لماذا قال الغزالي إن حب الدنيا رأس كل خطيئة وكيف تكون الدنيا مزرعة الآخرة؟
حب الدنيا رأس كل خطيئة لأنه يصرف القلب عن الكمال الحقيقي المتمثل في العلم والمعرفة والقرب من الله، ويُغرق الإنسان في الكمال الوهمي من مال وجاه. غير أن الدنيا ليست مذمومة في ذاتها، بل هي مزرعة الآخرة في حق من عرفها منزلاً للتزود لا للإقامة، فمن اقتصر منها على قدر الضرورة وجعل غايته عمارة الأرض لله حصد في الآخرة ما زرع.
- •
هل يمكن أن تكون أعمالك كجبال تهامة ثم تُؤمر بها إلى النار بسبب تعلقك بالدنيا؟
- •
حب الدنيا رأس كل خطيئة لأنه يصرف القلب عن الكمال الحقيقي المتمثل في العلم والمعرفة والحرية الروحية.
- •
الدنيا مزرعة الآخرة في حق من عرفها منزلاً للتزود، ومن اشتغل بلذاتها ونسي مقصده هلك كمن فاتته السفينة.
- •
الجاه حقيقته ملك القلوب، وهو أخطر من المال لأن قليله يدعو إلى كثيره ولا يسلم الدين غالباً إلا لخامل مجهول.
- •
الكبر رذيلة تحول بين صاحبها وجميع الأخلاق المحمودة، وأسبابه أربعة: العلم والورع والنسب والمال والجمال.
- •
الإمام الغزالي يضيف الغاية عنصراً خامساً لعوامل الإنتاج، وهي عمارة الأرض لله، مما يُفرّق جوهرياً بين الاقتصاد الإسلامي ونظرة المستعمرين.
- 0:00
افتتاح المجلس بالسلام والدعاء للأخ أحمد زكريا بالشفاء العاجل والتحصين، وقراءة الفاتحة.
- 0:47
التعريف بالقارئ محمد صبري الطالب الأزهري الذي تلا نص الأربعين في هذا المجلس.
- 1:40
الأصل الثالث في الرعونة وحب الجاه، مع الآيات والأحاديث الدالة على أن حب المال والجاه يُنبتان النفاق ويُفسدان الدين.
- 2:18
أحاديث نبوية في مدح الخمول وأن أهل الجنة هم المجهولون الذين لا يُؤبه لهم، وأن الشهرة فتنة.
- 3:03
آثار السلف في ذم الشهرة والجاه، وأن المشي خلف الرجال مذلة للتابع وفتنة للمتبوع، مع استثناء من شهّره الله.
- 4:05
بيان حقيقة الجاه بأنه ملك القلوب، وأنه أحب من المال لكونه أيسر توصلاً وأبعد عن الآفات وأسرع انتشاراً.
- 5:15
سر حب الجاه يعود إلى مناسبة الروح للصفات الإلهية من العلو والكبرياء، إذ الروح أمر رباني يشتاق للانفراد.
- 6:25
شهوة الإنسان للعلو والاستيلاء تتجلى في طلب الانفراد بالوجود، فإن تعذّر اشتهى الاستيلاء بالعلم والتملك.
- 7:40
الإنسان يحب انتشار جاهه في كل مكان لأن ذلك يناسب صفات الربوبية، وكلما زاد عقله زاد حبه للجاه وضعفت شهواته البهيمية.
- 8:42
الرفعة الحقيقية محمودة لأنها القرب من الله، والمذموم هو طلب الكمال الوهمي بالمال والجاه بدلاً من الكمال الحقيقي.
- 9:40
الكمال الحقيقي في العلم والحرية والقرب من الله وهو باقٍ، والكمال الوهمي في المال والجاه وهو عارض زائل.
- 10:48
المعرفة الحقيقية هي العلم بالله وأفعاله، والحرية هي انقطاع القلب عن علائق الدنيا والاقتصار على الله وحده.
- 11:46
المنكوسون هم من آثروا الكمال الوهمي على الحقيقي فخسروا الدنيا والآخرة وماتوا بنيران الحسرة.
- 12:52
الموت لا يُفني العلم والإيمان لأنه قطع علاقة الروح بالبدن لا عدم، فيبقى الإنسان بعده على ما كان عليه.
- 13:31
علاج حب الجاه بإدراك أنه كمال وهمي زائل، وأن الجاه عند الله أعظم وأبقى من الجاه الحقير عند الناس.
- 14:37
طلب الجاه مباح بقدر الضرورة للتحرز من الظلم، بشرط ألا يُكتسب بالمراءاة أو التلبيس وإلا كان حراماً.
- 15:38
الجاه أخطر من المال لأن قليله يدعو إلى كثيره، ولا يسلم الدين غالباً إلا لخامل مجهول لا يُعرف.
- 16:01
حب المدح من بواعث طلب الجاه، ويتلذذ به الإنسان من ثلاثة أوجه تتعلق بالشعور بالكمال وملك القلوب وانتشار الجاه.
- 16:57
حب المدح وكراهية الذم يُهلكان أكثر الخلق بحملهم على المراءاة والمعصية، وتزول لذة المدح بأسباب محددة.
- 17:43
علاج حب المدح بالتفكر في حقيقة الممدوح به؛ فالمدح بالكمال الوهمي يستوجب الحزن، وبالعلم والورع يستوجب شكر الله.
- 18:43
علاج لذة الجاه عند المادح يرجع إلى إدراك أن الجاه كمال وهمي، والفرح بالمدح بما لا يتصف به المرء حماقة.
- 19:15
تعليق على الأصل السادس في التخلية بأن هدفه تخلية القلب من كل قبيح تمهيداً لتحليته بالأخلاق الحسنة.
- 19:52
حب الدنيا رأس كل خطيئة، والدنيا كل ما يفارق الإنسان بالموت، ويُستثنى منها العلم والمعرفة والحرية.
- 20:44
الحظوظ الدنيوية تشمل الأعيان والحظ منها والشغل بإصلاحها، ومطلوب الإنسان من الأرض خمسة أقسام.
- 21:52
القرآن جمع شهوات الدنيا وعبّر عن الحظ منها بالهوى، وتندرج فيها المهلكات الباطنة كالكبر والرياء والحسد.
- 22:51
حقيقة الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة تشمل الأعيان والحظوظ والأشغال، وخُلقت للتزود للآخرة لا للاستغراق فيها.
- 23:46
مثل المنشغل بالدنيا كالحاج الذي اشتغل بتسمين ناقته فتخلف عن الرفقة وفاته الحج وأهلكته السباع.
- 24:05
الغزالي تناول عوامل الإنتاج قبل علماء الغرب، وأشار إلى الأرض بوصفها عنصراً منفرداً في الإنتاج.
- 25:04
عناصر الإنتاج الأربعة هي الأرض والعمل والمال والتنظيم، وكل منها يُولّد عائداً مختلفاً في الاقتصاد.
- 25:51
الغزالي يضيف الغاية عنصراً خامساً لعوامل الإنتاج، وهي عمارة الأرض لله، مؤكداً أن الدنيا مزرعة الآخرة.
- 26:34
الغاية في الإنتاج تُفرّق بين المسلمين الذين يُعمّرون الأرض لله وبين المستعمرين الذين يستنزفون الثروات بلا مبادئ.
- 27:32
دعوة إلى بحث قضية السوق والإنتاج عند المسلمين انطلاقاً من تكامل الدنيا مع الآخرة وعمارة الأرض لله.
- 28:21
الدنيا مزرعة الآخرة لمن عرفها منزلاً للتزود لا للإقامة، فمن اقتصر على الضرورة حصد في الآخرة ما زرع.
- 29:18
مثل الناس مع الدنيا كركاب سفينة نزلوا جزيرة؛ من بادر بالرجوع وجد مكاناً واسعاً ومن تلهّى وجد ضيقاً وثقلاً.
- 30:36
من نسي مركبه وانشغل بالدنيا افترسته السباع، وهذه صورة أهل الدنيا الذين نسوا مقصدهم الأخروي.
- 31:22
الغزالي يتميز بصياغة إلهامية في تمثيل أحوال الدنيا والآخرة تُجسّد المعاني الروحية في أمثلة حسية مُقنعة.
- 31:35
السعادة في الآخرة مشروطة بمعرفة الله ومحبته، ولا يتفرغ لهما إلا من أعرض عن أشغال الدنيا.
- 32:29
فراغ القلب من غير الله شرط لاشتغاله بحب الله، ولا يتحقق إلا بالإعراض عن الدنيا والقناعة بقدر الضرورة.
- 33:14
آيات قرآنية متعددة تذم إيثار الدنيا على الآخرة، ولعل ثلث القرآن في ذم الدنيا وأهلها.
- 33:47
أحاديث نبوية متعددة تذم الدنيا وتحذر من الاغترار بها، وتصفها بأنها ملعونة وأبغض خلق الله إليه.
- 34:36
من أصبح والدنيا أكبر همه عوقب بأربع خصال دائمة: الهم والشغل والفقر والأمل الذي لا ينتهي.
- 35:03
النبي ﷺ أرى أبا هريرة حقيقة الدنيا في مزبلة تضم بقايا الرؤوس والثياب والدواب، وقال من كان باكياً فليبكِ.
- 36:27
أعمال كجبال تهامة لا تنفع مع التعلق بالدنيا، وحب الدنيا والآخرة لا يجتمعان في قلب مؤمن.
- 37:16
عيسى عليه السلام أوصى الحواريين بالرضا بدُنيّ الدنيا مع سلامة الدين، وأن البساطة كثير مع عافية الدنيا والآخرة.
- 37:54
عيسى عليه السلام رأى الدنيا في صورة عجوز شوهاء قتلت جميع أزواجها، وتعجّب ممن لا يعتبر بمن سبقه.
- 38:36
الغفلة سبب دخول الدنيا إلى القلب، ومن يلابسها ببدنه لا يخلو عنها بقلبه كمن يمشي في الماء.
- 39:40
طالب الدنيا كشارب ماء البحر لا يرتوي، والدنيا كدار ضيافة من تعلّق بها استُرجع منه ما فيها فضجر.
- 40:42
سنة الله في الدنيا أنها دار ضيافة للمجتازين لا للمقيمين، فمن تزوّد منها بطيبة نفس أفلح.
- 41:18
رؤية الغزالي في حب الدنيا والعمارة الدنيوية تُفضي إلى التوكل والرضا، ويجب أن تُبنى عليها المناهج التعليمية.
- 42:18
الطريق الوحيد للسعادة البشرية ألا يتوهم الإنسان امتلاك الدنيا ولا يتحسر على فواتها، وهذا يحتاج إلى مناهج تربوية.
- 43:02
آيات وأحاديث متعددة تذم الكبر وتُبيّن عقوبة المتكبرين من الطبع على القلب والحشر في صور الذرّ.
- 43:57
التواضع يرفع العبد عند الله، والتكبر في المشية يوجب غضب الله، وجرّ الثوب خيلاء يحجب نظر الله.
- 44:50
الله يقبل صلاة المتواضع لعظمته الخائف منه الذاكر له، ويرفع المتواضع إلى السماء السابعة.
- 45:50
حقيقة الكبر رؤية النفس فوق الغير في الكمال، وتصدر عنه أفعال ظاهرة كالترفع والتحقير والغضب.
- 46:47
الكبر يحجب الجنة لأنه منازعة لله في الكبرياء، ويحمل صاحبه على الأنفة من الوعظ وجحد الحق واحتقار الناس.
- 47:33
الكبر يحمل على جحد الحق وازدراء الخلق، والله خبأ رضاه في الطاعة وسخطه في المعصية وولايته في العباد.
- 48:28
الكبر يحول بين صاحبه وجميع الأخلاق المحمودة، فيضطر المتكبر إلى كل خُلق مذموم وترك كل خُلق محمود.
- 49:11
علاج الكبر إجمالاً بمعرفة الإنسان حقيقة نفسه من نطفة مذرة إلى جيفة قذرة، وأنه خُلق من العدم.
- 49:59
مراحل خلق الإنسان من التراب إلى النطفة وضعفه أمام الأمراض والموت تنافي الكبر وتدعو إلى التواضع.
- 50:58
الحسن البصري استنكر التبختر ممن في بطنه خرء، والكبر لا يليق بمن هو حامل للعذرة على الدوام.
- 51:25
السبب الأول للكبر هو العلم، وآفته الخيلاء، وعلاجه معرفة أن العلم الحقيقي يُعرّف الإنسان ربه وخطر خاتمته.
- 52:20
العالم المتكبر جاهل حقيقةً لأن العلم الحقيقي يُعرّفه خطر خاتمته، وحجة الله على العالم العاصي آكد.
- 53:07
قراء القرآن المتكبرون وقود النار، واشتد حذر السلف من الكبر حتى إن حذيفة ترك الإمامة خشية الكبر.
- 53:49
خطر الخاتمة يُبطل مسوّغات الكبر، فقد يُختم للجاهل بالسعادة وللعالم بالسوء، والعالم الآمر غير العامل في النار.
- 54:47
بلعم بن باعوراء مثل العالم المتكبر المُخلد للشهوات، والكبر يبقى مع العلم لمن كان خبيث الباطن.
- 55:49
الكبر يتجلى عند المتعبد بحمل مصائب من آذاه على كرامته، وهو جهل لأن الأنبياء أوذوا ولم يُنتقم لهم فوراً.
- 56:44
العابد يجب أن يتواضع للعالم ويحسن الظن بالفاسق، ويخشى من خبث باطنه الذي قد يُحبط أعماله الظاهرة.
- 57:17
الكبر أحبط عمل العابد الذي رفض الجلوس مع الخليع، وغفر الله للخليع التائب، درساً في خطر الكبر الباطن.
- 57:52
التألي على الله بالحكم على الناس بعدم المغفرة خطر عظيم، والأكياس يتهمون أنفسهم ويخافون أن يكونوا سبب البلاء.
- 58:29
الفرق عظيم بين من يخلص العمل ويخاف وبين من يتكلف الأعمال الظاهرة ويمنّ على الله بها.
- 58:54
الكبر بالنسب جهل لأن الأصل نطفة وتراب، والمفتخر بنسبه يفتخر بخصال غيره لا بخصاله هو.
- 59:41
أهل الدين كانوا أهل تواضع وخوف من العاقبة، فالتكبر بنسبهم ممن هو عاطل عن خصالهم تناقض صريح.
- 60:09
الكبر بالمال والجمال والأتباع جهل لأنها أمور عارضة زائلة، والإنسان في حقيقته منبع الأقذار والنجاسات.
- 61:12
ختام المجلس الثامن عند نهاية الكلام عن الكبر، مع الإشارة إلى أن الأصل التاسع في العجب سيأتي لاحقاً.
- 61:28
يجوز ترديد الأذان من أي موضع أدركه السامع، والمالكية يجيزون إكماله سريعاً من البداية ثم العودة للعلم.
- 62:48
ضابط الخمول أن لا يذكرك أحد عند غيابك، وهو أمر صعب يُفضَّل تركه للشيخ المربي لإدراكه الزمان والمكان.
- 63:43
ختام المجلس بالدعاء بالشفاء والمغفرة وستر العيوب والتلاقي على الخير، ثم السلام.
بماذا افتُتح المجلس الثامن من الأربعين في أصول الدين؟
افتُتح المجلس بالسلام والترحيب، ثم بالدعاء للأخ أحمد زكريا بالشفاء العاجل والتحصين من الفيروس، وختم الافتتاح بقراءة الفاتحة على ذلك.
من هو قارئ المجلس الثامن من الأربعين في أصول الدين؟
قارئ المجلس هو محمد صبري، وهو طالب أزهري.
ما حكم حب المال والجاه وأثره على دين المسلم؟
حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، وهما كذئبين ضاريين أُرسلا في زريبة غنم بأكثر فساداً في دين الرجل المسلم. وقد استشهد الغزالي بآية القصص التي تجعل الدار الآخرة للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.
ما فضل الخمول وذم الشهرة في الأحاديث النبوية؟
مدح النبي ﷺ أهل الخمول الذين لا يُؤبه لهم، وأخبر أن نورهم يوم القيامة لو قُسِم على الناس لوسعهم. وأن أهل الجنة هم هؤلاء الأشعث الأغبر الذين لا يُؤذن لهم على الأمراء ولا يُنكحون إذا خطبوا. وهذا يدل على أن الجاه والشهرة قد يكونان فتنة للعبد.
ما موقف السلف من الشهرة والمشي خلف الرجال؟
ضرب عمر رضي الله عنه أُبيّ بن كعب بالدِّرَّة لما رآه يمشي خلفه الناس، وقال إن ذلك مذلة للتابع وفتنة للمتبوع. وقال الحسن البصري إن خفق النعال خلف الرجال قلّما تثبت معه قلوب الحمقى. وأوضح الغزالي أن الشهرة مذمومة إلا أن يُشهر الله عبداً في الدين من غير طلب منه كالأنبياء والأولياء.
ما حقيقة الجاه وكيف يختلف عن المال؟
حقيقة الجاه هي ملك القلوب لتتسخر لذي الجاه على حسب مراده وتُطلق اللسان بالثناء عليه. والجاه أحب من المال لأن التوصل به إلى المال أيسر من العكس، ولأنه محفوظ عن السرقة والغصب، ولأنه يسري وينمو من غير تكلف.
لماذا يحب الإنسان الجاه بالفطرة وما علاقة ذلك بالروح؟
الجاه معناه العلو والكبرياء والعز وهي من الصفات الإلهية، والصفات الإلهية محبوبة للإنسان بالطبع لسر خفي في مناسبة الروح للأمور الإلهية. وقد أشار الله إلى ذلك بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، فالروح أمر رباني يشتاق بطبعه إلى الانفراد والاستبداد وهي حقيقة إلهية.
كيف تتجلى شهوة الإنسان للعلو والاستيلاء على الموجودات؟
الإنسان يشتهي الانفراد بالوجود كما أظهره فرعون بقوله ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، فإن تعذّر عليه ذلك اشتهى الاستعلاء والاستيلاء على الموجودات. ولما تعذّر عليه الاستيلاء على السماوات والبحار والجبال اشتهى الاستيلاء عليها بالعلم، لأن العلم نوع استيلاء أيضاً.
لماذا يحب الإنسان أن ينتشر جاهه حتى في البلاد التي لن يطأها؟
الإنسان يحب أن يتسخر له الإنسان بواسطة قلبه بإلقاء التعظيم فيه، ويحصل التعظيم باعتقاد كمال الخصال. ولذلك يحب أن يتسع جاهه وينتشر صيته حتى في البلاد التي لن يراها، لأن كل ذلك يناسب صفات الربوبية. وكلما صار الإنسان أكثر عقلاً كانت هذه الصفة عليه أغلب وشهواته البهيمية أضعف.
لماذا يُذم طلب الرفعة إذا كان من نتائج العقل ومناسبة الروح للأمور الربانية؟
الرفعة الحقيقية طلبها محمود لأن مطلوب الكل هو القرب من الله وهو الرفعة والكمال الحقيقي، إذ هو عز لا ذل فيه وبقاء لا فناء بعده. وإنما المذموم طلب الكمال الوهمي دون الحقيقي، أي طلب الرفعة عند الناس بالمال والجاه بدلاً من الرفعة عند الله بالعلم والمعرفة.
ما الفرق بين الكمال الحقيقي والكمال الوهمي عند الغزالي؟
الكمال الحقيقي يرجع إلى العلم والقدرة والحرية وهو ما لا يُقيَّد بغيره. أما الكمال الوهمي فهو المال والجاه لأنهما أمر عارض لا بقاء له، وما لا بقاء له لا خير فيه. والكمال الحقيقي في الباقيات الصالحات التي يُنال بها القرب من الله ولا تزول بالموت بل تتضاعف.
ما المعرفة الحقيقية بالله وما الحرية التي تُعدّ من الكمال الحقيقي؟
المعرفة الحقيقية هي العلم بذات الله وصفاته وأفعاله، وهو العلم بكل الموجودات من حيث إنها أفعال الله لا من حيث أغراض أخرى كالطب أو النجوم. أما الحرية فهي انقطاع العلاقة عن جميع علائق الدنيا وعن كل ما يفارقك بالموت، والاقتصار على اللازم الذي لا بد منه وهو الله تعالى.
من هم المنكوسون الذين يحترقون عند الموت بنيران الحسرة؟
المنكوسون هم الذين عكسوا الحقيقة فأعرضوا عن طلب الكمال الحقيقي واشتغلوا بطلب الكمال الوهمي من مال وجاه. يحترقون عند الموت بنيران الحسرة لأنهم خسروا الدنيا والآخرة معاً؛ الآخرة لأنهم لم يطلبوها، والدنيا لأنها ودّعتهم وانقلبت إلى ورثتهم.
هل يفارق العلم والإيمان الإنسانَ بعد الموت؟
العلم والإيمان لا يفارقان الإنسان بالموت لأن الموت لا يهدم محل العلم أصلاً. معنى الموت هو قطع علاقة الروح من البدن لا العدم، وإذا تجرّد الإنسان عن البدن فهو على ما كان عليه قبل الموت من علم أو جهل. وفهم هذا يطول وتحته أسرار لا يحتملها الكتاب.
كيف يُعالَج حب الجاه وما الحجة على حقارته؟
علاج حب الجاه يبدأ بمعرفة أنه كمال وهمي زائل؛ فلو سجد لك أهل الأرض لما بقي إلى مدة قريبة لا الساجد ولا المسجود له. والحجة على حقارته أن تترك ملك الأبد والجاه الطويل عند الله وملائكته بجاه حقير منغّص عند جماعة من الحمقى لا يملكون لك موتاً ولا حياة ولا رزقاً.
متى يكون طلب الجاه مباحاً وما شروطه؟
طلب الجاه مباح بشرط القناعة بقدر الضرورة لحراسة النفس من الظلم والعدوان، كما في المال. ويشترط ألا يُكتسب بالمراءاة بالعبادة فذلك حرام، وألا يُكتسب بالتلبيس بإظهار ما ليس فيه، إذ لا فرق بين ملك القلوب بالتلبيس وملك الأموال بالغصب.
لماذا يُعدّ الجاه أخطر من المال على الدين؟
الجاه أخطر من المال على الدين لأن قليله يدعو إلى كثيره إذ هو ألذّ من المال. ولذلك لا يسلم الدين غالباً إلا لخامل مجهول لا يُعرف، كما دلّت على ذلك الأحاديث السابقة في مدح الخمول وذم الشهرة.
ما أوجه التلذذ بالمدح وكيف يرتبط بحب الجاه؟
الإنسان يتلذذ بالمدح من ثلاثة أوجه: أولها أنه يُشعره بكمال نفسه، وثانيها أنه يُشعره بملك قلب المادح وقيام الجاه عنده، وثالثها أنه يُشعره بانتشار جاهه عند الناس. وتتضاعف لذة المدح إذا صدر من بصير بصفات الكمال واسع الجاه على ملأ من الناس.
كيف يُهلك حب المدح وكراهية الذم أكثر الخلق؟
تزول لذة المدح بصدوره عن غير أهل البصيرة أو عن خسيس أو في الخلوة. أما الذم فمكروه لنقيض هذه الأسباب. وأكثر الخلق أهلكهم حب المدح وكراهية الذم لأنهما يحملانهم على المراءاة وفنون المعصية.
ما علاج حب المدح وكيف ينبغي للمرء أن يتعامل مع الثناء عليه؟
علاج حب المدح أن يتفكر في حقيقة ما مُدح به؛ فإن مُدح بالمال والجاه فليعلم أنه كمال وهمي جدير بالحزن لا الفرح. وإن مُدح بالعلم والورع فليكن فرحه بوجود تلك الصفات وعلم الله بها لا بذكر الناس، ويشكر الله لا غيره. أما إن كان غير متصف بما مُدح به ففرحه به حماقة.
كيف يُعالج الإنسان لذة الجاه عند المادح وغيره؟
علاج اللذة الثانية والثالثة من المدح وهي لذة الجاه عند المادح وغيره هو ما ذُكر في علاج حب الجاه من أنه كمال وهمي زائل. ومن يفرح بالمدح بالورع والزهد وهو يعلم من باطن نفسه أنه خالٍ عنه فهو في غاية الحماقة.
ما الهدف من الأصل السادس في التخلية عند الغزالي؟
الأصل السادس من التخلية يهدف إلى تخلية القلب من كل قبيح، وبعد ذلك يأتي تحليته بكل صحيح. والكلام في هذا الأصل لا يحتاج إلى شرح مستفيض لوضوحه وعمقه.
ما تعريف الدنيا عند الغزالي ولماذا حبها رأس كل خطيئة؟
حب الدنيا رأس كل خطيئة لأن الدنيا ليست المال والجاه فقط بل هي كل ما للإنسان فيه حظ قبل الموت. دنياك هي حالتك قبل الموت وآخرتك حالتك بعده. ويُستثنى من الدنيا العلم والمعرفة والحرية وما يبقى بعد الموت فهي ليست من الدنيا وإن كانت في الدنيا.
ما أقسام الحظوظ الدنيوية وما مطلوب الإنسان من الأرض؟
الحظوظ الدنيوية ترجع إلى أعيان موجودة وإلى حظ الإنسان منها وإلى شغله في إصلاحها. والأعيان هي الأرض وما عليها، ومطلوب الإنسان منها إما عينها للمسكن والمحرث، وإما نباتها للتداوي والاقتيات، وإما معادنها للنقود والآلات، وإما حيواناتها للمركب والمأكل، وإما الآدميون للمنكح والاستسخار.
كيف جمع القرآن شهوات الدنيا وما المهلكات الباطنة المندرجة فيها؟
جمع الله شهوات الدنيا في قوله ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾، وعبّر عن حظ الإنسان منها بالهوى. وتندرج في الدنيا الباطنة جميع المهلكات الباطنة من الكبر والغل والحسد والسمعة والرياء والنفاق والتفاخر والتكاثر وحب الدنيا وحب الثناء.
ما حقيقة الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة وما الغاية من خلقها؟
حقيقة الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة تشمل الأعيان وحظوظها وشغل الحرف والصناعات التي أنسى الناسَ أنفسَهم ومبدأهم ومعادهم. وإنما خُلقت الدنيا للتزود منها إلى الآخرة، لكن كثرة أشغالها وفنون شهواتها أنست الحمقى سفرهم ومقصدهم فقصروا عليها همتهم.
ما مثل من ينشغل بالدنيا عن الآخرة عند الغزالي؟
مثل المنشغل بالدنيا عن الآخرة كالحاج في البادية يشتغل بتعهد الناقة وعلفها وتسمينها فيتخلف عن الرفقة حتى يفوته الحج وتهلكه سباع البادية.
ما علاقة كلام الغزالي عن الدنيا بعوامل الإنتاج في الاقتصاد؟
الغزالي تكلم عن مصادر وعوامل الإنتاج قبل علماء الغرب، إذ تناول الأرض بوصفها مصدراً للخيرات من سكن وملبس ودواء ومأكل. ولا يزال أئمة الاقتصاد في العالم يعتبرون الأرض عنصراً منفرداً في عناصر الإنتاج.
ما عناصر الإنتاج الأربعة في الاقتصاد وما دور كل منها؟
عناصر الإنتاج الأربعة هي: الأرض وهي المصدر الأول، والعمل الذي يأخذ صاحبه أجراً، والمال الذي يأخذ صاحبه ربحاً أو فائدة من خلال تقليبه في الأسواق، والتنظيم الذي أضافه بعض المحدثين منذ مائة سنة وهو الذي يجمع عوامل الإنتاج في بوتقة واحدة لينتج المنتَج.
ما العنصر الخامس الذي أضافه الغزالي لعوامل الإنتاج وما أهميته؟
الغزالي يضيف الغاية عنصراً خامساً لعوامل الإنتاج، وهي أن الغاية من المنتجات هي عمارة الأرض وعبادة الله وتزكية النفس وتهيئة البيئة المناسبة للحياة من أجل يوم آخر. وهذا مبني على أن الدنيا مزرعة الآخرة وأنه لا تخالف بين الدنيا والآخرة لمن جعل لإنتاجه غاية.
كيف يُفرّق جعل الغاية عنصراً في الإنتاج بين تطبيقات المسلمين ونظرة المستعمرين؟
جعل الغاية عنصراً في الإنتاج يعني أن المسلمين يُعمّرون الأرض ويحبون دنياهم لأنها مزرعة الآخرة. أما المستعمرون فكانوا يستنزفون ثروات الأمم ويحملونها إلى بلادهم دون النظر إلى أصحاب الأرض أو العمل أو المال، لأن مبدأهم أن المصالح مقدمة على المبادئ وأنه لا حياة إلا الدنيا.
ما الذي يدعو إليه الغزالي في قضية السوق والإنتاج عند المسلمين؟
الغزالي يدعو إلى بحث عميق في قضية السوق والإنتاج والطلب والعرض عند المسلمين، وفي التاريخ المشرف الذي عمّروا به الأرض. وهذا مبني على تكامل الدنيا مع الآخرة لا تصارعهما، استناداً إلى قوله تعالى ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾.
كيف تكون الدنيا المذمومة مزرعة الآخرة في آنٍ واحد؟
الدنيا المذمومة هي بعينها مزرعة الآخرة في حق من عرفها منزلاً من منازل السائرين إلى الله، كرباط بُني على قارعة الطريق أُعدّ فيه العلف والزاد وأسباب السفر. فمن تزوّد منها لآخرته واقتصر على قدر الضرورة فقد حرث وبذر وسيحصد في الآخرة ما زرع، ومن عرّج عليها واشتغل بلذاتها هلك.
ما مثل الغزالي في وصف أحوال الناس مع الدنيا والآخرة؟
مثل الخلق في الدنيا كقوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة. فبادر بعضهم ورجع فوجد مكاناً واسعاً، ووقف بعضهم ينظر في أزهار الجزيرة فرجع فلم يجد إلا مكاناً ضيقاً، وأكبّ بعضهم على الأحجار فزادته ثقلاً وضيقاً.
ما مصير من انشغل بالدنيا ونسي مركبه في مثل الغزالي؟
من تولّج الغياض ونسي المركب وانشغل بالتفرج في الأزهار والثمار لم يصادف السفينة عند عودته، فبقي على الساحل وافترسته السباع ومزّقته الهوام. وهذه صورة أهل الدنيا الذين نسوا مقصدهم وانشغلوا بلذاتها.
ما الذي يُميّز أسلوب الغزالي في تمثيل أحوال الدنيا والآخرة؟
يتميز الغزالي بصياغة إلهامية في تمثيل الحال، إذ يُجسّد المعاني الروحية العميقة في أمثلة حسية مُقنعة تُقرّب الحقائق إلى القلوب وتجعلها راسخة في الأذهان.
ما شروط السعادة في الآخرة وكيف تكون الدنيا والآخرة ضرتين؟
السعادة في الآخرة لا تُنال إلا لمن قَدِم على الله عارفاً به محباً له. والمحبة لا تُنال إلا بدوام الذكر، والمعرفة لا تُنال إلا بدوام الطلب والفكر، ولا يتفرغ لهما إلا من أعرض عن أشغال الدنيا. وهذا هو وجه عداوة الدنيا للآخرة الذي يُشاهده أهل البصيرة.
لماذا يشترط فراغ القلب من غير الله لاشتغاله بحب الله ومعرفته؟
لا تستولي المعرفة والحب على القلب ما لم يفرغ من حب غير الله، ففراغ القلب من غير الله ضرورة اشتغاله بحب الله ومعرفته. ولن يُتصوّر ذلك إلا لمُعرِض عن الدنيا قانع منها بقدر الزاد والضرورة. فمن بلغ هذا صار من أهل الذوق والمشاهدة، وإلا فليكن من أهل التقليد في الإيمان.
ما الآيات القرآنية الواردة في ذم إيثار الحياة الدنيا على الآخرة؟
من الآيات الواردة في ذم إيثار الدنيا قوله تعالى ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾، وقوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾، وقوله ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. ولعل ثلث القرآن ذمّ الدنيا وذمّ أهلها.
ما الأحاديث النبوية الواردة في ذم الدنيا والتحذير من الاغترار بها؟
من الأحاديث في ذم الدنيا: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله»، و«الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون»، و«إن الله لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا وإنه لم ينظر إليها منذ خلقها»، وحديث العجب للمصدّق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور.
ما عقوبة من أصبح والدنيا أكبر همه؟
من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شيء، وألزمه الله قلبه أربع خصال: هماً لا ينقطع عنه أبداً، وشغلاً لا يتفرغ عنه أبداً، وفقراً لا يبلغ غناه أبداً، وأملاً لا يبلغ منتهاه أبداً.
كيف أرى النبي ﷺ أبا هريرة حقيقة الدنيا؟
أخذ النبي ﷺ بيد أبي هريرة إلى مزبلة فيها رؤوس أناس وعذرات وخِرَق وعظام، وأخبره أن تلك الرؤوس كانت تحرص وتأمل ثم صارت عظاماً بلا جلد، وأن العذرات كانت ألوان أطعمتهم، والخِرَق كانت رياشهم ولباسهم، والعظام عظام دوابهم. ثم قال: «فمن كان باكياً على الدنيا فليبكِ».
هل تنفع الأعمال الكثيرة من صلاة وصيام إذا كان صاحبها متعلقاً بالدنيا؟
لا تنفع الأعمال الكثيرة إذا كان صاحبها يثب على الدنيا عند عرضها؛ فقد أخبر النبي ﷺ أن أقواماً يأتون يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيُؤمر بهم إلى النار لأنهم كانوا إذا عُرض لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه. وقال عيسى عليه السلام: لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد.
ما وصية عيسى عليه السلام للحواريين في التعامل مع الدنيا؟
أوصى عيسى عليه السلام الحواريين بالرضا بدُنيّ الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدُنيّ الدين مع سلامة الدنيا. وقال لهم إن أكل خبز الشعير بالملح الجريش ولبس المسوح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة.
كيف كُوشف عيسى عليه السلام بحقيقة الدنيا؟
رُوي أن عيسى عليه السلام كُوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز شوهاء عليها من كل زينة. فسألها كم نكحت فقالت لا تحصيهم، فسألها أيطلقونها أم ماتوا عنها فقالت بل قتلتهم جميعاً. فقال عيسى: بؤساً لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين.
لماذا لا يستطيع من يلابس الدنيا ببدنه أن يخلو عنها بقلبه؟
من ظن أنه يلابس الدنيا ببدنه ويخلو عنها بقلبه فهو مغرور، كمن يمشي في الماء ويظن ألا تبتلّ قدماه. ومثل الدنيا كالحية يلين مسّها ويقتل سمّها، وصاحبها كلما اطمأن إليها أشخصه عنه مكروه، فينبغي أن يكون أسرّ ما يكون بها أحذر ما يكون منها.
ما مثل طالب الدنيا وكيف تُشبَّه الدنيا بدار الضيافة؟
مثل طالب الدنيا كشارب ماء البحر كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً حتى يقتله. والدنيا كدار هيّأها صاحبها لضيافة الواردين والصادرين، فمن جهل رسمها وتعلّق بها قلبه استُرجع منه ما فيها فضجر وتوجّع، ومن عرف رسمها انتفع بها وردّها بطيبة قلب.
ما سنة الله في الدنيا وكيف ينبغي للمؤمن أن يتعامل معها؟
سنة الله في الدنيا أنها دار ضيافة على المجتازين لا على المقيمين، ليتزودوا منها ما ينتفعون به كما ينتفعون بالعارية ثم يتركونها لمن يلحق بعدهم بطيبة نفس من غير تعلق القلب بها. وهذا هو معنى كون الدنيا مزرعة الآخرة.
لماذا يجب أن تُبنى المناهج التعليمية على رؤية الغزالي في العلاقة بين الدنيا والآخرة؟
كلام الغزالي في العلاقة بين الدنيا والآخرة ومعنى حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة ومعنى العمارة الدنيوية التي هي مزرعة للآخرة يُفضي إلى التوكل والصبر والتسليم والرضا وإعطاء كل ذي حق حقه. وهذه القيم يفتقدها كثير من الناس اليوم، لذا يجب أن تُبنى المناهج التعليمية من تعليم الطفولة على هذه الرؤية.
ما الطريق الوحيد للسعادة البشرية وفق هذه الرؤية؟
الطريق الوحيد للسعادة البشرية هو ألا يظن الإنسان أنه يملك الدنيا وألا يتحسر على فواتها أو يحزن الحزن المهلك عند فقد الحبيب. وكلام الغزالي ينبغي أن يتحول إلى مناهج تربوية وأمثلة متكاثرة يتكلم بها المدرس والواعظ.
ما الآيات والأحاديث الواردة في ذم الكبر وعقوبة المتكبرين؟
من الآيات في ذم الكبر: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ و﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. ومن الأحاديث: «العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته»، و«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، و«يُحشر الجبارون والمتكبرون في صور الذرّ يطؤهم الناس لهوانهم على الله».
ما فضل التواضع وما عقوبة التكبر في المشية؟
من تعظّم في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان، ولا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاء. أما التواضع فقد قال النبي ﷺ: «ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»، وأن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة.
ما الصلاة التي يقبلها الله وما شروطها وفق الوحي لموسى عليه السلام؟
أوحى الله إلى موسى عليه السلام أنه يقبل صلاة من تواضع لعظمته ولم يتعظم على خلقه، وألزم قلبه خوفه، وقطع النهار بذكره، وكفّ نفسه عن الشهوات من أجله. وقال النبي ﷺ: «إذا تواضع العبد لله رفعه الله إلى السماء السابعة».
ما حقيقة الكبر وما الأفعال الظاهرة التي تصدر عنه؟
حقيقة الكبر أن يرى الإنسان نفسه فوق غيره في صفات الكمال فيحصل فيه نفخة وهزّة من هذه الرذيلة. وتصدر عن هذه النفخة أفعال ظاهرة كالترفع في المجالس والتقدم في الطريق والنظر بعين التحقير والغضب إذا لم يُبدأ بالسلام أو قُصِّر في تعظيمه.
لماذا لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر؟
الكبر عظيم لأن تحته ثلاثة أنواع من الخبائث: أولها أنه منازعة لله في خصوص صفته إذ الكبرياء رداؤه، والعظمة لا تليق بعبد ذليل لا يملك من أمر نفسه شيئاً. ويحمل الكبر صاحبه على الأنفة من الوعظ والتعليم وجحد الحق والنظر إلى العامة كأنهم حمير.
ما الخبيثة الثانية للكبر وما الحكمة في أن الله خبأ ثلاثاً في ثلاث؟
الخبيثة الثانية للكبر أنه يحمل صاحبه على جحد الحق وازدرائه وازدراء الخلق، والأنفة من الحق تُغلق باب السعادة. وقيل إن الله خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرنّ شيئاً منها، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرنّ صغيرة، وخبأ ولايته في عباده فلا تحقرنّ أحداً فلعله وليّ الله.
كيف يحول الكبر بين صاحبه وجميع الأخلاق المحمودة؟
الكبر يحول بين صاحبه وجميع الأخلاق المحمودة لأن المتكبر لا يقدر أن يحب للناس ما يحب لنفسه، ولا يقدر على التواضع ولا على ترك الأنفة والحسد والغضب ولا على كظم الغيظ ولا على اللطف في النصح ولا على ترك الرياء. فلا يبقى خُلق مذموم إلا ويضطر إلى ارتكابه ولا خُلق محمود إلا ويضطر إلى تركه.
ما العلاج الإجمالي لرذيلة الكبر عند الغزالي؟
العلاج الإجمالي لقمع الكبر أن يعرف الإنسان نفسه وأن أوله نطفة مَذِرة وآخره جيفة قذرة وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة. ويتدبر قوله تعالى ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾، وأنه خُلق من كتم العدم ولا شيء أقل من العدم.
ما مراحل خلق الإنسان التي تدل على ضعفه وتنافي الكبر؟
خُلق الإنسان من تراب ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ليس لها سمع ولا بصر ولا حياة. ثم هو بعد الخلق على غاية النقصان تستولي عليه الأمراض والعلل، ويريد أن يعلم فيجهل وأن ينسى فيذكر، ولا يأمن في لحظة من أن يُختلس روحه أو عقله أو صحته. وآخره الموت والتعرض للعقاب والحساب.
كيف استنكر الحسن البصري الكبر ممن يحمل العذرة؟
قال الحسن البصري لبعض من يتبختر في مشيته: ما هذه مشية من في بطنه خرء! وتساءل الغزالي: كيف يليق الكبر بمن يغسل العذرة بيده مرتين في كل يوم وهو حامل لها على الدوام؟ فمن أين يليق الكبر بعبد مملوك ذليل لا يقدر على شيء؟
ما السبب الأول للكبر وكيف يُعالَج؟
السبب الأول للكبر هو العلم، وقلّما يخلو العالم من آفة الكبر لأنه يرى نفسه فوق الناس بأشرف فضيلة. وقال النبي ﷺ: «آفة العلم الخيلاء» و«لا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يفي علمكم بجهلكم». وعلاجه أن يعلم أن العلم الحقيقي هو ما يُعرّفه ربه ونفسه وخطر خاتمته.
لماذا يُسمى العالم المتكبر جاهلاً وما خطر الخاتمة عليه؟
العالم المتكبر أولى بأن يُسمى جاهلاً لأن العلم الحقيقي يُعرّفه ربه ونفسه وخطر خاتمته. وينبغي أن يلاحظ الخاتمة فيقول: الجاهل عصى الله بجهل وأنا عصيته بعلم فحجة الله عليّ آكد. وقال أبو الدرداء: من ازداد علماً ازداد وجعاً.
ما خطر الكبر على قارئ القرآن وكيف تعامل السلف مع هذا الخطر؟
حذّر النبي ﷺ من قوم يقرؤون القرآن فلا يجاوز حناجرهم ويتكبرون بقراءتهم قائلين من أقرأ منا، وأخبر أنهم وقود النار. ومن هذا اشتد حذر السلف حتى إن حذيفة رضي الله عنه أمّ قوماً فلما سلّم قال: لتلتمسوا إماماً غيري إني رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل مني.
كيف يُبطل خطر الخاتمة مسوّغات الكبر عند العالم؟
ينبغي أن يتذكر الإنسان أن كثيراً من المسلمين نظروا إلى عمر قبل إسلامه فاستحقروه ثم كانت خاتمته كما كانت، فكان المتكبَّر عليه من أهل الجنة والمتكبِّر من أهل النار. وما من عالم إلا ويُتصوّر أن يُختم له بالسوء. وقد قال النبي ﷺ إن العالم الذي يأمر بالخير ولا يأتيه يُلقى في النار.
ما مصير العالم الذي يتكبر ويُخلد إلى الشهوات كما في قصة بلعم بن باعوراء؟
ضرب الله المثل في بلعم بن باعوراء وكان من أكابر العلماء فقال ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ لأنه أخلد إلى الشهوات. ويبقى الكبر مع العلم لمن اشتغل بعلوم غير نافعة في الدين أو لمن كان خبيث الباطن فازداد خبثه بسببه.
كيف يتجلى الكبر عند المتعبد وما حماقته في حمل مصائب الناس على كرامته؟
لا يخلو المتعبد في باطنه من كبر، وقد تنتهي الحماقة ببعضهم إلى أن يحمل مصائب من آذاه على كرامته فيقول: رأيتم ما فعل الله به. وهذا جهل لأن كفاراً ضربوا الأنبياء وآذوهم ثم مُتِّعوا في الدنيا ولم يُنتقم منهم، فكأن المتعبد يرى نفسه أفضل من الأنبياء.
ما واجب العابد حين ينظر إلى العالم أو الفاسق؟
حق العابد إذا نظر إلى عالم أن يتواضع له لجهله مقارنة بالعالم، وإن نظر إلى فاسق أن يقول لعل فيه خُلقاً باطناً يستر معاصيه الظاهرة. وليقل: لعل في باطني حسداً أو رياءً أو خبثاً خفياً مقتني الله عليه فلا يقبل أعمالي الظاهرة، ومن الخبث الباطن الكبر.
ما قصة خليع بني إسرائيل والعابد وما الدرس المستفاد منها؟
رُوي أن خليع بني إسرائيل لكثرة فساده جلس إلى عابد قائلاً لعل الله يرحمني ببركته، فقال العابد في نفسه: كيف يجلس معي مثل هذا الفاسق وقال له قم عني. فأوحى الله إلى نبي زمانه أن يأمرهما باستئناف العمل، فقد غفر للخليع وأحبط عمل العابد بسبب كبره.
ما خطر التألي على الله وكيف تعامل أهل الفطانة مع هذا الخطر؟
رُوي أن عابداً قال لمن وطئ رقبته: والله لا يغفر الله لك، فأوحى الله إليه: أيها المتألي عليّ بل أنت لا يغفر الله لك. والأكياس يحذرون من ذلك، وكان عطاء السلمي مع شدة ورعه إذا هبّت ريح عاصف يقول: ما يصيب الناس كل ذلك إلا بسببي.
ما الفرق بين من يخلص العمل ويخاف وبين من يتكلف الأعمال ويمنّ على الله؟
بون شاسع بين من يخلص العمل والورع ثم يخاف على نفسه، وبين من يتكلف أعمالاً ظاهرة لعلها لا تخلو من الرياء والآفات ثم يمنّ على الله بعمله. فالأول هو طريق السلامة والثاني هو طريق الهلاك.
ما السبب الثالث للكبر وكيف يُعالَج؟
السبب الثالث للكبر هو الكبر بالنسب، وعلاجه أن ينظر في نسبه فأبوه نطفة مَذِرة وجدّه التراب ولا أقذر من النطفة ولا أذل من التراب. والمفتخر بالنسب يفتخر بخصال غيره، ولو نطق آباؤه لقالوا: من أنت في نفسك؟ وكيف يتكبر بنسب ذوي الدنيا ولعلهم صاروا حُمَمة في النار؟
كيف يُبطل نسب أهل الدين الكبرَ بهم؟
أهل الدين في أنفسهم ما كانوا يتكبرون وكان شرفهم بالدين ومن الدين التواضع. وكان أحدهم يقول: ليتني كنت تبنة أو طائراً، وكلهم شغلهم خوف العاقبة عن الكبر مع عظم علمهم وعملهم. فكيف يتكبر بنسبهم من هو عاطل عن خصالهم؟
لماذا يُعدّ الكبر بالمال والجمال والأتباع جهلاً؟
الكبر بالمال والجمال والأتباع جهل لأنها أمور خارجة عن الذات؛ فالمال تمتد إليه يد السارق والغاصب، والجمال تُفسده حمّى شهر ويُزيله الجدري. ولو تفكر الجميل في أقذار باطنه لأدهشه ذلك عن تزويق ظاهره، ولو لم يتعهد بدنه بالغسل لصار أقذر من الجيفة. فالإنسان بالحقيقة منبع الأقذار والنجاسات.
أين وقف المجلس الثامن وما الأصل القادم؟
وقف المجلس الثامن عند نهاية الأصل الثامن في الكبر، وسيكون الأصل التاسع في العجب في المجلس القادم.
هل يُشترط ترديد الأذان من بدايته وما مذهب المالكية في ذلك؟
لا يُشترط ترديد الأذان من بدايته، فيجوز للسامع أن يبدأ من أي موضع أدرك المؤذن فيه ويقول مثل ما قال. وعند المالكية أنه لو كان مع البداية جاز له بعد الشهادتين أن يُكمل سريعاً حتى لو استمر المؤذن، ثم يتشغل فيما كان يتشغل به من علم أو مذاكرة، وعلى هذا جرى كثير من أهل مصر.
ما ضابط الدفن في أرض الخمول وهل يحتاج إلى شيخ مربٍّ؟
ضابط الدفن في أرض الخمول أنك إذا غبت لا يذكرك أحد ولا يسأل عنك أحد، كأنك غير موجود لأنك تكفي خيرك شرّك وتقلل من اتصالك بالأنام. وهذا ضابط كبير صعب التحقق، ولذلك الأفضل تركه للشيخ المربي لأنه يحتاج إلى إدراك الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
بماذا اختُتم المجلس الثامن من الأربعين في أصول الدين؟
اختُتم المجلس بالدعاء لله أن يشفي المريض ويغفر الذنوب ويستر العيوب وأن يُلقي الجميع على الخير، ثم بالسلام.
حب الدنيا رأس كل خطيئة لأنه يصرف عن الكمال الحقيقي، والدنيا مزرعة الآخرة لمن جعلها وسيلة لا غاية.
حب الدنيا رأس كل خطيئة في تصنيف الغزالي لأن الدنيا تشمل كل ما يفارق الإنسان بالموت من مال وجاه وشهوات، وهي كمال وهمي عارض لا بقاء له. أما الكمال الحقيقي فيرجع إلى العلم والمعرفة بالله والحرية من علائق الدنيا، وهي الباقيات الصالحات التي تتضاعف بعد الموت ولا تزول.
الدنيا مزرعة الآخرة في حق من عرفها منزلاً للتزود لا للإقامة، كالرباط المُعَدّ على قارعة الطريق. والغزالي يضيف الغاية عنصراً خامساً لعوامل الإنتاج الأربعة، إذ لا تخالف بين الدنيا والآخرة لمن جعل غايته عمارة الأرض لله. أما الكبر فهو رذيلة تحول بين صاحبها وجميع الأخلاق المحمودة، وأسبابه العلم والورع والنسب والمال، وعلاجها معرفة الإنسان حقيقة نفسه.
أبرز ما تستفيد منه
- حب الدنيا رأس كل خطيئة لأنه يُلهي عن الكمال الحقيقي الباقي.
- الدنيا مزرعة الآخرة لمن تزود منها بقدر الضرورة وجعل لها غاية.
- الجاه أخطر من المال لأن قليله يدعو إلى كثيره ويُفسد الدين.
- الكبر يحول بين صاحبه وجميع الأخلاق المحمودة ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه.
افتتاح المجلس والدعاء للأخ أحمد زكريا بالشفاء العاجل
[الشيخ]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[القارئ]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[القارئ]: أهلًا وسهلًا.
[الشيخ]: نبدأ، نبدأ، نقول بسم الله.
[القارئ]: نعم، نبدأ سيدي.
[الشيخ]: أولًا ندعو لأخينا أحمد زكريا بالشفاء العاجل، وبأن يحصل له مناعة من هذا الفيروس، وبألا يُصاب به مرة ثانية أبدًا، وأن يحصل له التحصين إن شاء الله.
[القارئ]: اللهم يحفظكم يا سيدي.
[الشيخ]: آمين، نقرأ الفاتحة على ذلك. بسم الله الرحمن الرحيم.
التعريف بالقارئ محمد صبري الطالب الأزهري
[الشيخ]: من القارئ اليوم؟
[القارئ]: سيدي محمود.
[الشيخ]: سيدي محمود صبري.
[القارئ]: سيدي محمود صبري، وهو طالب أزهري يا سيدي.
[الشيخ]: ولكنه مكتوب أمامي محمد.
[القارئ]: محمد سيدي، نعم، محمد.
[الشيخ]: محمد صبري.
[الشيخ]: تفضل يا سيد محمد.
الأصل الثالث في الرعونة وحب الجاه والآيات والأحاديث الواردة في ذمه
[القارئ محمد صبري]: بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبإسنادكم سيدي إلى مولانا الإمام الغزالي رحمه الله:
الأصل الثالث في الرُّعونة وحب الجاه.
﴿تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]
قال النبي ﷺ: «حُبُّ المال والجاه يُنبتان النفاق في القلب كما يُنبت الماءُ البقلَ»
وقال ﷺ: «ما ذئبان ضاريان أُرسلا في زريبة غنم بأكثر فسادًا فيها من حب المال والجاه في دين الرجل المسلم»
أحاديث النبي ﷺ في مدح الخمول وذم الشهرة والجاه
وقال ﷺ في مدح الخمول: «رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمرين لا يُؤبَه له، لو أقسم على الله لأبرَّه»
وقال ﷺ: «إن أهل الجنة كل أشعثَ أغبرَ ذي طِمرين لا يُؤبَه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يُؤذَن لهم، وإذا خطبوا النساء لم يُنكَحوا، وإذا قالوا لم يُنصَت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قُسِم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم»
فهذه الأحاديث تدل على أن أهل الخمول الذين لا يلتفت إليهم الناس هم أقرب إلى الله تعالى، وأن الجاه والشهرة قد يكونان فتنة للعبد.
آثار السلف في ذم الشهرة والجاه وخطر المشي خلف الرجال
وقال سليم بن حنظلة: بينما نحن حول أُبَيّ بن كعب نمشي خلفه، إذ رآه عمر فأعلاه بالدِّرَّة، فقال [أُبَيّ]: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع! فقال [عمر]: إن هذا مذلة للتابع وفتنة للمتبوع.
وقال الحسن [البصري]: إن خفق النعال خلف الرجال قلّما تثبت معه قلوب الحمقى.
وقال أيوب [السختياني]: والله ما صدق اللهَ عبدٌ إلا سرّه ألا يُشعَر بمكانه.
فقد عُرفت بهذا مذمة الشهرة والجاه، إلا أن يُشهِر اللهُ تعالى عبدًا في الدين من غير طلب منه، كما شهّر الأنبياء والخلفاء الراشدين والأولياء.
فصل في بيان حقيقة الجاه وأنه ملك القلوب للتسخير
فصل في بيان حقيقة الجاه.
اعلم أن حقيقة الجاه هي مُلك القلوب لتتسخّر لذي الجاه على حسب مراده، وتُطلِق اللسان بالثناء عليه، وتسعى في حاجته.
وكما أن معنى المال هو مُلك الدراهم ليتوصل بها إلى الأغراض، فكذلك معنى الجاه هو مُلك القلوب. لكن الجاه أحبّ؛ لأن التوصل به إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه، ولأنه محفوظ عن أن يُسرق ويُغصب أو تعرض له الآفة.
ولأنه يسري وينمو من غير تكلف؛ فإن من ملك قلبه باعتقاد التعظيم فلا يزال يثني عليه ويقتنص قلوب سائر الناس لصاحبه.
سر حب الجاه ومناسبة الروح للصفات الإلهية من العلو والكبرياء
وفيه سر آخر، وهو أن الجاه معناه العلو والكبرياء والعز، وهي من الصفات الإلهية، والصفات الإلهية محبوبة للإنسان بالطبع، بل هو ألذّ الأشياء عنده.
وذلك لسرّ خفي في مناسبة الروح للأمور الإلهية، وعنه عبارة بقوله تعالى:
﴿قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ [الإسراء: 85]
فهو أمر رباني، شَغْفَةٌ من حيث الطبع الاستبداد والانفراد بالوجود، وهو حقيقة إلهية؛ إذ ليس مع الله موجود، بل الموجودات كلها كالظل من نور القدرة، لها رتبة التبعية لا رتبة المعية. فليس في الوجود مع الله غيره.
شهوة الإنسان للعلو والاستيلاء وتسخير الموجودات
وكأن الإنسان يشتهي ذلك [أي الانفراد بالوجود]، بل في كل شيء أن يقول:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]
لكن أظهره فرعون وأخفاه غيره. لكن إن فاته الانفراد بالوجود، فيشتهي ألا يفوته الاستعلاء والاستيلاء على الموجودات كلها ليتصرف فيها على حسب مراده، وهو الإلهية.
لكن تعذّر على الإنسان ذلك في السماوات والكواكب والملائكة والبحار والجبال، فاشتهى الاستيلاء على جميعها بالعلم؛ لأن العلم نوع استيلاء أيضًا. كما أن من عجز عن وضع الأشياء العجيبة فيشتهي أن يعرف كيفية الوضع، وكذلك يشتهي أن يعرف عجائب البحر وما تحت الجبال.
حب الإنسان لتملك الأعيان وتسخير القلوب بالتعظيم وانتشار الجاه
ويتصور [الإنسان] أن يَتَسَخَّر له الأعيان التي على وجه الأرض من الحيوان والنبات والمعادن، فيحب أن يتملكها ويتمولها. ويتصور أن يَتَسَخَّر له الإنسان، فيحب أن يستسخره بواسطة قلبه، ويملك قلبه بإلقاء التعظيم فيه.
ويحصل التعظيم بأن يعتقد فيه كمال الخصال؛ فإن الإجلال يتبع اعتقاد الكمال. فلهذا يحب الإنسان أن يتسع جاهه وينتشر صيته حتى إلى البلاد التي يعلم قطعًا أنه لا يطؤها ولا يرى أهلها؛ لأن كل ذلك يناسب صفات الربوبية.
وكلما صار أكثر عقلًا كانت هذه الصفة عليه أغلب، وشهواته البهيمية فيه أضعف.
فصل في بيان حقيقة الرفعة من حيث الذم والمدح والكمال الحقيقي
فصل في بيان حقيقة الرفعة من حيث الذم والمدح.
لعلك تقول: فإذا كان كذلك [أي أن حب الجاه من نتائج العقل]، فلِمَ كان طلب الرفعة مذمومًا وهو من نتائج العقل وخواص الروح لمناسبته الأمور الربانية؟
فاعلم أن الرفعة الحقيقية طلبها محمود غير مذموم؛ إذ مطلوب الكل هو القرب من الله تعالى، وذلك هو الرفعة والكمال؛ إذ هو عزّ لا ذِلّ فيه، وغنى لا فقر معه، وبقاء لا فناء بعده، ولذة لا كُدُورة لها. وطلب ذلك محمود.
وإنما المذموم طلب الكمال الوهمي دون الحقيقي.
الكمال الحقيقي يرجع إلى العلم والقدرة والحرية والكمال الوهمي في المال والجاه
والكمال الحقيقي يرجع إلى العلم والقدرة والحرية، وهو أن لا يكون مقيدًا بغيره. ولا يُتصوَّر للعبد حقيقة القدرة؛ فإن قدرته إنما تكون بالمال والجاه، وذلك كمال وهمي؛ فإنه أمر عارض لا بقاء له، ولا خير فيما لا بقاء له.
بل قيل: أشد الغم عندي في سرور تيقّن عنه صاحبه انتقالًا. كيف وهذه القدرة العارضة مع سرعة انقضائها بالموت وبآفاتها قبله لا تصفو عن مكدرات؟ فمن توهمها كمالًا فقد زلّ.
بل الكمال في الباقيات الصالحات التي يُنال بها القُرب من الله سبحانه، ولا تزول بالموت بل تتضاعف تضاعفًا غير محدود.
المعرفة الحقيقية بالله تعالى والعلم بالموجودات من حيث أنها أفعال الله
وذلك هو المعرفة الحقيقية بذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، وهو العلم بكل الموجودات؛ إذ ليس في الموجود إلا الله تعالى وأفعاله.
لكن قد ينظر فيها الناظر لا من حيث إنها أفعال الله تعالى، كالذي ينظر في التشريح لغرض الطب، أو ينظر في هيئة العالم لمعرفة الاستدلال بأحكام النجوم، فهذا لا قدر له.
ومن الكمال الحقيقي الحرية، وهي انقطاع علاقتك عن جميع علائق الدنيا، بل عن كل ما يفارقك بالموت، والاقتصار في الالتفات إلى لازمك الذي لا بد لك منه وهو الله تعالى.
وحي الله إلى داود والباقيات الصالحات والكمال الحقيقي والوهمي
كما أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود، أنا بُدُّك اللازم فالزم بُدَّك.
فالعلم والحرية من الباقيات الصالحات وهما كمالان حقيقيان، والمال والبنون زينة الحياة الدنيا وهما كمالان وهميان.
والمنكوسون هم الذين عكسوا الحقيقة، فأعرضوا عن طلب الكمال الحقيقي واشتغلوا بطلب الكمال الوهمي، وهم الذين يحترقون عند الموت بنيران الحسرة؛ إذ يشاهدون أنهم خسروا الدنيا والآخرة.
أما الآخرة فلأنهم لم يطلبوها ولم يحصّلوا أسبابها من المعرفة والحرية، وأما الدنيا فلأنها ودّعتهم وانقلبت إلى أعدائهم وهم ورثتهم.
حقيقة الموت وبقاء العلم والإيمان بعد مفارقة الروح للبدن
ولا تظنّن أن العلم والإيمان يفارقانك بالموت؛ فالموت لا يهدم محل العلم أصلًا، وليس الموت عدمًا حتى تظن أنك إذا عُدمت عُدمت صفاتك.
بل معنى الموت قطع علاقة الروح من البدن إلى أن تُعاد إليه، وإذا تجرّد [الإنسان] عن البدن فهو على ما كان عليه قبل الموت من العلم والجهل.
وفهم هذا يطول، وتحته أسرار لا يحتمل هذا الكتاب كشفها.
فصل في بيان علاج داء الجاه وأنه كمال وهمي زائل
فصل في بيان علاج داء الجاه.
إذا عرفت حقيقة الجاه وماهيته وأنه كمال وهمي، فقد عرفت طريق العلاج في قمع حبه من القلب.
إذا علمت أن أهل الأرض لو سجدوا لك مثلًا لما بقي إلى مدة قريبة لا الساجد ولا المسجود له، كيف ويشحّ الدهر عليك بأن يُسلّم لك الملك في محلتك فضلًا عن قريتك أو بلدتك!
فكيف ترضى أن تترك ملك الأبد والجاه الطويل العريض عند الله تعالى وعند ملائكته بجاهك الحقير المُنغَصّ عند جماعة من الحمقى لا ينفعوك ولا يضرونك، ولا يملكون لك موتًا ولا حياةً ولا نشورًا ولا رزقًا ولا أجلًا؟
ضوابط طلب الجاه المباح وشروط القناعة بقدر الضرورة
نعم، ملك القلوب كملك الأعيان، وأنت محتاج منه إلى قدر يسير لتحرس نفسك عن الظلم والعدوان وعما يشوّش عليك سلامتك وفراغك اللذين تستعين بهما على دينك.
فطلبك لهذا القدر مباح بشرط القناعة بقدر الضرورة كما في المال، وبشرط ألا تكتسبه بالمراءاة بالعبادة فذلك حرام كما سيأتي، وأن لا تكتسبه بالتلبيس بأن تُظهر من نفسك ما أنت خالٍ عنه؛ فلا فرق بين ملك القلوب بالتلبيس وبين ملك الأموال [بالغصب].
فإذا حصّلت الجاه بطريقه واقتصرت على قدر التحرز من الآفات، فتُرجى لك السلامة.
خطر الجاه على الدين وأن قليله يدعو إلى كثيره
إلا أنك في خطر عظيم أكثر من خطر المال؛ لأن قليل الجاه يدعو إلى كثيره، فإنه ألذّ من المال.
ولذلك لا يسلم الدين غالبًا إلا لخامل مجهول لا يُعرف، كما فهمتَ ذلك من الأخبار [السابقة في ذم الشهرة].
فصل في حب المدح وأنه من البواعث على طلب الجاه وأوجه التلذذ به
فصل في حب المدح وأنه من البواعث على طلب الجاه.
من البواعث على طلب الجاه حب المدح؛ فإن الإنسان يتلذذ به من ثلاثة أوجه:
-
أحدها: أنه يُشعر صاحبه بكمال نفسه، والشعور بالكمال لذيذ؛ لأن الكمال من الصفات الإلهية.
-
والثاني: أنه يُشعر بملك قلب المادح وقيام الجاه عنده وكونه مسخّرًا له.
-
والثالث: أنه يُشعر صاحبه بأن المادح يُصغى إلى مدحه فينتشر بسببه جاهه.
فلذلك إذا صدر المدح من بصير بصفات الكمال واسع الجاه والقدرة في نفسه، وكان على ملأٍ من الناس، تضاعفت لذة المدح.
أسباب زوال لذة المدح وكراهية الذم وعلاقتهما بالمعصية
وتزول اللذة الأولى بأن يصدر [المدح] عن غير أهل البصيرة؛ فإنه لا يُشعر بالكمال. وتزول الثانية بأن يصدر عن خسيس لا قدر له؛ لأن ملك قلبه لا يُعتدّ به. وتزول الثالثة بأن يُمدح في الخلوة لا في الملأ، إلا من حيث يتوقع أنه أيضًا ربما يمدح في الملأ.
وأما الذم فإنه مكروه لنقيض هذه الأسباب.
وأكثر الخلق أهلكهم حب المدح وكراهية الذم، ويحملهم ذلك على المراءاة وفنون المعصية.
علاج حب المدح بالتفكر في حقيقة الكمال الوهمي والحقيقي
وعلاج ذلك أن يتفكر في اللذة الأولى: فإن مُدح بكثرة المال والجاه فليعلم أنه كمال وهمي وهو سبب فوات الكمال الحقيقي، فهو جدير بأن يحزن لأجله لا أن يفرح به.
وإن مُدح بكمال العلم والورع فينبغي أن يكون فرحه بوجود تلك الصفات وعلم الله تعالى بها، لا بذكر غيره، ويشكر الله تعالى عليها لا يشكر غيره.
هذا إن كان متصفًا به، وأما إن كان غير متصف به ففرحه به حماقة، كفرح من يثني عليه غيره ويقول: ما أطيب العطر التي في أحشائك وأمعائك! وهو يعلم ما فيها من الأقذار والأنتان.
حال من يفرح بالمدح بالورع وهو خالٍ عنه وعلاج لذة الجاه عند المادح
وهذا حال من يفرح بالمدح بالورع والزهد والعلم وهو يعلم من باطن نفسه أنه خالٍ عنه.
[الشيخ]: تفضل.
[القارئ]: وأما اللذة الثانية والثالثة - وهي لذة الجاه عند المادح وغيره - فعلاجه ما ذكرناه في حب الجاه [من أنه كمال وهمي زائل].
تعليق الشيخ على الأصل السادس في التخلية وتمهيد للأصل السابع
[الشيخ]: ما زلنا هكذا في الأصل السادس من التخلية؛ أننا نريد أن نُخلي القلب من كل قبيح، وبعد ذلك سوف نرى كيف نُحلّيه بكل صحيح.
والكلام هو كأنه لا يحتاج إلى شرح مستفيض في هذا، فندعو الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على إرشادات هذا الإمام الجليل [الغزالي].
الأصل السابع.
[القارئ]: اللهم آمين.
الأصل السابع في حب الدنيا وأنه رأس كل خطيئة وبيان شعب الدنيا
الأصل السابع في حب الدنيا.
اعلم أن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وليست الدنيا عبارة عن المال والجاه فقط، بل هما حظّان من حظوظ الدنيا وشُعبتان من شُعَبها، وشُعَب الدنيا كثيرة.
ودنياك عبارة عن حالتك قبل الموت، وآخرتك عبارة عن حالتك بعد الموت. وكل ما لك فيه حظ قبل الموت فهو من دنياك، إلا العلم والمعرفة والحرية وما يبقى معك بعد الموت؛ فإنها أيضًا لذيذة عند أهل البصائر، ولكنها ليست من الدنيا وإن كانت في الدنيا.
تعلق الحظوظ الدنيوية بالأعيان والحظ والشغل في إصلاحها
ولهذه الحظوظ الدنيوية تعاون وتعلّق بك، وتعلّق بما فيه الحظ، وتعلّق بأعمالك المتعلقة بإصلاحها. فهي ترجع إلى أعيان موجودة، وإلى حظّك منها، وإلى شُغلك في إصلاحها.
أما الأعيان فهي الأرض وما عليها، قال الله تعالى:
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: 7]
ومطلوب الآدمي من الأرض إما عينها فللمسكن والمحرث، وإما نباتها فللتداوي والاقتيات، وإما معادنها فللنقود والأواني والآلات، وإما حيواناتها فللمركب والمأكل، وإما الآدميون منها فللمنكح وللاستسخار [أي التسخير].
جمع القرآن لشهوات الدنيا والتعبير عن الحظ بالهوى
وقد جمع الله سبحانه ذلك في قوله:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ﴾ [آل عمران: 14] الآية.
وأما حظك منها فقد عبّر القرآن الكريم عنه بالهوى، فقال:
﴿وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النازعات: 40]
وقال مفصّلًا له:
﴿أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ﴾ [الحديد: 20] الآية.
وذلك يندرج فيه جميع المهلكات الباطنة من الكبر والغِلّ والحسد والسُمعة والرياء والنفاق والتفاخر والتكاثر وحب الدنيا وحب الثناء، وهي الدنيا الباطنة، وإنما الأعيان هي الدنيا الظاهرة.
شغل الناس بالحرف والصناعات وحقيقة الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة
وأما شُغلك في إصلاحها فهي جملة الحِرَف والصناعات التي الخلق مشغولون بها، وقد نسوا فيها أنفسهم ومبدأهم ومعادهم لاستغراقهم باشتغالهم بها.
وإنما شاغَلُهم العلاقة؛ فإن علاقة القلب بحب حظوظها، وعلاقة البدن بشَغْل إصلاحها. فهذه هي حقيقة الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة.
وإنما خُلقت للتزود منها إلى الآخرة، ولكن كثرة أشغالها وفنون شهواتها أنست الحمقى سفرهم ومقصدهم، فقصروا عليها همتهم.
مثل المنشغل بالدنيا كالحاج الذي اشتغل بتسمين ناقته ففاته الحج
وكانوا كالحاج في البادية يشتغل بتعهد الناقة وعَلْفها وتسمينها، فيتخلف عن الرُّفقة حتى يفوته الحج وتهلكه سباع البادية.
تعليق الشيخ على كلام الغزالي وعلاقته بعوامل الإنتاج في الاقتصاد
[الشيخ]: هنا يتكلم الإمام الغزالي على مسألة أخذها بعد ذلك علماء الغرب، وهي مصادر وعوامل الإنتاج.
وهل الأرض - وهي مصدر تلك الخيرات التي منها السكن والتي منها الملبس والتي منها الدواء والتي منها المسكن - فالمسكن والمأكل والمشرب والملبس والدواء من الأرض، هل هي مصدر من مصادر الاقتصاد من عدمه؟
فالمذهب القديم أنها مصدر، ولا زال أئمة الاقتصاد في العالم يعتبرون أن الأرض فيها من المميزات الأساسية ما يجعلها عنصرًا منفردًا في عناصر الإنتاج.
عناصر الإنتاج الأربعة: الأرض والعمل والمال والتنظيم
العنصر الثاني هو عنصر العمل، والذي بموجبه يأخذ الإنسان أجرًا.
والعنصر الثالث هو عنصر المال، والذي به تقليب هذه الأحوال، والذي يأخذ في مقابله ربحًا أو فائدة. فالتاجر من خلال تقليبه لماله في الأسواق فإنه يكسب ربحًا.
والعنصر الرابع وهو عنصر أضافه بعض المُحدَثين منذ مائة سنة أو أكثر، وهو التنظيم؛ أن كل عوامل الإنتاج هذه تحتاج إلى من ينظمها حتى تعمل في بوتقة واحدة وينتج منها المُنتَج.
إضافة الإمام الغزالي عنصر الغاية كعنصر خامس في الإنتاج
كما نرى هنا أن الإمام الغزالي يضيف مسألة خامسة لا يلتفت إليها أولئك [علماء الاقتصاد الغربيون]، وهي الغاية.
أن الغاية من هذه المنتجات هي عمارة الأرض، هو عبادة الله، هو تزكية النفس، هو تهيئة البيئة المناسبة التي يحيا فيها الإنسان من أجل يوم آخر.
باعتبار أن الدنيا جزء من الحياة، وأن الحياة مكونة من الدنيا ومن الآخرة، وأنه لا تخالف [أي تعارض] بين الدنيا والآخرة؛ لأن الدنيا هي مزرعة الآخرة.
الفرق بين تطبيقات المسلمين للإنتاج ونظرة المستعمرين واستنزاف الثروات
وحتى نؤكد على ذلك فسنرى في الفصل القادم كون الدنيا مزرعة للآخرة، وأننا لا نكره دنيانا بل نحب أن نُعمّرها، وذلك من خلال أن نجعل لها غاية.
قضية أن نجعل للإنتاج غاية وأن يكون عنصرًا منها فرقٌ كثيرًا بين تطبيقات المسلمين لدين الله في أرضه، وبين نظرة المستعمرين بعد ذلك وهم محتلون في الحقيقة، يستنزفون ثروات الأمم ويحملونها إلى بلادهم لبنائها، دون النظر إلى أصحاب الأرض ولا أصحاب العمل ولا أصحاب المال ولا أصحاب التنظيم ولا شيء من هذا؛ لأنها [عندهم] إن هي إلا حياتنا الدنيا، ولأنه [عندهم] المصالح مقدمة على المبادئ.
دعوة الشيخ لبحث قضايا السوق والإنتاج عند المسلمين وعمارة الأرض
فهذا الذي يكتبه الإمام الغزالي هنا يحتاج إلى بحث عميق في قضية السوق عند المسلمين، وقضية الإنتاج عند المسلمين، وقضية الطلب والعرض عند المسلمين، وقضية هذا التاريخ المشرف الذي عمرنا به الأرض.
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
أي طلب منكم عَمارها، من أجل هذا وهو تكامل الدنيا مع الآخرة وليس تصارع الدنيا مع الآخرة.
يفعل هذا الفصل الماتع بعد كلامه هذا، وهو كلام عميق يحتاج إلى شرح كثير.
[الشيخ] يقول: فصل في كون الدنيا مزرعة للآخرة، تفضل.
فصل في كون الدنيا مزرعة الآخرة ومثل الرباط على قارعة الطريق
[القارئ]: فصل في كون الدنيا مزرعة الآخرة.
هذه الدنيا المذمومة المُهلكة هي بعينها مزرعة الآخرة في حق من عرفها؛ إذ يعرف أنها منزل من منازل السائرين إلى الله تعالى، وهي كرباط بُني على قارعة الطريق، أُعِدّ فيها العلف والزاد وأسباب السفر.
فمن تزوّد منها لآخرته واقتصر منها على قدر الضرورة التي ذكرناها في المطعم والملبس والمنكح وسائر الضرورات، فقد حرث وبذر وسيحصد في الآخرة ما زرع.
ومن عرّج عليها واشتغل بلذاتها هلك.
مثل أهل الدنيا كركاب سفينة نزلوا جزيرة وتفرقوا فيها
ومثل الخلق فيها كمثل قوم اختبأوا وركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وخوّفهم المُقام واستعجال السفينة، فتفرقوا فيها.
فبادر بعضهم وقضى حاجته ورجع إلى السفينة فوجد مكانًا خاليًا واسعًا.
ووقف بعضهم ينظر في أزهار الجزيرة وأنوارها وطرائف أحجارها وعجائب رياضها ونغمات طيورها، فرجع إلى السفينة فلم يجد إلا مكانًا ضيقًا حرجًا.
وأكبّ بعضهم على تلك الأصداف والأحجار وأعجبه حسنها، فلم تسمح نفسه إلا بأن يستصحب شيئًا منها، فلم يجد في السفينة إلا مكانًا ضيقًا، وزادته الحجارة ثقلًا وضيقًا، فلم يقدر على رميها ولم يجد لها مكانًا، فحملها على عنقه وهو ينوء بأعبائها.
من تولج الغياض ونسي المركب فافترسته السباع وهو مثل أهل الدنيا
وتولّج بعضهم الغياض ونسي المركب وانشغل بالتفرج في تلك الأزهار والتناول من تلك الثمار، وهو في تفرجه غير خالٍ من خوف السباع والحذر من السقطات والنكبات.
فلما رجع إلى السفينة لم يصادفها، فبقي على الساحل، فافترسته السباع ومزّقته الهوام.
فهذه صورة أهل الدنيا بالإضافة إلى الدنيا والآخرة، فتأملها واستخرج وجه الموازنة فيها إن كنت ذا بصيرة.
دعاء الشيخ للإمام الغزالي على صياغته الإلهامية في تمثيل الحال
[الشيخ]: نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجازي عنا الإمام الغزالي على هذه الصياغة الإلهامية التي ألهمه الله بها في تمثيل الحال. آمين.
فصل في كون الدنيا والآخرة ضرتين وشروط السعادة في الآخرة
فصل في كون الدنيا والآخرة ضرّتين.
[القارئ]: من عرف نفسه وعرف ربه.
[الشيخ]: بل عَرَفَ، عَرَفَ.
[القارئ]: نعم. من عرف نفسه وعرف ربه وعرف زينة الدنيا وعرف الآخرة، شاهد بنور البصيرة وجه عداوة الدنيا للآخرة؛ إذ ينكشف له قطعًا ألّا سعادة في الآخرة إلا لمن قَدِم على الله تعالى عارفًا به محبًا له.
فإن المحبة لا تُنال إلا بدوام الذكر، وإن المعرفة لا تُنال إلا بدوام الطلب والفكر، ولا يتفرغ لهما إلا من أعرض عن أشغال الدنيا.
فراغ القلب من غير الله شرط لاشتغاله بحب الله ومعرفته
ولا تستولي المعرفة والحب على القلب ما لم يفرغ من حب غير الله تعالى. ففراغ القلب من غير الله ضرورة اشتغاله بحب الله تعالى ومعرفته.
ولن يُتصوَّر ذلك إلا لمُعرِضٍ عن الدنيا قانعٍ منها بقدر الزاد والضرورة.
فإن كنت من أهل البصيرة فقد صرت من أهل الذوق والمشاهدة، وإن لم تكن كذلك فكن من أهل التقليد في الإيمان، وانظر إلى تحذير الله تعالى إياك بالكتاب والسنة.
آيات قرآنية في ذم إيثار الحياة الدنيا على الآخرة
وقد قال الله عز وجل:
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَـٰلَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: 15] الآية.
وقال تعالى:
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّوا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النحل: 107] الآية.
وقال عز اسمه:
﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا﴾ [النازعات: 37-38]
ولعل ثلث القرآن ذمّ الدنيا وذمّ أهلها.
أحاديث نبوية في ذم الدنيا والتحذير من الاغترار بها
وقد قال ﷺ: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله تعالى»
وقال ﷺ: «يا عجبًا! قلنا: العجب للمصدّق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور»
وقال ﷺ: «الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظرٌ كيف تعملون»
وقال ﷺ: «إن الله عز وجل لم يخلق خلقًا أبغض إليه من الدنيا، وإنه لم ينظر إليها منذ خلقها»
حديث من أصبح والدنيا أكبر همه وعقوبة التعلق بالدنيا
وقال ﷺ: «من أصبح والدنيا أكبر همّه فليس من الله في شيء، وألزم الله قلبه أربع خصال: همًا لا ينقطع عنه أبدًا، وشغلًا لا يتفرغ عنه أبدًا، وفقرًا لا يبلغ غناه أبدًا، وأملًا لا يبلغ منتهاه أبدًا»
حديث أبي هريرة في رؤية الدنيا عند المزبلة وحقيقتها
وقال سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه: قال سيدنا رسول الله ﷺ:
«يا أبا هريرة، ألا أُريك الدنيا جميعها؟» قلتُ: نعم. فأخذ بيدي إلى مزبلة فيها رؤوس أناسٍ وعذراتٌ وخِرَقٌ وعظامٌ.
وقال: «يا أبا هريرة، هذه الرؤوس كانت تحرص كحرصكم، وتأمل آمالكم، ثم هي اليوم عظامٌ بلا جلد، ثم هي صائرةٌ رمادًا. وهذه العذرات ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها، ثم قذفوها من بطونهم فأصبحت والناس يتحامونها. وهذه الخِرَق البالية كانت رياشهم ولباسهم، كانت رياشهم ولباسهم فأصبحت والرياح تَصْفِقُها [أي تضربها]. وهذه العظام هي عظام دوابهم التي كانوا يَنْتَجِعون [أي يرتحلون لطلب مواضع الكلأ] عليها أطراف البلاد، فمن كان باكيًا على الدنيا فليبكِ»
حديث أقوام أعمالهم كجبال تهامة يؤمر بهم إلى النار لتعلقهم بالدنيا
وقال ﷺ: «ليَجيئنّ أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة، فيُؤمر بهم إلى النار»
فقالوا: يا رسول الله، أمُصلّون؟ قال:
«نعم، كانوا يصلون ويصومون ويأخذون هَنَةً من الليل، فإذا عُرض لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه»
وقال عيسى عليه السلام: لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد.
وقال نبينا ﷺ: «احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت»
أقوال عيسى عليه السلام للحواريين في الرضا بدني الدنيا مع سلامة الدين
وقال عيسى عليه السلام: يا معشر الحواريين، ارضوا بدُنيّ الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدُنيّ الدين مع سلامة الدنيا.
وقال عيسى عليه السلام أيضًا للحواريين: لأكلُ خبز الشعير بالملح الجريش، ولبس المسوح، والنوم على المزابل، كثير مع عافية الدنيا والآخرة.
مكاشفة عيسى عليه السلام بالدنيا في صورة عجوز شوهاء قتلت أزواجها
ورُوي أن عيسى عليه السلام كُوشِف بالدنيا فرآها في صورة عجوز شوهاء عليها من كل زينة.
فقال لها: كم نكحتِ؟ فقالت: إني لا أحصيهم. فقال: يُطلّقونك أم ماتوا عنك؟ فقالت: بل قتلتُ كلّهم.
فقال عيسى عليه السلام: بؤسًا لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين!
[الشيخ]: نعم.
[القارئ]: نعم سيدنا.
فصل في أن الغفلة سبب لدخول الدنيا إلى القلب ومثل صاحب الدنيا
فصل في أن الغفلة سبب لدخول الدنيا إلى القلب.
اعلم أن من ظن أنه يلابس الدنيا ببدنه ويخلو عنها بقلبه فهو مغرور.
قال النبي ﷺ: «مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء، هل يستطيع الذي يمشي في الماء ألا تبتلّ قدماه؟»
وكتب علي رضي الله عنه إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه: مثل الدنيا مثل الحية، يلين مسّها ويقتل سمّها، فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما أيقنت من فراقها.
وكن أسرّ ما تكون بها أحذر ما تكون منها؛ فإن صاحبها كلما اطمأن إليها وإلى سرور، أشخصه عنه مكروه.
مثل طالب الدنيا كشارب ماء البحر ومثل الدنيا كدار ضيافة
وقال عيسى عليه السلام: مثل طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شَرَبًا ازداد عطشًا حتى يقتله.
واعلم إنما يطمئن إلى الدنيا وهو يتيقن أنه راحل عنها فهو في غاية الحماقة.
بل مثل الدنيا مثل دار هيّأها صاحبها وزيّنها لضيافة الواردين والصادرين، فدخل واحد داره فقدّم إليه طبقًا من ذهب عليه بخور وريحان ليَشَمّها ويترك الطبق لمن يلحقه لا ليتملكه.
فجهل رسمه فظن أنه وَهَب ذلك له، فلما تعلّق به قلبه استُرجِع منه فضجر وتوجّع.
سنة الله في الدنيا أنها دار ضيافة للمجتازين لا للمقيمين
ومن كان عالمًا برسمه [أي بقانون الضيافة] انتفع به وشكره وردّه بطيبة قلب وانشراح صدر.
فكذلك سنة الله في الدنيا؛ فإنها دار ضيافة على المجتازين لا على المقيمين، ليتزودوا منها ما ينتفعون به كما ينتفعون بالعارية، ثم يتركونها لمن يلحق بعدهم بطيبة نفس من غير تعلّق القلب بها.
فهذه أمثلة الدنيا وما خلق الله فيها.
تعليق الشيخ على ابتلاء الناس بحب الدنيا وضرورة بناء المناهج التربوية على هذه الرؤية
[الشيخ]: وهذا الكلام هو الذي ابتُلينا به في عصور متتالية حتى تفاقم بين الناس. وينبغي أن يكون أساس ما كتبه الإمام الغزالي في العلاقة بين الدنيا والآخرة، ومعنى حب الدنيا الذي هو مخالف لحب الآخرة، ومعنى العمارة الدنيوية التي هي مزرعة للآخرة.
ومعنى أن هذه الأمثلة الطيبة التي تؤدي إلى التوكل وإلى الصبر وإلى التسليم وإلى الرضا وإلى إعطاء كل ذي حق حقه، يفتقدها كثير من الخلق الآن.
ولذلك يجب أن تُبنى المناهج التعليمية ابتداءً من تعليم الطفولة على هذه الرؤية وهذا النموذج المعرفي الرائق الذي يقدمه الإمام الغزالي.
طريق السعادة البشرية الوحيد وتحذير من التحسر على فوات الدنيا
وهو طريق، الطريق الوحيد للسعادة البشرية. الناس تُتعِس نفسها إذا ظنت أنها تملك هذه الدنيا، وأنها تتحسّر على فواتها، أو تحزن الحزن المهلك والمُهلع [أي المُفزع] عند فقد الحبيب أو بُعده ونحو ذلك من الأمور.
كلام الإمام الغزالي هنا ينبغي أن يتحول إلى مناهج تربوية وإلى أمثلة متكاثرة يتكلم بها المدرس والواعظ والشيخ إلى آخره.
الأصل الثامن في الكبر.
الأصل الثامن في الكبر والآيات والأحاديث الواردة في ذمه
[القارئ]: نعم سيدي، الأصل الثامن في الكبر.
قال الله تعالى:
﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: 35]
وقال تعالى:
﴿فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 72]
وقال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته»
وقال ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر»
وقال ﷺ: «يُحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صور الذرّ، يطؤهم الناس لهوانهم على الله عز وجل»
أحاديث في التحذير من الكبر والتعظم في المشي وفضيلة التواضع
وقال ﷺ لبلال: «إن في جهنم واديًا يقال له هبهب، حقّ على الله أن يُسكنه كل جبار، فإياك يا بلال أن تكون ممن يسكنه»
وقال ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من نفخة الكبر»
وقال ﷺ: «لا ينظر الله تعالى إلى من جرّ ثوبه خيلاء»
وقال: من تعظّم في مشيته لقي الله تعالى وهو عليه غضبان.
وقال ﷺ في فضيلة التواضع: «ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله تعالى»
أحاديث في فضل التواضع ووحي الله إلى موسى عليه السلام
وقال ﷺ: «طوبى لمن تواضع في غير مسكنة»
وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي، ولم يتعظم على خلقي، وألزم قلبه خوفي، وقطع النهار بذكري، وكفّ نفسه عن الشهوات من أجلي.
وقال نبينا ﷺ: «إذا تواضع العبد لله رفعه الله تعالى إلى السماء السابعة»
وقال ﷺ: «إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعةً، فتواضعوا رحمكم الله تعالى»
وقال ﷺ: «إنه ليعجبني أن يحمل الرجل الشيء في يده فيكون مِهنةً لأهله، يدفع به الكبر عن نفسه»
فصل في بيان حقيقة الكبر وأنه رؤية النفس فوق الغير في صفات الكمال
فصل في بيان حقيقة الكبر.
حقيقة الكبر أن يرى [الإنسان] نفسه فوق غيره في صفات الكمال، فيحصل فيه نفخة وهزّة من هذه الرذيلة والعقيدة.
ولذلك قال ﷺ: «أعوذ بك من نفخة الكبرياء»
ولذلك استأذن بعضهم عمر رضي الله عنه ليعظ الناس بعد صلاة الصبح، فقال [عمر]: لا، أخشى أن تنتفخ [أي النفس] حتى تبلغ الثريا.
ثم إن هذه النفخة يصدر منها أفعال على الظاهر، كالترفع في المجالس، والتقدم في الطريق، والنظر بعين التحقير، والغضب إذا لم يُبدأ بالسلام وقُصِّر في حوائجه وتعظيمه.
آثار الكبر من الأنفة عن الوعظ وجحد الحق واحتقار العامة
ويحمله [الكبر] على أن يأنف إذا وُعظ وعُلِّم، ويعنف إذا وُعظ وعُلِّم، ويجحد الحق إذا ناظر، وينظر إلى العامة كأنه ينظر إلى الحمير.
وإنما عظُم الكبر حتى لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه؛ لأن تحته ثلاثة أنواع من الخبائث العظيمة:
أولها: أنه منازعة لله تعالى في خصوص صفته؛ إذ الكبرياء رداؤه كما قال [في الحديث القدسي]، فإن العظمة لا تليق إلا به. ومن أين تليق العظمة من العبد الذليل الذي لا يملك من أمر نفسه شيئًا فضلًا عن أمر غيره؟
الخبيثة الثانية للكبر: جحد الحق وازدراء الخلق وخبأ الله ثلاثاً في ثلاث
الثانية: أنه يحمله على جحد الحق وازدرائه وازدراء الخلق.
قال ﷺ في بيان الكبر: «المتكبر من سفه الحق وغمص الناس»
والأُنفة من الحق تُغلق باب السعادة، وكذلك استحقار الخلق.
وقال بعضهم: إن الله سبحانه خبأ ثلاث أشياء في ثلاث: خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرنّ شيئًا منها لعل رضا الله فيه، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرنّ شيئًا منها صغيرة كانت أو كبيرة فلعل سخط الله تعالى فيها، وخبأ ولايته في عباده فلا تحقرنّ أحدًا منهم فلعله وليّ الله تعالى.
الخبيثة الثالثة للكبر: أنه يحول بين صاحبه وجميع الأخلاق المحمودة
الثالثة: أنه يحول بينه وبين جميع الأخلاق المحمودة؛ لأن المتكبر لا يقدر أن يحب للناس ما يحب لنفسه، ولا يقدر على التواضع، ولا على ترك الأنَفة والحسد والغضب.
ولا يقدر على كظم الغيظ، ولا على اللطف في النصح، ولا على ترك الرياء.
وبالجملة فلا يبقى خُلق مذموم إلا ويضطر المتكبر إلى ارتكابه، ولا خُلق محمود إلا ويضطر إلى تركه.
فصل في علاج الكبر بالإجمال ومعرفة الإنسان حقيقة نفسه
فصل في علاج الكبر بالإجمال.
العلاج الإجمالي لقمع رذيلة الكبر أن يعرف الإنسان نفسه، وأن أوله نطفة مَذِرة وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة.
ويفهم قوله تعالى:
﴿قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُ * مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 17-21]
فليعلم أنه خُلق من كتم العدم، وأنه لم يكن شيئًا مذكورًا، فلا شيء أقلّ من العدم.
مراحل خلق الإنسان من التراب إلى النطفة وضعفه أمام الأمراض والعلل
ثم خلقه من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة ليس لها سمع ولا بصر ولا حياة ولا قوة. ثم خلق له ذلك كله وهو بعد على غاية النقصان.
تستولي عليه الأمراض والعلل، وتتضاد فيه الطبائع فيهدم بعضها بعضًا، فيمرض كرهًا ويجوع كرهًا ويعطش كرهًا. ويريد أن يعلم الشيء فيجهله، ويريد أن ينسى الشيء فيذكره، ويكره الشيء فينفعه، ويشتهي الشيء فيضره.
لا يأمن في لحظة من أن يُختلس روحه أو عقله أو صحته أو عضو من أعضائه. ثم آخره الموت والتعرض للعقاب والحساب، فإن كان من أهل النار فالخنزير خير منه.
استنكار الكبر ممن يحمل العذرة وقول الحسن البصري لمن يتبختر
فمن أين يليق به الكبر وهو عبد مملوك ذليل لا يقدر على شيء؟
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى لبعض من يتبختر في مشيته: ما هذه مشية من في بطنه خرء!
فكيف يليق الكبر بمن يغسل العذرة بيده مرتين في كل يوم وهو حامل لها على الدوام؟
فصل في علاج الكبر بالتفصيل: السبب الأول الكبر بالعلم وآفته
فصل في علاج الكبر بالتفصيل.
علاج الكبر على التفصيل بالنظر إلى ما به التكبر، وهو أربع خصال:
الأول: العلم.
قال النبي ﷺ: «آفة العلم الخيلاء»
وقال ﷺ: «لا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يفي علمكم بجهلكم»
وقلّما يخلو العالم من آفة الكبر؛ فإنه يرى نفسه فوق الناس بالعلم الذي هو أشرف فضيلة عند الله تعالى. فيتكبر تارة بالدين بأن يرى نفسه عند الله عز وجل أفضل من غيره، وتارة في الدنيا بأن يرى حقه واجبًا على الناس ويتعجب منهم إن لم يتواضعوا له.
العالم المتكبر أولى بأن يسمى جاهلاً وخطر الخاتمة
وهذا بأن يُسمّى جاهلًا أولى؛ لأن العلم الحقيقي هو ما يُعرّفه ربه ونفسه وخطر خاتمته وحجة الله تعالى عليه.
ويلاحظ الخاتمة فلا يرى جاهلًا إلا ويقول: إنه عصى الله تعالى بجهل، وأنا عصيته بعلم، فحجة الله تعالى عليّ آكد.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: من ازداد علمًا ازداد وجعًا.
وقال الله تعالى لنبيه ﷺ:
﴿وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 215]
حديث قراء القرآن الذين لا يجاوز حناجرهم وحذر السلف من الكبر
وقال ﷺ: «يكون قوم يقرؤون القرآن فلا يجاوز حناجرهم، يقولون: قد قرأنا القرآن، فمن أقرأ منا ومن أعلم منا؟» ثم التفت وقال: «أولئك منكم أيها الأمة، أولئك هم وقود النار»
ومن هذا اشتد حذر السلف رحمهم الله، حتى إن حذيفة رضي الله عنه أمّ مرة بقوم، فلما سلّم قال: لتلتمسنّ إمامًا غيري أو لتصلّنّ وحدانًا، إني رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل مني.
التذكير بخطر الخاتمة وقصة عمر قبل إسلامه وحديث العالم يوم القيامة
وينبغي أن يتذكر الإنسان أنه كم من مسلم نظر إلى عمر رضي الله عنه قبل إسلامه فاستحقره، ثم كانت خاتمة عمر رضي الله عنه كما كانت، وذلك المسلم لعله ارتدّ بعده. فكان المتكبَّر عليه من أهل الجنة والمتكبِّر من أهل النار.
وما من عالم إلا ويُتصوَّر أن يُختم له بالسوء، ويُختم للجاهل بالسعادة، فكيف يكون التكبر مع معرفة ذلك؟
وقد قال النبي ﷺ: «يُؤتى بالعالم يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتابه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيطيف به أهل النار فيقولون: مالك؟ فيقول: كنت آمر بالخير ولا آتيه، وأنهى عن الشر وآتيه»
تحذير العالم من التكبر وقصة بلعم بن باعوراء وعلماء السوء
فأيّ عالم يسلم من ذلك؟ فلِمَ لا يشغله خوفه عن التكبر!
وقد قال الله تعالى في بلعم بن باعوراء وكان من أكابر العلماء:
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ [الأعراف: 176]
لأنه أخلد إلى الشهوات.
وقال الله تعالى لعلماء اليهود:
﴿كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]
فلينظر في الأخبار التي وردت في علماء السوء حتى يغلب خوفه كبره. وإنما يبقى الكبر مع هذا لمن اشتغل بعلوم غير نافعة في الدين كالجدل واللغة وغيرهما، أو لمن اشتغل بالعلم وهو خبيث الباطن فازداد خبثه بسببه.
السبب الثاني للكبر: الورع والعبادة وحماقة من يحمل مصائب الناس على كرامته
[الشيخ]: تفضل.
[القارئ]: أكمل سيدي.
[الشيخ]: اقرأ.
السبب الثاني: الورع والعبادة.
ولا يخلو المتعبد في باطنه عن كبر، وقد تنتهي الحماقة ببعضهم إلى أن يحمل مصائب الناس ومسراتهم على كرامته. فمن آذاه ومات أو مرض قال: قد رأيتم ما فعل الله سبحانه به! وربما يقول عند الإيذاء: سترون ما يجري عليه.
وليس يدري الأحمق أن جماعة من الكفار ضربوا الأنبياء وآذوهم، ثم مُتِّعوا في الدنيا فلم يُنتقم منهم، بل ربما أسلم بعضهم فسعد في الدنيا والآخرة. فكأنه يرى نفسه أفضل من الأنبياء ومؤذيه أخسّ من الكفار!
واجب العابد في التواضع للعالم والفاسق والخوف من خبث الباطن
وحقّ العابد إذا نظر إلى عالم أن يتواضع له لجهله [أي لجهل العابد مقارنة بالعالم]، وإن نظر إلى فاسق أن يقول: لعل فيه خُلقًا باطنًا يستر معاصيه الظاهرة.
ولعل في باطني حسدًا أو رياءً أو خبثًا خفيًا مَقَتَني الله تعالى عليه، فلا يقبل أعمالي الظاهرة، وإن الله سبحانه ينظر إلى القلوب لا إلى الصور.
ومن الخبث الباطن الكبر.
قصة خليع بني إسرائيل والعابد الذي أحبط الله عمله بسبب الكبر
إذ رُوي أن رجلًا من بني إسرائيل يُقال له خُلَيع بني إسرائيل لكثرة فساده، جلس إلى عابد من بني إسرائيل وقال: لعل الله تعالى يرحمني ببركته.
فقال العابد في نفسه: كيف يجلس معي مثل هذا الفاسق! وقال له: قم عني.
فأوحى الله تعالى إلى نبي زمانه: مُرهما ليستأنفا العمل؛ فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد.
قصة العابد الذي تألى على الله فلم يغفر له وحذر الأكياس من الكبر
ورُوي أن رجلًا وطئ رقبة عابد من بني إسرائيل وهو ساجد، فقال له العابد: ارفع قدمك، فوالله لا يغفر الله لك!
فأوحى الله سبحانه إليه: أيها المتألّي عليّ، بل أنت لا يغفر الله لك.
فالأكياس [أي أهل الفطانة والأدب] يَحذرون من ذلك، ويقولون ما كان يقوله عطاء السلمي مع شدة ورعه: كان إذا هبّت ريح عاصف أو صاعقة يقول: ما يصيب الناس كل ذلك إلا بسببي، ولو مات عطاء لتخلّصوا.
الفرق بين من يخلص العمل ويخاف وبين من يتكلف أعمالاً ظاهرة ويمن على الله
وقال بعضهم في عرفات: أنا أرجو الرحمة لجميعهم لولا كوني فيهم.
فانظر كم بين من يخلص العمل والورع ثم يخاف على نفسه، وبين من يتكلف أعمالًا ظاهرة لعلها لا تخلو من الرياء والآفات، ثم يمنّ على الله تعالى بعمله!
السبب الثالث للكبر: النسب وعلاجه بالنظر إلى حقيقة الأصل
السبب الثالث: الكبر بالنسب.
وعلاجه أن ينظر في نسبه؛ فإن أباه نطفة مَذِرة وجدّه التراب، ولا أقذر من النطفة ولا أذلّ من التراب.
ثم المفتخر بالنسب يفتخر بخصال غيره، ولو نطق آباؤه لقالوا: من أنت في نفسك؟ ما أنت إلا دودة من بول من له خصلة حسنة!
ولذلك قيل: لئن فخرت بآباء ذوي نسب، لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا.
وكيف يتكبر بنسب ذوي الدنيا ولعلهم صاروا حُمَمة في النار يودّون لو كانوا خنازير وكلابًا يتخلصون مما هم فيه؟
كيف يتكبر بنسب أهل الدين وهم كانوا أهل تواضع وخوف من العاقبة
وكيف يتكبرون بنسب أهل الدين وهم في أنفسهم ما كانوا يتكبرون، وكان شرفهم بالدين، ومن الدين التواضع.
وكان أحدهم يقول: ليتني كنت تبنة، وليتني كنت طائرًا. كلهم قد شغلهم خوف العاقبة عن الكبر مع عظم علمهم وعملهم.
فكيف يتكبر بنسبهم من هو عاطل عن خصالهم؟
السبب الرابع للكبر: المال والجمال والأتباع وبيان أنها أمور عارضة زائلة
السبب الرابع: الكبر بالمال والجمال والأتباع.
والكبر بها جهل؛ فإنها أمور خارجة عن الذات - أعني المال والأتباع - وكيف يتكبر بخصلة تمتد إليها يد السارق والغاصب؟
وكيف يفتخر بالجمال وحمّى شهر تُفسده والجدري يزيله؟ بل لو تفكر الجميل في أقذار باطنه لأدهشه ذلك عن تزويق ظاهره.
ولو لم يتعهد الجميل بدنه أسبوعًا بالغسل والتنظيف لصار أقذر من الجيفة، من تغيّر النكهة والصُنان [أي الرائحة الكريهة للبدن] ورائحة العذرة وكثرة الوسخ والمخاط والرَّمَص [أي الوسخ الأبيض الذي في مجرى الدمع من العينين].
فمن أين للمزبلة أن تفتخر بجمالها؟ والإنسان بالحقيقة مزبلة؛ فإنه منبع الأقذار والنجاسات.
ختام المجلس والوقوف عند الأصل التاسع في العجب
[الشيخ]: نعم، وإلى هنا نقف عند الأصل التاسع في العجب، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قدّم لنا إمامنا [الغزالي] رضي الله تعالى عنه.
حكم ترديد الأذان من أي موضع أدركه السامع ومذهب المالكية في ذلك
ويسأل سائل: هل يُشترط ترديد الأذان من بدايته؟
يتحدث العلماء عن هذا وأنه ما دام المؤذن يؤذن فيجوز في أي موضع فيه أن يبدأ، ولكنه يقول مثل ما قال المؤذن. فلو أنه أدرك الشهادتين مثلًا، فيقول: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم يُكمل بعد المؤذن معه.
والسادة المالكية عندهم أنه لو كان مع البداية فإنه يجوز له بعد الشهادتين أن يُكمل حتى لو استمرّ المؤذن في الأذان، أي من البداية يكبّر معه ويتشهد معه، ثم سريعًا يقول: حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
ويتشغل فيما كان يتشغل به من علم أو مذاكرة أو غير ذلك إلى آخره. وعلى هذا جرى كثير من أهل مصر، أي على هذا المذهب، وهو منصوص مذهب المالكية.
ضابط الدفن في أرض الخمول وأنه يحتاج إلى الشيخ المربي
ويقول سائل آخر: هل الدفن في أرض الخمول له ضابط نعرفه به أو أنه متروك للشيخ المربي؟
الضابط أنه إذا غبت لا يذكرك أحد، فهكذا تكون أنت مدفونًا في أرض الخمول، لا يسأل عنك أحد.
لا، وهذا أمر صعب؛ أنه لو غبت فكأنك أصلًا غير موجود؛ لأنك تكفي خيرك شرّك، وتقلل من اتصالك بالأنام. فهذا هو الضابط وهو ضابط كبير.
ولذلك الأفضل أن نتركه للشيخ المربي؛ لأنه يحتاج إلى إدراك الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
الدعاء بالشفاء والمغفرة والختام بالسلام
نرجو الله سبحانه وتعالى أن يشفي مريضنا، وأن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن نلتقي على الخير إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الذي قال عنه الغزالي إنه رأس كل خطيئة؟
حب الدنيا
ما حقيقة الجاه عند الغزالي؟
ملك القلوب لتتسخر لذي الجاه
لماذا يُعدّ الجاه أحبّ من المال عند الغزالي؟
لأنه محفوظ عن السرقة ويسري وينمو من غير تكلف
ما الكمال الحقيقي الذي يرجع إليه الإنسان عند الغزالي؟
العلم والقدرة والحرية
ما الذي أوحاه الله إلى داود عليه السلام كما ذكر الغزالي؟
يا داود، أنا بُدُّك اللازم فالزم بُدَّك
كيف وصف الغزالي الدنيا في فصل كونها مزرعة الآخرة؟
رباط بُني على قارعة الطريق أُعدّ فيه الزاد وأسباب السفر
ما العنصر الخامس الذي أضافه الغزالي لعوامل الإنتاج؟
الغاية
ما عقوبة من أصبح والدنيا أكبر همه وفق الحديث النبوي؟
يُلزمه الله أربع خصال: هم وشغل وفقر وأمل لا ينتهي
ما حقيقة الكبر عند الغزالي؟
رؤية النفس فوق الغير في صفات الكمال
ما الأسباب الأربعة للكبر التي ذكرها الغزالي؟
العلم والعبادة والنسب والمال والجمال والأتباع
ما الخبائث الثلاث التي تحت الكبر؟
منازعة الله في الكبرياء وجحد الحق والحيلولة دون الأخلاق المحمودة
ما العلاج الإجمالي للكبر عند الغزالي؟
معرفة الإنسان نفسه وأن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة
ما الذي أوحاه الله إلى موسى عليه السلام بشأن الصلاة المقبولة؟
إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتعظم على خلقي وألزم قلبه خوفي
ما مصير العابد الذي رفض الجلوس مع خليع بني إسرائيل؟
أُحبط عمله وغُفر للخليع
ما ضابط الدفن في أرض الخمول؟
أن لا يذكرك أحد عند غيابك كأنك غير موجود
ما الحديث النبوي الذي يصف أثر حب المال والجاه في دين المسلم؟
قال النبي ﷺ: «ما ذئبان ضاريان أُرسلا في زريبة غنم بأكثر فساداً فيها من حب المال والجاه في دين الرجل المسلم».
ما وصف النبي ﷺ لأهل الجنة في أحاديث مدح الخمول؟
أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طِمرين لا يُؤبه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يُؤذن لهم، ولو قُسِم نورهم يوم القيامة على الناس لوسعهم.
لماذا قال عمر رضي الله عنه إن المشي خلف الرجال مذلة للتابع وفتنة للمتبوع؟
لأن المشي خلف الرجال يُذل التابع بجعله تابعاً ذليلاً، ويفتن المتبوع بإيهامه أنه يستحق هذا التعظيم مما يُنمّي الكبر والغرور في نفسه.
ما سر حب الإنسان للجاه وفق تفسير الغزالي؟
الجاه معناه العلو والكبرياء وهي من الصفات الإلهية، والروح أمر رباني يناسب الأمور الإلهية بطبعه، فيحب الإنسان الجاه لهذه المناسبة الخفية.
ما الفرق بين الرفعة المحمودة والرفعة المذمومة؟
الرفعة المحمودة هي طلب القرب من الله وهو الكمال الحقيقي. والرفعة المذمومة هي طلب الكمال الوهمي بالمال والجاه عند الناس.
من هم المنكوسون عند الغزالي؟
المنكوسون هم الذين عكسوا الحقيقة فأعرضوا عن الكمال الحقيقي واشتغلوا بالكمال الوهمي، فيحترقون عند الموت بنيران الحسرة لخسارتهم الدنيا والآخرة معاً.
ما معنى الموت عند الغزالي وهل يُفني العلم؟
الموت قطع علاقة الروح من البدن لا العدم، فالإنسان بعد الموت يبقى على ما كان عليه من علم أو جهل، والعلم والإيمان لا يفارقانه بالموت.
ما شروط طلب الجاه المباح؟
يُباح طلب الجاه بثلاثة شروط: القناعة بقدر الضرورة للتحرز من الظلم، وألا يُكتسب بالمراءاة بالعبادة، وألا يُكتسب بالتلبيس بإظهار ما ليس فيه.
ما أوجه التلذذ بالمدح الثلاثة عند الغزالي؟
أولها الشعور بكمال النفس، وثانيها الشعور بملك قلب المادح وقيام الجاه عنده، وثالثها الشعور بانتشار الجاه عند الناس بسبب المادح.
ما تعريف الدنيا عند الغزالي وما المستثنى منها؟
الدنيا كل ما للإنسان فيه حظ قبل الموت، ويُستثنى منها العلم والمعرفة والحرية وما يبقى بعد الموت فهي ليست من الدنيا وإن كانت في الدنيا.
ما المهلكات الباطنة التي تندرج في الدنيا الباطنة؟
تندرج في الدنيا الباطنة: الكبر والغل والحسد والسمعة والرياء والنفاق والتفاخر والتكاثر وحب الدنيا وحب الثناء.
ما الغاية التي خُلقت الدنيا من أجلها وفق الغزالي؟
خُلقت الدنيا للتزود منها إلى الآخرة، وهي مزرعة الآخرة في حق من عرفها منزلاً للتزود لا للإقامة.
ما مثل الدنيا الذي ذكره عيسى عليه السلام لطالبها؟
قال عيسى عليه السلام: مثل طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً حتى يقتله.
ما الذي رآه عيسى عليه السلام حين كُوشف بالدنيا؟
رأى الدنيا في صورة عجوز شوهاء عليها من كل زينة، وأخبرته أنها قتلت جميع أزواجها، فقال: بؤساً لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين.
ما الحديث النبوي الذي يصف الدنيا بالمزبلة؟
أخذ النبي ﷺ بيد أبي هريرة إلى مزبلة وأراه رؤوساً وعذرات وخِرَقاً وعظاماً، وقال: هذه كانت رياشهم ولباسهم وأطعمتهم ودوابهم، فمن كان باكياً على الدنيا فليبكِ.
ما قول عيسى عليه السلام في عدم استقامة حب الدنيا والآخرة معاً؟
قال عيسى عليه السلام: لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد.
ما شرط قبول الصلاة وفق الوحي لموسى عليه السلام؟
أوحى الله إلى موسى: إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ولم يتعظم على خلقي، وألزم قلبه خوفي، وقطع النهار بذكري، وكفّ نفسه عن الشهوات من أجلي.
ما الذي يحول بين العابد المتكبر وقبول أعماله؟
الخبث الباطن كالكبر والرياء قد يُحبط الأعمال الظاهرة، لأن الله ينظر إلى القلوب لا إلى الصور، كما في قصة العابد الذي أُحبط عمله بسبب كبره على الخليع.
ما الذي خبأه الله في ثلاثة أشياء وفق ما ذكره الغزالي؟
خبأ الله رضاه في طاعته فلا تحقرنّ شيئاً منها، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرنّ صغيرة، وخبأ ولايته في عباده فلا تحقرنّ أحداً فلعله وليّ الله.
لماذا يُعدّ الكبر بالجمال جهلاً عند الغزالي؟
لأن الجمال تُفسده حمّى شهر ويُزيله الجدري، ولو لم يتعهد الجميل بدنه بالغسل لصار أقذر من الجيفة، والإنسان في حقيقته منبع الأقذار والنجاسات.
