصية عيسى عليه السلام في إخفاء العبادة وما قول عمر في الخشوع؟
أوصى عيسى عليه السلام بإخفاء العبادة فقال: إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته لكي لا يرى الناس أنه صائم، وإذا أعطى بيمينه فليُخفِ عن شماله، وإذا صلى فليُرخِ ستر بابه؛ فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق. وقال عمر رضي الله عنه لرجل طأطأ رقبته: ليس الخشوع في الرقاب وإنما الخشوع في القلوب.
بماذا يُنادى المرائي يوم القيامة وما قول قتادة والحسن في ذم الرياء؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم إن المرائي يُنادى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا مرائي يا غادر يا فاجر يا خاسر، اذهب فخذ أجرك ممن عملت له فلا أجر لك عندنا. وقال قتادة إن الله يقول للمرائي: انظروا إلى عبدي كيف يستهزئ بي. وذكر الحسن أنه صحب أقوامًا كانوا يمنعهم من النطق بالحكمة خوف الشهرة والرياء.
ما أصناف الرياء الستة وما أول صنف منها وهو الرياء بالبدن؟
حقيقة الرياء طلب المنزلة في قلوب الناس بالعبادات وأعمال الخير، وما يُراءى به ستة أصناف. أولها الرياء من جهة البدن، وهو إظهار النحول والاصفرار ليُظن به السهر والصيام، وإظهار الحزن ليُظن أنه شديد الاهتمام بالدين، وإظهار شعث الشعر وذبول الشفتين وخفض الصوت ليُستدل به على ضعفه من شدة المجاهدة.
ما المقصود بالرياء بالهيئة والمظهر الخارجي وما أمثلته؟
الرياء بالهيئة هو الصنف الثاني من أصناف الرياء، ويشمل حلق الشارب وإطراق الرأس في المشي والهدوء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه. كما يشمل تغميض العينين ليُظن أنه في الوجد والمكاشفة أو غائص في الفكر.
كيف يكون الرياء في الثياب وما أمثلته بين الصالحين وأهل الدنيا؟
الرياء في الثياب هو الصنف الثالث، ويشمل لبس الصوف والثوب الخشن وتقصيره وترك الثوب مخرقًا ليُظن أنه مستغرق الوقت في العبادة. كما يشمل لبس المرقعة والصلاة على السجادة ليُظن أنه من الصوفية، ولبس الضراعة والطيلسان وتوسيع الأكمام ليُظن أنه عالم.
كيف يختلف الرياء بالثياب بين من يطلب المنزلة عند الصالحين ومن يطلبها عند السلاطين؟
من يطلب المنزلة عند أهل الصلاح يلازم الثوب الخلق ويكون عنده لبس الثوب الجديد كالذبح خوفًا أن يُقال قد بدا له من الزهد. أما من يطلب المنزلة من السلاطين والتجار فيطلب المرقعات المصبوغة والأصواف الرفيعة التي تكون في القيمة كثياب الأغنياء وفي اللون والهيئة كثياب الصالحين.
كيف يتجلى خوف المرائين من سقوط منزلتهم في اختيار ثيابهم؟
المرائون يخافون من سقوط منزلتهم من أعين الأغنياء إن لبسوا الثياب البالية، ويخافون من سقوطها من قلوب الصالحين إن لبسوا الحرير والثياب المزركشة. فهم محاصرون بين خوفين يدفعانهم إلى اختيار ثياب تجمع بين القيمة والمظهر الديني في آنٍ واحد.
ما المقصود بالرياء بالقول وكيف يظهر عند أهل الوعظ والتذكير؟
الرياء بالقول هو الصنف الرابع، ويظهر في تحسين الألفاظ وتسجيعها والنطق بالحكمة وكلام السلف مع ترقيق الصوت وإظهار الحزن مع الخلو عن حقيقة الصدق والإخلاص في الباطن. ويشمل أيضًا ادعاء حفظ الحديث ولقاء الشيوخ، وتحريك الشفتين بالذكر أمام الناس، وإظهار الغضب على المنكرات مع خلو القلب من التألم بها.
ما الرياء بالعمل وكيف يتجلى في الصلاة والعبادات؟
الرياء بالعمل هو الصنف الخامس، ويشمل تطويل القيام وتحسين الركوع والسجود وإطراق الرأس وقلة الالتفات والتصدق والصوم والحج والإخبات في المشي. والله يعلم من باطنه أنه لو كان خاليًا لما فعل شيئًا من ذلك، بل قد يُسرع في المشي فإذا شعر باطلاع غيره عاد إلى السكينة كي يُظن به الخشوع.
ما الصنف السادس من أصناف الرياء وما حكم الرياء في الدين؟
الصنف السادس هو الرياء بكثرة التلاميذ والأصحاب وكثرة ذكر الشيوخ ليُظن أنه لقي شيوخًا كثيرين، وكمن يحب أن يزوره العلماء والسلاطين ليُقال إنه ممن يُتبرك به. وكل هذه الأصناف حرام بل هي من الكبائر. أما طلب المنزلة بأفعال ليست من العبادات فليست بحرام ما لم يكن فيها تلبيس.
لماذا استقصى الغزالي أقسام الرياء وما الفرق بين طلب الجاه بالدين وبالدنيا؟
استقصى الغزالي أقسام الرياء لأنه أغلب الأخلاق الذميمة على النفوس، ومن لا يعرف الشر ومواقعه لا يمكنه أن يتقيه. أما طلب الجاه بأمور الدنيا كالمال وحفظ الأشعار وعلم الطب والحساب فلم يُحرَّم ما لم ينتهِ إلى الإيذاء بالتكبر أو إلى أخلاق مذمومة أخرى.
ما أولى درجات الرياء وهل الرياء بغير العبادات محرم؟
أولى درجات الرياء ألا يكون بالأمور الدينية والعبادات، كمن يلبس ثيابًا حسنة عند الخروج أو ينفق في الضيافات ليُعتقد أنه سخي لا ليُعتقد أنه ورع صالح. وهذا ليس من الصفات المحرمة في ذاته، غير أن الكثير منه يُلهي عن ذكر الله، وإذا انصرفت الهمة إلى سعة الجاه جرّ ذلك إلى الغفلة والمعاصي فيكون محظورًا لذلك لا لنفسه.
لماذا يُحرَّم إظهار شمائل الدين رياءً وما السببان في ذلك؟
يُحرَّم إظهار شمائل الدين رياءً لسببين: الأول أنه تلبيس، إذ يُوهم الناس أنه مخلص مطيع لله وهو في الحقيقة فاسق ممقوت عند الله. والثاني أنه استهزاء بالله، كمن وقف بين يدي ملك في معرض الخدمة وغرضه الحقيقي ملاحظة عبد من عبيد الملك، فهو يستحق النكال لاستهزائه بالملك.
لماذا سُمي الرياء شركًا أصغر وما العقيدة الخاطئة التي يُضمرها المرائي؟
سُمي الرياء شركًا أصغر لأن المرائي حين يقصد العباد بعبادته فكأنه اعتقد أن عباد الله أقدر على نفعه وخيره من الله تعالى. فعظمة العباد في قلبه دعته إلى أن يتجمل عندهم بعبادة الله، وهذا نوع من الشرك في النية والقصد.
كيف يتفاوت إثم الرياء بحسب فساد القصد وما أعظم درجاته؟
يتفاوت إثم الرياء بزيادة فساد القصد؛ فمن المرائين من لا يطلب إلا مجرد الجاه، ومنهم من يطلب أن يُودَع الودائع ويُولَّى الأوقاف ومال الأيتام ليختزل منها. وأعظمهم إثمًا من يُرائي ليتقرب إليه النساء والصبيان للفجور، أو ليصرف المال إلى الخمر والملاهي، إذ جعل عبادة الله وسيلة إلى مخالفته.
ما خطورة اتخاذ العبادة وسيلة للمخالفة وكيف يحدث ذلك في الواقع؟
اتخاذ العبادة وسيلة إلى المخالفة أمر عظيم الخطورة، ويحدث كثيرًا حين يُستغل الدين واسم الدين في أمور الاقتصاد أو الأمور الاجتماعية أو السياسية. وهذا يُناقض قوله تعالى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾، إذ يجب على المسلم أن يُخلص لله الدين في كل أحواله.
ما الدرجات الثلاث للمراءاة من حيث ما يُراءى به؟
المراءاة على ثلاث درجات: أغلظها الرياء بأصل الإيمان كالمنافق الذي يُظهر الإسلام ولم يُسلم بقلبه. والثانية الرياء بأصل العبادات كمن يصلي ويُخرج الزكاة أمام الناس والله يعلم أنه لو خلا بنفسه لم يفعل. والثالثة وهي أدناها ألا يُرائي بالفرائض بل بالنوافل فقط.
ما أحوال انضمام قصد العبادة إلى قصد الرياء وما أثر ذلك على صحة العبادة؟
إذا انضم قصد العبادة إلى قصد الرياء فله ثلاثة أحوال: الأولى أن تكون العبادة باعثة مستقلة لو خلا بنفسه لفعل لكن رؤية الغير زادته نشاطًا، فيُرجى ألا يُحبط ذلك عمله ويُعاقب على قصد الرياء. والثانية أن يكون قصد العبادة ضعيفًا لا يستقل بالحمل فلا تصح عبادته. والثالثة أن يتساوى القصدان وهذا الغالب أنه لا يسلم من الإثم.
هل يكون أحد القصدين كفارة للآخر إذا تساوى قصد العبادة وقصد الرياء؟
إذا تساوى قصد العبادة وقصد الرياء فقد أصلح شيئًا وأفسد مثله أو أكثر، والغالب أنه لا يسلم رأسًا برأس. ويُحتمل أن يُقال إن أحدهما كفارة للآخر، لكن قوله تعالى «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك» يدل على أنه لا يقبله ولا يُثيبه عليه، والأغلب أنه لا يخلو عن إثم وعقاب.
ما الفرق بين الرياء الجلي والرياء الخفي وما مثاله؟
الرياء الجلي هو ما يبعث على العمل بحيث لولاه لم يرغب في العمل أصلًا. أما الرياء الخفي فهو ألا يستقل بالحمل على العمل لكن يُخفف العمل ويزيد في نشاطه، كالذي يتهجد كل ليلة وإذا كان عنده ضيف زاد نشاطه. وبعض الرياء أخفى من دبيب النمل.
ما علامات الرياء الأخفى وكيف يكشف الفرح باطلاع الغير عن رياء مستكن في القلب؟
من علامات الرياء الأخفى أن يفرح الإنسان إذا اطلع غيره على عبادته، وهذا يدل على أن الرياء كان مستكنًا في باطن القلب استكنان النار تحت الرماد. وأخفى منه ألا يُسر بالاطلاع لكن يتوقع أن يُبدأ بالسلام ويُوقَّر ويتعجب ممن يُسيء إليه، وهذا يدل على أنه يمنّ على الناس بعمله. وأمثال هذه الخفايا لا يخلو منها إلا الصديقون.
متى يكون الفرح باطلاع الغير على العبادة مباحًا ومتى يكون رياءً؟
يجوز الفرح باطلاع الغير على العبادة إذا كان فرحه بالله من حيث أظهر منه الجميل وستر القبيح، أو فرحًا بأنه يُبشره بحسن صنع الله به في الآخرة، أو فرحًا لأن غيره يقتدي به فيُطيع الله. وعلامة هذا الفرح المباح أن يفرح أيضًا إذا اطلع على غيره ممن تُرجى قدوته.
كيف احترز أولو الحزم من الرياء وما الوصية في التعامل مع الناس في العبادة؟
احترز أولو الحزم من الرياء بإخفاء عبادتهم ومجاهدة أنفسهم. وقال علي رضي الله عنه إن الله يقول للقراء يوم القيامة: ألم تكونوا تُبدؤون بالسلام وتُقضى لكم الحوائج؟ لا أجر لكم فقد استوفيتم أجركم. والوصية أن يجعل الناس كالبهائم والصبيان في حق عبادته ولا يُفرق بين وجودهم وعدمهم، ويقنع بعلم الله وحده.
ما حكم الرياء الذي يقارن ابتداء العمل وهل يُبطل العبادة؟
وارد الرياء إما أن يرد مع أول العمل أو في دوامه أو بعد الفراغ منه. أما ما يُقارن الابتداء فيُبطله ويمنع انعقاده إن صار باعثًا مؤثرًا في الحمل على العمل، لأن أول العقد يجب أن يكون خالصًا. أما إذا لم يحمل إلا على المبادرة في أول الوقت فيُرجح أن أصل الصلاة يصح وإنما تفوته فضيلة المبادرة ويعصي بقصد المراءاة.
ما حكم الرياء الذي يطرأ في أثناء الصلاة وهل يُفسدها؟
إذا طرأ الرياء في أثناء الصلاة وأبطل باعث الصلاة فتبطل الصلاة، كمن يُتم صلاته حياءً من الناس بعد أن نسي شيئًا وكان سيقطعها لو كان وحده. أما إذا لم تنقطع النية لكن غلب الفرح باطلاع الناس وانغمر باعث العبادة، فغالب الظن أنه إن انقضى ركن ولم يُعاوده الباعث الأصلي فسدت صلاته. وإن لم ينغمر الباعث وحصل مجرد سرور دون تأثير في العمل فالصلاة لا تفسد.
ما حكم الرياء الذي يطرأ بعد الفراغ من الصلاة وما علامة الرياء الخفي؟
ما يطرأ بعد الصلاة من ذكر وسرور ومراءاة لا ينعطف على ما مضى ولا يُبطل الصلاة، لكن يعصي به ويأثم ويكون عقابه بقدر قصده وإظهاره. وظهور داعية ذكر العبادة بالتصريح أو التعريض يدل على أن الرياء كان خفيًا في باطنه.
ما أسباب الرياء الثلاثة وكيف يُعالج أولها وهو حب المدح؟
أسباب الرياء الباعثة عليه ثلاثة: حب المدح وخوف الذم والطمع. أما حب المدح فكمن يهجم على صف القتال ليُقال إنه شجاع أو يُظهر العبادات ليُقال إنه ورع. وعلاجه أن يعلم أن هذا كمال وهمي لا حقيقة له، وأن يُقرر على نفسه ما في الرياء من الضرر والخزي يوم القيامة.
كيف يُعالج حب المدح بتقرير ضرر الرياء وما الخزي الذي ينتظر المرائي؟
علاج حب المدح أن يُقرر على نفسه ما في الرياء من الضرر، فإن العسل وإن كان لذيذًا إذا علم أن فيه سمًا سهل تركه. فليُقرر أنه يُقال له يوم القيامة: يا فاجر يا غاوٍ استهزأت بالله وراقبت العباد واشتريت حمدهم بذم الله. وقد انضم إلى هذا الخزي العقوبة وإحباط العبادة وترجيح كفة السيئات.
لماذا يُعدّ السعي لرضا الناس بسخط الله حماقة وما نتيجته؟
رضا الناس غاية لا تُدرك، ومن سعى إلى رضا الناس بسخط الله تعالى أسخطهم عليه. فكيف يتقرب إلى الله بما لا يطمع في حصوله؟ وهذا يدل على أن السعي لرضا الناس بسخط الله يُفضي إلى الخسارة في الدنيا والآخرة معًا.
كيف يُعالج الباعث الثاني على الرياء وهو الخوف من ذم الناس؟
علاج الخوف من ذم الناس أن يُقرر على نفسه أن ذمهم لن يضره إن كان محمودًا عند الله. فلماذا يتعرض لذم الله ومقته خوفًا من ذم الخلق؟ ويكفيه أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء لمقتوه، والله يأبى إلا أن يكشف سره حتى يُعرف نفاقه فيمقته الناس أيضًا. ولو أخلص لكشف الله إخلاصه فأحبوه.
كيف يُعالج الباعث الثالث على الرياء وهو الطمع في الخلق؟
علاج الطمع في الخلق أن يعلم أن ذلك أمر موهوم وأن فوات رضا الله ناجز. ويعلم أن الله هو المسخر للقلوب وأن من طمع في الخلق لم يخلُ عن الذل والمهانة. ومن أعرض عن الطمع في الخلق كفاه الله وسخّر له القلوب، وإذا أحضر في قلبه نعيم الآخرة وعلم أنه يفوت بالرياء فاضت عليه أنوار الإخلاص وأمده الله بمعونته.
ما العلاج عند هجوم وارد الرياء بغتة أثناء العبادة؟
أصل علاج وارد الرياء البغتة أن تُخفي عبادتك كما تُخفي فواحشك ففيه السلامة. وإخفاء العبادة يشق في البداية لكن إذا صار عادة ألف الطبع لذة المناجاة في الخلوة. وقد أُثر عن أبي حفص الحداد أنه نهى من أظهر ذم الدنيا عن مجالسته لأنه أظهر ما كان ينبغي إخفاؤه.
كيف يُدفع وارد الرياء عند هجومه وما منتهى التكليف في ذلك؟
علاج وارد الرياء عند هجومه أن تُجدد على قلبك المعرفة بالتعرض لمقت الله مع عجز الناس عن نفعك وضرك حتى تنبعث منه كراهية لداعية الرياء. فإن قويت الكراهية حتى منعتك من الركون إليه واستصحبت حالتك فلم تزد ولم تنقص فقد اندفع عنك الإثم. ومنتهى التكليف هو الكراهية والإباء عن إجابة الداعي، أما دفع الخواطر ودفع الطبع عن الميل فلا يدخل تحت التكليف.
هل يجوز إظهار الطاعات لأجل اقتداء الناس وما علامة صحة النية في ذلك؟
يجوز إظهار الطاعات لأجل اقتداء الناس وترغيبهم إذا صحت النية ولم يكن معه شهوة خفية. وعلامة صحة النية أن يُقدّر أنه لو اقتدى الناس بأحد أقرانه وأُخبر بأن أجره في الإسرار كأجره في الإظهار فلا يرغب في الإظهار. فإن كان ميله إلى أن يكون هو المُقتدى به أكثر ففيه داعية الرياء.
ما الفرق بين الحياء والرياء وما حكم ترك العبادة خوفًا من الرياء؟
الحياء غير الرياء وإن كان قد يمتزج به، فالتألم بذم الناس ليس بحرام بل يوجبه الطبع، وإنما الحرام الفرح بمدح الناس على العبادة. أما ترك الطاعة خوفًا من الرياء فلا وجه له، وقال الفضيل بن عياض: من الرياء ترك العمل خوفًا من الرياء. فالعمل لأجل الناس شرك، لكن ينبغي أن يعمل المرء ويُخلص.
ما حكم من يخاف الرياء في الأعمال المتعلقة بالخلق كالقضاء والوعظ والإمامة؟
من علم من نفسه أنه بعد الخوض في القضاء والإمامة والوعظ لا يملك نفسه بل يميل إلى دواعي الهوى فيجب عليه الإعراض والهرب، وكذلك فعل جماعة من السلف. أما الصلاة والصدقة فلا يتركهما إلا إذا لم تحضره أصلًا نية العبادة. ومن اعتاد فعلهما وحضر جماعة فخاف الرياء فلا ينبغي أن يتركهما بل يستمر ويجتهد في دفع باعث الرياء.
بماذا اختتم الدرس وما الإجازة التي مُنحت للطلاب؟
اختتم الدرس بالتأكيد على قول الفضيل بن عياض في أن ترك الطاعة خوفًا من الرياء لا وجه له. وأعلن الشيخ أن اللقاء القادم سيكون آخر لقاء له مع الطلاب ثم يُكملون بقية الكتاب، وأجاز الطلاب بالكتاب مع وعد بالإجازة المطوّلة في الحلقة القادمة.
العجب والرياء من أخطر الأخلاق الذميمة وعلاجهما يكون بإضافة النعم إلى الله وإخلاص الدين له وحده.
العجب والرياء آفتان قلبيتان خطيرتان حذّر منهما القرآن الكريم والسنة النبوية. العجب هو استعظام النفس وخصالها مع نسيان أن كل نعمة من الله، وعلاجه التفكر في أن القوة والعلم والإرادة كلها بيد الله، وأن العبد مضطر إلى اختياره كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾.
الرياء شرك أصغر يشمل ستة أصناف تمتد من إظهار النحول والاصفرار إلى الرياء بكثرة التلاميذ، وإثمه يتفاوت بحسب فساد القصد. وعلاجه دفع أسبابه الثلاثة: حب المدح وخوف الذم والطمع في الخلق، مع العلم بأن رضا الناس غاية لا تُدرك وأن الله هو المسخّر للقلوب، وأن ترك العبادة خوفًا من الرياء هو نفسه رياء.
أبرز ما تستفيد منه
- العجب جهل محض وعلاجه العلم بأن كل نعمة من الله لا من العبد.
- الرياء شرك أصغر وكل عمل فيه مقدار ذرة منه لا يقبله الله.
- درجات الرياء تبدأ من النفاق في أصل الإيمان وتنتهي بالرياء في النوافل.
- ترك العبادة خوفًا من الرياء لا وجه له بل هو نفسه نوع من الرياء.
- علاج الرياء يكون بإخفاء العبادة وإخلاص الدين لله وحده وجعل الناس كالبهائم في حق العبادة.
افتتاح الدرس والبدء بقراءة الأصل التاسع في العُجب
[الشيخ]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم، السلام ورحمة الله وبركاته.
إلى أين وصلتم يا شباب؟
[الضيف]: إلى علاج العُجب.
[الشيخ]: أنتم لم تبدأوا بعد؟
[الضيف]: قمنا بقرارنا إذن تحقيقه في المسجد.
[الشيخ]: تفضلوا، ابدأ الأصل التاسع في العُجب.
[الضيف]: الأصل التاسع في العُجب.
الأدلة القرآنية والنبوية على ذم العُجب وخطورته
قال الله تعالى:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: 25]
الآية. وقال عز وجل:
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]
وقال تعالى:
﴿فَلَا تُزَكُّوٓا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ [النجم: 32]
وقال صلى الله عليه وسلم:
«ثلاث مهلكات: شحٌّ مُطاع، وهوًى مُتَّبَع، وإعجاب المرء بنفسه»
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الهلاك في اثنين: القنوط والعجب، وإنما جمع بينهما لأن القانط لا يطلب السعادة لقنوطه، والمُعجَب لا يطلبها لظنه أنه قد ظفر بها.
أحاديث وآثار في التحذير من العُجب وخطره على العبد
وقال صلى الله عليه وسلم:
«لو لم تُذنبوا لخِفتُ عليكم ما هو أعظم من ذلك، العُجبَ العُجبَ»
وقيل لعائشة رضي الله عنها: متى يكون الرجل مسيئًا؟ فقالت: إذا ظنَّ أنه مُحسن.
ونظر رجلٌ إلى بِشر بن منصور وهو يُطيل الصلاة ويُحسن العبادة، فلما فرغ قال: لا يغرنَّك ما رأيت مني؛ فإن إبليس عبد الله تعالى وصلى آلاف سنين، ثم صار إلى ما صار إليه.
حقيقة العُجب واستعظام النفس ونسيان إضافة النعم إلى الله تعالى
فصل في بيان حقيقة العجب: حقيقة العجب استعظام النفس وخصالها التي هي من النعم، والركون إليها مع نسيان إضافتها [إلى الله تعالى]، والأمن من زوالها.
فإن انضاف إليه أن رأى لنفسه عند الله حقًّا ومكانةً، سُمِّي ذلك إدلالًا. وفي الخبر:
«إن صلاة المُدِلِّ لا ترتفع فوق رأسه»
وعلامة إدلاله أن يتعجب من رد دعائه، ويتعجب من استقامة حال من يؤذيه. والعجب هو سبب الكبر، ولكن الكبر يستدعي مُتكبَّرًا عليه، والعجب يُتصوَّر على الانفراد.
الفرق بين المُعجَب وبين من يفرح بنعمة الله مع الخوف من زوالها
أما من رأى نعمة الله على نفسه بعمل أو علم أو غيره، وهو خائف على زواله، وفرح بنعمة الله تعالى عليه من حيث إنها من الله تعالى، فليس بمُعجَب.
بل المُعجَب من يأمن وينسى الإضافة إلى المُنعِم [سبحانه وتعالى].
علاج العُجب بما ليس من اختيار الإنسان كالقوة والمال والجمال
فصل في بيان علاج العجب: العجب جهل محض؛ فعلاجه العلم المحض.
فإنه إن أُعجِب بقوة وبمال وجمال أو أمر مما ليس يتعلق باختياره، فهو جهل أيضًا؛ إذ ليس ذلك إليه. فينبغي أن يُعجَب بمن أعطاه ذلك من غير استحقاق.
وينبغي أن يتفكر في أن زوال ذلك مخوف على القرب بأدنى مرض وضعف.
علاج العُجب بالعلم والعمل وأن جميع الأسباب بيد الله تعالى
وإن أُعجِب بعلمه وعمله وما يدخل تحت اختياره، فينبغي أن يتفكر في تلك الأعمال: بماذا تيسرت له؟ وأنها لا تتيسر إلا بعضو وقدرة وإرادة ومعقولة، وأن جميع ذلك من عند الله عز وجل.
وإذا خلق الله تعالى العضو والقدرة، وسلَّط الدواعي وصرف الصوارف، كان حصول الفعل ضروريًّا. فليس للمضطر أن يُعجَب بما يحصل منه اضطرارًا؛ إذ هو مضطر إلى اختياره، فإنه يفعل إن شاء أو لم يشأ مهما خُلِقت فيه المشيئة.
قال الله تعالى:
﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]
مثال الملك والمفتاح في بيان أن الفضل كله لله تعالى لا للعبد
فمفتاح العمل انجزام المشيئة وانصراف الدواعي الصارفة مع كمال القدرة والأعضاء، وكل ذلك بيد الله تعالى.
أرأيت لو كان بيد ملكٍ مفتاح خزانة، فأعطاك إياه، فأخذت منها أموالًا، أتُعجَب بجوده إذا أعطاك المفتاح بغير استحقاق، أو بكمالك في أخذه؟ وأيُّ كمال في الأخذ بعد التمكين؟
من يجعل عطية الله تعالى سببًا لاستحقاق عطية أخرى وبيان جهله
فصل فيمن يجعل عطية الله تعالى سببًا لاستحقاق عطية أخرى:
من العجائب الأخرى أن يُعجَب العاقل بعلمه وعقله حتى يتعجب إن أفقره الله تعالى وأغنى بعض الجهال، ويقول: كيف وسَّع الله النعمة على الجاهل وحرمني؟
فيُقال له: كيف رزقك العلم والعقل وحرمهما الجاهل؟ فهذه عطية منه، أفتجعلها سببًا لاستحقاق عطية أخرى؟ بل لو جمع لك بين العقل والغنى وحرم الجاهل منهما جميعًا لكان ذلك أولى بالتعجب.
مثال الفرس والغلام في بيان أن العاقل يتعجب من فضل الله لا من نفسه
وما تعجُّب العاقل منه إلا كتعجُّب من أعطاه الملك فرسًا وأعطى غيره غلامًا، فيقول: كيف يُعطي الغلام لفلان وليس له فرس، ويحرمني وأنا صاحب الفرس؟ وإنما صار صاحب الفرس بعطائه، فيجعل عطاءه سببًا لاستحقاق عطاء آخر، وهذا عين الجهل.
بل العاقل يكون أبدًا تعجُّبه من فضل الله تعالى وجوده، حيث أعطاه العلم والعقل ووفَّقه للعبادة من غير تقدُّم استحقاق منه، وحرم غيرَه ذلك وسلَّط عليه دواعيَ الفساد واضطرَّه إليه بصرف دواعي الخير عنه، وذلك بغير جريمة سابقة منه.
غلبة الخوف على العاقل عند مشاهدة نعم الله والخشية من الاستدراج
وإذا شاهد ذلك تحقيقًا، غلب عليه الخوف؛ إذ يقول: قد أنعم الله عليَّ في الدنيا من غير وسيلة، وخصَّني به دون غيري، ومن يفعل مثل هذا بغير سبب فيوشك أن يُعذِّب ويسلب النعم أيضًا بغير جناية وسبب.
فماذا أصنع إن كان ما أفاضه عليَّ من النعم مكرًا واستدراجًا؟ كما قال تعالى:
﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا بِمَآ أُوتُوٓا أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: 44]
وكما قال تعالى:
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 182]
تعليق الشيخ على خطورة العُجب وأنه أساس الأخلاق الذميمة
[الشيخ]: هذا القبيح وهو العُجب يُعطِّل كثيرًا الإنسان، وهو أمر أيضًا يصعب التعامل معه؛ لأنه من مجريات الأخلاق اليومية لعموم الناس.
وهو مثل اللغو، بل هو أشد اللغو، لا يتخلص منه كثير من الناس إلا من رحم ربي، فكذلك العجب. والعجب مصائبه كثيرة، وأغلب البلايا منه.
كما أن الكرم هو أساس الأخلاق الحميدة، فإن العجب هو أساس الأخلاق الذميمة.
الأصل العاشر.
الأصل العاشر في الرياء والأدلة القرآنية على تحريمه
[الضيف]: الأصل العاشر في الرياء.
قال الله تعالى:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ﴾ [الماعون: 4-6]
وقال تعالى:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]
وقال تعالى:
﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَـٰلِحًا﴾ [الكهف: 110]
الآية، وأراد به الإخلاص.
أحاديث نبوية في التحذير من الرياء وأنه الشرك الأصغر
وقال صلى الله عليه وسلم:
«إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قيل: وما هو؟ قال: الرياء. يقول الله عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تُراؤون فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء»
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث طويل:
«يُقال للغازي والعالم والمُنفق إذا قال: فعلتُ كذا وكذا، كذبتَ، أردتَ أن يُقال فلان عالمٌ أو شجاعٌ أو جوادٌ، فيُذهب به إلى النار»
أحاديث في جُبِّ الحزن وعدم قبول العمل الذي فيه رياء
وقال صلى الله عليه وسلم:
«استعيذوا بالله من جُبِّ الحزن، قيل: ما هو؟ قال: وادٍ في جهنم أُعِدَّ للقرّاء المرائين»
وقال صلى الله عليه وسلم:
«قال الله تعالى: من عمل لي عملًا أشرك فيه غيري فهو له كله، وأنا منه بريء، وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك»
وقال صلى الله عليه وسلم:
«لا يقبل الله عملًا فيه مقدار ذرة من الرياء»
وقال صلى الله عليه وسلم:
«إن أدنى الرياء شرك»
وصية عيسى عليه السلام بإخفاء العبادة وقول عمر في الخشوع
وقال عيسى عليه السلام:
«إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته ويمسح شفتيه لكي لا يرى الناس أنه صائم، وإذا أعطى بيمينه فليُخفِ عن شماله، وإذا صلى فليُرخِ ستر بابه؛ فإن الله تعالى يقسم الثناء كما يقسم الرزق»
ولهذا قال عمر رضي الله عنه لرجل طأطأ رقبته: يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب وإنما الخشوع في القلوب.
حديث نداء المرائي يوم القيامة وأثر قتادة والحسن في ذم الرياء
وقال نبينا صلى الله عليه وسلم:
«إن المرائي يُنادى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا مرائي، يا غادر، يا فاجر، يا خاسر، اذهب فخذ أجرك ممن عملت له، فلا أجر لك عندنا»
وقال قتادة: إذا راءى العبد، يقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي كيف يستهزئ بي.
وقال الحسن: صحبتُ أقوامًا إن كان أحدهم لتعرض له الحكمة، لو نطق بها نفعته ونفعت أصحابه، وما يمنعه منها إلا الشهرة [أي: خوف الشهرة والرياء].
حقيقة الرياء وأصنافه الستة: الرياء بالبدن وإظهار النحول والحزن
حقيقة الرياء طلب المنزلة في قلوب الناس بالعبادات وأعمال الخير. وما يُراءى به ستة أصناف:
الأول: الرياء من جهة البدن، وهو إظهار النحول والاصفرار ليُظَنَّ به السهر والصيام، وإظهار الحزن ليُظَنَّ به أنه شديد الاهتمام بأمر الدين، وإظهار شعث الشعر ليُظَنَّ به أنه لشدة استغراقه بالدين ليس ليتفرغ لنفسه، وإظهار ذبول الشفتين ليُستدَلَّ به على صومه، وخفض الصوت ليُستدَلَّ به على ضعفه من شدة المجاهدة.
الرياء بالهيئة والمظهر الخارجي كإطراق الرأس وإبقاء أثر السجود
الأمر الثاني: الرياء بالهيئة، كحلق الشارب، وإطراق الرأس في المشي، والهدوء في الحركة، وإبقاء أثر السجود على الوجه، وتغميض العينين ليُظَنَّ به أنه في الوجد والمكاشفة، أو غائب أو غائص في الفكر.
الرياء في الثياب بين لبس الخشن للصالحين ولبس النفيس للسلاطين
الأمر الثالث: الرياء في الثياب، كلبس الصوف والثوب الخشن وتقصيره إلى قريب من نصف الساق، وتقصير الكُمَّين، وترك الثوب مخرَّقًا ووسخًا ليُظَنَّ أنه مستغرق الوقت عن الفراغ له، ولبس المرقَّعة، والصلاة على السجادة ليُظَنَّ أنه من الصوفية مع إفلاسه عن حقائق التصوف.
ولبس الضراعة والطيلسان وتوسيع الأكمام ليُظَنَّ أنه عالم، والتقنُّع فوق العمامة بإزار، ولبس الجوارب ليُظَنَّ أنه متقشف لشدة ورعه، ولشدة ورعه من غبار الطريق.
من يطلب المنزلة في قلوب أهل الصلاح بلبس الثوب الخَلِق
ثم منهم من يطلب المنزلة في قلوب أهل الصلاح فيلازم الثوب الخَلِق، ولو كُلِّف لبس ثوب جديد حسن مما يُباح في الشرع ولبسه السلف لكان عنده كالذبح؛ إذ يخاف أن يقول الناس: قد بدا له من الزهد.
ومنهم من يطلب المنزلة من السلاطين والتجار بنفيس ثياب الصوف المرقَّعة، ولو لبس ثيابًا بالية لازدروه، ولو لبس فاخر الثياب لم يعتقدوا زهده. فيطلب المرقَّعات المصبوغة والفوط الرقيقة والأصواف الرفيعة، فتكون ثيابهم في القيمة والنفاسة كثياب الأغنياء، وفي اللون والهيئة كثياب الصالحين.
خوف المرائين من سقوط منزلتهم عند الأغنياء أو الصالحين
ولو كُلِّفوا أن يلبسوا الثياب البالية لكان ذلك عندهم كالذبح، خوفًا من السقوط من أعين الأغنياء. ولو كُلِّفوا لبس الحرير والثياب المزركشة والأقمشة الرفيعة وما يُباح لبسه وقيمته أقل من قيمة ثيابهم، لاشتد عليهم الأمر خوفًا من سقوط منزلتهم من قلوب الصالحين؛ إذ يقولون: بدا له من الزهد.
الرياء بالقول كتحسين الألفاظ في الوعظ مع خلو الباطن من الإخلاص
الرابع: الرياء بالقول، كرياء أهل الوعظ والتذكير في تحسين الألفاظ وتسجيعها، والنطق بالحكمة والأخبار وكلام السلف، مع ترقيق الصوت وإظهار الحزن مع الخلو عن حقيقة الصدق والإخلاص في الباطن، بل ليُظَنَّ به ذلك.
فهو يُظهر الحزن في الملأ ويعصي الله في الخلوة. وكادِّعاء حفظ الحديث ولقاء الشيوخ، والمبادرة إلى الحديث أنه صحيح أو سقيمٌ ليُظَنَّ به غزارة العلم.
وكتحريك الشفتين بالذكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الناس مع خلو القلب عن التفجُّع بالمعصية، وكإظهار الغضب على المنكرات والأسف على المعاصي مع خلو القلب عن التألم به.
الرياء بالعمل كتطويل القيام وتحسين الركوع والسجود أمام الناس
الأمر الخامس: الرياء بالعمل، كتطويل القيام وتحسين الركوع والسجود، وإطراق الرأس وقلة الالتفات، والتصدُّق والصوم والحج، والإخبات في المشي وإرخاء الجفون.
مع أن الله تعالى يعلم من باطنه أنه لو كان خاليًا لما فعل شيئًا من ذلك، بل تساهل في الصلاة وأسرع في المشي. وقد يفعل ذلك في المشي، فإذا شعر باطلاع غيره عليه عاد إلى السكينة كي يُظَنَّ به الخشوع.
الرياء بكثرة التلاميذ والأصحاب وأن جميع ذلك من الكبائر
السادس: الرياء بكثرة التلاميذ والأصحاب وكثرة ذكر الشيوخ ليُظَنَّ أنه لقي شيوخًا كثيرين، وكمن يحب أن يزوره العلماء والسلاطين ليُقال إنه ممن يُتبرَّك به.
فهذه مجامع مما يُراءى به في الدين، وكل ذلك حرام، بل هو من الكبائر.
وأما طلب المنزلة في قلوب الناس بأفعال ليست من العبادات وأعمال الدين فليست بحرام ما لم يكن فيها تلبيس كما ذكرناه في طلب الجاه.
طلب الجاه بأمور الدنيا المباحة وبيان سبب استقصاء أقسام الرياء
فأهل الدنيا قد يطلبون الجاه بكثرة المال والغلمان وحسن الثياب الفاخرة، وحفظ الأشعار وعلم الطب والحساب والنجوم والنحو واللغة وغير ذلك من الأعمال والأحوال.
ولم يُحرَّم ذلك ما لم ينتهِ إلى الإيذاء بالتكبر وإلى أخلاق أخرى مذمومة. وإنما استقصينا أقسام ما به الرياء؛ لأنه أغلب الأخلاق الذميمة على النفوس، فمن لا يعرف الشر ومواقعه لا يمكنه أن يتقيه.
درجات الرياء الأولى: الرياء بغير العبادات كالثياب والإنفاق على الأغنياء
أصل في بيان درجات الرياء: الرياء على درجات، إحداها ألا يكون بالأمور الدينية والعبادات، كالذي يلبس عند الخروج ثيابًا حسنة خلاف ما يلبسه في الخلوة، وكالذي ينفق في الضيافات وعلى الأغنياء أموالًا ليُعتقَد أنه سخي، لا ليُعتقَد أنه ورع صالح.
فذلك ليس من صفاته [المحرَّمة]؛ فإن تملُّك القلوب كتملُّك الأموال. نعم، القليل منه صالح نافع، والكثير منه يُلهي عن ذكر الله تعالى كالكثير من المال. ومهما انصرفت الهمة إلى سعة الجاه فإنه يجرُّ ذلك إلى الغفلة والمعاصي، فيكون محظورًا لذلك لا لنفسه.
تحريم إظهار شمائل الدين رياءً لسببين: التلبيس والاستهزاء بالله تعالى
وأما إظهار الشمائل التي ذكرناها ليعتقد الناس فيه الدين والورع فحرام لسببين:
أحدهما: أنه تلبيس؛ إذا أراد أن يعتقد الناس أنه مخلص مطيع لله تعالى محب، وهو بهذه النية فاسق ممقوت عند الله تعالى. ولو سلَّم الرجل دراهم إلى جماعة يُخيَّل إليهم أنه يجود عليهم بها، وإنما هي ديون لازمة، عصى به لتلبيسه؛ وإن لم يطلب به أن يُعتقَد صلاحه؛ لأن كسب القلوب بالتلبيس حرام.
والثاني: أنه إذا قصد بعبادة الله تعالى خلقَ الله فهو مستهزئ. ومن وقف بين يدي ملكٍ في معرض الخدمة وليس غرضه ذلك، بل غرضه ملاحظة عبد من عبيد الملك أو جارية من جواريه، فانظر ماذا يستحقه من النكال لاستهزائه بالملك.
المرائي يعتقد أن العباد أقدر على نفعه من الله ولذلك سُمي الرياء شركًا أصغر
فكأنه إذا قصد العباد بالعبادة فقد اعتقد أن عباد الله أقدر على نفعه وخيره من الله تعالى؛ إذ عظمة العباد في قلبه دعته إلى أن يتجمَّل عندهم بعبادة الله تعالى. ولهذا سُمِّي الرياء الشرك الأصغر.
تفاوت إثم الرياء بحسب فساد القصد من طلب الجاه إلى الفجور
ثم يزداد الإثم بزيادة فساد القصد والنية؛ إذ من المرائين من لا يطلب إلا مجرد الجاه، ومنهم من يطلب أن يُودَع الودائع ويُولَّى الأوقاف ومال الأيتام ليختزل منها، وذلك أخبث لا محالة.
ومنهم من يُرائي ليقصد أن يتقرب إليه النساء والصبيان ليتمكن من الفجور، أو ليكثر عنده المال ليصرفه إلى الخمر والملاهي. وهذا هو الأعظم؛ إذ جعل عبادة الله تعالى وسيلة له إلى مخالفته، والعياذ بالله تعالى.
تعليق الشيخ على خطورة اتخاذ العبادة وسيلة للمخالفة ووجوب الإخلاص
[الشيخ]: نعم، إنه أمر عظيم وهو اتخاذ العبادة وسيلة إلى المخالفة، وهذا يحدث كثيرًا عندما يُستغَلُّ الدين واسم الدين في أمور الاقتصاد أو في الأمور الاجتماعية أو في الأمور السياسية.
وهذا معنى قوله تعالى:
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ [غافر: 14]
فيجب أن يُخلِص المسلم لله الدين.
فصل.
بيان ما تكون به المراءاة ودرجاتها الثلاث في أصل الإيمان والعبادات والنوافل
[الضيف]: فصل في بيان ما تكون به المراءاة. كما يعظم الرياء ويتغلَّظ إثمه بسبب اختلاف الغرض الباعث عليه، فيعظم أيضًا بما به المراءاة وبقوة قصد الرياء.
أما ما به المراءاة فهو على ثلاث درجات:
-
أغلظها: أن يُرائي بأصل الإيمان كالمنافق يُظهر أنه مسلم ولم يُسلم بقلبه، وكالملحد ومعتقد الإباحة يُظهر أنه مستديم الإيمان وقد انسلخ منه باطنه.
-
الثانية: الرياء بأصل العبادات، كمن يصلي ويُخرج الزكاة أمام الناس، والله يعلم من باطنه أنه لو خلا بنفسه لم يفعل ذلك.
-
الثالثة وهي أدناها: ألا يُرائي بالفرائض بل بالنوافل.
تغليظ الرياء بدرجات القصد وأحوال انضمام قصد العبادة إلى قصد الرياء
وأما تغليظه بدرجات القصد فهو أنه قد يتجرد قصد الرياء حتى يصلي مثلًا على غير طهارة لأجل الناس، ويصوم ولو خلا بنفسه لأفطر.
وقد ينضاف إليه قصد العبادة أيضًا، وله ثلاثة أحوال:
-
إحداها: أن تكون العبادة باعثة مستقلة لو خلا بنفسه لفعل، ولكن زاده رؤية غيره ومشاهدته نشاطًا وخفَّ عليه العمل بسببه. فأرجو ألا يُحبِط ذلك القدر عمله، بل تصح عبادته ويُثاب عليها، ويُعاقَب على قصد الرياء، أو ينقص من ثوابه.
-
الثانية: أن يكون قصد العبادة ضعيفًا بحيث لو انفرد عن الناس ما استقل بالحمل على العبادة، فهذا لا تصح عبادته، والقصد الضعيف لا ينفي عنه شدة المقت.
حكم تساوي قصد العبادة وقصد الرياء وهل يكون أحدهما كفارة للآخر
- الثالثة: أن يتساوى القصدان بحيث يستقل كل واحد بالحمل إذا انفرد، أو لينبعث الفعل بأحدهما، بل بمجموعهما. فهذا قد أصلح شيئًا وأفسد مثله، بل أكثر منه.
فالغالب أنه لا يسلم رأسًا برأس. ويُحتمَل أن يُقال: إذا تساوى القصدان فأحدهما كفارة للآخر.
وقوله تعالى:
«أنا أغنى الأغنياء عن الشرك»
يدل على أنه لا يقبله ولا يُثيبه عليه. أما أنه يُعاقبه عليه ففيه نظر. فالأغلب عندي، والعلم عند الله تعالى، أنه لا يخلو عن إثم وعقاب.
بيان أن الرياء جلي وخفي وأخفى من دبيب النمل
فصل في بيان أن الرياء جلي وخفي:
اعلم أن بعض الرياء جلي وبعضه خفي، وبعضه أخفى من دبيب النمل.
أما الجلي فهو ما يبعث على العمل حتى لو لولاه لم يرغب في العمل.
وأما الخفي فألا يستقل بالحمل عليه، ولكن يُخفِّف العمل ويزيد في نشاطه، كالذي يتهجد كل ليلة وإذا كان عنده ضيف زاد نشاطه.
الرياء الأخفى وعلاماته كالفرح باطلاع الغير وتوقع التوقير من الناس
وأخفى منه ألا يزيد نشاطه، ولكن لو اطلع غيره على تهجده قبل فراغه أو بعده فرح به ووجد في نفسه هزة. وذلك يدل على أن الرياء كان مستكنًّا في باطن القلب استكنان النار تحت الرماد، حتى يترشح منه السرور عند الاطلاع، وقد كان غافلًا عنه قبله.
وأخفى منه ألا يُسَرَّ بالاطلاع، لكن يتوقع أن يُبدأ بالسلام ويُوقَّر، ويتعجب ممن يُسيء إليه ولا يُسامحه في المعاملة ولا يحترمه. وذلك يدل على أنه يمُنُّ على الناس بعمله، فكأنه يتوقع احترامهم وتوقيرهم لعبادته مع إخفائه عنهم.
وأمثال هذه الخفايا لا يخلو منها إلا الصدِّيقون، وجميع ذلك إثم ويُخشى منه إحباط العمل.
متى يجوز الفرح باطلاع الغير على العبادة ومتى يكون رياءً
نعم، لا بأس أن يفرح باطلاع غيره عليه إذا كان فرحه بالله تعالى من حيث أظهر منه الجميل وستر منه القبيح، مع أنه قصد سترهما جميعًا، فيفرح بلطف صنع الله تعالى.
وكذلك يفرح لأنه يُبشِّره بأنه حيث أحسن صنعه به في الدنيا فكذلك يصنع به في الآخرة، أو يفرح ليقتدي به من يراه، أو يُطيع الله بحمله له عليه.
وعلامة هذا أن يفرح أيضًا إذا اطلع على غيره ممن تُرجى قدوته.
احتراز أولي الحزم بإخفاء العبادة وأثر علي رضي الله عنه في القرّاء
ومن أجل خفاء أبواب الرياء وشدة استيلائه على الباطن، احترز أولو الحزم فأخفوا عبادتهم وجاهدوا أنفسهم.
وقد قال سيدنا علي رضي الله عنه:
«إن الله عز وجل يقول للقرّاء يوم القيامة: ألم يكن يُرخَّص عليكم في السعر؟ ألم تكونوا تُبدَؤون بالسلام؟ ألم تكن تُقضى لكم الحوائج؟ لا أجر لكم فقد استوفيتم أجركم»
فاجتهد إن أردت الخلاص أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان، ولا تُفرِّق في حق عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها أو غفلتهم عنها، واقنع بعلم الله تعالى وحده، واطلب الأجر منه؛ فإنه لا يقبل إلا الخالص، كي لا تُحرَم من فائدته في أحوج أوقاتك إليه.
أحكام وارد الرياء: ما يقارن ابتداء العمل وما يطرأ في أثنائه
فصل في بيان أحكام وارد الرياء:
لعلك تقول: ما أقدر على الانفكاك عن الرياء الخفي كما وصفته، وإن قدرت على الرياء الجلي، فهل تنعقد عبادتي مع ذلك؟
اعلم أن وارد الرياء لا يخلو: إما أن يرد مع أول العمل، أو في دوامه، أو بعد الفراغ منه.
أما ما يُقارن الابتداء فيُبطله ويمنع انعقاده إن صار باعثًا مؤثرًا في الحمل على العمل، بل أول العقد يجب أن يكون خالصًا. وإنما يُبطل بالرياء الباعث على أصل العمل.
وأما إذا لم يحمل إلا على المبادرة في أول الوقت مثلًا، فأظن والعلم عند الله تعالى أن أصل الصلاة يصح، وإنما تفوته فضيلة المبادرة، ويعصي بقصد المراءاة به، ولكن يسقط الفرض عنه.
حكم وارد الرياء في أثناء الصلاة وأحوال انقطاع النية أو انغمار الباعث
وأما ما يرد في دوام الصلاة: أنه إذا أبطل باعث الصلاة فتبطل الصلاة. مثال ذلك أن يحضر في أثناء الصلاة نظَّارة ويتذكر نسيان شيء، ولو كان وحده لقطع الصلاة، لكنه أتمها حياءً من الناس، فهذا لا يُسقط الفرض؛ لأن النية قد انقطعت وانقطع باعث العبادة.
وأما إذا لم تنقطع نيته لكن صار مذمورًا مغلوبًا، كما لو حضر قوم فغلب على قلبه الفرح باطلاعهم وانغمر باعث العبادة، فغالب الظن أنه إن انقضى ركن ولم يُعاوده الباعث الأصلي فسدت صلاته؛ بأننا نستصحب نية البداية بشرط ألا يطرأ ما لو قارن ابتداءها لمنع.
وإن لم ينغمر باعث العبادة ولكن حصل مجرد سرور ولم يؤثر في العمل بل في تحسين الصلاة فقط، فغالب الظن والله أعلم أن الصلاة لا تفسد ويتأدى الفرض.
حكم ما يطرأ بعد الصلاة من ذكر وسرور ومراءاة وعلامة الرياء الخفي
وأما ما يطرأ بعد الصلاة من ذكر وسرور ومراءاة فلا ينعطف على ما مضى، ولكن يعصي به ويأثم، ويكون عقابه بقدر قصده وإظهاره.
ومهما ظهرت له داعية ذكر العبادة إما بالتصريح وإما بالتعريض، فذلك يدل على أن الرياء كان خفيًّا في باطنه.
علاج داء الرياء بدفع أسبابه الثلاثة: حب المدح وخوف الذم والطمع
فصل في علاج داء الرياء:
إذا عرفت حقيقة الرياء وكثرة مداخله، فعليك بالتأمل لمعالجته. وعلاجه دفع الأسباب الباعثة عليه، وهي ثلاثة:
-
حب المدح.
-
خوف الذم.
-
الطمع.
أما حب المدح فكمن يهجم على صف القتال ليُقال إنه شجاع، أو يُظهر العبادات ليُقال إنه ورع. فعلاجه ما ذكرناه في علاج حب الجاه، وأن يعلم أنه كمال وهمي لا حقيقة له.
علاج الرياء بتقرير ضرره على النفس والخزي يوم القيامة
وعلاجه في الرياء خاصة أن يُقرِّر على نفسه ما فيه من الضرر؛ فإن العسل وإن كان لذيذًا فإذا علم أن فيه سمًّا سهل تركه.
فليُقرِّر على نفسه أنه يُقال له في يوم فقره [يوم القيامة] بسبب ريائه:
«يا فاجر، يا غاوٍ، استهزأت بالله عز وجل، وراقبت العباد، وتحببت إليهم، واشتريت حمدهم بذم الله تعالى، وطلبت رضاهم بسخطه. أما كان أحد أهون عليك من الله تعالى؟»
فلو لم يكن إلا هذا الخزي والخجلة لكان سببًا في المنع منه. كيف وقد انضم إليه العقوبة وإحباط العبادة، وأنه ربما يترجح به كفة السيئات بعد أن قاربت كفة الحسنات، فيكون سبب هلاكه.
رضا الناس غاية لا تُدرك ومن سعى إليه بسخط الله أسخطهم عليه
وليعلم أن رضا الناس غاية لا تُدرك، ومن سعى إلى رضا الناس بسخط الله تعالى أسخطهم عليه. فكيف يتقرب إلى الله بما لا يطمع في حصوله؟
علاج الباعث الثاني وهو الخوف من ذم الناس وأن الله يكشف سر المرائي
وأما الباعث الثاني وهو الخوف من ذمهم، فليُقرِّر على نفسه أن ذمهم لن يضره إن كان محمودًا عند الله عز وجل. فلماذا يتعرض لذم الله ومقته خوفًا من ذم الخلق؟
ويكفيه أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء لمقتوه، ويأبى الله إلا أن يكشف سرَّه حتى يُعرَف نفاقه، فيمقته الناس أيضًا بعد أن مقته الله تعالى.
ولو أخلصَ وأعرضَ بقلبه عنهم وجعل نظره إلى الله تعالى، لكشفَ لهم إخلاصَه له فأحبوه.
علاج الباعث الثالث وهو الطمع في الخلق وأن الله هو المسخر للقلوب
وأما باعث الطمع فيدفعه بأن يعلم أن ذلك أمر موهوم، وفوات رضا الله تعالى ناجز. ويعلم أن الله تعالى هو المسخِّر للقلوب، وأن من طمع في الخلق لم يخلُ عن الذل والمهانة والمنة.
ومن أعرض عن الطمع في الخلق كفاه الله تعالى وسخَّر له القلوب. فإذا أحضر في قلبه نعيم الآخرة والدرجات الرفيعة، وعلم أن ذلك يفوت بالرياء، أعرض قلبه عن الخلق واجتمع همه، وفاضت عليه أنوار الإخلاص، وأمدَّه الله سبحانه بمعونته وتوفيقه.
علاج وارد الرياء البغتة بإخفاء العبادة وتجديد المعرفة في القلب
فصل في علاج وارد الرياء بغتة:
لعلك تقول: إنني قررت هذا كله على نفسي ونفرت عن الرياء قلبي، ولكن ربما هجم عليَّ وارد الرياء بغتة في بعض العبادات عند اطلاع الخلق، فما العلاج عند هجومه؟
فاعلم أن أصل هذا العلاج أن تُخفي عبادتك كما تُخفي فواحشك، ففيه السلامة.
رُوي أن بعض أصحاب أبي حفص الحداد ذمَّ الدنيا وأهلها، فقال له: أظهرتَ ما كان ينبغي عليك أن تُخفيه، لا تُجالسنا بعد هذا.
واعلم أن إخفاء العبادة إنما يشُقُّ في البداية، فإذا صار ذلك عادةً ألِفَ الطبعُ لذة المناجاة في الخلوة.
كيفية دفع وارد الرياء بتجديد الكراهية والإعراض عن داعيته
ومهما هجم وارد الرياء، فعلاجه أن تُجدِّد على قلبك ما رسخ فيه من قبل من المعرفة بالتعرض لمقت الله عز وجل، مع عجز الناس عن نفعك وضرك، حتى تنبعث منه كراهية لداعية الرياء.
ثم الشهوة تدعو إلى إجابة الرياء بتحسين العمل والفرح به، والكراهية تدعو إلى رده والإعراض عنه، وتكون الغلبة للأقوى.
فإن قويت الكراهية حتى منعتك من الركون إليه، واستصحبت حالتك التي كنت عليها فلم تزد ولم تنقص ولم تتكلف إظهار الفعل وانتشاره، فقد اندفع عنك الإثم ولم تُكلَّف أكثر من ذلك.
وأما دفع الخواطر ودفع الطبع عن الميل إلى قبول الناس فلا يدخل تحت التكليف، وإنما منتهى التكليف الكراهية والإباء عن إجابة الداعي.
حكم إظهار الطاعات للاقتداء وترك الطاعة خوفًا من الرياء
فصل في إظهار الطاعات لأجل الاقتداء أو إخفائها خوفًا من الرياء:
يجوز إظهار الطاعات لأجل اقتداء الناس وترغيبهم إذا صحت النية ولم يكن معه شهوة خفية. وعلامته أن يُقدِّر أن الناس لو اقتدوا بأحد أقرانه وكُفي مؤونة الترغيب، وأُخبِر بأن أجره في الإسرار كأجره في الإظهار، فلا يرغب في الإظهار.
فإن كان ميله إلى أن يكون هو المُقتدى به أكثر، ففيه داعية الرياء؛ لأنه إن كان يطلب سعادة الناس وخلاصهم [فلا بأس].
ولا بأس بفرحه باستتار معاصيه وحزنه بانكشافها، إما فرحًا بستر الله تعالى عليه، وإما فرحًا بموافقة أمر الله تعالى؛ فإنه تعالى يحب كتمان المعاصي وينهى عن المجاهرة بها.
الفرق بين الحياء والرياء وحكم ترك العمل خوفًا من الرياء
وإما لأنه يكره أن يُذَمَّ فيتألم به؛ إذ التألم بذم الناس ليس بحرام، بل يوجبه الطبع. وإنما الحرام الفرح بمدح الناس إياه بالعبادة؛ فإن ذلك كأجر يأخذه على العبادة.
وإما لأنه يخاف أن يُقصَد بسوء إذا عُرفت معصيته، وإما لأنه يستحيي من ظهورها. والحياء غير الرياء، ولكنه قد يمتزج به.
وأما ترك الطاعة خوفًا من الرياء فلا وجه له. قال الفضيل [بن عياض]: من الرياء ترك العمل خوفًا من الرياء. أما العمل لأجل الناس فهو شرك، بل ينبغي أن يعمل المرء ويُخلص.
حكم من يخاف الرياء في الأعمال المتعلقة بالخلق كالقضاء والوعظ
إلا إذا كان العمل فيما يتعلق بالخَلْق كالقضاء والإمامة والوعظ، فإذا علم من نفسه أنه بعد الخوض فيه لا يملك نفسه بل يميل إلى دواعي الهوى، فيجب عليه الإعراض والهرب. كذلك فعل جماعة من السلف رحمهم الله.
وأما الصلاة والصدقة فلا يتركهما إلا إذا لم تحضره أصلًا نية العبادة، بل لو تجردت نية الرياء فلا يصح عمله فليتركه.
أما معتاد فعله فحضر جماعةً فخاف على نفسه من الرياء، فلا ينبغي أن يتركه، بل ينبغي أن يستمر على عادته ويجتهد في دفع باعث الرياء.
ختام الدرس والإجازة بالكتاب والتوديع
[الشيخ]: والحمد لله رب العالمين.
وهذا المنقول عنه: وأما ترك الطاعة خوفًا من الرياء فلا وجه له، قال الفضيل، وهو الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى.
وسنلتقي إن شاء الله في الأسبوع القادم، وسيكون آخر لقاء بالنسبة لي، ثم تُكملون بقية الكتاب. وقد أجزتكم به، والإجازة المطوَّلة ستكون في الحلقة القادمة إن شاء الله يوم الأحد القادم.
ونرجو الله لكم كل التوفيق، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[الضيف]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، جزاكم الله خيرًا يا سيدي، بارك الله فيكم، وكل عام وأنتم بخير.
[الشيخ]: وأنتم بالصحة والسلامة.
[الضيف]: جزاكم الله خيرًا.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الثلاث المهلكات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم؟
الشح المطاع والهوى المتبع وإعجاب المرء بنفسه
ما حقيقة العجب كما عرّفه الغزالي؟
استعظام النفس وخصالها مع نسيان إضافتها إلى الله والأمن من زوالها
ما الفرق بين العجب والإدلال؟
الإدلال هو العجب مضافًا إليه اعتقاد أن للنفس عند الله حقًا ومكانة
ما الذي يجعل العجب بالعلم والعمل جهلًا وفق ما ذكره الغزالي؟
لأن الأعمال لا تتيسر إلا بعضو وقدرة وإرادة وكل ذلك من عند الله
ما حقيقة الرياء كما عرّفه الغزالي؟
طلب المنزلة في قلوب الناس بالعبادات وأعمال الخير
كم صنفًا ذكر الغزالي لما يُراءى به؟
ستة أصناف
ما أغلظ درجات المراءاة من حيث ما يُراءى به؟
الرياء بأصل الإيمان كالنفاق
ما حكم الرياء في الدين وفق ما ذكره الغزالي؟
حرام بل من الكبائر
ما الأسباب الثلاثة الباعثة على الرياء التي ذكرها الغزالي؟
حب المدح وخوف الذم والطمع
ما قول الفضيل بن عياض في ترك العمل خوفًا من الرياء؟
من الرياء ترك العمل خوفًا من الرياء
ما الذي يدل على أن الرياء كان مستكنًا في باطن القلب وفق ما ذكره الغزالي؟
الفرح باطلاع الغير على العبادة
ما حكم الرياء الذي يطرأ بعد الفراغ من الصلاة على صحة الصلاة؟
لا ينعطف على ما مضى ولا يُبطل الصلاة لكن يُوجب الإثم
ما الذي يُميز الفرح المباح باطلاع الغير على العبادة عن الرياء؟
أن يفرح أيضًا إذا اطلع على غيره ممن تُرجى قدوته
لماذا سُمي الرياء الشرك الأصغر؟
لأن المرائي يعتقد أن العباد أقدر على نفعه من الله فيتجمل عندهم بعبادته
ما منتهى التكليف في دفع وارد الرياء وفق ما ذكره الغزالي؟
الكراهية والإباء عن إجابة داعي الرياء
ما الهلاكان اللذان ذكرهما ابن مسعود رضي الله عنه؟
القنوط والعجب؛ لأن القانط لا يطلب السعادة لقنوطه، والمعجب لا يطلبها لظنه أنه قد ظفر بها.
ما الفرق بين العجب والكبر؟
العجب هو استعظام النفس وهو سبب الكبر، لكن الكبر يستدعي متكبَّرًا عليه بينما العجب يُتصور على الانفراد دون الحاجة إلى مقارنة بالآخرين.
ما علامة الإدلال وكيف يختلف عن العجب؟
علامة الإدلال أن يتعجب الإنسان من رد دعائه ومن استقامة حال من يؤذيه. والإدلال هو العجب مضافًا إليه اعتقاد أن للنفس عند الله حقًا ومكانة.
ما مثال الملك والمفتاح وما الدرس المستفاد منه؟
لو أعطاك ملك مفتاح خزانته فأخذت منها أموالًا، فالتعجب ينبغي أن يكون من جود الملك الذي أعطاك المفتاح لا من كمالك في الأخذ. كذلك العبد لا ينبغي أن يُعجب بعمله لأن أسبابه كلها من الله.
ما جب الحزن وما الفئة التي أُعدّ لها؟
جب الحزن وادٍ في جهنم أُعدّ للقراء المرائين الذين يقرؤون القرآن ويُظهرون العبادة طلبًا للمنزلة في قلوب الناس.
ما الصنف الأول من أصناف الرياء وما أمثلته؟
الرياء بالبدن، ويشمل إظهار النحول والاصفرار ليُظن به السهر والصيام، وإظهار الحزن وشعث الشعر وذبول الشفتين وخفض الصوت ليُستدل به على شدة المجاهدة.
ما الصنف الثاني من أصناف الرياء وما أمثلته؟
الرياء بالهيئة، ويشمل حلق الشارب وإطراق الرأس في المشي والهدوء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وتغميض العينين ليُظن أنه في الوجد والمكاشفة.
ما الصنف الرابع من أصناف الرياء وكيف يظهر عند أهل الوعظ؟
الرياء بالقول، ويظهر في تحسين الألفاظ وتسجيعها وترقيق الصوت وإظهار الحزن في الملأ مع العصيان في الخلوة، وادعاء حفظ الحديث ولقاء الشيوخ.
ما الحالة الأولى من أحوال انضمام قصد العبادة إلى قصد الرياء وما حكمها؟
أن تكون العبادة باعثة مستقلة لو خلا بنفسه لفعل لكن رؤية الغير زادته نشاطًا. يُرجى ألا يُحبط ذلك عمله بل تصح عبادته ويُثاب عليها ويُعاقب على قصد الرياء أو ينقص من ثوابه.
ما الحالة الثانية من أحوال انضمام قصد العبادة إلى قصد الرياء وما حكمها؟
أن يكون قصد العبادة ضعيفًا بحيث لو انفرد عن الناس ما استقل بالحمل على العبادة. فهذا لا تصح عبادته والقصد الضعيف لا ينفي عنه شدة المقت.
ما الرياء الجلي وما الرياء الخفي؟
الرياء الجلي هو ما يبعث على العمل بحيث لولاه لم يرغب فيه أصلًا. والرياء الخفي هو ألا يستقل بالحمل على العمل لكن يُخفف العمل ويزيد في نشاطه.
ما الوصية في التعامل مع الناس لتحقيق الإخلاص في العبادة؟
أن يجعل الناس كالبهائم والصبيان في حق عبادته ولا يُفرق بين وجودهم وعدمهم وعلمهم بها أو غفلتهم عنها، ويقنع بعلم الله وحده ويطلب الأجر منه.
ما حكم إظهار الطاعات لأجل اقتداء الناس؟
يجوز إذا صحت النية ولم يكن معه شهوة خفية، وعلامته أنه لو اقتدى الناس بأحد أقرانه وأُخبر بأن أجره في الإسرار كأجره في الإظهار فلا يرغب في الإظهار.
ما الفرق بين الحياء والرياء؟
الحياء غير الرياء وإن كان قد يمتزج به. التألم بذم الناس ليس بحرام بل يوجبه الطبع، وإنما الحرام الفرح بمدح الناس على العبادة كأجر يأخذه عليها.
ما حكم من يخاف الرياء في القضاء والإمامة والوعظ؟
إذا علم من نفسه أنه بعد الخوض فيها لا يملك نفسه بل يميل إلى دواعي الهوى فيجب عليه الإعراض والهرب، وكذلك فعل جماعة من السلف.
ما قول علي رضي الله عنه في القراء يوم القيامة؟
يقول الله للقراء: ألم يكن يُرخَّص عليكم في السعر؟ ألم تكونوا تُبدؤون بالسلام؟ ألم تكن تُقضى لكم الحوائج؟ لا أجر لكم فقد استوفيتم أجركم.
ما الذي يدل على أن رضا الناس غاية لا تُدرك؟
من سعى إلى رضا الناس بسخط الله تعالى أسخطهم عليه، فالسعي لرضا الناس بسخط الله يُفضي إلى الخسارة في الدنيا والآخرة معًا.
ما أعظم درجات الرياء من حيث فساد القصد؟
أعظمها من يُرائي ليتقرب إليه الناس فيتمكن من الفجور أو ليصرف المال إلى الخمر والملاهي، إذ جعل عبادة الله وسيلة إلى مخالفته.
ما الذي يحدث للمرائي إذا أخلص وأعرض بقلبه عن الناس؟
لو أخلص وأعرض بقلبه عن الناس وجعل نظره إلى الله تعالى لكشف الله إخلاصه لهم فأحبوه، فالإخلاص هو الطريق الحقيقي لكسب قلوب الناس.
ما الحكمة من استقصاء الغزالي لأقسام الرياء بالتفصيل؟
لأن الرياء أغلب الأخلاق الذميمة على النفوس، ومن لا يعرف الشر ومواقعه لا يمكنه أن يتقيه، فمعرفة أقسامه شرط لعلاجه.
