ما هي أركان الفتوى وشروط المفتي وكيف تتغير الأحكام الشرعية بتغير الواقع المعاصر؟
الفتوى بيان الحكم الشرعي في واقعة محددة، وتقوم على ثلاثة أركان: إدراك النص الشرعي، وإدراك الواقع بمكوناته المختلفة، وكيفية الوصل بينهما. ويشترط في المفتي التعليم والتدريب والتربية الأخلاقية، وتصدّر غير المؤهل للفتوى إفساد في الأرض. كما تتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهو ما قرره الفقهاء كالقرافي وابن عابدين.
- •
كيف يمكن للمفتي أن يُصدر حكمًا صحيحًا في واقع متغير متشعب لم يعرفه الفقهاء القدامى؟
- •
الفتوى تقوم على ثلاثة أركان: إدراك النص الشرعي ثبوتًا واستنباطًا، وإدراك الواقع بعوالمه الأربعة، وكيفية الوصل بينهما.
- •
تتغير الأحكام الشرعية بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، كما قرره القرافي وابن عابدين في المجلة العدلية.
- •
التجربة المصرية في الإفتاء منذ 1895 تطورت من مذهب واحد إلى الفقه الإسلامي الواسع الذي يشمل خمسة وثمانين مذهبًا، مع دور المجامع الفقهية في المستجدات.
- •
تصدّر غير المؤهل للفتوى كبيرة من الكبائر وإفساد في الأرض، ويجب تسمية الآراء الضالة بأسمائها وعدم إطلاق لفظ الفتوى عليها.
- •
المشرب المتشدد الذي أُنفقت عليه مليارات هو بيئة صالحة للتطرف، ومواجهته تكون بمنهج أهل السنة والجماعة القائم على الوسطية والاعتدال.
- 3:00
افتتاح محاضرة في جامعة الأمير عبد القادر حول الفتوى ومستجدات الحياة المعاصرة وأصول الفقه الإسلامي.
- 4:20
كلمة شكر وترحيب موجزة لجامعة الأمير عبد القادر ورئيسها وعميد الكلية والحضور.
- 4:56
الفتوى بيان الحكم الشرعي في واقعة محددة، وركنها الأول إدراك النص الشرعي ثبوتًا واستنباطًا لأحكام الله في أفعال البشر.
- 6:29
الركن الثاني للفتوى إدراك الواقع الذي حدّده مالك بن نبي في أربعة عوالم: الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار.
- 7:32
الماء مثال على الفرق بين المعرفة الظاهرة والحقيقة الكامنة؛ فهو لطيف في ظاهره لكنه طاقة هائلة في جوهره.
- 8:26
ترجمة Science بـ'العلم' خاطئة لأن العلم الإسلامي أشمل، مصادره العقل والحس والتجريب والنقل، لا التجريب وحده.
- 9:42
مصادر المعرفة الإسلامية هي الوحي والواقع معًا، أي كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور، وكلاهما من عند الله.
- 10:24
المنهج المعرفي الإسلامي يُقيّد هيمنة العلم التجريبي بعالم الأشياء فقط مع مراعاة علاقاته بالعوالم الأخرى.
- 10:53
الشخصية الاعتبارية لها أصول في الفقه الإسلامي كالأوقاف وبيت المال، لكنها تطورت حتى استقلت عن الشخص الطبيعي.
- 11:53
رجال المال سبقوا رجال القانون والشريعة في تطوير الشخصية الاعتبارية حتى استقلت المؤسسة عن مؤسسيها وأثّرت في الأسواق العالمية.
- 13:08
المفتي ملزم بإدراك بيئة المواصلات والاتصالات الحديثة لأن الواقع تحوّل جذريًا وأصبحنا نعيش في قرية عالمية واحدة.
- 14:13
العولمة والاتصالات الحديثة رفعت الحدود بين الأفكار والثقافات وأثّرت في كل مناحي الحياة مما يستوجب إدراكه عند الإفتاء.
- 15:03
الأحكام الشرعية تتغير بأربع جهات كما قررها القرافي: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، ومنها الفرق بين السلم والحرب والضرورة.
- 15:54
عمر بن الخطاب أوقف الحد في عام الرمادة تطبيقًا لقاعدة الضرورة، وإذا زالت الضرورة عاد الحكم الأصلي.
- 16:29
المجلة العدلية لابن عابدين تقرر أن الأحكام المبنية على الأعراف تتغير بتغيرها محافظةً على مقصود الشرع لا تغييرًا للحكم ذاته.
- 17:06
الفقه الحنفي أجاز للوقف الاستدانة بفائدة لأنه شخصية اعتبارية لا روح لها، مما يدل على تغير الأحكام بتغير الأشخاص.
- 18:27
يجب وضع قواعد منضبطة لتغير الأحكام بتغير الأشخاص لتحقيق المقاصد والمصالح ضمن نمط شرعي لا يخرج عن الفقه الموروث.
- 19:20
الوصل بين الفقه الموروث والواقع المعاصر شديد التركيب يستلزم مرونة في التطبيق مع الثبات على الهوية الإسلامية.
- 19:57
يجب على المفتي تعلم تحليل الواقع وإدراك المتغيرات لأن الواقع تغيّر جذريًا عن عصر الفقهاء القدامى.
- 21:08
سرعة التنقل الحديثة بالطائرة أفقدت الإنسان فرصة اللقاء الحميم والتفاهم العميق وأثقلت كاهله بالنشاط على حساب الفكر.
- 22:18
أزمة العصر أن النشاط يسبق الفكر والعقل يُسكت القلب، وهو انعكاس أثّر في الفنون والآداب وطريقة الحياة.
- 23:17
إلغاء مستحدثات العصر غير مطلوب شرعًا، والواجب هو إدراك العصر والتعامل معه بمقتضيات الدين كما فعل السلف الصالح.
- 24:28
المطلوب إعادة صياغة العقيدة الإسلامية لا تغييرها، مع الحفاظ على ثوابت الإيمان بالله والرسل والتكليف واليوم الآخر.
- 25:22
الإسلام يُقرّ المساواة في الكرامة والحقوق لا التساوي المطلق، وبالتمايز الوظيفي يتحقق التكامل الذي أراده الله للكون.
- 26:17
الإسلام يرفض فلسفة الجندر التي تُلغي الفوارق بين الجنسين، ويُحرّم التشبه بين الرجال والنساء استنادًا إلى النص القرآني والحديث النبوي.
- 27:22
النموذج المعرفي الإسلامي يؤمن بالمطلق ويرى الإنسان مكرّمًا مستخلفًا في الأرض هدفه العبادة والعمارة وتزكية النفس.
- 28:18
النموذج الغربي يجعل الحكم من عند الإنسان عبر التشريع البشري، بينما الإسلام يجعل الحكم من عند الله والتكليف حقيقة خارجية.
- 29:13
يجب عرض العقيدة الإسلامية بأسلوب يجيب على أسئلة العصر كالنسبية والمطلق، في مواجهة مدارس ما بعد الحداثة التي تهدم اللغة والدين والأسرة.
- 30:34
السلف الصالح واجهوا تراث البشرية بعقيدة راسخة، والجهود الحالية باهتة وتحتاج إلى دور أكبر من الجامعات الإسلامية.
- 31:30
الركن الثالث للفتوى هو كيفية الوصل بين النص والواقع، وهو فن يستلزم مهارة خاصة لأن الواقع لم يعد ثابتًا.
- 32:32
العلوم الاجتماعية والإنسانية ظهرت في أواسط القرن التاسع عشر مع علامة فارقة هي دخول الحديد في السفينة عام 1830.
- 33:25
دخول الحديد في السفينة عام 1830 علامة فارقة فتحت باب الاكتشافات الحديثة من الطيران إلى الاتصالات والتلفاز والهاتف المحمول.
- 34:34
العلوم الاجتماعية الحديثة نشأت من نموذج معرفي غير إسلامي، والفتوى تحتاج إلى علوم منبثقة من النموذج الإسلامي لإدراك الواقع.
- 35:54
التراث الإسلامي الضخم يحتاج إلى همة علمية وتحديد طريق واضح للانطلاق، والنموذج المعرفي الإسلامي قوي ومتين.
- 36:35
يُشترط في المفتي التعليم والتدريب والتربية الأخلاقية، مع الصبر والسماحة وسعة الصدر والشعور بالمسؤولية.
- 37:34
تصدّر غير المؤهل للفتوى إفساد في الأرض كالدجال في الطب، والأديان ليست أقل أهمية من الأبدان عند الله.
- 38:50
التصدر للفتوى قبل التعلم والتدريب إفساد في الأرض، كمن يبدو من الخارج رخامًا ومن الداخل فحمًا.
- 39:50
التصدر للفتوى بلا تعلم ولا تدريب ولا تخلّق كبيرة من الكبائر، والواجب أن يلزم كل إنسان مهنته التي أقامه الله فيها.
- 40:37
الفقه علم بالأحكام، والفتوى بيان يضيف إدراك الواقع، والقضاء يُلزم بالحكم ظاهرًا وباطنًا بسلطة الإلزام.
- 42:02
القضاء يغيّر الواقع وينفّذ ظاهرًا وباطنًا بسلطة الإلزام، بخلاف الفتوى التي هي بيان لا إلزام.
- 42:55
الفتوى تمر بأربع مراحل في ذهن المفتي، أولها التصوير الذي يقع عبؤه على السائل مع مسؤولية جزئية على المفتي.
- 44:13
ملكة الإفتاء تُكتسب بالممارسة الطويلة حتى يصبح المفتي قادرًا على فهم السؤال وتمييز الصادق من الكاذب.
- 44:39
مرحلة التكييف هي تحديد نوع المسألة وتصنيفها في أبواب الفقه المناسبة من عبادات أو معاملات وأنواع عقودها.
- 45:20
مرحلة الحكم هي تحديد الحكم الشرعي المجرد للمسألة، وهي تختلف عن الإفتاء الذي يراعي الجهات الأربع.
- 46:02
مرحلة الإفتاء تختلف عن الحكم لأنها تراعي الجهات الأربع، فقد يكون الفعل منزوع الإثم بسبب الإكراه أو الجهل.
- 47:06
الإكراه والغضب الشديد المُفقد للإدراك يمنعان وقوع الطلاق، وهذا تطبيق لمرحلة الإفتاء التي تراعي الأحوال.
- 47:35
دار الإفتاء المصرية تأسست عام 1895 بتحويل منصب الإفتاء إلى مؤسسة، وأول من تولّاها شيخ الأزهر حسونة النواوي.
- 48:37
دار الإفتاء المصرية أُسست على المذهب الحنفي الرسمي للدولة العثمانية، وجاء محمد عبده مفتيًا عام 1899.
- 49:42
محمد عبده أدخل الفقه المالكي في الفتوى لأنه أكثر تسامحًا في قضايا الأسرة، دون ترك المذهب الحنفي كله.
- 50:58
مدرسة محمد عبده في توسيع مصادر الفتوى انتشرت بعد وفاته، وتُوّجت بلجنة شرعية قانونية عام 1925 أخذت من مذاهب متعددة.
- 52:00
التوسع في مصادر الفتوى تطور تدريجيًا من المذاهب الأربعة إلى الثمانية إلى الفقه الإسلامي الواسع عند الحاجة.
- 53:05
الفقه الإسلامي الواسع يشمل خمسة وثمانين مذهبًا موجودة في المجموع للنووي والمحلّى لابن حزم والمغني لابن قدامة.
- 54:31
المجامع الفقهية والجماعة العلمية تتدخل في المستجدات التي لا نص فيها في المذاهب المعتمدة، وهي مسائل معدودة نادرة.
- 55:21
تراكم قضايا الخلع في المحاكم المصرية دفع إلى تشكيل لجنة لتقنينه، والأئمة الأربعة يُلزمون المرأة بردّ ما يريده الرجل.
- 56:22
قانون الخلع المصري صدر متمسكًا بنص حديث امرأة ثابت بن قيس، إذ تردّ المرأة المهر فقط دون زيادة.
- 57:37
قانون الخلع أسعد النساء وأغضب الرجال، إذ تردّ المرأة المهر مهما كان قليلًا وتنال الطلاق.
- 58:14
الرجل أساء استعمال حق الطلاق موضوعيًا، والفتوى تقوم بدور اجتماعي مهم في بناء الأسرة والمحافظة عليها.
- 59:48
التجربة المصرية تنتقل بين المذاهب على مستوى المسألة لا المصدرية الكاملة، بمنهج متدرج من الأربعة إلى الثمانية إلى الفقه الواسع.
- 60:57
التجربة المصرية في الإفتاء تحتاج إلى رصد وشرح واستفادة وتطوير، وهي تجربة ثرية تستحق الدراسة.
- 61:29
دار الإفتاء المصرية أصدرت 120 ألف فتوى في 110 سنوات، اختير منها 4500 فتوى ونُشرت في 23 مجلدًا وعلى قرص مدمج.
- 62:39
محمد عبده أصدر ألف فتوى في ست سنوات، بينما تُصدر دار الإفتاء اليوم ثمانية آلاف فتوى شهريًا بسبب زيادة السكان وتعقيد الحياة.
- 65:08
الزيادة في الفتاوى تفوق زيادة السكان بمائة مرة، مما يدل على عوامل أخرى كتعقيد الحياة وتزايد الحاجة إلى الإرشاد الديني.
- 66:19
60% من الفتاوى تتعلق بالأسرة مما يكشف الدور الاجتماعي المهم للفتوى في بناء الأسرة المسلمة والمحافظة عليها.
- 67:22
الإحصائيات تكشف ظاهرة نفسية غريبة: الرجل الفاسد يحرص على شرعية أسرته، مما يُثبت الدور الاجتماعي المهم للفتوى.
- 68:14
المتطرفون أساؤوا فهم فتوى ابن تيمية في التتار واستخدموها مسوّغًا للعنف، وهو فهم معكوس لما قصده ابن تيمية.
- 69:27
فتوى ابن تيمية الصحيحة تدعو إلى الوقوف مع أجناد الإسلام ضد الغازي الخارجي، لا إلى تكفير المسلمين وقتالهم.
- 70:33
المماليك في فتوى ابن تيمية كانوا يشربون الخمر وليسوا أتقياء، لكنه أمر بالوقوف معهم ضد الغازي لأنهم جند الإسلام.
- 71:44
ابن تيمية يدعو إلى الوقوف مع جند الإسلام ضد الغازي بجبهة واحدة رغم عيوبهم، كالجبهة الوطنية التي حررت الجزائر.
- 72:51
المتطرف قرأ فتوى ابن تيمية معكوسة فجعل الدولة تتارًا ونفسه مملوكًا، وهذا دليل على أن محرّكه هوى لا فكر.
- 73:44
السلطان الغوري أراد تطبيق الرجم فأخبره العلماء بصعوبة شروطه، إذ لم يُطبَّق في مصر منذ خمسمائة سنة.
- 74:48
شروط حد الرجم صعبة جدًا تستلزم أربعة شهود، والحكمة أن الشريعة تدعو إلى الستر لا إلى الفضيحة.
- 75:47
الستر لا يعني إباحة الزنا، والغوري الذي أصرّ على الرجم بيده رغم رفض القضاة انتهى بمقتله على يد سليم خان.
- 76:54
الغوري رجم الشاب بيده رغم رفض القضاة فانتهى بمقتله على يد سليم خان في مرج دابق، وهو درس في خطورة تطبيق الحدود خارج شروطها.
- 77:52
الحدود لم تُطبَّق في مصر منذ ألف سنة بسبب صعوبة شروطها الشرعية لا بسبب الثورة أو الحكام المعاصرين.
- 78:46
المتطرف لم يقرأ ابن تيمية ولا القرآن ولا الفقه كاملًا، وهو مصمّم على فهم خاطئ يبني عليه أحكامه.
- 79:47
اختُتمت المحاضرة بفتح باب الأسئلة والمناقشة مع الحضور، مع الأمل في صحوة إسلامية وتسامح ومصالحة.
- 81:09
أسئلة حول فتاوى غريبة تشمل تحريم نقد الحاكم وتحريم صنع أسلحة الدمار الشامل واعتبار أمريكا حاكمًا متغلّبًا.
- 83:45
منهج التشدد والتمسك بظاهر النص موجود منذ عهد الصحابة وسُمّي أصحابه بالخوارج، وليس ظاهرة حديثة.
- 84:39
الإعلام يُضخّم ظاهرة التطرف لكن جمهور الأمة ليس عليها، والنصيحة للحاكم واجبة شرعًا لا محرّمة.
- 85:52
أهل السنة والجماعة يواجهون التشدد بمنهج علمي يدرس النص ومقاصده والواقع، ويرتكب أخف الضررين ويحصّل أعظم المنافع.
- 87:57
ظاهرة استيراد الفتوى عبر الفضائيات أربكت المشهد الديني في الجزائر، وطُرح سؤال عن دور منصب مفتي الجمهورية في حل هذه الإشكالية.
- 89:18
منصب الإفتاء منصب علمي مستقل لا سياسي، يحافظ على جلال العلم ويصدع بكلمة الحق دون تدخل من أحد.
- 90:15
الحكومة المصرية تدخلت في الفتوى ثلاث مرات فقط في 110 سنوات، ورفض المفتي في كل مرة مؤكدًا استقلالية دار الإفتاء.
- 92:49
الأزهر نما من 7 معاهد إلى 7500 ومن 3 كليات إلى 70 ومن 20 ألف طالب إلى مليونين، والادعاء بتراجعه كلام باطل.
- 94:24
الأزهر مؤسسة ألف سنة لا يستطيع أحد هدمها، ومن يحاول ذلك كمن يضرب رأسه في الهرم.
- 95:32
العالم الحقيقي يستند إلى علمه كله كدليل كالطبيب، ولا يحتاج إلى تبرير كل فتوى من الصفر أمام كل سائل.
- 96:47
مواجهة الفتاوى المستوردة تكون بتكوين رأي عام يرفض الاستماع لغير المتخصص، استنادًا إلى حديث النبي ﷺ عن الكذب.
- 97:37
الفتنة الدموية في الجزائر كشفت أن الفتاوى المستوردة غير معمول بها في بلدانها الأصلية، مما يُثير تساؤلًا عن طبيعتها.
- 100:01
الفتاوى التي أشعلت الفتنة لم تصدر عن علماء حقيقيين بل عن خريجي كليات غير شرعية، ويجب تسميتها آراء ضالة لا فتاوى.
- 101:33
تسمية الآراء الضالة بالفتاوى يُعطيها مشروعية زائفة، والصواب تسميتها آراء ضالة حمايةً للشباب وإجلالًا لمنصب الفتوى.
- 103:45
تسمية الآراء الضالة بأسمائها الصحيحة يحمي الشباب ويُجرّد هذه الآراء من المشروعية الزائفة التي أُعطيت لها.
- 104:47
لا يوجد عالم مسلم حقيقي أفتى بسفك الدماء، وعمر عبد الرحمن أستاذ تفسير لا فقيه ولم يُفتِ هذه الفتاوى أصلًا.
- 105:53
عشرون مليون أزهري لم يُفتِ أي منهم بسفك الدماء، مما يُثبت أن المشكلة في غير المتعلمين لا في الأزهر.
- 106:54
النبي ﷺ حذّر من تسمية الأشياء بغير أسمائها كاستحلال الخمر بتسميتها شمبانيا، وهذا يُطبَّق في تسمية الآراء الضالة فتاوى.
- 108:05
المشرب المتشدد بيئة صالحة للتطرف رغم معارضته له، بينما المشرب اللين يحمي الناس من التطرف ويُبعدهم عنه.
- 109:24
التوجه المتشدد الذي ظهر في جزيرة العرب منذ مائتي سنة يُسمّي نفسه سلفية وأهل حديث، وهو مخالف لمنهج الأزهر الوسطي.
- 110:27
نونية القحطاني تُكفّر الأشاعرة وتُوزَّع بالملايين، وهي تُهيّئ بيئة للتطرف وتُهدد وحدة الأمة الإسلامية.
- 112:21
الفتوى من بعيد إشكالية لأن المفتي لا يعرف عرف المستفتي وحيثياته، مما يُحدث تضاربًا في الفتاوى عبر الأثير.
- 112:58
الفاتحة في المغرب تعني عقد الزواج بينما في المشرق لها معنى آخر، وهذا يُجسّد خطورة الفتوى من بعيد التي تجهل عرف المستفتي.
- 113:56
الحل العملي لمشكلة الفتوى المستوردة هو تبيين المذهب عند السؤال واختيار من يُسمع، مع إغلاق قنوات الفتوى غير المتخصصة.
- 114:47
بلوغ البشرية ستة مليارات حالة غير مسبوقة في التاريخ تستدعي فكرًا جديدًا وأساليب جديدة في الفتوى والتعامل مع الواقع.
- 115:39
الفتاوى المعاصرة الإشكالية تشمل مسائل طبية كاستخدام كبد الخنزير، وآراء تُنكر الحقائق العلمية ككروية الأرض.
- 116:47
آراء إنكار كروية الأرض صادرة عن شخصيات دينية في الجزيرة العربية وموثّقة، وهي آراء عجيبة لا علاقة لها بالفتوى الشرعية.
- 117:55
إنكار كروية الأرض تخلّف علمي لا فتوى شرعية، لأن الفتوى بيان حكم شرعي في فعل الإنسان وكروية الأرض لا علاقة لها بذلك.
- 119:05
الإصرار على تسمية الآراء الضالة فتاوى يُعطيها مشروعية زائفة، وأصحابها لم يتلقوا أي تعليم منهجي شرعي.
- 120:39
الاقتراح العملي هو تسمية الآراء المنحرفة بالآراء الضالة لا بالفتاوى، إجلالًا لمنصب الفتوى وحمايةً للأمة.
- 121:39
فتوى محلية أجازت سرقة الكتب مثال على الآراء الضالة التي يُسمّيها أصحابها فتاوى، والصواب رفض هذه التسمية.
- 122:23
الحل المؤسسي لفوضى الفتاوى هو تأسيس هيئات فتوى من مرجعيات دينية عالمة تستعين بخبرات علمية متخصصة.
- 122:52
التشدد المذهبي أدى إلى صراع بين الشباب العرب والمجاهدين الأفغان، إذ اعتبر المتشددون الأشاعرة والحنفية أولى بالقتال من الروس.
- 124:41
ابن باز تراجع في آخر حياته وقال إن الخلاف مع الأشاعرة لفظي لما رأى أن تشدده سيؤدي إلى قتل المسلم أخاه.
- 125:57
كتب التويجري في إنكار كروية الأرض تخلّف علمي لا فتاوى شرعية، وتسميتها فتاوى خطأ يُعطيها مشروعية لا تستحقها.
- 127:36
الشيخ بخيت المطيعي ألّف 500 صفحة في موافقة العلوم الحديثة للإسلام، وهو نقيض موقف التويجري الذي أنكر كروية الأرض.
- 128:38
فتاوى محمد بن إبراهيم في تكفير الشيعة والإباضية والأشاعرة أثارت أزمة دولية اضطرت إلى سحب المجلدات الثلاثة عشر.
- 130:13
التعليم المنهجي الشامل شرط أساسي لتأهيل المفتي، والمقارنة بين المتعلم وغيره كالمقارنة بين علبة صابون والهرم.
- 131:04
اختُتمت المحاضرة بالشكر للمحاضر والحضور على إثراء اللقاء العلمي، مع الأمل في تكرار مثل هذه اللقاءات.
ما موضوع محاضرة الفتوى التي أُلقيت في جامعة الأمير عبد القادر؟
المحاضرة تناولت موضوع الفتوى ومستجدات الحياة المعاصرة، مع التركيز على أصول الفقه وكيفية تسديد أصول الأزهر الشريف. وقد رحّبت الجامعة بالمفتي باعتبار الزيارة فتحًا كبيرًا يدعم البحث العلمي والدراسات الإسلامية والفقهية.
ما مضمون كلمة الشكر التي افتُتحت بها المحاضرة؟
كلمة شكر موجزة وُجّهت لجامعة الأمير عبد القادر ورئيسها وعميد الكلية والحضور، مع الترحيب بالجميع.
ما تعريف الفتوى وما أركانها الأساسية؟
الفتوى هي بيان الحكم الشرعي في واقعة محددة، وتنبثق من العلم. وللفتوى ثلاثة أركان: الركن الأول هو النص الشرعي ثبوتًا واستنباطًا، أي استخراج الأحكام الشرعية المتعلقة بفعل الإنسان من النص. وحكم الله هو خطابه المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
ما الركن الثاني للفتوى وكيف حدّد مالك بن نبي مكونات الواقع؟
الركن الثاني للفتوى هو إدراك الواقع. وقد حدّد مالك بن نبي الواقع بأنه مكوّن من عالم الأشياء وعالم الأشخاص وعالم الأحداث وعالم الأفكار. وأضاف بعض علماء السياسة عالم النُّظم، وإن كان بعضهم يرى أن النُّظم هي المكوّن من هذه العوالم الأربعة.
كيف يُمثّل الماء الفرق بين المعرفة الظاهرة والحقيقة العلمية الكامنة؟
الماء في ظاهره لطيف خفيف أساس للحياة، لكن في حقيقته العلمية هو نار موقدة لأن الهيدروجين يشتعل والأكسجين يساعد على الاشتعال. ولو انفصلت ذراته تولّدت طاقة مدمرة أو معمّرة حسب نية الإنسان واستعماله، مما يدل على أن الواقع أعمق مما يبدو للعيان.
لماذا تُعدّ ترجمة كلمة Science بـ'العلم' ترجمة خاطئة في السياق الإسلامي؟
كلمة Science في التجربة البريطانية تعني العلم التجريبي الحسي فقط، لكن العلم عند العرب والمسلمين أشمل؛ إذ يشمل العلوم الطبيعية وغيرها، ومصادره العقل والحس والتجريب والنقل. لذا فإن ترجمة Science بـ'العلم' ترجمة خاطئة لأنها تُضيّق معنى العلم الإسلامي الواسع.
ما مصادر المعرفة في الإسلام وكيف جمعت آيات سورة العلق بينها؟
جعل الله مصادر المعرفة الإسلامية القرآن والأكوان، أو الوحي والواقع، أو كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور. وقد جمعت آيات سورة العلق بين هذين المصدرين وجعلت كليهما من عند الله، إذ قال تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾.
ما حدود هيمنة العلم التجريبي في المنهج المعرفي الإسلامي؟
المنهج المعرفي الإسلامي لا يجعل العلم التجريبي مهيمنًا على التعامل مع جميع العوالم، بل يجعله مهيمنًا على عالم الأشياء فقط، مع مراعاة العلاقات البينية بين هذه الأشياء وبين العوالم الأخرى.
ما أصول الشخصية الاعتبارية في الفقه الإسلامي وكيف تطورت في القانون الحديث؟
الشخصية الاعتبارية لها أصول في الفقه الإسلامي تتمثل في الديوان والدولة والمسجد وبيت المال والأوقاف. غير أن هذه الفكرة تطورت جدًا حتى استقلت استقلالًا كبيرًا عن الشخص الطبيعي، وأصبح من المناسب دراستها بحالها باعتبارها من مستحدثات العصر.
كيف سبق رجال المال رجال القانون والشريعة في تطوير الشخصية الاعتبارية؟
ظهرت الشخصية الاعتبارية في بريطانيا في أواسط القرن التاسع عشر، وسبق رجال المال رجال القانون ورجال الشريعة في توليد نماذج وأحكام لها. وقد استقلت المؤسسة عن مؤسسيها ومديريها والمتعاملين معها، وأصبحت تُتعب رجال القضاء والقانون والشريعة في العالم كله بسبب تأثيرها في عالم المال والبنوك والبورصات والشركات عابرة القارات.
لماذا يجب على المفتي إدراك بيئة المواصلات والاتصالات والتقنيات الحديثة؟
أصبح المفتي ملزمًا بإدراك الواقع الذي تعيش فيه الشخصية الطبيعية والاعتبارية، وهو واقع تحوّل جذريًا منذ 1830 حين اخترع الناس ما غيّر الحياة اليومية كليًا. أصبحنا نعيش في قرية عالمية واحدة رُفعت فيها الحدود بين الأفكار، وكل يوم نعيش حياة جديدة لم تكن موجودة بالأمس.
كيف أثّرت العولمة والاتصالات الحديثة في تداول الأفكار والثقافات؟
أصبح بإمكاننا إدراك أي حدث في العالم فورًا عبر التلفزيون، بينما كان خبر مارتن لوثر يصلنا بعد مائة سنة من ظهوره. هذا التقارب أثّر في الأكل والشرب واللباس والمواصلات والأفكار وتداول المال وحركة الحياة، مما يستوجب إدراك الأشخاص سواء كانت طبيعية أم معنوية أم اعتبارية.
ما الجهات الأربع التي تتغير بها الأحكام الشرعية كما قررها القرافي؟
قرر القرافي في كتبه الأصولية أن الأحكام تتغير بتغير الزمان وبتغير المكان وبتغير الأشخاص وبتغير الأحوال. فتتغير من دار الإسلام إلى دار غير المسلمين، وتتغير بين حالة الحرب وحالة السلم إذ تُقام الحدود في السلم ولا تُقام في الحرب، وتتغير في حالة الضرورة وفي حالة العادة.
كيف طبّق عمر بن الخطاب قاعدة الضرورة في عام الرمادة وما حكم زوال الضرورة؟
في عام الرمادة أوقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحدّ واتخذ إجراءات احترازية بسبب الطارئ. وهذا لا يكون دائمًا، بل إذا زالت الضرورة عاد الأمر إلى حكمه الأصلي، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه﴾.
كيف تتغير الأحكام بتغير الأعراف وما قاعدة المجلة العدلية في ذلك؟
قرر ابن عابدين إمام الحنفية في المجلة العدلية أن الأحكام تتغير بتغير الزمان، أي بتغير الأعراف التي بُنيت عليها. فإذا كان الحكم مبنيًا على عرف قد تغيّر تغيّرت هيئة الحكم، لأن الحكم في ذاته لا يتغير، وإنما تتغير هيئته محافظةً على مقصود الشرع الشريف.
كيف أشار الفقه الإسلامي إلى تغير الأحكام بتغير الأشخاص في مسألة الوقف؟
أشار الفقه الإسلامي إلى تغير الأحكام بتغير الأشخاص؛ فلم يُفرض على الوقف زكاة ولا على بيت المال زكاة. وأجاز السادة الحنفية للوقف أن يستدين بفائدة لأنه شخصية اعتبارية لا روح لها، فالبستان مثلًا يستدين ألفًا ويردها ألفًا ومائتين من إيراده لإصلاحه، وهذا جائز لأنه ليس له نفس ناطقة يُخاف عليها.
لماذا يجب وضع قواعد منضبطة لتغير الأحكام بتغير الأشخاص؟
فكرة تغير الأحكام بتغير الأشخاص موجودة في الفقه الموروث، ويجب دراستها ووضع قواعد لها حتى نحكم على الواقع المعيش. والهدف تحقيق المقاصد والمصالح في الوقت نفسه بنمط شرعي منضبط لا يخرج عن شرع الله ولا عن علم السلف الصالح، مع القيام بواجب الوقت من إدراك الفقه الإسلامي أصولًا وفروعًا.
كيف يتم الوصل بين الفقه الموروث والواقع المعاصر شديد التركيب؟
يجب إحداث وصلة بين ما فُهم من الفقه الموروث وبين الواقع المعاصر الشديد التركيب والتعقيد والتداخل والسرعة والانسياب، من غير خروج عن الهوية الإسلامية. ومعنى ذلك أن الحدود بين الدول والأفكار والأشخاص قد رُفعت، مما يستوجب مرونة في التطبيق مع الثبات على الأصول.
هل يجب على المفتي تعلم تحليل الواقع وإدراك المتغيرات المعاصرة؟
نعم، يجب على المفتي أن يتعلم تحليل المضمون وأن يقرأ الأحداث قراءة جديدة ويتتبعها ليفهم ما وراءها. فالواقع قد تغيّر؛ فواقع عمر بن الخطاب يختلف عن واقع الإمام الباجوري في القرن التاسع عشر الذي كان ينتقل من القاهرة إلى الإسكندرية في ثلاثة أيام ولا يستطيع الاتصال بالهاتف.
كيف أثّرت سرعة التنقل الحديثة على العلاقات الإنسانية والتفاهم بين الناس؟
السفر الحديث بالطائرة جعل اللقاء الحميم والتفاهم والتبادل الحقيقي شبه مستحيل، فالإنسان يجد نفسه في مكان ثم في آخر دون فرصة للتأمل. وكان السفر قديمًا يستغرق شهورًا مما يتيح التعارف العميق، أما الآن فالسرعة أثقلت كاهل الإنسان وجعلته يقدّم النشاط على الفكر.
ما أزمة العصر الحديث التي وصفها رينيه جونو وكيف انعكست على الإنسان؟
يرى رينيه جونو أن أزمة العصر هي أن النشاط أصبح يسبق الفكر، فقبل أن يفكر الإنسان ينشط. قديمًا كان القلب يسيطر على العقل والعقل يسيطر على النشاط، أما الآن فالنشاط يُسكت العقل والعقل يُسكت القلب. وقد أثّر هذا الانعكاس في الفنون والآداب وطريقة الأكل وكثير من مناحي الحياة.
هل يجوز إلغاء مستحدثات العصر كالشخصية الاعتبارية والاتصالات الحديثة؟
لا يجوز ولا يُطلب شرعًا إلغاء مستحدثات العصر كالشخصية الاعتبارية والاتصالات والمواصلات، بل إن استبدال الطائرات والدبابات بالسيوف والخيول عبث وإضعاف. القضية هي قيام بواجب الوقت: أن نعيش مثلما كان يعيش السلف في إدراك عصرهم ثم الدخول فيه بمقتضيات الدين وجوهريته.
ما الفرق بين تطوير العقيدة الإسلامية وتغييرها في مواجهة التحديات المعاصرة؟
المطلوب إعادة صياغة العقيدة لا تغييرها؛ فنحن نؤمن بوجود إله واحد أنزل الكتب وأرسل الرسل وهناك تكليف ويوم آخر فيه حساب. ونؤمن بقداسة الأشياء كالمصحف والكعبة وقداسة الأشخاص كالنبي ﷺ، ونؤمن بحرمة الأشياء. هذه الثوابت لا تتغير، لكن طريقة عرضها وصياغتها تحتاج إلى تجديد.
ما الفرق بين المساواة والتساوي في الإسلام وكيف يرد على فلسفة الجندر؟
الإسلام يؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة وبين الغني والفقير وبين الحاكم والمحكوم، لكنه لا يؤمن بالتساوي؛ فلكل منهم مكانته وخصائصه ووظائفه، وبذلك يحدث التكامل الذي أراده الله. قال تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ مساواة، ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ خروج عن التساوي.
ما موقف الإسلام من فلسفة الجندر والتشبه بين الجنسين؟
فلسفة الجندر تدّعي أنه ليس هناك ذكر ولا أنثى وأن كل واحد يختار ما يشاء، وقد جعلت الشذوذ حقًا من حقوق الإنسان. والإسلام يرفض ذلك استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض﴾، وقول النبي ﷺ: «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال».
ما النموذج المعرفي الإسلامي في مواجهة النسبية المطلقة ومكانة الإنسان في الكون؟
النموذج المعرفي الإسلامي يؤمن بالمطلق لا بالنسبية المطلقة، ويرى أن الإنسان سيّد في الكون وليس سيدًا للكون، وأنه مكرّم وليس مجرد جزء كقطعة الخشب أو المعدن. والإنسان مستخلف في الأرض وأهدافه عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس، قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾.
كيف يختلف النموذج المعرفي الإسلامي عن النموذج المادي الغربي في قضية التكليف والحكم؟
النموذج الغربي يرى أن التكليف ليس له حقيقة خارجية بل هو من عقل الإنسان الذي يدبّر شأنه عبر المجلس النيابي والتشريعي، وأن الحكم من عند الإنسان لا من عند الله سواء في النُّظم الديكتاتورية أم الديمقراطية أم الشيوعية. أما الإسلام فيرى أن الحكم من عند الله وأن التكليف حقيقة خارجية.
ما الأسئلة التي تشغل البشر اليوم والتي يجب أن تجيب عليها العقيدة الإسلامية؟
يجب عرض العقيدة الإسلامية بأسلوب يجيب على أسئلة العصر دون تغيير جوهرها. ومن أبرز هذه الأسئلة: هل نؤمن بالنسبية أم بالمطلق؟ ومدارس ما بعد الحداثة تريد هدم خمسة أشياء: اللغة والثقافة والدين والأسرة والدولة، واستبدالها بمنظمات غير حكومية ولغة اصطلاحية. وهذا ما يجب على المسلمين مواجهته بعقيدة سليمة.
كيف واجه السلف الصالح الأفكار المنحرفة وما دور الجامعة في ذلك؟
فعل السلف الصالح أنهم اطّلعوا على كل تراث البشرية وواجهوه بعقيدة سليمة راسخة عميقة هي أفضل عقيدة للبشرية جمعاء. والجهود الموجودة اليوم ما زالت باهتة وقليلة، ويجب إشاعتها وأن تقوم الجامعة بدورها في هذا الشيوع لمواجهة الأفكار الضالة.
ما الركن الثالث للفتوى وما أهمية كيفية الوصل بين النص والواقع؟
الركن الثالث للفتوى هو كيفية الوصل بين إدراك المصادر وإدراك الواقع، لأن إنزال الحكم على الواقع يحتاج إلى مهارة وفن. والواقع لم يعد ثابتًا أبدًا كما كان في الماضي، مما جعل معرفة كيفية إصدار الحكم على الواقع أو تهيئة الواقع لتلقي الحكم مسألة في غاية الأهمية.
متى ظهرت العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة وما العلامة الفارقة في تاريخ الحضارة؟
ظهرت العلوم الاجتماعية والإنسانية بصفتها الحالية في أواسط القرن التاسع عشر، إذ انفصل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم السياسة عن الفلسفة منذ عام 1830. وتُعدّ هذه المرحلة علامة فارقة في تاريخ البشرية، ويرمز إليها دخول الحديد في السفينة عام 1830 على يد البريطانيين.
ما دلالة دخول الحديد في السفينة كعلامة فارقة في تاريخ الحضارة البشرية؟
دخول الحديد في السفينة يعني أن البريطانيين استطاعوا إطفاء الحديد، وهو ما جعل السفينة قوة حربية لا تهلك بالنار ولا تغرق. وهذا الإنجاز فتح الباب أمام سلسلة من الاكتشافات جعلت الإنسان ينفصل عن الأرض ويطير في السماء ويتصل عن بُعد ويرى بالتلفاز ثم الهاتف المحمول.
لماذا تحتاج الفتوى إلى علوم اجتماعية منبثقة من النموذج المعرفي الإسلامي؟
العلوم الاجتماعية الحديثة نشأت في محيط غير إسلامي يرى أن الكون يعمل بقوانينه ولا شأن لله به، فنشأت من نموذج معرفي آخر. لذا نحتاج إلى إنشاء علوم تدرك الواقع من النموذج المعرفي الإسلامي، لأن الفتوى تحتاج إلى علوم مستقرة فاهمة تدرك الحقائق وتصلح لأن تُعتمد عليها.
ما الذي يحتاجه المسلمون لتفعيل تراثهم الإسلامي الضخم في مواجهة تحديات العصر؟
لدى المسلمين تراث ضخم ومتين ولا يوجد يأس، لكن هذا يحتاج إلى همة وعدم كسل علمي وعدم تكرار وتحديد الطريق الذي يسيرون فيه. والطريق قوي لأن لديهم نموذجهم المعرفي وأحكامهم وطريقتهم في التوليد، والأمر لا يحتاج إلا الهمة والانطلاق.
ما الشروط الثلاثة الواجبة في المفتي وما الأخلاق المطلوبة منه؟
يُشترط في المفتي التعليم والتدريب والتربية، ولا بد أن يكون عالمًا بهذه الثلاثة وأن تكون له خبرة فيها. وتجب عليه أخلاق الإسلام من الصبر والسماحة وسعة الصدر ومعاملة الناس كأبنائه والحب، وألا يتحدث بما لا يعرف، وألا يتردد في قول لا أدري إن كان لا يدري، مع الشعور بالمسؤولية.
لماذا يُعدّ تصدّر غير المؤهل للفتوى إفسادًا في الأرض؟
تصدّر غير المؤهل للفتوى إفساد في الأرض لأنه كمن يتولى الطب دون تأهيل. فكما أن العاقل يتوجه إلى الطبيب المتخصص في عملية القلب المفتوح ولو كان غير مسلم، لا إلى حلاق الصحة، فكذلك في الفتوى يجب التوجه إلى العالم المؤهل. والأبدان ليست أولى عند الله من الأديان.
ما حكم من يتصدر للفتوى قبل أن يتعلم ويتدرب؟
من يتصدر قبل أن يتعلم كمن يتذبذب قبل أن ينضج، أي صار زبيبًا وهو ما زال حصرمًا. وهذا إفساد في الأرض تعلّق بالدين والأبدان، وهو مصيبة حقيقية لأن من الخارج يبدو صالحًا ومن الداخل لا علم ولا تأهيل. وقليل الكلام يكفي عن كثير في وصف هذه الظاهرة.
هل يرتكب من يتصدر للفتوى بلا تأهيل كبيرة من الكبائر؟
نعم، من تصدّر للفتوى قبل أن يتعلم وقبل أن يتدرب وقبل أن يتخلّق يرتكب كبيرة من الكبائر. والواجب أن يكون المرء حيث أقامه الله؛ فالنجار والحداد والسباك والجزار مهن شريفة تُطعم القوم، لكن تركها والاشتغال بالفتوى دون تأهيل من المضحكات المبكيات.
ما الفرق بين الفقه والفتوى والقضاء في الشريعة الإسلامية؟
الفقه هو معرفة أحكام الله، أي العلم بالأحكام العملية الشرعية المكتسبة من أدلتها التفصيلية. والفتوى تُضيف إليه إدراك الواقع وكيفية تطبيق الحكم عليه، لكنها بيان لا إلزام. أما القضاء فيتدخل في الواقع ويُلزم به ظاهرًا وباطنًا، فالقاضي يملك سلطة الإلزام بخلاف المفتي.
كيف يختلف القضاء عن الفتوى في تغيير الواقع وتنفيذ الحكم؟
القضاء يغيّر الواقع وينفّذ ظاهرًا عند الناس وباطنًا عند الله، فالمرأة التي حكم القاضي بطلاقها إذا تزوجت بعد انقضاء عدتها فعلت الحلال. أما الفتوى فهي بيان من طرف واحد لا تملك سلطة الإلزام. والفقه علم من طرف واحد، والفتوى مركبة من المصادر والواقع، والقضاء مركب من المصادر والواقع وتأثير الواقع بإلزامه.
ما المراحل الأربع التي تمر بها الفتوى في ذهن المفتي وما مرحلة التصوير؟
تمر الفتوى في ذهن المفتي بأربع مراحل: التصوير والتكييف والحكم والإفتاء. المرحلة الأولى هي التصوير، وهي تصوّر المسألة الواقعة ومعرفة ما الذي حدث وما الذي يُسأل عنه. والعبء فيها بالأساس على السائل الذي قد يكذب أو يكون غير دقيق، لكن المفتي يُلقي المسؤولية عليه بقوله: إذا كان الحال كما ورد في السؤال.
كيف يكتسب المفتي الملكة في فهم الأسئلة وتمييز الصادق من الكاذب؟
مسؤولية المفتي أن يفهم جيدًا السؤال وأن يشعر أنه رأى هذا السؤال شيئًا مألوفًا. وهذا يأتي بالملكة بعد معاناة الإفتاء لمدة طويلة، فلا يستطيع السائل أن يخدعه أو يضحك عليه من كثرة الممارسة.
ما مرحلة التكييف الفقهي في الفتوى وكيف يُطبّقها المفتي؟
المرحلة الثانية هي التكييف، وهي تحديد ما الذي يُسأل عنه: هل هو في العبادات أم في المعاملات؟ وفي المعاملات: ما عقد هذا من العقود؟ هل هو عقد مسمّى معروف في الفقه الإسلامي أم غير مسمّى؟ وإذا كان غير مسمّى فهل هو من عقود المعاوضة أم التبرعات أم الفسوخ أم الإلزامات؟ وهكذا يُكيّف المفتي ما سمع.
ما مرحلة الحكم في الفتوى وكيف تختلف عن مرحلة الإفتاء؟
المرحلة الثالثة هي مرحلة الحكم، وهي تحديد الحكم الشرعي المجرد للمسألة. فمثلًا حكم شرب الخمر محرّم، ومن قال لزوجته أنتِ طالق وهو واعٍ مريد قاصد فالحكم وقوع الطلاق. وهذه المرحلة تختلف عن مرحلة الإفتاء التي تراعي الجهات الأربع من زمان ومكان وأشخاص وأحوال.
لماذا فُصلت مرحلة الحكم عن مرحلة الإفتاء وما دور الجهات الأربع في ذلك؟
فُصلت مرحلة الحكم عن الإفتاء لأن الفتوى قد تتغير بتغير الجهات الأربع: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال. فالخمر حرام حكمًا، لكن من شربها مكرهًا أو جاهلًا بأنها خمر فعمله منزوع الإثم. لا يُقال الخمر حلال، ولكن يُدخل المفتي العناصر كلها التي ما بين الحكم والفعل.
كيف تُطبَّق مرحلة الإفتاء على حالات الإكراه والغضب الشديد في الطلاق؟
إذا قال الرجل لزوجته أنتِ طالق تحت الإكراه، أو في غضب شديد أغلق عليه ذهنه وفقد الإدراك أو الأهلية، فلا يقع معه الطلاق. وهكذا تبقى مراحل الفتوى أربعًا: التصوير والتكييف والحكم والإفتاء أو بيان الفتوى.
متى تحوّل منصب الإفتاء في مصر إلى مؤسسة وما تاريخ دار الإفتاء المصرية؟
حوّلت التجربة المصرية منصب الإفتاء إلى مؤسسة سنة 1895، وتولّى أول ما تولّى هذه المؤسسة شيخ الأزهر حسونة النواوي. ثم رُئي أن تنفصل دار الإفتاء عن المشيخة، وكانت في البداية في الرواق العباسي بجامع الأزهر.
ما المذهب الذي كانت تُفتي به دار الإفتاء المصرية عند تأسيسها وما دور محمد عبده؟
كانت دار الإفتاء المصرية عند تأسيسها عام 1895 تُفتي بالمذهب الحنفي وهو المذهب الرسمي للدولة العثمانية. وجاء الشيخ محمد عبده سنة 1899، وقبله كان المهدي العباسي حنفيًا ومحمد عليش مالكيًا. ويعتبر بعضهم محمد عبده أول مفتٍ لكنه ليس كذلك.
كيف وسّع محمد عبده مصادر الفتوى بإدخال الفقه المالكي ولماذا؟
أدخل محمد عبده شيئًا من الفقه المالكي في الفتوى لأنه رأى أن الحنفية متشددون في بعض الأمور والمالكية أكثر تسامحًا خاصة فيما يتعلق بالأسرة. فالمالكية مثلًا عندهم أسباب طلب التطليق من القاضي أوسع من الحنفية. وهذا لم يكن تركًا للمذهب الحنفي كله بل أخذًا بمسائل معينة بما تقتضيه مصلحة العصر.
كيف انتشرت مدرسة محمد عبده في توسيع مصادر الفتوى بعد وفاته؟
بدأت مدرسة محمد عبده في الانتشار بعد وفاته عام 1905 لا في حياته، وسار على نهجه الشيخ بكر الصدفي. وفي عام 1925 وضع المصريون لجنة شرعية قانونية للأحوال الشخصية فوسّعوا الأخذ من المذاهب: الظاهرية والحنفية والزيدية والمالكية والشافعية، وإن ظل ذلك في مسائل معدودة.
كيف تطور التوسع في مصادر الفتوى من المذاهب الأربعة إلى الفقه الإسلامي الواسع؟
اتسع التوسع في مصادر الفتوى تدريجيًا؛ ففي 1946 وضع محمد فرج السنهوري قانون الوقف وأُدخلت الوصية الواجبة. وظل الأمر يتسع من المذاهب الأربعة إلى المذاهب الثمانية ثم إلى الفقه الإسلامي الواسع، وذلك ليس في كل المسائل بل عند ظهور مسألة مستحدثة تحتاج إلى الخروج عن المذاهب المعتادة.
ما الفقه الإسلامي الواسع وكم مذهبًا يشمل وأين توجد مصادره؟
الفقه الإسلامي الواسع يشمل خمسة وثمانين مذهبًا، منها الزيدي والإباضي والحنابلة والشافعية وحمّاد بن سليمان والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري والحسن البصري وغيرهم. وتوجد مصادره في كتاب المجموع للنووي وكتاب المحلّى لابن حزم وكتاب المغني لابن قدامة.
ما دور المجامع الفقهية والجماعة العلمية في المستجدات التي لا نص فيها؟
في المستجدات التي لا يوجد لها نص في المذاهب الأربعة ولا الثمانية ولا الفقه الواسع، أو في أمر يتعلق بعموم البلوى، لا يستقل المفتي برأيه بل يعمل في ظل جماعة علمية تشاركه الرأي. وهذه المسائل معدودة تكاد لا تزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة.
كيف طُبّق الخلع قانونيًا في مصر وما موقف الأئمة الأربعة منه؟
تراكمت قضايا الخلع في المحاكم المصرية حتى كاد العدل يختل، ولم يكن في القانون المصري نص عليه. فتشكّلت لجنة شارك فيها الشرعيون والقانونيون والمفكرون. والأئمة الأربعة يقولون إن المرأة عند طلب الخلع تدفع ما يريده الرجل، لكن هذا يعني أنها لن تحصل على ما تريده إذ قد يطلب مبالغ طائلة.
كيف صدر قانون الخلع في مصر متمسكًا بنص الحديث النبوي؟
في حديث امرأة ثابت بن قيس قالت: يا رسول الله أردّ عليه الحديقة وأزيد، فقال النبي ﷺ: أما الزيادة فلا. فأراد المشرعون التمسك بهذا النص وتطبيقه، وليس هناك حائل شرعي يمنع من تطبيق سنة رسول الله ﷺ. فصدر القانون على هيئة الحديث النبوي الشريف.
ما ردود فعل النساء والرجال على تطبيق قانون الخلع في مصر؟
بموجب القانون تردّ المرأة المهر الذي دُفع لها مهما كان قليلًا، فمن تزوجت منذ ثلاثين سنة بمهر خمسمائة جنيه تردّه وتنفصل. فرحت النساء جدًا بهذا القانون وغضب الرجال جدًا، لكن لا يستطيعون فعل شيء.
هل أساء الرجل استعمال حق الطلاق وما الدور الاجتماعي للفتوى في بناء الأسرة؟
بالبحث الموضوعي يتبيّن أن الرجل قد أساء استعمال حق الطلاق الذي أعطاه الله إياه. وهذا الإقرار الموضوعي يجب مواجهته بصدق. والفتوى تقوم بدور اجتماعي مهم في بناء الأسرة والمحافظة عليها، وهو ما يُفسّر الإقبال الكبير على الاستفتاء في قضايا الأسرة.
ما منهج التجربة المصرية في الانتقال بين المذاهب الفقهية عند الحاجة؟
التجربة المصرية تنتقل على مستوى المسألة لا على مستوى المصدرية الكاملة؛ فتبقى المالكية حاكمة وتُغيّر منها مسألة أو اثنتين أو ثلاثًا عند الحاجة وبالجماعات العلمية. والمنهج: لا يُخرج إلى الثمانية إلا إذا لم يُجد في الأربعة، ولا إلى الفقه الواسع إلا إذا لم يُجد في الثمانية، ولا إلى الكتاب والسنة مباشرة إلا بأمر مهم جدًا.
ما الذي تحتاجه التجربة المصرية في الإفتاء من رصد وتطوير؟
التجربة المصرية في الإفتاء تحتاج إلى رصد وشرح واستفادة ما أمكن، وتطوير إذا أمكن أيضًا. وهي تجربة ثرية تستحق الدراسة والاستفادة منها في سائر البلاد الإسلامية.
كم فتوى أصدرت دار الإفتاء المصرية في مائة وعشر سنوات وكيف وُثّقت؟
أصدرت دار الإفتاء المصرية في مائة وعشر سنوات مائة وعشرين ألف فتوى. وبعد دراستها واختيار الفتاوى ذات الأهمية وحذف التكرار، صدرت في ثلاثة وعشرين مجلدًا تحتوي على أربعة آلاف وخمسمائة فتوى، مع تصدير كل فتوى بالمبادئ التي كانت في ذهن المفتي. ثم وُضعت على قرص مدمج لينتفع بها الناس.
كم فتوى أصدر محمد عبده في ست سنوات مقارنة بعدد الفتاوى الشهرية اليوم؟
أصدر محمد عبده في ست سنوات تسعمائة وأربعة وأربعين فتوى أي ما يقارب ألفًا. أما اليوم فتُصدر دار الإفتاء المصرية ثمانية آلاف فتوى في الشهر. ويُعزى ذلك جزئيًا إلى زيادة السكان من أربعة عشر مليونًا في عهد محمد عبده إلى سبعين مليونًا.
هل تُفسّر زيادة السكان وحدها الزيادة الهائلة في عدد الفتاوى؟
زيادة السكان خمس مرات تُفسّر جزءًا من الزيادة، لكن الحساب يُظهر أن الزيادة الفعلية تفوق ذلك بمائة مرة. فمحمد عبده كان يُصدر أربع عشرة فتوى في الشهر، ومضروبة في خمسة تصبح سبعين، لكن الواقع ثمانية آلاف. وهذا يعني أن هناك عوامل أخرى غير زيادة السكان تُفسّر هذا الطلب الهائل.
ما الذي يكشفه تحليل موضوعات الفتاوى عن دور الفتوى في المجتمع المسلم؟
ستون في المائة وأكثر من الفتاوى تتعلق بالأسرة، مما يدل على أن دور الفتوى في بناء الأسرة والمحافظة عليها دور مهم جدًا. والناس ما زالت تعيش في نطاق الدين خاصة في قضية الفتوى؛ فتجد الرجل لا يصلي ولا يصوم ويشرب الخمر، لكنه يأتي يسأل عن حلية زواجه.
ما الظاهرة النفسية الغريبة التي تكشفها إحصائيات الفتاوى الأسرية؟
الظاهرة الغريبة أن الرجل قد يكون فاسدًا في حياته الشخصية لكنه يحرص على شرعية أسرته ويستفتي في ذلك. وهذا يشبه تاجر المخدرات الذي يُعلّم أولاده أفضل تعليم ويبعدهم عن مجال المخدرات. نفسية الإنسان غريبة، لكن الواقع يُثبت أن الفتوى تقوم بدور اجتماعي مهم.
كيف أساء المتطرفون فهم فتوى ابن تيمية في التتار واستخدموها مسوّغًا للعنف؟
يستند المتطرفون إلى فتوى ابن تيمية في التتار بحجة أن التتار كانوا يحكمون بالياسق لا بالشريعة، وأن من يحكم بغير ما أنزل الله فهو كالتتار ويجب قتاله. لكن هذا فهم خاطئ تمامًا لفتوى ابن تيمية التي كانت تدعو إلى الوقوف مع أجناد الإسلام ضد الغازي لا تكفير المسلمين.
ما المعنى الصحيح لفتوى ابن تيمية في التتار وما الذي كان يدعو إليه فعلًا؟
فتوى ابن تيمية كانت تدعو إلى أن أجناد مصر وأجناد الشام هم أجناد الإسلام، وأن الواجب تأييدهم والوقوف معهم ضد التتار الغازي الذي يحصد الأخضر واليابس ويحرق الكتب ويقتل الناس. وهذا ما نصّ عليه ابن تيمية في فتاويه، وهو عكس ما يدّعيه المتطرفون.
من هم المماليك في فتوى ابن تيمية وهل كانوا من الأتقياء؟
المماليك في فتوى ابن تيمية هم جند الإسلام الذين أمر بالوقوف معهم ضد التتار. وكان المماليك يشربون الخمر وليسوا من أتقياء الخلق، بل إن المصريين كانوا يقولون عن الجميل: يشبه المملوك السكران. ومع ذلك أمر ابن تيمية بالوقوف معهم لأنهم جند الإسلام في مواجهة الغازي.
ما الدرس الذي يستخلصه ابن تيمية من قتل بيبرز لقطز في مواجهة الغازي؟
المماليك كانوا يقتلون بعضهم البعض، فبيبرز قتل قطز وتولّى مكانه. ومع ذلك يقول ابن تيمية: قف مع هؤلاء ضد الغازي الذي يأتيك بجبهة واحدة كالجبهة الوطنية التي حررت الجزائر من الاستعمار الفرنسي حين دخل فيها كل أطياف الطيف. هذا هو ما يطبّقه ابن تيمية بالضبط.
كيف انقلب المتطرف على فتوى ابن تيمية وجعل الدولة هي التتار ونفسه هو المملوك؟
المتطرف انقلب الأمور وجعل الدولة هي التتار وجعل نفسه هو المملوك، وهو ما يُظهر أن ما يحرّكه هوى لا فكر. فحتى قراءة الفتوى قراءة معكوسة تدل على أنه لم يفهم شيئًا، وأن الهوى جعله يترك كل فكرة ويقرأ النصوص بطريقة تخدم أغراضه.
ما قصة السلطان الغوري مع تطبيق حد الرجم وما الذي قاله العلماء له؟
أراد السلطان الغوري إحياء سنة تطبيق الحدود في مصر، فأخبره العلماء أن الرجم لم يحدث في مصر منذ خمسمائة سنة بسبب صعوبة الشروط. فالرجم يستلزم أربعة شهود يرون الزاني وهو يزني، وإذا رفض أحدهم الشهادة ضرب عمر بن الخطاب الثلاثة الباقين ورفض شهادتهم.
ما شروط إقامة حد الرجم وما الحكمة من صعوبتها في الشريعة الإسلامية؟
يلزم لإقامة حد الرجم أربعة شهود يرون الزاني وهو يزني، وإذا رفض أحدهم الشهادة ضرب عمر بن الخطاب الثلاثة الباقين ورفض شهادتهم. والحكمة أن الشريعة تقول: استروا، فعندما يرى أحد شيئًا من هذا ينبغي أن يستر لا أن يذهب ليشهد، وهذا لا يعني أن الزنا حسن بل هو كبيرة.
هل يعني الستر في الشريعة إباحة الزنا وما الذي حدث مع السلطان الغوري؟
الستر لا يعني أن الزنا حسن أو مباح، بل الزنا قبيح وكبيرة، لكن للستر شروطه. وعندما أصرّ الغوري على التطبيق قبضوا على شاب أقرّ بالزنا، لكنه لم يكن محصنًا فقال العلماء: يُضرب مائة جلدة لا يُرجم. فأخذه الغوري ورجمه بنفسه بيده، ثم جاء سليم خان وقتل الغوري.
ما مصير السلطان الغوري بعد أن رجم الشاب بنفسه رغم رفض القضاة؟
رجم السلطان الغوري الشاب بنفسه بيده رغم رفض القضاة. ثم جاء سليم خان ودخل على الغوري وعلّق رأسه في مرج دابق تحت حوافر الخيل. وتحدث الناس بذلك بدم المسكين الذي رُجم، مما يُظهر أن الفوضى في تطبيق الحدود خارج شروطها تؤدي إلى نتائج كارثية.
هل صحيح أن الحدود لم تُطبَّق في مصر منذ ألف سنة وما السبب الحقيقي؟
نعم، الحدود ليست مطبّقة في مصر منذ ألف سنة، وليست الثورة ولا عبد الناصر ولا غيره هو السبب. السبب هو صعوبة الشروط الشرعية لإقامة الحدود. وهذا يُظهر الفرق الكبير بين العلم والثقافة والادعاء، وضرورة الدراسة والفهم قبل الحكم.
ما الذي يكشفه تحليل فكر المتطرف عن مستوى علمه وفهمه للنصوص؟
كل ما يتعلق بالعلم الحقيقي غائب عن ذهن المتطرف؛ فهو لم يقرأ ابن تيمية كاملًا ولا القرآن كاملًا ولا الفقه كله ولا أي شيء قط كله ولم يُتمّ تعليمه. وهو مصمّم في عقله على أن ما فهمه خطأً من ابن تيمية هو الأساس الذي يطبّقه.
كيف اختُتمت المحاضرة وما الدعوة التي وجّهها المحاضر للحضور؟
اختُتمت المحاضرة بشكر المحاضر وفتح باب الأسئلة والمناقشة مع الحضور. وأُشير إلى أن عشرات الأسئلة وردت تتطلب أيامًا للإجابة عليها، وسيُحال بعضها للشيخ مباشرة. والأمل في أن تحدث صحوة إسلامية أو تسامح ومصالحة إسلامية.
ما الفتاوى الغريبة التي أثارها السائل وما خلفياتها المنهجية؟
أثار السائل جملة من الفتاوى الغريبة: عدم إلقاء السلام على من لا يتلحّى، وعدم جواز نقد الحاكم بأي صورة، وعدم جواز صنع أسلحة الدمار الشامل لأن الصحابة لم يصنعوها، واعتبار أمريكا حاكمًا متغلّبًا لا يجوز مقاومتها. وسأل عن خلفيات هذا المنهج وكيفية التعامل مع أصحابه.
هل منهج التشدد والتمسك بظاهر النص ظاهرة حديثة أم موجودة منذ عهد الصحابة؟
هذا المنهج موجود منذ عهد الصحابة الذين رأوه وعرفوه. وهو المنهج الذي يحصر نفسه في ظاهر النص ولا يرى ما حوله ولا مقاصده ولا مآلاته ولا المصلحة. وقد قام هؤلاء وسُمّوا بالخوارج.
ما دور الإعلام في تضخيم ظاهرة التطرف وهل جمهور الأمة على هذا المنهج؟
الإعلام يُحدث نوعًا من الإثارة يُضخّم ظاهرة التطرف، لكن جمهور الأمة ليس على هذا المنهج. والنصيحة للحاكم واجبة بدليل قول النبي ﷺ: الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. وترك النصيحة خيانة للحاكم لا تعظيم له.
كيف يواجه أهل السنة والجماعة منهج التشدد والآراء الضالة؟
أهل السنة والجماعة أناس علميون لا يعرفون الأهواء، بل يدرسون النص ومقاصده والمآلات ويدرسون الواقع ويجتهدون في تطبيق الإسلام في حياتهم، ارتكابًا لأخف الضررين وتحصيلًا لأعظم المنافع. وهذه الترهات موجودة عبر الزمان كما يصفها الشهرستاني في الملل والنحل، لكنها الآن تُسمع بالملايين.
ما ظاهرة استيراد الفتوى في الجزائر وهل يحل منصب مفتي الجمهورية إشكالية تشتت الفتاوى؟
شهدت الجزائر ظاهرة استيراد الفتوى عبر الفضائيات والإنترنت، وبعض الفتاوى مرتبطة بمصطلحات شعبية وعادات مختلفة. وطُرح سؤال عن إمكانية أن يحل منصب مفتي الجمهورية إشكالية تشتت الفتاوى وتضاربها، مع الإشارة إلى أن بعض الدعاة يثق فيهم الناس أكثر من الجهات الرسمية.
هل منصب الإفتاء منصب سياسي أم علمي وما علاقته بالسلطة؟
منصب الإفتاء ليس منصبًا سياسيًا بل هو منصب علمي، وإن كان له مجال في السياسة كما له مجال في الاقتصاد والفن والرياضة وكل مناحي الحياة. ومعنى أنه ليس سياسيًا أن السياسة لا تؤثر فيه، وأنه قد يعارض السياسة وقد يوافقها، ويقدّم النصيحة للمسؤولين مع الحفاظ على جلال العلم والاستقلالية.
كم مرة تدخلت الحكومة المصرية في الفتوى وما موقف المفتي في كل مرة؟
في مائة وعشر سنوات لم تتدخل الحكومة المصرية في الفتوى إلا ثلاث مرات، وفي المرات الثلاث رفض المفتي. الأولى: رفض محمد عبده طلب الخديوي عباس استبدال أرض أوقاف. الثانية: رفض المفتي طلب الملك فاروق منع مطلّقته من الزواج. الثالثة: رفض الشيخ حسن مأمون الفتوى بتأييد الاشتراكية وطرد الضابط الذي جاء من عند عبد الناصر.
ما حجم مؤسسة الأزهر اليوم مقارنة بعام 1950 وهل صحيح أن الناس تركته للدعاة؟
الادعاء بأن الناس تركت الأزهر وذهبت إلى الدعاة كلام باطل مضحك. فالأزهر نما نموًا هائلًا: من سبعة معاهد إلى سبعة آلاف وخمسمائة، ومن ثلاث كليات إلى سبعين كلية، ومن عشرين ألف طالب إلى اثنين مليون. والمفتي رقم ثمانية عشر جميعهم من الأزهر وخمسة منهم أصبحوا شيخًا للأزهر.
لماذا لا يستطيع أحد هدم مؤسسة الأزهر أو تجاوزها؟
الأزهر مؤسسة عمرها ألف سنة ومعه منهج راسخ، فمن يحاول هدمه كمن يضرب رأسه في الهرم ليُسقطه فيُوجد ميتًا بجانبه. والأزهر يُخرّج الحافظين للقرآن ويُقيم لهم جوائز، وألفا طالب يحفظون القرآن كل سنة من الجهات التابعة للأزهر فقط. وحكاية أن الناس تركت الأزهر كذب وادعاء.
لماذا لا يحتاج العالم الحقيقي إلى تبرير كل فتوى من الصفر أمام كل سائل؟
العالم الحقيقي يستند إلى علمه كله كدليل، كالطبيب الذي لا يشرح للمريض الطب من البداية بل يصف الدواء مباشرة. فعندما يسأل أحدهم العالم عن دليله فالجواب: كل العلم الذي درسناه هو دليلنا. وادعاءات الفشل والكذب ضد المؤسسات العلمية الكبرى مسائل مضحكة.
ما الحل لمشكلة الفتاوى المستوردة عبر الفضائيات والإنترنت؟
الحل هو إحداث رأي عام يعرف كيف يُغلق التلفزيون وألا يسمع إلا من المتخصص. فما الذي يجعل الإنسان يشتري الصحيفة الكاذبة أو يستمع إلى البرنامج الذي لا يحترم نفسه؟ وقد قال النبي ﷺ: كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع. وما دامت ثقافة النبي ﷺ موجودة استطعنا تنحية هذا البلاء.
ما الذي كشفته الفتنة الدموية في الجزائر عن طبيعة الفتاوى المستوردة؟
الجزائر مرّت بفتنة كبيرة دموية نتيجة فتاوى جاءت من لندن وباريس والقاهرة والرياض ودمشق وجهات كثيرة. والمفارقة أن هذه الفتاوى غير معمول بها في البلدان التي صدرت منها، وأن كل مفتٍ أو عالم لا تلزمه الفتوى إلا هو أو من عمل بها. وهذا يُثير تساؤلًا جوهريًا عن طبيعة هذه الفتاوى.
هل صدرت الفتاوى التي أشعلت الفتنة في الجزائر عن علماء حقيقيين؟
لا يُعلم أن أي فتوى من هذه الفتاوى صدرت عن عالم من العلماء. فالفتوى تعني بيان الحكم الشرعي ولا بد أن يصدرها عالم. وعند البحث في مصادر هؤلاء الأشخاص يُجد أنهم خريجو كليات هندسة وطب وتجارة وبعضهم قاطع طريق. وهذا يستوجب مراجعة تسمية هذه الآراء الضالة بالفتاوى.
لماذا يجب تسمية الآراء المنحرفة بالآراء الضالة لا بالفتاوى؟
تسمية الآراء الضالة بالفتاوى يُعطيها مشروعية لا تستحقها، كمن يُسمّي الدجّال طبيبًا. فلو سُمّيت من البداية آراء ضالة لحُمي الشباب منها ونُبّهوا إلى خطرها. وكلمة شيخ نفسها هانت بالاستعمال الخاطئ حتى أصبحت تُستعمل للإهانة عند المصريين.
ما الأثر العملي لتسمية الآراء الضالة بأسمائها الصحيحة على حماية الشباب؟
لو سُمّيت الآراء الضالة من البداية بأسمائها لحُمي الشباب ونُبّهوا إلى خطرها. لكن المسلمين أنفسهم أكلوا الطُّعم وسمّوها فتاوى فأعطوها مشروعية. والمطلوب التعاهد على ألا تُسمّى هذه الآراء فتوى، كما يجب التمييز بين الطبيب والدجّال لا بين طب محمود وطب مذموم.
هل أفتى أي عالم مسلم حقيقي بالفتاوى التي أجازت سفك الدماء؟
لا يُعلم أن أي عالم من علماء المسلمين أفتى بمثل هذه الفتاوى. وعمر عبد الرحمن الذي يُستشهد به ليس فقيهًا بل أستاذ تفسير لم يدرس أصول الفقه ولا كيفية الاستنباط ولا تطبيقه على الواقع. وهو لم يُفتِ هذه الفتاوى أصلًا بل أفتى فتاوى عامة قد تكون الإطار الذي بُنيت عليه.
ما الذي يُثبته عدد الأزهريين البالغ عشرين مليونًا في مواجهة ادعاءات التطرف؟
عدد الأزهريين عشرون مليونًا، ولم يُفتِ أي منهم بسفك الدماء. ومن جُنّ جنونه منهم تراجع عن جنونه ولم يلوّث يده بالدم ولم يحمل سلاحًا. وهذا يُثبت أن المشكلة ليست في الأزهر بل في من لم يتعلموا أصلًا. والمطلوب تغيير الثقافة تغييرًا جذريًا وتسمية الأشياء بأسمائها.
ما الحديث النبوي الذي يُحذّر من تسمية الأشياء بغير أسمائها وكيف يُطبَّق اليوم؟
قال النبي ﷺ: سيأتي على الناس زمان يستحلّون الخمر يسمّونها بغير اسمها. فسمّوها شمبانيا كي يشربوها مع أنها خمر. وهذا يُطبَّق اليوم في تسمية الآراء الضالة فتاوى. وقد يكون فتح دار للفتوى في الجزائر مفيدًا بشرط أن يكون منصبًا علميًا مستقلًا لا تابعًا للدولة، ويُحرّم بيع الصوت الانتخابي مثلًا.
ما الفرق بين المشرب المتشدد والمشرب اللين وأيهما أقرب إلى التطرف؟
المشرب المتشدد هو ضد التطرف لكنه بيئة صالحة للتطرف وهو الخطوة الأولى من خطواته، وقد أُنفقت عليه مليارات لإشاعته. أما المشرب اللين فهو أبعد ما يكون عن التطرف ويحمي الناس من الوقوع فيه. وهناك وسط ينبغي العمل معه فكريًا وهو مشرب التشدد الذي يهبّ من حين لآخر.
ما التوجه المتشدد الذي ظهر في جزيرة العرب منذ مائتي سنة وكيف يختلف عن منهج الأزهر؟
ظهر في جزيرة العرب منذ مائتي سنة توجه يمثل مشرب التشدد ويُشيعه، وإن كان يرفض التطرف لكنه أصبح غير قادر على التراجع عنه. ويُسمّي نفسه خطأً بالسلفية وأهل الحديث. وهذا مخالف لمنهج الأزهر الذي يقوم على الوسطية والاعتدال وأهل السنة الأشعرية.
ما نونية القحطاني وكيف تُهدد وحدة الأمة الإسلامية؟
نونية القحطاني قصيدة تشتم الأشاعرة وتسبّهم وتصفهم بالصمّ والبكم والعمي، وتُطبع بالملايين وتُوزّع كالمنشورات. وإذا كانت الأمة سلفًا وخلفًا صمًّا وبكمًا وعميًا فما الذي يمنع الشاب من الانتقال إلى سفك الدماء؟ وهذا تحدٍّ حقيقي يستوجب تنقية الثقافة من الأسماء المغلوطة.
لماذا تُعدّ الفتوى من بعيد إشكالية وما أثرها على تضارب الفتاوى؟
المفتي من بعيد لا يعرف الحيثيات الواقعية التي تحكم في المفتي والمستفتي، ولا يعرف عرف المستفتي ولا مداركه. وهذا أربك مجال الفتوى وأحدث تضاربًا بين الفتاوى عبر الأثير. ومعرفة حال المستفتي أمر مهم وواجب في الفتوى.
كيف يُمثّل اختلاف معنى الفاتحة بين المشرق والمغرب خطورة الفتوى من بعيد؟
كلمة الفاتحة في المغرب العربي تعني عقد الزواج، بينما في المشرق قد تعني شيئًا آخر. فالمفتي الذي لا ينتبه إلى أن السائل من المغرب قد يُصدر حكمًا خاطئًا في مسألة المهر والزواج. وهذا يُجسّد خطورة الفتوى من بعيد التي لا تعرف المصطلحات التي يستعملها القوم دون قوم.
ما الحل العملي لمشكلة الفتوى المستوردة من مذاهب مختلفة؟
الحل أن يُلقَّن الشعب بأنه عند السؤال لا بد أن يُبيّن أنه يريد الفتوى وفق المذهب المالكي مثلًا. وكذلك اختيار من يسمع: أطفئ التلفزيون وانتهى. فالمستفتي يملك حق الاختيار في من يسمع، وتبيين المذهب عند السؤال يُساعد المفتي على إصدار فتوى ملائمة للواقع.
ما الحالة الجديدة التي تواجهها البشرية اليوم وما متطلباتها؟
البشرية بلغت ستة مليارات من سكان الأرض وهو ما لم يحدث في تاريخها. وهذه حالة جديدة تستدعي فكرًا جديدًا وأساليب جديدة في التعامل مع قضايا الفتوى والحياة المعاصرة.
ما أنواع الفتاوى المعاصرة الإشكالية التي تواجه المفتي اليوم؟
من أنواع الفتاوى المعاصرة الإشكالية: سؤال عن جعل كبد الخنزير مرشّحًا لدم المصاب بفشل الكبد. وكذلك الفتاوى الصادرة عن أشخاص يُنكرون الحقائق العلمية المعاصرة كنزول الإنسان على القمر أو كروية الأرض أو غزو الفضاء.
من أصدر آراء إنكار كروية الأرض ونزول الإنسان على القمر وما طبيعتها؟
هذه الآراء صادرة عن شخصيات دينية في الجزيرة العربية وموثّقة في مكتبات الجامعات. وهناك رأي آخر يقول إن الله خلق المسلمين لعبادته وسخّر الآخرين للعمل والإنتاج وتوفير وسائل رفاهية المسلمين. وهذه آراء عجيبة غريبة تصدر عن شخصيات دينية.
لماذا لا يُعدّ إنكار كروية الأرض فتوى شرعية بل تخلفًا علميًا؟
الفتوى هي بيان الحكم الشرعي المتعلق بفعل الإنسان. وكروية الأرض لا علاقة لها بفعل الإنسان الذي يُناقشه الفقه، فليس فيها حكم شرعي. لذا فإن إنكار كروية الأرض تخلّف علمي لا فتوى، وتسميته فتوى خطأ يُعطيه مشروعية لا يستحقها.
لماذا يُصرّ بعضهم على تسمية الآراء الضالة فتاوى رغم أنها صادرة عن غير متعلمين؟
الإصرار على تسميتها فتاوى يُعطيها مشروعية ويجعلها مرجعيات. والحقيقة أن أصحابها لم يذهبوا إلى أي نوع من التعليم المنهجي المكوّن من الكتاب والمنهج والأستاذ والطالب والجو العلمي. ولا واحد منهم تعلّم على مجموعة من المشايخ أو تخرّج بشهادة علمية معتمدة.
ما الاقتراح العملي لمواجهة الآراء المنحرفة وحماية منصب الفتوى؟
الاقتراح هو تسمية الآراء المنحرفة بالآراء الضالة لا بالفتاوى، إجلالًا لمنصب الفتوى وتفريغًا لما يحاولونه من جرّ الأمة في الوحل. وإن كان أصحاب هذه الآراء يُسمّونها فتاوى ولهم أتباع، فإن المسلمين يجب ألا يُصادقوا على هذه التسمية الخاطئة.
ما مثال الفتوى المحلية التي أجازت سرقة العلم وكيف يُعالَج هذا النوع من الآراء؟
صدرت فتوى محلية تُجيز سرقة العلم، أي يحق لأي طالب أن يسرق كتابًا من زميله أو من المكتبة دون إذن. وأصحاب هذه الآراء يُسمّونها فتاوى، لكن الصواب عدم تصديقهم وعدم السير وراءهم في ضلالهم، وتسمية هذه الآراء بأسمائها الصحيحة: الآراء الضالة.
ما الحل المؤسسي لمشكلة الفتاوى الفوضوية وتصدر غير المؤهلين؟
الحل هو تأسيس هيئات للفتوى تتكون من مرجعيات دينية عالمة ومتمكنة في العلوم الشرعية، وتستعين أيضًا بخبرات علمية في مختلف نواحي الحياة. وهذا هو المطلوب لمواجهة فوضى الفتاوى وتصدر غير المؤهلين.
كيف أدى التشدد المذهبي إلى صراع بين الشباب العرب والمجاهدين الأفغان؟
صدرت فتوى من ابن باز بالذهاب إلى أفغانستان لمقاومة الاحتلال السوفيتي. لكن الشباب العرب بعقليتهم المتشددة اصطدموا بالثقافة الحنفية والأشعرية السائدة عند المجاهدين الأفغان. فقرروا تشكيل فرق لمحاربة الأفغان قبل الروس بحجة أنهم أشاعرة وحنفية يُجيزون التوسل وزيارة القبور.
كيف تراجع ابن باز عن موقفه من الأشاعرة لما رأى نتائج التشدد؟
فزع ابن باز لما بدأ يتنبّه في آخر حياته إلى أن ما كان يعتقده توحيدًا سيؤدي إلى أن يقتل المسلم أخاه. فقال كلمة مشهورة: لا، هذا خلاف لفظي. لكن المشكلة أن الفتاوى والآراء الضالة كانت قد صدرت وهيّأت فهمًا معينًا، فأصبحوا في ورطة كبيرة.
ما كتب الشيخ التويجري في إنكار كروية الأرض ودورانها وكيف يُقيّمها العلماء؟
ألّف الشيخ حمود التويجري كتابين: الصواعق الشديدة على أهل الهيئة الجديدة، وذيل الصواعق المحرقة على أهل الهيئة المتزندقة. وهذه ليست فتاوى بل كلام فارغ وتخلّف علمي لا علاقة له بالفتاوى الشرعية، لأن الفتوى بيان حكم شرعي في فعل الإنسان وكروية الأرض ودورانها لا علاقة لها بذلك.
ما موقف الشيخ بخيت المطيعي من العلوم الحديثة وكيف يختلف عن موقف التويجري؟
الشيخ بخيت المطيعي الذي أصبح مفتي الديار سنة 1920 ألّف كتابًا في خمسمائة صفحة في موافقة الهيئة الجديدة للإسلام، سمّاه منن الرحمن في موافقة علم الأكوان مع ما أنزله الرحمن. وهذا يُجسّد الفرق بين المدرستين: مدرسة تُوافق العلم الحديث ومدرسة تُنكره.
كيف أثّرت فتاوى محمد بن إبراهيم في تكفير المذاهب على العلاقات الدولية؟
سُئل محمد بن إبراهيم عن الشيعة فقال: خسئوا، وعن الإباضية فقال: خابوا، وعن الأشاعرة فقال: خابوا. وطُبعت ثلاث عشرة مجلدًا بهذه الآراء. فغضبت إيران وعُمان واليمن، فاضطروا إلى سحب المجلدات ووضعها في المخازن، مما يُظهر الأثر الكارثي لهذه الآراء على العلاقات الدولية.
ما أهمية التعليم المنهجي في تأهيل المفتي وما الذي يكشفه مثال محمد بن إبراهيم؟
السؤال عن تعليم محمد بن إبراهيم يكشف أهمية التعليم المنهجي في تأهيل المفتي. فالمقارنة بين من تلقّى تعليمًا منهجيًا شاملًا وبين من لم يتلقَّ ذلك كالمقارنة بين علبة صابون والهرم. والمطلوب النظر في تراجم العلماء لمعرفة مستوى تعليمهم قبل الحكم على آرائهم.
بم اختُتمت محاضرة الفتوى ومستجدات الحياة المعاصرة؟
اختُتمت المحاضرة بشكر المحاضر على سعة صدره وإجابته على التساؤلات، وشكر الحضور على تحمّلهم وإثرائهم اللقاء. والأمل في تكرار هذه اللقاءات العلمية المهمة في المستقبل القريب.
الفتوى الصحيحة تستلزم إدراك النص الشرعي وإدراك الواقع المعاصر والوصل بينهما بمنهج علمي منضبط.
الفتوى ومستجدات الحياة المعاصرة تستدعي من المفتي إدراك ثلاثة أركان لا غنى عنها: النص الشرعي ثبوتًا واستنباطًا، والواقع بعوالمه من أشياء وأشخاص وأحداث وأفكار، وكيفية الوصل بينهما. وقد أكد الفقهاء كالقرافي وابن عابدين أن الأحكام تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وأن ما بُني على عرف تغيّر يتغير حكمه محافظةً على مقصود الشرع.
التجربة المصرية في الإفتاء منذ 1895 تُجسّد هذا المنهج عمليًا؛ إذ تطورت دار الإفتاء من الاقتصار على المذهب الحنفي إلى الأخذ من الفقه الإسلامي الواسع الذي يشمل خمسة وثمانين مذهبًا، مع اشتراط الجماعة العلمية في المستجدات. وفي المقابل، يجب تسمية الآراء الضالة بأسمائها وعدم إطلاق لفظ الفتوى عليها، لأن تصدّر غير المؤهل للإفتاء إفساد في الأرض، والمشرب المتشدد بيئة صالحة للتطرف تواجهها الوسطية والاعتدال.
أبرز ما تستفيد منه
- الفتوى بيان الحكم الشرعي وتقوم على إدراك النص والواقع وكيفية الوصل بينهما.
- الأحكام تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال وفق ضوابط شرعية.
- تصدّر غير المؤهل للفتوى كبيرة من الكبائر وإفساد في الأرض.
- الآراء الضالة يجب تسميتها بأسمائها وعدم إعطائها مشروعية الفتوى.
- الفقه الإسلامي الواسع يشمل خمسة وثمانين مذهبًا والمجامع الفقهية تُقرّ المستجدات.
افتتاح المحاضرة والترحيب بفضيلة المفتي علي جمعة في جامعة الأمير عبد القادر
بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الرحمن الرحيم.
علي جمعة محمد، مفتي الديار المصرية.
السادة الأساتذة الأفاضل، السادة الضيوف، الطلبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
باسم الكلية وباسم جامعة الأزهر وجميع الحضور من الأساتذة والطلبة والطالبات والضيوف من خارج الجامعة ووسائل الإعلام، نرحب بفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، أستاذ جامعة الأزهر الشريف ومفتي الديار المصرية، على هذه الزيارة الكريمة الطيبة التي خصّص بها جامعة الأمير عبد القادر وفلسطين والجزائر.
وهذه الزيارة في الحقيقة كانت فتحًا كبيرًا؛ أنه أول من ساهم في تخريج طلاب وأساتذة من أبناء هذه الجامعة إن شاء الله، لتدعم البحث العلمي والدراسات الإسلامية والفقهية، وخاصة في موضوع جسيم وموضع الساعة وهو أصول الفقه وكيفية تسديد أصول الأزهر الشريف، هذا الأزهر العزيز.
كلمة الشكر والتقدير لجامعة الأمير عبد القادر ورئيسها وعميد الكلية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
شكرًا لجامعة الأمير عبد القادر، وشكرًا لسعادة رئيس الجامعة، شكرًا لحضرة المحترم عميد الكلية، وشكرًا لكم وأهلًا وسهلًا بكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تعريف الفتوى وأركانها الثلاثة: النص الشرعي وإدراك الواقع وكيفية الوصل بينهما
حتى ندرك الفتوى، فالفتوى هي بيان الحكم الشرعي في واقعة محددة. ولذلك فإن الفتوى ولأنها بيان فهي تنبثق من العلم؛ فلا بد من أن يعلم المفتي، فماذا يعلم؟
الفتوى لها أركان ثلاثة:
- الركن الأول: النص الشرعي - فلا بد من العلم بالنص الشرعي ثبوتًا واستنباطًا، [أي] استخراج الأحكام الشرعية المتعلقة بفعل الإنسان من هذا النص.
وهذا يتطلب منه أن يدرك المفتي النصوص الشرعية وكيف يتعامل معها وكيف يستنبط منها، ثم يدرك بعد ذلك وبناءً عليه أحكام الله سبحانه وتعالى في أفعال البشر.
فحكم الله كما عرّفوه هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير - [كما قال] ابن الحاجب - أو الوضع.
الركن الثاني للفتوى: إدراك الواقع وتحليل مكوناته عند مالك بن نبي
- الركن الثاني: إدراك الواقع - فإذا كان إدراك النص هو الركن الأول، فإن إدراك الواقع هو الركن الثاني.
وكلمة الواقع كلمة قد تكون بلا شك غير محددة المعالم، إلا أن كثيرًا من علماء الاجتماع حاولوا ذلك [تحديدها]، وعلى رأسهم مالك بن نبي الذي قال إن الواقع إنما هو ذلك المكوّن من:
- •عالم الأشياء
- •عالم الأشخاص
- •عالم الأحداث
- •عالم الأفكار
وأضاف إليها بعضهم من علماء السياسة عالم النُّظم، وإن كان بعضهم يرى أن النُّظم هي المكوّن من هذه العوالم الأربعة التي أشار إليها مالك بن نبي.
حقيقة الماء بين البساطة الظاهرة والطاقة الكامنة فيه وعلاقته بنية الإنسان
وعلى كل حال، فسواء كان [الواقع كذلك أم لا]، فإن علماء [الطبيعة يقولون إن الماء] في نفس أمره إنما هو نار موقدة؛ لأن الهيدروجين يشتعل والأكسجين يساعد على الاشتعال، فهو نار تنفجر.
ولأن الذرة هذه التي منها هذا الماء اللطيف الظريف الخفيف - الذي أكثر الله الحاجة إليه وجعله أساسًا للحياة - لو انفصل بعضها عن بعض تولّد طاقة مدمرة أو معمّرة، حسب نية الإنسان وحاجته واستعماله ونيته في تدمير الأرض أو عمارها.
دخلنا في قضية أخرى لا علاقة لها بهذا الماء اللطيف الظريف الذي أمامنا نروي به عطشنا ويحدث لنا الريّ.
الفرق بين المعرفة البسيطة والمعرفة الفلسفية في التعامل مع عالم الأشياء
هذا شيء من غير فكر ولا فلسفة ولا كثير تقسيم، يعرفه كل أحد من البشر ويحتاج إليه كل حيوان بل وكل نبات.
في حين أننا لو دخلنا إلى نفس الأمر أو الحقيقة كما يقولها أهل الفلسفة، فإننا نجد شيئًا آخر. فهناك طريقة للتعامل مع عالم الأشياء، هذه الطريقة هي ما سُمّيت في التجربة البريطانية أولًا، حتى صار العلم التجريبي أساسًا للفكر البريطاني.
"علم" [بالإنجليزية: Science]، وعندما جئنا وترجمناها إلى العربية ترجمناها ترجمة خاطئة؛ لأننا ترجمناها بكلمة مطلقة لها معنى آخر عند العرب وعند المسلمين، وهي كلمة العلم. فالعلم عندنا شيء آخر يشمل العلوم الطبيعية ويشمل غيرها؛ لأن العلم عندنا قد يكون مصدره العقل، وقد يكون مصدره الحس، وقد يكون مصدره التجريب، وقد يكون مصدره النقل.
مصادر المعرفة في الإسلام بين الوحي والواقع وكتاب الله المسطور والمنظور
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]
فجعل [الله] مصادر المعرفة هي القرآن والأكوان، أو جعل مصادر المعرفة الوحي والواقع، أو جعل مصادر المعرفة الإنسان وما أوحى الرحمن، أو جعل مصادر المعرفة كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور.
وجعل كلًّا منهما من عند الله:
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]
المنهج المعرفي الإسلامي في التعامل مع الواقع وهيمنة العلم التجريبي على عالم الأشياء فقط
هذا المعنى يكون المنهج المعرفي الإسلامي في التعامل مع الواقع لا يجعل العلم [التجريبي] هو الذي يهيمن على التعامل مع جميع العوالم، بل يجعله مهيمنًا على عالم الأشياء فقط، مع مراعاة العلاقات البينية بين هذه الأشياء وبين العوالم الأخرى.
تطور مفهوم الشخصية الاعتبارية وأصولها في الفقه الإسلامي والقانون الحديث
فإذا انتقلنا مرة أخرى إلى عالم الأشخاص، فإننا نرى أن تطورًا ما قد حدث. التجارة والأسواق والقانون يتعلق بـالشخصية الاعتبارية.
والشخصية الاعتبارية لها أصول عند البشر تتمثل في الديوان وفي الدولة وفي المسجد وفي بيت مال زكاة المسلمين وفي بيت مال المسلمين وغيرها، وفي الأوقاف وغيرها من المؤسسات التي كانت تمثل شخصية اعتبارية.
إلا أن فكرة الشخصية الاعتبارية قد تطورت جدًّا حتى استقلت استقلالًا مريعًا في بعض الأحيان عن الشخص الطبيعي، وأصبح من المناسب أن تُدرس بحالها، وأن نعرف أن ذلك من مستحدثات العصر.
تطور الشخصية الاعتبارية تاريخيًا وسبق رجال المال لرجال القانون والشريعة
نعم، هي لها أصول في الفكر الإنساني ولها أصول ظهرت في بريطانيا في أواسط القرن التاسع عشر، لكنها قد تطورت جدًّا وسبق رجال المال رجال القانون وبالتالي رجال الشريعة.
سبقوهم في توليد نماذج من هذه الشخصية وأحكام لهذه الشخصية الاعتبارية، حتى استقلت المؤسسة عن مؤسسيها، بل وعن مديريها، بل وعن المتعاملين معها.
وحتى أصبحت الشخصية الاعتبارية كل يوم تتطور تطورًا مخيفًا؛ لأنها تُتعب رجال القضاء ورجال القانون ورجال الشريعة في العالم كله. سباق ذهني ما بين شخصية لها واقع أثّرت في عالم المال وعالم الأسواق من بنوك ومن بورصات ومن أسواق مال ومن أشياء كثيرة ومن شركات عابرة للقارات.
وجوب إدراك المفتي للواقع المعاصر وبيئة المواصلات والاتصالات والتقنيات الحديثة
وأصبح المفتي إذا أراد أن يدرك ذلك فعليه أن يدرك الواقع الذي تعيش فيه هذه الشخصية الطبيعية.
تحوّلت [الحياة] في بيئة يجب أيضًا أن ندرسها، وهي بيئة المواصلات والاتصالات والتقنيات الحديثة.
منذ سنة ألف وثمانمائة وثلاثين إلى سنة ألف وتسعمائة وثلاثين، اخترع الناس واكتشفوا ما لم يدع البرنامج اليومي للإنسان يعيشه في غده، ولم يعد الأمس يُعاش في اليوم، أي أن كل يوم نعيش حياة جديدة.
أصبحنا نعيش في قرية واحدة، قرية عالمية. أصبحنا نعيش بطريقة عجيبة غريبة رُفعت فيها الحدود ما بين الأفكار.
أثر العولمة والاتصالات في رفع الحدود بين الأفكار والثقافات وتأثيرها على حياة الناس
من يدّعي الألوهية في ولاية تكساس ندركه في كل العالم عن طريق التلفزيون فورًا. وعندما ظهر البروتستانتي مارتن لوثر فإنه وصل إلينا خبره بعد مائة سنة من ظهوره.
إلا أننا الآن قد عشنا معًا، عشنا معًا، فأثّر ذلك في الأكل والشرب واللباس والمواصلات، وأثّر أيضًا في الأفكار، وأثّر أيضًا في تداول المال، وأثّر أيضًا في حركة الحياة.
كل ذلك يجب أن ندركه حتى ندرك هذه الأشخاص سواء كانت طبيعية أم معنوية أو اعتبارية.
تغير الأحكام الشرعية بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال كما قرره القرافي
هل ستتغير الأحكام بتغير الشخصية؟ إن الأحكام تغيّرت بتغير الزمان وبتغير المكان وبتغير الأشخاص وبتغير الأحوال، كما يقرّ بذلك القرافي في كتبه الأصولية.
وهذه الجهات الأربع التي تتغير فيها الأحكام:
- •
فتتغير من دار الإسلام إلى دار غير المسلمين أو ما يسميه الفقهاء القدماء بدار الكفر.
- •
وتتغير الأحكام ما بين حالة الحرب وحالة السلم؛ فتُقام الحدود في حالة السلم ولا تُقام في حالة الحرب.
- •
وتتغير الأحكام في حالة الضرورة وفي حالة العادة.
نموذج عمر بن الخطاب في عام الرمادة وتطبيق قاعدة الضرورة في تغيير الأحكام
فإذا كانت الحالة ضرورة كـعام الرمادة الذي أوقف فيه عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] الحدّ، والذي اتخذ فيه إجراءات احترازية من أجل هذا الطارئ، فإنه لا يكون كذلك دائمًا.
بل إنه إذا زالت الضرورة عاد الأمر مرة أخرى:
﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]
حتى زالت الضرورة [عاد] المحظور [إلى حكمه الأصلي].
تغير الأحكام بتغير الأعراف وقاعدة المجلة العدلية في ذلك
وكذلك إذا كانت [الأحكام] تتغير كما قرر الفقهاء بتغير الزمان فيما أُقيم على الأعراف.
وفي المجلة العدلية التي أنشأها ابن عابدين إمام الحنفية يقول: وتتغير الأحكام بتغير الزمان، يعني بتغير الأعراف التي بُنيت عليها.
إذا كان الحكم مبنيًّا على العرف؛ لأن الحكم في ذاته لا يتغير، وإنما تتغير هيئته [ما] دام مبنيًّا على عرف قد تغيّر، محافظةً على مقصود الشرع الشريف.
تغير الأحكام بتغير الأشخاص: نموذج الوقف والشخصية الاعتبارية في الفقه الحنفي
فهل تتغير [الأحكام] بتغير الأشخاص؟ المتتبع للفقه الإسلامي يجد أنهم قد أشاروا إلى تغير الأحكام بتغير الأشخاص.
فلم يفرضوا مثلًا على الوقف زكاة، ولم يفرضوا على بيت المال زكاة، وأجازوا للوقف أن يستدين بفائدة؛ لأنه شخصية اعتبارية لا روح لها.
إذن هناك - وهذه نصوص السادة الحنفية - تجيز للوقف - والوقف ليس إنسانًا وإنما هو هيئة - أن يستدين بزيادة تُردّ من إيراده لإصلاحه.
فلو كان هناك بستان يحتاج إلى إصلاح وليس معنا مال، فهذا البستان يستدين ألفًا ويردّها ألفًا ومائتين؛ الألف تُصلح هذا البستان فينتج ويبدأ في سداد الألف والمائتين من إيراده. وأن هذا جائز؛ لأنه ليس له نفس ناطقة يُخاف عليها كما يُخاف على النفس الطبيعية المخلوقة لله من بوائق الذهب بعوائقه.
ضرورة دراسة فكرة تغيير الأحكام بتغير الأشخاص ووضع قواعد منضبطة لها
إذن هناك فكرة لتغيير الأحكام بتغير الأشخاص موجودة في الفقه الموروث، يجب علينا أن ندرسها وأن نضع لها قواعد نستطيع بها أن نحكم على الواقع المعيش.
حتى نحقق المقاصد وحتى نحقق المصالح، وفي الوقت نفسه يكون ذلك بنمط شرعي منضبط لا يخرج عن شرع الله الموروث ولا عن العلم الذي تعلمناه من السلف الصالح.
إلا أنه يجب علينا أن نقوم بـواجب وقتنا، وهو أن ندرك ما حولنا إدراكًا واعيًا عميقًا، وأن ندرك الفقه الإسلامي أصولًا وفروعًا ومصادره وأحكامه.
ضرورة الوصل بين الفقه الموروث والواقع المعاصر شديد التركيب والتعقيد
ثم بعد ذلك نرجع إلى الواقع ونُحدث هذه الوصلة بين ما فهمناه وما وعيناه من غير خروج عن هويتنا، وبين هذا الواقع شديد التركيب، شديد التعقيد، شديد التداخل، شديد السرعة، شديد الانسياب.
بمعنى أن الحدود بين الدول والأفكار والأشخاص قد رُفعت.
وجوب تعلم المفتي تحليل الواقع وإدراك المتغيرات مع الفرق بين واقع الماضي والحاضر
فهل يجب إذن على المفتي أن يتعلم تحليل المضمون؟ وأن يقرأ الأحداث قراءة جديدة وأن يتتبعها فيفهم ما وراءها وما مغزاها؟
هل أصبح لازمًا على المفتي ألا يقصر نفسه على إدراك الشريعة؟ بل ينبغي عليه أن يدرك الواقع أيضًا. والواقع قد تغيّر.
الواقع الذي عاشه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ليس هو الذي عاشه الإمام الباجوري في أواسط القرن التاسع عشر. كان [الباجوري] إذا أراد أن ينتقل من القاهرة إلى الإسكندرية انتقل في ثلاثة أيام، وكان لا يستطيع أن يتصل من الإسكندرية بالهاتف حيث أنه لا هاتف ليُخبر عن وفاة أحدهم أو عن ولادته. وكان إذا أراد أن يذهب إلى هناك فإنه يمكث أسبوعًا أو أسبوعين، فكان هناك اتصال حميم.
المقارنة بين سفر الماضي وسرعة التنقل الحديثة وأثرها على العلاقات الإنسانية
ولكن عندما آتي من مصر في مساء الجمعة حتى أسافر إلى قسنطينة في صباح السبت فأغادرها في مساء الأحد، هذا خيال، هذا جنون!
وهذا الجنون جعل ليس هناك فرصة للقاء الحميم، فرصة للتفاهم وللتبادل. نحن في صراع مجنون غريب.
كان يجب عندما نتولى وجهتنا نحو الجزائر من مصر أن نجلس في الطريق شهرين وفي الجزائر أربعة أشهر ونعود مرة أخرى في شهرين، وهكذا بالراحة هكذا.
ولكن الآن لما ركبنا الطائرة وجدنا أنفسنا هنا، وركبنا هنا فوجدنا أنفسنا هنا. في هذه الطريقة العجيبة الغريبة يظن بعض الناس أنها مريحة وأنها كذلك، وأظن أنها أثقلت كاهل الإنسان وجعلته يقدّم النشاط على الفكر.
أزمة العصر: تقديم النشاط على الفكر وانعكاس ذلك على حياة الإنسان المعاصر
كما يقول رينيه جونو أن أزمة العصر هي أن نشاطنا أصبح يسبق فكرنا، فقبل أن نفكر ننشط.
قديمًا كان القلب يسيطر على العقل، والعقل يسيطر على النشاط، فكان الإنسان إنسانًا. الآن العقل يُسكت القلب فيسكت: "لست متفرغًا"، والنشاط يُسكت العقل: "اسكت لست متفرغًا"، ويمشي الإنسان فيحدث ما نراه.
حتى أن هذا العكس أثّر في الفنون، أثّر في الآداب، أثّر في طريقة الأكل، أثّر في كثير مما نبّه عليه الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري في [كتابه] العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية في مجلدين.
ضرورة التعامل مع الواقع المعاصر وعدم إلغاء مستحدثات العصر بل القيام بواجب الوقت
نعم، نحن حياتنا عجيبة، ولكن يجب أن نتعامل معها؛ لأننا لن نستطيع أن نلغي الشخصية الاعتبارية، ولن نستطيع أن نقطع الاتصالات والمواصلات، ولن نستطيع، بل وليس مطلوبًا منا شرعًا ذلك.
عندما يقول [الله تعالى]:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60]
لا نستطيع أن نستبدل بالطائرات والدبابات السيوف والخيول! لا نستطيع هذا، ليس تطبيقًا لدين الله، هذا عبث وإضعاف.
إذن فالقضية هي قضية قدرية خلقية تحتم علينا أن نقوم بما يسمى بـواجب الوقت؛ أن نعيش مثلما كان يعيش السلف في إدراك عصرهم، ثم بعد ذلك في الدخول فيه بمقتضيات ديننا وبجوهريته.
الحاجة إلى إعادة صياغة العقيدة الإسلامية لا تغييرها في مواجهة التحديات المعاصرة
والأفكار هذه، نحن الآن أمام حاجة إلى تطوير عقيدتنا وليس إلى تغييرها، بل إلى إعادة صياغتها.
نحن نؤمن بأنه يوجد إله وأنه واحد، وأنه أنزل الكتب وأرسل الرسل، فهناك تكليف وهناك يوم آخر فيه عقاب وثواب، أي فيه حساب.
نحن نؤمن أن الأشياء لها قداسة؛ فنقدّس المصحف ونقدّس الكعبة. والأشخاص لها قداسة؛ فنقدّس النبي ﷺ ونقدّس الولي ونقبّل أيدي آبائنا وأمهاتنا.
نحن نؤمن أن هناك حرمة للأشياء.
الفرق بين المساواة والتساوي في الإسلام والرد على فلسفة الجندر
نؤمن بـالمساواة بين الرجل والمرأة وبين الغني والفقير وبين الحاكم والمحكوم، لكن لا نؤمن بـالتساوي؛ فليس هؤلاء في تساوٍ، بل لكل منهم مكانته وخصائصه ووظائفه. وبذلك يحدث التكامل الذي أراده الله لهذا الكون.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]
"ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف" مساواة، "وللرجال عليهن درجة" خروج عن التساوي.
الرد على فلسفة الجندر وموقف الإسلام من التشبه بين الجنسين
فهناك فرق بين المساواة التي نقرّها ويقرّها ديننا، وبين التساوي الذي جاء بفلسفة الجندر، وأنه ليس هناك ذكر ولا أنثى، وأنه ليس هناك حتى الكلمة نفسها "جنس"، بل وُضع مكانها "جندر"، والجندر يعني "نوع"، يعني كل واحد يختار ما يشاء حتى فيما خلقه الله فيه.
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَسْـَٔلُوا ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِٓ﴾ [النساء: 32]
قال رسول الله ﷺ: «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال»
المرأة المسلمة فرحة بأنها امرأة، والرجل المسلم فرح بأنه رجل. ولكن هؤلاء لا يريدون هذا، ويريدون ذلك التشبه من الرجال بالنساء والنساء بالرجال، فجعلوا الشذوذ حقًّا من حقوق الإنسان.
وجوب إعداد النموذج المعرفي الإسلامي في مواجهة النسبية المطلقة ومكانة الإنسان في الكون
إذن يجب علينا أن نُعدّ أنفسنا بـنموذجنا المعرفي الذي هو صياغة لعقيدتنا، بأننا نؤمن بـالمطلق لا بالنسبية المطلقة التي يريدونها منا.
إننا نؤمن أن الإنسان سيّد في الكون وليس سيدًا للكون، وأن الإنسان ليس جزءًا في الكون كقطعة الخشب أو المعدن، بل هو مكرّم.
وأن الإنسان مستخلف في هذه الأرض، وأن أهدافه عبادة الله:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
وعمارة الأرض وتزكية النفس.
صياغة النموذج المعرفي الإسلامي في مقابل النموذج المادي الغربي
وأن كل هذه الأشياء التي نذكرها وهي هنا وهناك نريد أن نصوغها بسهولة في ورقة واحدة فتمثل نموذجًا معرفيًّا إزاء نموذج معرفي آخر.
[النموذج الآخر] يجيب عن هذه النقاط بإجابات أخرى؛ فيرى أن قضية الدنيا هي منحاها، وأن قضية الآخرة إنما هي قضية إيمان يؤمن بها من يؤمن ويكفر بها من يكفر.
وأن التكليف ليس له حقيقة خارجية، بل إنه من عقل الإنسان الذي يدبّر شأنه عن طريق المجلس النيابي والتشريعي الذي يستقل بحكم الإنسان لا بحكم الله، سواء كانت من نُظم ديكتاتورية أم ديمقراطية أم شيوعية.
أيًّا ما كانت فإنها كلها تصبّ في أن الحكم ليس من عند [الله]، إن الحكم من عند الإنسان. وهكذا.
وجوب عرض العقيدة الإسلامية بأسلوب يجيب على أسئلة العصر دون تغيير جوهرها
إذن نحن أمام أفكار ملأت الأرض، ونحن أهل دعوة وأهل بيان، فيجب علينا أن نُخلّص أفكارنا وعقائدنا ونعرضها بأسلوب يجيب على الأسئلة التي تشغل البشر، لا أن نغيّر عقائدنا أبدًا وإلا نكون قد خرجنا عن الإسلام.
ولكن نريد أن نغيّر طريقة الاتصال، نريد أن نهتم بالأسئلة التي تشغل الناس الآن.
هل نؤمن بالنسبية أم بالمطلق؟ مدارس ما بعد الحداثة تريد أن تهدم خمسة أشياء: اللغة والثقافة والدين والأسرة والدولة.
فهل هذا مما نؤيده؟ أن نخرج من هذا ونستبدل بالدولة المنظمات غير الحكومية، وباللغة لغة اصطلاحية ننشئها فيما بيننا فنقضي على اللغة الموروثة؟ كلام يؤدي إلى مستشفى المجانين، لكنه مطروح وموجود في وثائق الأمم المتحدة وتعمل عليه جماعات.
ضرورة مواجهة الأفكار المنحرفة بالاطلاع على تراث البشرية كما فعل السلف الصالح
السيد بوش يعارضه [وهو] ضد هذا، فليس كل البشر مع هذا البلاء، لكن هذا البلاء موجود ويجب على المسلمين أن يفهموا أن الناس تعيش في وسط هذا، وإلا ننعزل في أنفسنا.
بل نفعل كما فعل سلفنا الصالح: اطّلعوا على كل تراث البشرية وواجهوا هذا التراث بما لديكم من عقيدة سليمة راسخة عميقة هي أفضل عقيدة للبشرية جمعاء، وهي فعلًا النور الذي يقابل الظلام.
أين جهدنا في مواجهة هذه المسألة؟ توجد جهود لكنها ما زالت باهتة وما زالت قليلة، ويجب علينا أن نُشيعها وأن تقوم الجامعة بدورها في هذا الشيوع.
الركن الثالث للفتوى: كيفية الوصل بين النص والواقع وفن إنزال الحكم
فإذا كانت أركان الفتوى تتكون من إدراك المصادر وإدراك الواقع - ولن ندخل في قضية النُّظم - فإنها أيضًا تتكون من كيفية الوصل بين هذا وذاك.
لأن إنزال الحكم على الواقع يحتاج إلى ضرب [أي مهارة] وإلى فن.
ولما كان الواقع ثابتًا أو شبه ثابت - لأنه لم يكن أبدًا ثابتًا تمامًا لكنه كان شبه ثابت - ولكنه الآن ليس ثابتًا أبدًا، كانت الحاجة إلى معرفة كيفية إصدار الحكم على الواقع أو تهيئة الواقع لتلقي الحكم أيضًا مسألة في غاية الأهمية.
ظهور العلوم الاجتماعية والإنسانية في القرن التاسع عشر وعلاقتها بتغير الواقع
لاحظنا أن العلوم الاجتماعية والإنسانية بصفتها الحالية التي تشعّبت قد ظهرت في أواسط القرن التاسع عشر. فعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم السياسة [انفصلت] من الفلسفة في هذا الموعد الذي هو بداية لتغيير الواقع أيضًا من سنة ألف وثمانمائة وثلاثين.
هذه علامة فارقة. ما الذي حدث فيها؟ يحبّ أهل الحضارة أو دارس الحضارة أن يجعلوا علامات فارقة لا علاقة لها بشيء إلا أنها تدل على علامة فارقة.
قالوا: دخل الحديد السفينة في عام ألف وثمانمائة وثلاثين. استطاع البريطانيون أن يُدخلوا الحديد في السفينة.
دلالة دخول الحديد في السفينة كعلامة فارقة في تاريخ الحضارة البشرية
وماذا يعني هذا؟ يعني أنهم استطاعوا أن يُطفوا الحديد! يطفو الخشب وهذا طبيعي معروف منذ عهد سيدنا نوح، لكن الحديد يطفو؟
كيف استطاعوا أن يجدوا المعادلات والكيفيات والأشكال التي بها يطفو الحديد؟ الحديد دخل السفينة، إذن لو ضربناها بالنار لا تهلك، لا تغرق، فأصبحت قوة حربية قادرة على الانتصار أكثر من الأول.
فأصبح هناك علامة فارقة تحدث هنا في البشرية. وفعلًا ظهر الإنسان وأصبح يكتشف مجموعة من الأشياء جعلته ينفصل عن الأرض ويطير في السماء، جعلته يتصل عن بُعد، جعلته يرى بالتلفاز والفيديو، وبعد ذلك الهاتف المحمول وهكذا، ويتصل ويسمع ما لم يكن يراه وما لم يكن يسمعه قط.
نشأة العلوم الحديثة في محيط غير إسلامي والحاجة إلى إنشاء علوم من النموذج المعرفي الإسلامي
هذا التحول جعلهم يُنشئون علومًا، لكن هذه العلوم نشأت في محيط غير المحيط الإسلامي العقائدي، في محيط يرى أن هذا الكون يعمل بقوانينه ولا شأن لله به.
فنشأت هذه العلوم من نموذج معرفي آخر. ولذلك نحن في حاجة إلى أن نُنشئ علومًا تدرك الواقع، ولكن من هذا النموذج المعرفي [الإسلامي].
هذه العلوم هي التي نحتاجها كما يقول سعادة العميد في الفتوى؛ لأنني أريد أن أدرك الواقع فأريد أن أدركه بعلوم مستقرة فاهمة واعية تدرك الحقائق.
ولكن العلوم التي لديّ لا تساعد كثيرًا على ذلك؛ لأنها تنطلق من مفهوم محدد. نعم، تحدث تقاطعات ومساحات اشتراك دائمًا، ولكننا نريد هذه العلوم التي إذا ما قوّمت الحالة قوّمت بطريقة تصلح لأن تعتمد عليها الفتوى.
قوة التراث الإسلامي والحاجة إلى الهمة العلمية لتحديد الطريق
فلدينا عمل كثير ومعنى تراث ضخم ومتين. وربما لا يوجد يأس ولا شيء.
هذه تحتاج إلى همة وإلى عدم كسل علمي ولا تكرار، وتحديد الطريق الذي نسير فيه. ولكنه طريق قوي؛ لأن لدينا نموذجنا ولدينا أحكامنا ولدينا طريقتنا في التوليد.
وهذا الأمر لا يحتاج إلا الهمة والانطلاق.
شروط المفتي الثلاثة: التعليم والتدريب والتربية الأخلاقية
إذا رأينا هذا عرفنا أنه مشترط في المفتي التعليم والتدريب والتربية.
لا بد أن يكون عالمًا بهذه الثلاثة، ولا بد أن تكون لديه خبرة في هذه الثلاثة، ولا يجب أن يشتمل على أخلاق هي أخلاق الإسلام:
- •من الصبر ومن السماحة ومن سعة الصدر
- •ومن معاملة الناس كأبنائه ومن الحب
- •ومن الذي لا يتحدث بما لا يعرف
- •والذي لا يتردد أن يقول لا أدري إن كان لا يدري
- •ومن الشعور بالمسؤولية إلى آخره
فهذه أخلاق مع التدريب ومع العلم الذي يُدرس فيه الكليات الشرعية، يكون المفتي.
تصدر غير المؤهل للفتوى إفساد في الأرض وتشبيهه بالدجال في الطب
ومن هنا فإننا نرى أن تصدّر غير المؤهل للفتوى هو عبارة عن إفساد في الأرض. نعم، من أنواع الإفساد في الأرض.
لأن تخيّل أن دجّالًا قد تولّى الطب عندنا! مساعد الطبيب الذي يحضّر له الحقنة وهكذا، اسمه حلّاق الصحة في الريف، هو يعمل بحرفة الحلاقة فهذا فنّه، وليس في ذلك احتقار له، ولكنه ليس عالمًا بطبيعة الحال.
ولدينا شخص غير مسلم يقوم بعملية القلب المفتوح. فإلى أين نتوجه؟ أإلى حلّاق الصحة أم إلى الطبيب؟ فكل عاقل يقول: إلى الطبيب ولو كان غير مسلم. كل عاقل يقول هكذا في العالم.
خطورة التصدر للفتوى قبل التعلم وتشبيهه بمن يتذبذب قبل أن ينضج
ولكننا الآن نذهب [إلى] غير المؤهّل الذي يتصدر قبل أن يتعلم. وقالوا: من يتصدر قبل أن يتعلم كمن يتذبذب قبل أن ينضج، يعني صار زبيبًا وهو ما زال حصرمًا! الزبيب حلو والحصرم مرّ، فأنت تراه زبيبًا فتأخذ تأكل فتجده مرًّا.
ومن هنا قال [العلماء]: من الخارج رخام ومن الداخل فحم، من الخارج تهليل لله ومن الداخل يا عمّ!
والله إن الذي نحن فيه هذا مصيبة وإفساد في الأرض. وهذا الإفساد قد تعلّق بالدين والأبدان، وليست الأبدان أولى عندنا ولا عند الله من الأديان. وقليل الكلام يكفي عن كثير.
من تصدر للفتوى بلا تأهيل يرتكب كبيرة وعليه أن يلزم مهنته
فهؤلاء الذين تصدّروا قبل أن يتعلموا وقبل أن يتدربوا وقبل أن يتخلّقوا يرتكبون كبيرة من الكبائر.
كن حيث [أقامك] الله؛ فإذا أقامك الله نجّارًا أو حدّادًا أو سبّاكًا أو جزّارًا، فهذه مهن ليست حقيرة، هذه مهن تُطعم بها قومك. لكن تتركها وتشتغل بالفتوى، فإن هذا من المضحكات المبكيات.
وشرّ الأمور مضحكاتها مبكياتها، أي شرّ البلية ما يُضحك؛ فهي تُضحك ولكنها ضحكة كالبكاء، لأنك تصدّرت في غير مكانك.
الفرق بين الفقه والفتوى والقضاء في الشريعة الإسلامية
هناك فرق بين الفتوى والفقه والقضاء.
الفقه: معرفة أحكام الله. ولذلك عرّفوا الفقه بأنه العلم بالأحكام العملية الشرعية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، أي الفهم.
ولكن الفتوى تضيف إليها إدراك الواقع وكيفية تطبيقها عليه.
لكن القضاء يتدخل في الواقع. فلو جاءني أحد يستفتيني في طلاق فقلت له إن هذا الطلاق وقع، فقال لي: أنا لن آخذ بفتواك، فلا أستطيع أن ألزمه؛ ليست لديّ سلطة للإلزام؛ لأن الفتوى هي بيان.
لكن [لو] ذهبت إلى القاضي فحكيت له الحكاية، فقال له القاضي: حكمت عليك بأن زوجتك طالق منك بناءً على قصة كذا. قال: لا يعجبني الحكم هذا. يقول [القاضي]: اخرج خارجًا ولتعتدّ المرأة.
القضاء يغير الواقع وينفذ ظاهرًا وباطنًا بخلاف الفتوى
وطالما أنه يقابلها يقول لها: لا، على فكرة أنتِ ما زلتِ زوجتي - في عقله الفاسد الكاسد.
فـالقضاء يغيّر الواقع وينفّذ ظاهرًا وباطنًا. ينفّذ ظاهرًا عند الناس وباطنًا عند الله، بحيث أن هذه المرأة لو ذهبت فتزوجت بعد انقضاء عدتها فقد فعلت في حق نفسها المعروف والحلال، ولن [تفعل في] نفسها المنكر أو الحرام.
فـالفقه وهو علم من طرف واحد، والفتوى وهي مركبة بين أمرين: المصادر والواقع، والقضاء وهو مركب من ثلاثة: هذه المصادر والواقع وأيضًا تأثير الواقع بإلزامه.
المراحل الأربع التي تمر بها الفتوى في ذهن المفتي: التصوير والتكييف والحكم والإفتاء
فن الفتوى أنه عندما يسألنا السائل - والسائل قد يكون إنسانًا، قد يكون جهة، قد يكون أي شيء - فإن الذي يحدث في ذهن المفتي أربع مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة التصوير - وهو أن يتصور المسألة الواقعة، يعني ما الذي حدث وما الذي يُسأل عنه.
وهذه مرحلة مهمة، والعبء فيها بالأساس على السائل؛ لأن السائل يمكن أن يكذب ويمكن أن يكون غير دقيق ويمكن أن يكون غير مبيّن.
ولكن أيضًا من واجب المفتي - فهو عليه شيء من المسؤولية وليست كل المسؤولية - لأنه في الإجابة يقول: إذا كان الحال كما ورد في السؤال، فهذا الشرط يلقي المسؤولية أو بعض المسؤولية أو كثيرًا من هذه المسؤولية على السائل.
مسؤولية المفتي في فهم السؤال واكتساب الملكة من خلال الممارسة الطويلة
مسؤوليته هو أن يفهم جيدًا السؤال، وضروري أن يشعر أنه رأى هذا السؤال شيئًا [مألوفًا]. وهذا يأتي بـالضربة والملكة بعد معاناة الإفتاء لمدة طويلة، فلا يستطيع السائل أن يضحك عليه [أو] أن يخدعه من كثرة الممارسة.
المرحلة الثانية من مراحل الفتوى: التكييف الفقهي للمسألة
المرحلة الثانية: التكييف - أنا سمعت ما قلت، ولكن ما هذا؟ أنت تسأل في أي شيء؟ في العبادات أم في المعاملات؟
في المعاملات: ما عقد هذا من العقود؟ هذا عقد مسمّى معروف في الفقه الإسلامي أم غير مسمّى؟ وإذا كان غير مسمّى فهل هو من عقود المعاوضة أم من عقود التبرعات أم من عقود الفسوخ أم من عقود الإلزامات أم من عقود أخرى؟
وهكذا يجلس يكيّف ما سمع.
المرحلة الثالثة: الحكم الشرعي على المسألة بعد تصويرها وتكييفها
ثم المرحلة الثالثة هي مرحلة الحكم.
أنت تسألني بأنك قد شربت سائلًا معينًا وإن هذا السائل تبيّن أنه خمر، فما حكم شرب الخمر؟ حكم شرب الخمر محرّم، فهذا هو الحكم.
بل إن [من] قال لزوجته "أنتِ طالق" انتهى، هذا صريح لا يحتاج إلى شيء، وهو واعٍ مريد قاصد كذلك إلى آخر الشروط. الحكم كذلك: أنتِ طالق يا مولانا.
المرحلة الرابعة: الفتوى وتطبيق الحكم على الواقع مع مراعاة الجهات الأربع
حسنًا، وتأتي بعد ذلك قضية المرحلة الرابعة: التصوير، التكييف، الحكم، والفتوى.
فلماذا فصلنا بين مرحلة الحكم والفتوى؟ لأن الفتوى قد تتغير بتغير الجهات الأربع؛ فتتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
فأقول له: نعم الخمر حرام، لكن ما فعلته أنت ليس فيه إثم، وذلك لأنك كنت مكرهًا، أو ذلك لأنك لم تكن تعلم أنه خمر.
أو ذلك [لسبب آخر]، وأبدأ أُدخل إذن العناصر كلها التي ما بين الحكم والفعل. لا أستطيع أن أقول الخمر حلال، ولا أقول الخمر حرام [فقط]، ولكن العمل الذي قمت به منزوع الإثم من أجل كذا وكذا مما ورد في السؤال أو في بيان الحال.
تطبيق مرحلة الفتوى على حالات الإكراه والغضب الشديد في الطلاق
أو أقول له: نعم أنت قلت [أنتِ طالق]، لكن إذا كنت تحت الإكراه، أو كنت في غضب شديد أغلق عليك ذهنك وفقدت الإدراك أو فقدت الأهلية، فلا يقع معه الطلاق.
وهكذا يبقى إذن مراحل الفتوى أربع: التصوير والتكييف والحكم والإفتاء أو بيان الفتوى.
التجربة المصرية في الإفتاء: تحول دار الإفتاء من منصب إلى مؤسسة منذ 1895
من أين نأخذ هذه الفتاوى؟ الحقيقة أن التجربة المصرية - دار الإفتاء المصرية - حوّلت منصب الإفتاء الذي هو موجود عبر التاريخ إلى مؤسسة سنة ألف وثمانمائة وخمسة وتسعين.
وتولّى أول ما تولّى هذه المؤسسة تولّاها شيخ الأزهر حسونة النواوي رحمه الله تعالى. ثم بعد ذلك رُئي أن تنفصل دار الإفتاء عن المشيخة.
ولذلك أول ما جاءت دار الإفتاء كانت في الرواق العباسي وهو إحدى الأروقة في جامع الأزهر على يمين الداخل من باب الرواق العباسي بجوار باب المزيّنين. فالرواق العباسي كان هو محل دار الإفتاء المصرية.
الشيخ محمد عبده وتوسيع مصادر الفتوى بإدخال المذهب المالكي
بعد الشيخ حسونة النواوي جاء الشيخ محمد عبده سنة ألف وثمانمائة وتسعة وتسعين. ولذلك بعضهم يعتبرونه أول مفتٍ، لكنه ليس أول مفتٍ؛ إذ أنه قبل حسونة النواوي كان لدينا المهدي العباسي [وكان حنفيًّا] ومحمد عليش [وكان مالكيًّا].
ويقولون إنكم تنطقون "عُلَيْش" ولا نعرف ما الحقيقة هكذا يا دكتور، "عليّ" بالتشديد والمصريون خفّفوها، يحبون التخفيف هكذا، جميل.
ففي ألف وثمانمائة وخمسة وتسعين دار الإفتاء المصرية تفتي بـالمذهب الحنفي وهو المذهب الرسمي للدولة العثمانية، ومصر ما زالت تابعة إلى حدٍّ ما للدولة العثمانية.
محمد عبده يدخل الفقه المالكي في الفتوى ويوسع مصادرها لمصلحة العصر
ولكن عندما جاء محمد عبده - وكان محمد عبده أصلًا قد درس المذهب المالكي وكان مالكي المذهب في الأصل - أدخل شيئًا من الفقه المالكي في الفتوى.
وقال إن الحنفية متشددون في بعض الأمور والمالكية أكثر تسامحًا، خاصة فيما يتعلق بالأسرة، ونظرة المالكية للمرأة أنقى من المذهب الحنفي - هكذا يقول.
فأخذ بشيء من هذا. فالمالكية مثلًا عندهم أسباب طلب التطليق من القاضي أوسع من الحنفية الذين حصروها في أمرين، ولكن المالكية جعلوها يمكن عشرة أو ثمانية أو شيء من هذا القبيل.
فرأى أنه الأخذ بمذهب آخر وليس ترك المذهب. وهنا مسألة مهمة: هي لم يترك المذهب الحنفي كله، وإنما أخذ المسألة والمسألتين والثلاث من هنا وهناك بما تقتضيه مصلحة العصر.
انتشار مدرسة محمد عبده في توسيع مصادر الفتوى بعد وفاته
وتوفي محمد عبده عام ألف وتسعمائة وخمسة، وجاء من بعده الشيخ بكر الصدفي وسار على نهجه.
وبدأت مدرسة محمد عبده بعد وفاته وليس في حياته تنتشر شيئًا فشيئًا، وهو توسيع مصادر الفتوى.
وفي سنة ألف وتسعمائة وخمسة وعشرين وضع المصريون لجنة شرعية قانونية للأحوال الشخصية، فوسّعوا الأخذ من المذاهب، فأخذوا من الظاهرية ومن الحنفية ومن الزيدية ومن المالكية ومن الشافعية وما إلى ذلك.
أخذوا من هذا وأخذوا من ذاك، وظلوا يأخذون ويتوسعون، ولكن ما زال ذلك في مسائل معدودة.
التوسع التدريجي في مصادر الفتوى من المذاهب الأربعة إلى الفقه الإسلامي الواسع
ثم اتسع هذا [عام] ستة وأربعين عندما وضع محمد فرج السنهوري قانون الوقف، وعندما وضعوا أيضًا قانون الوصية وأدخلوا فيه الوصية الواجبة، وعندما طوّروا شيئًا من بنود القوانين.
وظل الأمر كذلك في دار الإفتاء يتسع في الأخذ من المذاهب الأربعة بالأساس، ثم اتسع للأخذ من المذاهب الثمانية، ثم اتسع في بعض المسائل.
كل هذا ليس في كل المسائل؛ فالمسائل تسير كما هي، ولكن ظهرت مسألة واستُحدثت تحتاج إلى أن نخرج عن المذهب الحنفي، أو عن المذاهب الأربعة، أو عن الثمانية، أو عن الفقه الإسلامي الواسع.
الفقه الإسلامي الواسع يشمل خمسة وثمانين مذهبًا ومصادره الكبرى
ما هو الفقه الإسلامي الواسع هذا؟ خمسة وثمانون مذهبًا، والتي منها الزيدي والإباضي والحنابلة والشافعية وحمّاد بن سليمان والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري [وغيرهم].
خمس وثمانون مذهبًا نجدهم في:
- •كتاب المجموع للنووي
- •كتاب المحلّى لابن حزم
- •كتاب المغني لابن قدامة
- •وهكذا الكتب التي تحدثت عن الفقه الإسلامي ونقلته
وكذلك الحسن البصري، شخص ألّف ثمانية مجلدات في فقه الحسن البصري مما بين أيدينا.
فإذن بهذا يسمّونه الفقه الإسلامي الواسع. أيضًا أنا أقصد أنني أستأنس بأن ما توصلت إليه قد توصل إليه مجتهد عظيم من قبل وأخذ به ورأى أن هذا النص يحتمل هذا المعنى، سواء من الكتاب والسنة مباشرة.
دور المجامع الفقهية والجماعة العلمية في المستجدات التي لا نص فيها
وهنا تدخل قضية المجامع الفقهية؛ فلم يستقل عندنا مفتٍ برأي كذلك، وإنما في ظل جماعة علمية تشاركه الرأي في المستجدات التي لا نجد لها نصًّا لا في الأربعة ولا في الثمانية ولا في الفقه الواسع، أو في أمر يتعلق بـعموم البلوى في البلاد والعباد.
ولذلك هذه المسائل مسائل معدودة تكاد لا تزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة.
نموذج الخلع في مصر: تطبيق الحديث النبوي في مواجهة تراكم القضايا
منها الخلع. تراكمت القضايا في المحاكم حتى كاد العدل أن يختل في النزاعات الوسائلية، وليس هناك في القانون المصري نص على الخلع.
فأردنا أن ننصّ على الخلع، فقالوا: حسنًا. فتشكّلت لجنة وأصبحت قضية رائعة وشارك فيها كل الشرعيين وكل القانونيين وكل الكتّاب وكل المفكرين وهكذا.
قالوا: نريد أن نأخذ بالخلع كما هو موجود في الحديث. الأئمة الأربعة يقولون: عندما تطلب المرأة الخلع تدفع ما يريده الرجل. فإذا كانوا فقراء في خصام بعضهم البعض تدفع ما يريده الرجل.
فماذا يعني ذلك؟ يعني أنها لن تحصل على ما تريده؛ سيقول لها: هاتي مليون دولار! فأنا لست... كيف أحصل على مليون دولار؟
التمسك بنص الحديث النبوي في الخلع وتطبيقه قانونيًا في مصر
والذي في الحديث بالمناسبة هذا محل إجماع عند الأئمة الأربعة. لم نجد نصًّا يجيز حتى الآن [التقيّد بالحديث]، لم نجد نصًّا يجيز أو يتقيّد بالحديث.
في الحديث النبوي الشريف:
[قالت امرأة ثابت بن قيس]: «يا رسول الله، أردّ عليه الحديقة وأزيد»
يبدو أنها كانت متضايقة منه كثيرًا، أن أردّ عليه الحديقة وأزيد.
قال [النبي ﷺ]: «أما الزيادة فلا»
ولكن أنا أريد أن أتمسك بهذا النص ونطبّقه. هل من حائل شرعي يمنعنا من تطبيق سنة رسول الله ﷺ؟ ما الذي يجعل المفكرين والمحسنين والمعاصرين يتصدّرون في سنة رسول الله ﷺ؟
هذا نصيبهم، يعني ما دامت في صالحهم فليتمسكوا بها. قلنا لهم: ما من شيء يمنعكم من التمسك بسنة سيدنا رسول الله ﷺ، ما نحن جالسون طوال النهار نقول: تمسّكوا.
فصدر القانون على هيئة الحديث.
تطبيق قانون الخلع عمليًا وردود فعل النساء والرجال عليه
أنه أنت دفعت لك كم مهرًا؟ أكون أنا متزوج امرأتي هذه لي ثلاثين سنة ودافع لها مهرًا لا يزيد عن خمسمائة جنيه. هذه اليوم تكفي عشاء أربعة خمسة أفراد هكذا نطعمهم بخمسمائة جنيه.
فهي تصرفني وتقول لي: خذ الخمسمائة جنيه الخاصة بك، اذهب مع السلامة!
فطبعًا فرحت النساء جدًّا وغضب الرجال جدًّا. لا تستطيع أن تفعل شيئًا.
إساءة الرجل استعمال حقه في الطلاق ودور الفتوى الاجتماعي في بناء الأسرة
ولكن الحقيقة أن عدد القضايا قد [انخفض]، وأصبحت المرأة [في وضع أفضل]. أي أن المرأة في البداية مصوّرة على أنها شيء، أن المسلمين يتعاملون مع المرأة على أنها شيء وأنها تأكل وتسكت وأن الرجل يتصرف معها تصرّف الأشياء.
هذا هو الانطباع الذي ترسّخ في أذهان الناس. عندما نأتي لنبحث الموضوع بموضوعية نجد فعلًا أن الرجل قد أساء استعمال هذا الحق.
لوجه الله، موضوعيًّا هكذا نقابل به الله: الرجل أساء الاستعمال. الله أعطاه سلطة فأساء استعمالها. هذا عندنا وليس عندكم، لا يجب أن تكونوا أنتم تحسنون.
التجربة المصرية في الإفتاء تحتاج إلى دراسة والانتقال على مستوى المسألة لا المصدرية
فالتجربة المصرية تحتاج إلى دراسة للاستفادة منها، وهو كيف انتقلنا على مستوى المسألة وليس على مستوى المصدرية.
هنا مثلًا المالكية شائعة، دعها شائعة، دعها حاكمة في الناس، وغيّر منها مسألة اثنتين ثلاثة عند الحاجة وبالجماعات العلمية.
تجلس الجماعة العلمية وتفكر: نأخذ بالحنفية ونأخذ من الأربعة، ما لا نخرج منهم إلى الثمانية إلا إذا لم نجد في الأربعة، ما لا نخرج إلى الفقه الواسع إلا إذا لم نجد في الثمانية، ما لا نخرج إلى الكتاب والسنة [مباشرة] إلا بشيء مهم جدًّا والجماعة العلمية تقرّ هذا.
إذن ليس هناك تقليد محض يضيّق على الناس حياتهم، وليس هناك أيضًا ترك محض يجعل الناس في فوضى.
التجربة المصرية تحتاج إلى رصد وشرح واستفادة وتطوير
فالتجربة المصرية تحتاج إلى رصد وشرح واستفادة ما أمكن، وتطوير إذا أمكن أيضًا، التطوير.
لعلي لا أكون قد أطلت عليكم. جيد، من يريد أن يكمل فليقل: أكمل.
إحصائيات دار الإفتاء المصرية: مائة وعشرون ألف فتوى في مائة وعشر سنوات
هيا نرى ما [أنجزته] دار الإفتاء المصرية طبقًا للسجلات.
نحن الآن منذ مائة وعشر سنوات أصدرنا مائة وعشرين ألف فتوى. هذه المائة والعشرون ألف فتوى درسناها واخترنا منها الفتاوى ذات الأهمية وحذفنا التكرار والأمور السابقة مثل الميراث والوصايا وما إلى ذلك.
أخذنا نماذج، والطلاق والأحوال الشخصية أي تمثل حوالي ستين في المائة. فاخترنا من هذه الفتاوى وأصدرناها في ثلاثة وعشرين مجلدًا تحتوي على أربعة آلاف وخمسمائة فتوى.
وفي كل فتوى نصدّرها بالمبادئ التي تصوّرنا أنها كانت في ذهن المفتي حينما أسّس فتواه من ذات الفتوى. فصدرت هذه المجلدات، ثم بعد ذلك وضعناها على قرص مدمج بحيث ينتفع بها الناس.
مقارنة بين عدد الفتاوى في عهد محمد عبده وعددها اليوم وأسباب الزيادة الهائلة
ونحن الآن في مجال إنشاء [المجلدات] أربعة وعشرين وخمسة وعشرين وستة وعشرين، لم يُدفع بها بعد إلى المطبعة في الفتاوى الجديدة التي لم ترد في الأربعة آلاف وخمسمائة.
محمد عبده أصدر في الست سنوات تسعمائة وأربعة وأربعين فتوى، أي يمكننا أن نقدّرها بألف. أي لا تزيد عن ألف وتسعمائة وأربعة وأربعين بالضبط هكذا، أي في ست سنوات.
نحن الآن نصدر ثمانية آلاف فتوى في الشهر!
فلماذا؟ ذهبت وبحثت فوجدت المصريين في أيام محمد عبده في أول القرن أربعة عشر مليونًا. ونحن أصبحنا سبعين مليونًا، أي زدنا خمس مرات.
تحليل إحصائي لزيادة الفتاوى ومقارنتها بزيادة السكان وأسباب الطلب المتزايد
فكان يعني بدلًا من [ألف] سيصبحون خمسة آلاف في ست سنوات، وهو ألف في ست سنوات في أيام محمد عبده، فليكونوا الآن في الست سنوات خمسة آلاف.
لكن هذا نحن زدنا ست مائة مرة بهذا الشكل؛ لأن الشهر الخاص بمحمد عبده: ألف على اثنين وسبعين [شهرًا]، فكم يخرج لهم في الشهر؟ اثنان وسبعون شهرًا - ستة سنين في الاثني عشر - باثنين وسبعين نقسم ألفًا عليهم فيخرج مائة على سبعة، أي أربع عشرة فتوى في الشهر.
وأنا أصبحت ثمانية آلاف! طيب، الأربع عشرة فتوى اضربهم في خمسة الذي هو زيادة السكان فيصبحوا سبعين. لكن أنا الآن أقول أصبحت سبعة آلاف. سبعة آلاف على سبعين يصبح مائة، ربما أكون أنا مثل محمد عبده في العدد.
ولكن يا إخواننا، دولة مثل تلك تفوق محمد عبده في العدد مائة مرة!
أسباب الزيادة الهائلة في طلب الفتوى ودور الفتوى في بناء الأسرة المسلمة
فلماذا؟ هل بسبب الصلاة؟ هل لشدة تديّن الناس؟ هل لجهل الناس؟ يمكن أن تكون كل هذه العوامل أو غيرها أيضًا.
فماذا يعني هذا؟ هذه خواطر وليست دراسة إحصائية.
أو ثمانية آلاف فتوى أغلبها ستون في المائة وأكثر في الأسرة، مما يدل على أن دور الفتوى في بناء الأسرة وفي المحافظة عليها دور مهم جدًّا، وأن الناس ما زالت تعيش في نطاق الدين خاصة في قضية الفتوى.
تجد الرجل لا يصلي ولا يصوم ويشرب الخمر، وجاء يقول: إن المرأة هذه حلال أم حرام؟ - زوجته يعني. زوجته هذه شيء وما يفعله من بلاء خارج الأسرة شيء آخر. سبحان الله!
غرابة نفسية الإنسان بين الفساد الشخصي والحرص على شرعية الأسرة
يعني تجد الرجل فاسدًا فعلًا لكنه إلا هذه [الأسرة]. طيب، ما هذا إذن؟ ما هذا؟ أريد أن أدرسه.
هذه كيف أنه لا يهتم لا بصلاة ولا بصيام ولا بالتزام، بل إنه يزني. لماذا؟ لا، يعني الشخص الذي يشعر بشيء من المسؤولية أمام أسرته يريد أن يعني...
مثل تاجر المخدرات الذي يتاجر في المخدرات ويعلّم أولاده أفضل تعليم ويبعدهم عن مجال المخدرات. أمور كهذه، نفسية الإنسان غريبة.
ولكن هذا هو الواقع: أن الفتوى تقوم بدور اجتماعي مهم في هذا المجال.
حوار مع المتطرفين حول فتوى ابن تيمية في التتار وكيف أساؤوا فهمها
إذا انتقلنا إلى [الفتاوى] التي سبّبت الدماء حتى الركب، تعال معي.
لقد جلست مع المتطرفين والإرهابيين ومن حملوا السلاح على المسلمين ودماء - فعل الله تعالى [بهم].
لماذا تفعل هذا؟ قال لي: والله بسبب فتوى ابن تيمية في التتار.
قلت له: وما فتوى ابن تيمية في التتار؟ قال: التتار هؤلاء كانوا يحكمون بشيء اسمها الياسق أو السياسة، والسياسة هذه التي جاءت منها "سياسة"، أي الترتيبات الثلاثة، والترتيبات الثلاثة معناها المدني والتجاري والعقوبات.
هذه هي الترتيبات الثلاثة، وطالما أن الترتيبات الثلاثة كذلك فأنتم تتار! وطالما أنكم تتار وابن تيمية حاربكم فإننا سنحاربكم أيضًا لأننا نتبع ابن تيمية.
تصحيح فهم فتوى ابن تيمية: الوقوف مع جند الإسلام ضد الغازي لا تكفير المسلمين
فقلت له: يا بني، لقد خلطت الأمور، فهم محصور [في فهم خاطئ] تمامًا.
قال: كيف؟ قلت له: ابن تيمية هذه الخريطة التي كان يرسمها كانت ماذا؟ كانت كالتالي - وهذا نصّ عليها في فتاويه -:
أننا لو رأينا الآن خريطة العالم لوجدنا أن أجناد مصر وأجناد الشام هم أجناد الإسلام، وأن واجبًا علينا تأييدهم والوقوف معهم ضد هذا التتار الذي جاء يحصد الأخضر واليابس ويحرق الكتب ويقتل الناس ويبقرون [بطون] الحوامل ويقتل الأطفال أمام أمهاتهن.
كلام ابن تيمية هكذا. قال لي: نعم صحيح، ما أنا حافظه هذا.
من هم المماليك في فتوى ابن تيمية ومن هم في واقعنا المعاصر
قلت له: طيب، نحن من إذن؟ لكي تقف مع من؟ في ماذا الحكاية؟ أين المماليك؟ أليسوا جند الإسلام؟ هم المماليك.
قال: نعم. قلت له: المماليك الآن، المماليك هو حسني مبارك، بشار الأسد... جنود الإسلام هم، والدستور يقولون إن هذه دولة إسلامية.
المماليك في الزمن الماضي كانوا يشربون الخمر. قال لي: نعم. هذا نحن لدينا في مصر حتى شيء يسمى المملوك السكران.
مملوك يجب أن يكون سكران! المملوك السكران هذه كلمة يقولها المصريون عندما يستحسنون جميلًا، يعني يقول: الله، هذا يشبه المملوك السكران! يعني شكله جميل جدًّا وبديع كالمملوك السكران.
سبحان الله! هل أصبح السكر صفة للجمال؟ لا، لقد كان المملوك سكرانًا يشرب الخمر ولم يكن من أتقياء الخلق.
المماليك كانوا يقتلون بعضهم ومع ذلك أمر ابن تيمية بالوقوف معهم ضد الغازي
وكانوا يقتلون بعضهم البعض؛ بيبرز قتل قطز. عندما قتل قطز قتلوه وهم قادمون من المعركة وتولّى مكانه. هذا جميل! أي هذا من الأتقياء؟!
فلنفترض يا بني أن رؤساءنا حليقو اللحى - لأنه أمّا شيء حلق اللحى - ويشربون خمرًا ولا يصلون، مثل المماليك بالضبط.
ففي ماذا ابن تيمية يا بني يقول لك؟ قف مع هؤلاء ضد الغازي الذي يأتيني! قف مع هؤلاء بجبهة واحدة مثل الجبهة الوطنية التي حررت الجزائر، كل أشكال الطيف دخلت فيها.
هذا ما يطبّقه ابن تيمية بالضبط لكي نحرر الجزائر من الاستعمار الفرنسي. فابن تيمية يقول لك هكذا.
كشف انقلاب المتطرف على فتوى ابن تيمية وجعل الدولة هي التتار والمتطرفين هم المماليك
أتذكر ماذا تقول؟ لماذا أربكت الأمور وجعلتنا نحن التتار؟ الدولة هي التتار! وجعلت أنك أنت المماليك!
إما أنك لا تصلي ولا تصوم وما شابه ذلك. فقال: ها هو ذا.
قلت: ما بالكم أنتم؟ كيف هذا؟ هذه هي العدالة البسيطة.
انظر كيف جعله الهوى يترك كل فكرة، مما يدل على أنه ليس فكرة أصلًا، إنه هوى. أين؟ يعني حتى قراءة الفتوى قراءة معكوسة!
المماليك كانوا يطبقون الحدود وقصة السلطان الغوري مع تطبيق حد الرجم
ألا ترى ما الذي [حدث]؟ ماذا قال لي؟ طيب، والمماليك هؤلاء كانوا يطبقون الحدود.
قلت له: يا بني، السلطان الغوري سنة تسعمائة وخمسة وعشرين قُتل ودخل سليم خان وقتل السلطان الغوري. نحن نتحدث عن ابن تيمية الذي مات سبعمائة وثمانية وعشرين، أي بينهما مائتا سنة.
السلطان الغوري جاء وقال للعلماء: تعالوا - كان عنده مجالس اسمها مجالس الغوري طبعتها جامعة القاهرة سنة ألف وتسعمائة وأربعين - تعالوا أنا مستمع هكذا.
أن هناك زانيًا يُرجم. قالوا له: يا هذا، الرجم لم يحدث في مصر [منذ] خمسمائة سنة! نحن نتحدث عن سنة تسعمائة والرجم لم يحدث في مصر منذ سنة أربعمائة.
صعوبة شروط إقامة حد الرجم وقصة عمر بن الخطاب مع الشهود
فقالوا له: كيف يعني ما حدث في مصر؟ طيب أنا أريد أن أحيي سنة رسول الله ﷺ وأطبّق الحدود في مصر.
قال [العلماء]: الله! لما يأتي [الأمر بشروطه]. قالوا له: لصعوبة الشروط.
يلزم أربعة يرون الزاني وهو يزني، وهو ما هذا! وبعد ذلك لو واحد منهم رفض أن يشهد - أربعة عند القاضي فواحد رفض أن يشهد - فقام هؤلاء الثلاثة، عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] ضربهم - ومنهم سيدنا أبو بكرة - وضربهم ورفض شهادتهم.
والله هذه الشريعة تقول لنا ماذا إذن؟ [لا]، هذه الشريعة تقول لنا: استروا! فعندما يرى أحد شيئًا مثل هذا ينبغي أن [يستر]، نحن الأربعة لا تذهبوا، لا، حتى لا [تُعاقبوا]. ولذلك استر.
الستر في الشريعة لا يعني إباحة الزنا وقصة السلطان الغوري في إقامة الحد بنفسه
بقي وهذا لا يعني أن الزنا قبيح وكبير، لا يعني أن الزنا حسن أو كذلك، إنما الستر له شروطه يا مولانا الغوري من أن نفعل كذلك.
قال لهم: لا، أنا أريد أن أقيم الحد، أريد أن أرى واحدًا يُرجم ويسقط.
فقالوا له: حسنًا، ما المهم؟ فقبضوا عليه - على ولد مسكين أقرّ بأنه كان يزني وأقرّ. فالإقرار سيجعله [يُعاقب]، ولكن لم يكن محصنًا.
فقال: يا أخي ارجموه! قالوا: لا يصح هذا، يُضرب فقط مائة جلدة. قال: فوجد الجمهور هذه فرصة.
انظروا إلى العبث! انظر كيف ضحكته! تخيلوا أن هذه عقول كانت موجودة.
السلطان الغوري يرجم الشاب بنفسه رغم رفض القضاة ونهاية الغوري المأساوية
فقال القاضي [الأول]: لا [أحكم بالرجم]. قال له: حسنًا، اصعد أيضًا [إلى مكانك]. وأحضر قاضيًا آخر، قال له: اختم على هذا بالرجم. قال له: لا، لن أفعل.
حتى القاضي الذي جاء جديدًا خاف على رقبته. قال: لا، ليس بشيء [صحيح].
فذهب [الغوري] بنفسه فأخذه من سجنه ورجمه بنفسه بيده! هذا يضربه هكذا وهو فرحان قليلًا.
وسليم خان دخل وأتى إلى الغوري وعلّق رأسه في مرج دابق تحت حوافر الخيل، أي مرّ عليه بالخيل هكذا لكي يميته ستين مرة.
فتحدث الناس بذلك بدم المسكين الذي رُجم.
الحدود لم تُطبق في مصر منذ ألف سنة وليست الثورة هي السبب بل صعوبة الشروط
فتبقى الحكاية ليست مجرد تطبيق هكذا؛ لأن هذه فوضى لا حدّ لها، وله شروط، وإذا خرجنا عن شروطه فيبقى حكمنا بغير ما أنزل الله.
فانظر يا أخي إلى أن الحدود ليست مطبقة في مصر هذه لها ألف سنة! ليست الثورة هي التي فعلت ذلك، ليس عبد الناصر ولا فلان ولا علّان، بل هذه لها ألف سنة لم تُطبّق.
فواحدة واحدة، ادرس وافهم ما الذي يحدث وما الذي حدث. ففي فرق كبير يا إخواننا بين العلم وبين الثقافة وبين الادعاء.
غياب العلم الحقيقي عن ذهن المتطرف وتمسكه بفهم خاطئ لابن تيمية
فكل هذا غائب عن ذهن المتطرف ومصمّم في عقله أن ما فهمه خطأً من ابن تيمية هو الأساس وهو الذي يطبّقه.
وهو لم يصل بعد لفهم أي شيء في أي شيء؛ فلم يقرأ ابن تيمية كاملًا، ولم يقرأ القرآن كاملًا، ولم يقرأ الفقه كله، ولم يقرأ أي شيء قط كله، ولم يُتمّ كتابته [أي تعليمه].
نحن أمامنا نماذج كثيرة، ولكن بدأ يظهر عليكم الملل، ولكي لا تملّوا نفتح باب الأسئلة والمناقشة، لعلكم تحصل صحوة إسلامية أو تسامح ومصالحة إسلامية.
شكر المحاضر وفتح باب الأسئلة والمناقشة مع الحضور
شكرًا لسماحة الشيخ علي جمعة على هذه المحاضرة القيمة وعلى هذه المعلومات العزيزة والمفيدة في موضوع الفتوى ومستجدات الحياة الأسرية والوطنية.
فالآن يأتي دور طرق الأبواب، ولكي نريح فضيلة الشيخ دقائق لفسح المجال للمتداخلين، قبل أن نحوّل الكلمة إلى الشيخ ونقدّم له أسئلة بعض الحضور أيضًا.
وأقول بعض الأسئلة لأن عشرات الأسئلة وردت وهي تتطلب لكي يجيب عليها سماحته أيامًا، وهي كثيرة وفيها بعض الموضوعات متكررة. ونظرًا لضيق الوقت ولعوامل كثيرة سأحيل عليه بعض الأسئلة مباشرة وواضحة.
سؤال الدكتور فيصل عن الفتاوى الغريبة المتعلقة بالسلام واللحية وعدم نقد الحاكم
مرحبًا به في مدينة ابن باديس، كما أشكر جامعة الأمير عبد القادر على هذه الفرصة الطيبة التي أتاحتها لطلبة العلم لحضور هذا العالم الكبير.
الحقيقة ليست تعقيبًا وإنما أسئلة لفضيلة الشيخ:
يعني جماعة من الناس يفتون ببعض الفتاوى الغريبة التي لم نسمع بها في ملّتنا الأولى، من بينها أنهم لا يتكلمون ولا يلقون السلام على الذي لا يتلحّى ولا يلبس الثوب.
ثم يقولون إنه لا يجوز التعرض للحاكم بأي نقد على الإطلاق، اتركوه يفعل ما يشاء.
يقولون: لا يجوز صنع أسلحة الدمار الشامل، يجب على المسلمين ألا يصنعوا أسلحة الدمار الشامل لأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يصنعوها، وكذلك الدبابات وغيرها.
ويقولون إن أمريكا حاكم متغلّب لا يجوز مقاومتها.
ما هي خلفيات وأسباب هذا المنهج يا فضيلة الشيخ؟ وكيف يجب التعامل مع هؤلاء الناس؟
منهج التشدد والظاهرية موجود منذ عهد الصحابة وسُمي أصحابه بالخوارج
شكرًا للأستاذ الدكتور فيصل، ونعتبر شكره للجامعة وترحيبه بي فهو الأساس، ولذلك كل من سيعقّب لا يشكر لا الجامعة ولا المحاضر ولا يرحّب، على الفور [يبدأ بسؤاله]. انتهى، تولّى الدكتور فيصل أمر هذا.
فأما الحقيقة أن هذا المنهج موجود منذ عهد الصحابة، وقد رأى الصحابة هذا المنهج. الذي يحصر نفسه في ظاهر النص، المنهج الذي يحصر نفسه في ذاته ولا يرى ما حوله ولا يرى مقاصده ولا مآلاته ولا المصلحة ولا شيئًا من هذا.
وقد قام هؤلاء وسُمّوا بـالخوارج.
دور الإعلام في تضخيم ظاهرة التطرف وجمهور الأمة ليس على هذا المنهج
لكن المصيبة في عصرنا أن الإعلام يحدث نوعًا من أنواع الإثارة. لكن الحمد لله جمهور الأمة ليس على هذا.
ولذلك رأيت القاعة تجيب عنك بشيء من الضحك عندما نقول إن الدمار الشامل لا نصنعه لأن الصحابة لم يصنعوه، أو إننا يجب علينا ألا نعلن عن المنتجات لأن الصحابة لم يعلنوا عن المنتجات - في هذه بدعة!
أو أننا لا نأخذ بأمر رسول الله ﷺ في النصيحة للحاكم إذا أخطأ أو قصّر ونعرض عليه آراءنا:
قال رسول الله ﷺ: «الدين النصيحة، لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»
هذا يعني خيانة للحاكم وليس تعظيمًا له ولا كذلك إلى آخره، بل أشاركه في همّه وألا أعتزل هذا الاعتزال وليفعل الحاكم ما يشاء.
هذه الترهات موجودة عبر الزمان ويجب مقاومتها بمنهج أهل السنة والجماعة
كل هذه الأشياء والترهات موجودة عبر الزمان. ما يجب أن نتأكد منه أنها ليست مصيبة ظهرت [حديثًا]، لا، هذا موجود.
يصفه الشهرستاني في الملل والنحل، تجدونه يتحدث عن أهل الأهواء والبدع. لكن في العصور الماضية قبل أن نسمع عن شيء من هذا وانتهى السنين الطويلة، ونسمعها بصورة مضحكة محدودة.
إنما الآن نسمعها بالملايين وفي الوقت نفسه والطريقة نفسها وكأنها من دين الله، وكأن من وراءها يريد أن يبيّن أن دين الله هو هكذا.
ولذلك فمسؤولية الإعلام مسؤولية خطيرة جدًّا، ويجب أن يتغاضى عن مثل هذا وألا ينشره وألا يذيعه؛ لأنه في إذاعته مفسدة لا داعي لها.
والنقطة الثانية: نحن نقاوم هذا بمنهجنا. أهل السنة والجماعة أناس علميون لا يعرفون الأهواء ولا يعرفون الأفكار والخواطر والبناء عليها بهذه الكيفية، بل يدرسون النص ويدرسون مقاصده والمآلات ويدرسون الواقع ويحاولون ويجتهدون أن يطبّقوا الإسلام في حياتهم وفي معيشتهم، ارتكابًا لأخف الضررين وتحصيلًا لأعظم المنافع.
سؤال عن ظاهرة استيراد الفتوى في الجزائر وتأثير الدعاة على القواعد الشعبية
بسم الله الرحمن الرحيم، ليس تعقيبًا وإنما هي ثلاثة أسئلة:
السؤال الأول: شهدنا في الجزائر ظاهرة استيراد الفتوى، وفتاوى تُنقل عن طريق الفضائيات والإنترنت، وبعض الفتاوى مرتبطة بمصطلحات شعبية وعادات.
السؤال الثاني: ألا ترون وأنتم تتكلمون فضيلة الشيخ عن دار الإفتاء ومنصب المفتي في مصر أن الفتوى قد اختُرقت من قبل بعض الجهات؟ وعلى سبيل المثال بعض الدعاة الذين لهم بعض التأثير في الأوساط الشعبية، حتى إننا سمعنا هذا الأمر: أن القواعد الشعبية تثق في بعض الدعاة وتتأثر بفتاواهم أكثر من الجهات الرسمية.
السؤال الثالث: لدينا في الجزائر منصب مفتي الجمهورية غير موجود. ألا ترون أن وجود منصب مفتي الجمهورية كمنصب - وإن كان منصبًا سياسيًّا - يحلّ شيئًا من الإشكالات في مشكلة تشتت الفتاوى وتضاربها؟
منصب الإفتاء منصب علمي وليس سياسيًا وتجربة مصر في استقلال الفتوى عن السلطة
هو كما قلنا أن منصب الإفتاء ليس منصبًا سياسيًّا ولكنه منصب علمي. لكن له مجال في السياسة كما أن له مجالًا في الاقتصاد وله مجال في الفن وفي الرياضة وفي الأداء وفي الفنون وفي الحياة وفي المجتمع وفي كل مناحي الإنسان وفعل الإنسان.
لكنه ليس منصبًا سياسيًّا. ومعنى أنه ليس منصبًا سياسيًّا أن السياسة لا تؤثر فيه، وأنه قد يعارض السياسة وقد يوافقها، وقد يقوم بدور النصيحة من غير إلزام، ولكنه يقدّم المشورة للمسؤولين عن السياسة.
فهو ليس منصبًا سياسيًّا لكنه منصب علمي ينبغي أن يحافظ على جلال العلم وأن يصدع بكلمة الحق وأن يكون مستقلًّا من غير تدخل من أحد.
ثلاث مرات فقط تدخلت الحكومة المصرية في الفتوى وفي كل مرة رفض المفتي
في مصر لم تتدخل الحكومة في الفتوى إلا في عبر مائة وعشر سنوات ثلاث مرات، وفي المرات الثلاث رفض المفتي.
فلم تصدر أي فتوى تؤيد الحاكم في نفسه أو في مصلحته أو في ماله أو في عزته أو جاهه أو شيء من هذا القبيل.
المرة الأولى: كانت الفتوى أو الطلب موجّهًا من الخديوي عباس إلى محمد عبده في أرض للأوقاف يستبدلها، فقال له محمد عبده: ادفع عشرين ألف جنيه ذهبًا! فغضب الخديوي. قال له: والله هذه أوقاف وإذا أردت استبدالها فلا ثمن لها. ورفض محمد عبده أن ينصاع للخديوي.
المرة الثانية: طلب الملك فاروق عندما طلّق فريدة، طلب من المفتي أن يمنعها من الزواج بعده تأسّيًا بأمهات المؤمنين. فالمفتي قال له: ليس هناك شيء اسمه هكذا، ورفض. فذهب إلى شيخ الأزهر فرفض الأزهر أيضًا.
المرة الثالثة: عندما عُرض على الشيخ حسن مأمون أن يفتي فتوى تؤيد المذهب الاشتراكي، فإنه رفض وقال: والله لا نعرف ما معنى الاشتراكية ولا غير ذلك، وهذه الكلمة لا تُذكر في مكتبي. وطرد الضابط الذي جاء من عند عبد الناصر يطلب منه الفتوى.
الرد على دعوى ثقة الناس في الدعاة أكثر من المؤسسات الرسمية وقوة مؤسسة الأزهر
أما قضية أن بعض الدعاة يثق فيهم الناس، فهذا الكلام كان باطلًا مضحكًا يصدره هؤلاء الدعاة أو الأدعياء أنفسهم.
الحاصل أن الأزهر ودار الإفتاء هذه طوال عمرها، المفتي يكون من الأزهر. أنا رقم ثمانية عشر الآن، المفتي رقم ثمانية عشر، جميعهم من الأزهر، وخمسة منهم أصبحوا شيخًا للأزهر.
كان لدينا في عام ألف وتسعمائة وخمسين سبعة معاهد أزهرية، والآن أصبح عدد المعاهد سبعة آلاف وخمسمائة.
كانت جامعة الأزهر تشتمل على ثلاث كليات، والآن تشتمل جامعة الأزهر على سبعين كلية.
كان عدد الملتحقين بالأزهر في عام ألف وتسعمائة وخمسين من المرحلة الابتدائية حتى الجامعة عشرين ألفًا، والآن اثنان مليون!
الأزهر مؤسسة عمرها ألف سنة لا يستطيع أحد هدمها كمن يضرب رأسه في الهرم
الأزهر يخرّج الحافظين للقرآن ويقيم لهم جوائز كل سنة، خمسة عشر مليون [جنيه جوائز]. الألفان طالب يحفظون القرآن كل سنة، كل يعني مع التراكم الألفان تصبح عشرين ألفًا في العشر سنوات. وهذا من الجهات التابعة للأزهر فقط.
لن ينفع الدعاء ولا الادعياء ولا أحد يفعل شيئًا في هذه المؤسسة الرهيبة.
الأزهر منذ ألف سنة والأزهر معه منهج. فهذا مثل واحد وقف أمام الهرم وقال له إنه سيهدمه ويضرب فيه برأسه هكذا ليقع، ويضرب فيه برأسه. في يوم وجدناه ميتًا بجانب الهرم، رائحته فائحة!
نعم، ولكن ميت. فلا تزايد! هذا كذب هذا أن الناس تركت الأزهر وذهبت إلى الادعاء والدعاء.
العالم الحقيقي يستند إلى علمه كله كدليل ولا يحتاج لتبرير كل فتوى من الصفر
من هو صاحب هذا الدعاء يا عزيزي؟ الذي يظل يهتف حتى يخرج وهو أحمر الوجه يقول خطأ، ذهب ليقول: انتهت! ما ذهبت شيء.
شيخ في المسجد جالس يقول له، وواحد من إخواننا يقول له: أين دليلك؟ أين دليلك؟ وقد كان قد خلع العمامة هكذا: أين دليلك؟
فيقول له: قال له أقول لك ماذا، هذا فهمت. مهمة جدًّا هذه! هذا يعني كل العلم الذي درسناه هذا دليلنا.
يعني أنت تسألني عن شيء مثل تمامًا عندما تذهب إلى الطبيب وتقول له: قل لي لماذا كتبت لي هذا الدواء الآن؟ لن يشرح لك الطب هو من البداية! يقول لك: خذه صامت، انتهى الأمر.
فالواقع غير ذلك، ما من شيء يسمى كذلك. هذا أمر مؤسسة ضخمة، وحكاية الفشل هذا والكذب والادعاءات هذه مسائل مضحكة.
الفتاوى المستوردة وضرورة تكوين رأي عام يرفض الاستماع لغير المتخصصين
ما كان السؤال الأول؟ الفتاوى المستوردة.
هذه يعني قضايا الإعلام. يجب أن نُحدث رأيًا عامًّا بأنك تعرف كيف تغلق التلفزيون، وأنك لا تسمع إلا من المتخصص.
ما الذي يجعلك تشتري الصحيفة التي فيها كذب أو تستمع إلى البرنامج الذي لا يحترم نفسه؟ هذا هو الأساس لو ظللنا نقول للناس هكذا.
قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع» أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه
وما دام فيه ثقافة سيدنا رسول الله ﷺ، استطعنا أن ننحّي هذا البلاء.
سؤال عن الفتنة الدموية في الجزائر بسبب الفتاوى المستوردة من الخارج
بسم الله الرحمن الرحيم، فضيلة الشيخ، أكمل لي وأوضح أكثر بما [ذكره] الدكتور فيصل والدكتور علي كريم.
لقد مررنا بـفتنة كبيرة دموية في الجزائر نتيجة هذه الفتاوى التي تأتينا من هنا وهناك وهي كثيرة لدينا في الجامعة، تأتي من لندن ومن باريس ومن القاهرة ومن الرياض ومن دمشق ومن جهات كثيرة.
وعندما فعلت فعلتها والحمد لله الآن عدنا إلى رشدنا في الجزائر. وتحدثت معكم بالأمس في هذه القضايا.
عندما سألت بعض الموجودين في السلطات في بعض الدول المشرقية عن هذه الفتاوى، قيل لي إنها غير معمول بها في هذه البلدان أبدًا! وقالوا: إذا كانت الفتوى مصدّرة لنا فقط. قال: نعم، من داخل الحياة حرية وحرية التعبير، وكل مفتٍ أو كل عالم هو ولا تلزمه الفتوى إلا هو أو من عمل بها.
ما رأيكم في هذه الفتاوى التي أحدثت ما أحدثته في الجزائر الطيبة أرض الشهداء؟
لا يوجد عالم حقيقي أصدر هذه الفتاوى ويجب مراجعة تسميتها فتاوى
والحقيقة أنني لا أعلم حتى الآن أن أي فتوى من هذه الفتاوى صدرت من أي عالم من العلماء.
كلمة فتوى تعني بيان الحكم الشرعي، لا بد أن يصدرها عالم. فما اسم العالم هذا الذي أصدر تلك الفتوى؟ ما اسمه؟
وإذا حصلنا على مصادر هؤلاء الأشخاص: إذا أحضرنا شخصًا منهم عمل في كلية الهندسة، وشخصًا آخر تخرّج من كلية الهندسة من واشنطن، وشخصًا آخر تخرّج من كلية الطب من القاهرة، وشخصًا آخر حصل على [شهادة من] كلية التجارة ثم اشتغل قاطع طريق ولصًّا، وشخصًا آخر وهكذا.
ما معنى هذا؟ يجب علينا أن نراجع أنفسنا في تسمية هذه الآراء الضالة.
وجوب تسمية الآراء الضالة بأسمائها وعدم إطلاق لفظ فتوى عليها
من الذي أطلق عليها فتاوى؟ بيننا نقول الفتاوى وفوضى الفتاوى وكذلك الفتوى.
علينا [مراجعة] استعمال هذا، مثلما هان علينا من قبل استعمال كلمة "شيخ" حتى إنها تُذكر عند المصريين مثلًا كنوع من أنواع عدم المبالاة والإهانة، فيقول: "يا شيخ" يعني اذهب عن وجهي.
لما دخل الشيخ محمد أمين البغدادي مصر قادمًا من الحجاز وكان ذلك ألف وتسعمائة وأربعة عشر، لأنه كانت معه حقيبة يحمل فيها أشياء، فنزل في محطة مصر وكان حينئذ ما يسمّون بالحمّالين موجودين - شخص معه حمار يحمل عليه الحقيبة ويمشي.
فقال له: أنا أريد أن أذهب إلى العباسية. قالوا: تفضل. فسار الشيخ وسار الحمار أمامه وعلى الحمار الحقيبة. فتعثّر الحمار في سيره، فقال له [الحمّال]: امشِ يا شيخ!
فالشيخ محمد أمين البغدادي قال له: هكذا الشيخ عندكم؟! قال رحمه الله: وأمسكت بالصُّرّة أفكر أن أعود مرة ثانية إلى الحجاز! الرجل [الحمّال] لم يلتفت إليه، يعني ماذا يعني؟ ماذا تفعل قليلًا؟ قال: أنا أقول هكذا، هذا هو: امضِ يا رجل أنت، امضِ يا شيخ.
وجوب تسمية الآراء المنحرفة بالآراء الضالة لا بالفتاوى حماية للشباب
فنحن نفعل الآن هذا [مع لفظ الفتوى]. الكفاءة: كيف نسمّي هذه الآراء فتوى أصلًا؟
لو كنا سمّيناها من البداية الآراء الضالة، الآراء الضالة، الآراء الضالة، لحمينا شبابنا، لنبّهناهم أن هذه آراء ضالة.
لكن نحن أنفسنا أكلنا الطُّعم وسمّيناها فتاوى واضطراب الفتاوى واختلاف الفتاوى، كأننا أعطينا لها مشروعية.
مثل بالضبط ما نعطي مشروعية للدجّال ونسمّيه طبيبًا ونقول إن الطب نوعان: نوع محمود ونوع مذموم. والنوع المحمود هو ذلك الطبيب المتخرج من كلية الطب، أما المذموم فذلك الدجّال.
قال: لا، لماذا لا تقول هكذا؟ لماذا لا تسمّي هذا طبيبًا وهذا دجّالًا؟
فهيا بنا نفعل هذا في ثقافتنا من الآن، ونتعاهد معًا على ألا نسمّي هذه [الآراء الضالة] فتوى.
الفتوى الحقيقية تصدر عن مفتٍ معتمد من الجماعة العلمية ولا عالم حقيقي أفتى بسفك الدماء
وإن كانت الفتوى هي هذه التي تصدر عن مفتٍ معتمد من الجماعة العلمية.
لكن من هذا من علماء المسلمين الذي أفتى بمثل هذه الفتاوى التي جعلت الدماء تسيل؟
عندما نقول لجماعتنا هذا يقولون: عمر عبد الرحمن. حسنًا، عمر عبد الرحمن ليس فقيهًا، عمر عبد الرحمن أستاذ تفسير ولم [يدرس] أصول الفقه ولم يدرس كيفية الاستنباط ولا تطبيقه على الواقع أبدًا.
حسنًا، عمر عبد الرحمن لم يُفتِ هذه الفتاوى أصلًا. عمر بن عبد الرحمن أفتى فتاوى عامة قد تكون هي الإطار الذي بُنيت عليه هذه الفتاوى، لكنها ليست هذه الفتاوى.
ثالثًا: ومن أيضًا؟ لا أحد.
عدد الأزهريين عشرون مليونًا ولا يوجد عالم أزهري واحد أفتى بسفك الدماء
عدد الأزهريين الآن عشرون مليون. منهم فقد صوابه [واحد]، لا يحدث شيء. واحد من عشرين مليون لا يوجد شيء.
وعلى فكرة هذا الذي جُنّ جنونه هذا تراجع عن جنونه. هذا المجنون هذا الذي تكلّم غير متخصص في هذا الفن، هذا المجنون لم يلوّث يده بالدم؛ فلا حمل سلاحًا ولا شارك في تنظيم ولا عمل شيئًا على الإطلاق من هذا القبيل.
فأنا أريد أن أقول إننا يجب علينا أن نغيّر ثقافتنا تغييرًا جذريًّا، وأن نسمّي الأشياء بأسمائها.
نهانا رسول الله ﷺ عن أن نسمّي الأشياء بغير أسمائها
ولذلك نهانا عن التبنّي؛ الولد يقول: يا أبي أو يا بابا، هو يخطئ.
تسمية الأشياء بغير أسمائها من أسباب الفساد والنبي نهى عن ذلك
فقال [النبي ﷺ] له: شكرًا. وقال:
قال رسول الله ﷺ: «سيأتي على الناس زمان يستحلّون الخمر يسمّونها بغير اسمها»
فسمّوها شمبانيا كي يشربوها، مع أنها ليست شمبانيا بل هي خمر.
فعلينا أن نسمّي الأشياء بأسمائها.
قد يكون فتح دار للفتوى [في الجزائر مفيدًا]، ولكن من المفترض أنه منصب علمي ويُفترض أنه منصب علمي لا يتدخل في السياسة الحزبية، فلا يدعو الجمهور دون حزب مثلًا، إنما يتدخل في السياسة باعتبارها رعاية شؤون الأمة.
ويقول إن الناس اتخذوا الصالح [لهم]، هذا ولكن من هو الصالح بقناعتك. يحرم بيع الصوت الانتخابي مثلًا. نعم، يمارس هذا لكنه ليس تابعًا للدولة بمعنى أنه ليس أحدًا يرفع له الهاتف يعطي له أوامر ويقول له: أفتِ هكذا.
قضية المشرب المتشدد والمشرب اللين وأثر التشدد في تهيئة بيئة التطرف
القضية الثانية هي قضية المشرب. وهنا قد دخلنا في مسائل دقيقة. أصبحنا في مواضع هناك مشرب ليّن وهناك مشرب متشدد.
المذهب المتشدد الحقيقة أنه أُشيع وأُنفقت عليه مليارات من أجل بناء مذهب متشدد، ونجحوا في إشاعة هذا حتى في وسط مثقفيه. والحمد لله في قليل من علمائنا.
وهذا المشرب المتشدد هو ضد التطرف لكنه بيئة صالحة للتطرف، هو الخطوة الأولى من خطوات التطرف.
أما المشرب اللين فهو أبعد ما يكون عن التطرف، وهو يحمي الناس من الوقوع في التطرف.
فهناك وسط ينبغي علينا أن نعمل معه فكريًّا، وهو مشرب التشدد. ومشرب التشدد يهبّ علينا من حين لآخر.
التوجه المتشدد الذي ظهر في جزيرة العرب منذ مائتي سنة ومخالفته لمنهج الأزهر
ومشرب التشدد يشكو منه الناس أجمعون عليه، لكنه معروف. هذا التوجه الذي ظهر في جزيرة العرب منذ مائتي سنة يمثل مشرب التشدد ويشيعه ويؤكده، وإن كان يرفض التطرف لكنه أصبح الآن غير قادر حتى في بلاده على أن يتراجع عنه.
ويجب أن نعيش كما كنا نعيش دائمًا في المغرب العربي في مصر في الشام في العراق في الأندلس، في مشرب ليّن يعرفون الحياة ويعرفون كيف يسيرون فيها.
تجد هذا المذهب المتشدد وتحت دعاوى كثيرة يسمّي نفسه من اتجاه السلفي، يسمّي نفسه من اتجاه أهل الحديث وأشياء من هذا القبيل.
هذا كلام مخالف لـمنهج الأزهر. منهج الأزهر الوسطية والاعتدال وأهل السنة الأشعرية.
نونية القحطاني وتكفير الأشاعرة وخطورة ذلك على وحدة الأمة
وهؤلاء يشتمون الأشعرية ويسبّونهم: "يا أشعرية يا أسافل الورى، يا صمّ يا بكم بلا آذان". حاجة اسمها نونية القحطاني.
ونونية القحطاني يطبعونها بالملايين ليوزّعوها مثل المنشورات.
حسنًا، إذا كانت الأمة سلفًا وخلفًا صمًّا وبكمًا وعميًا، فما الذي يمنع الشاب من الانتقال من هذا إلى أن يسفك الدماء؟ ما الذي يمنعه؟ ولا شيء!
إذن فنحن أمام تحدٍّ حقيقي لمواجهة المذهب المتشدد الذي قد يسمّي نفسه خطأً بأهل الحديث، قد يسمّي نفسه خطأً بالسلفية.
قد يسمّي [نفسه] هذا تلبيسًا:
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
هذا هو تحدّينا الحقيقي، وهو أنه ينبغي علينا أن ننقّي ثقافتنا من الأسماء المغلوطة ونسمّي هذه بالآراء الخاطئة وبالآراء الضالة ولا نسمّيها فتاوى.
الفتوى من بعيد لا تعرف حيثيات الواقع وتضارب الفتاوى عبر الأثير
كما أقول دائمًا: الفتوى هي واقع، معرفة واقع وتكييف، ليس كالفتاوى على الهوى. اكتساح عالم من الإعلام وحرب من الإعلام.
والمفتي من بعيد لا يعرف الحيثيات الواقعية التي تحكم في المفتي والمستفتي، ولا يعرف حتى عرف المستفتي ولا مداركه.
فرأينا أن ما تريده هذه الفتاوى [المستوردة] أنها أربكت فعلًا مجال الفتوى وحقل الفتوى. وجدنا أن هناك تضاربًا بين الفتاوى بين العلماء عبر الأثير.
فما رأيكم أو قراءتكم لهذه [الظاهرة]، وهي الفتاوى عبر الأثير؟ ومعرفة حال المستفتي أمر مهم وواجب في الفتوى.
مثال على خطورة الفتوى من بعيد: اختلاف معنى الفاتحة بين المشرق والمغرب
السلام عليكم. كان السؤال من الجزائر مثلًا ولا يتوافق فيه المغربي.
ما هو العرف الموجود؟ ماذا يعني معناها يا شيخ؟ معناها أن رجلًا ذهب إلى امرأة ليخطبها، فقط وصلوا إلى معنى الفاتحة.
المسؤول عنها يريد أن يكتب: لا تستحقين نصف المهر. والأمر هنا أن الفاتحة بمعنى العقد.
فعدم الحكم بين السماء والأرض وبين المفتي الذي لم ينتبه أصلًا أن السائل من أي مكان هو [أمر خطير]. مرتبطة بمصطلحات يستعملها القوم دون قوم.
ضرورة تبيين المذهب الفقهي عند السؤال وحق المستفتي في اختيار من يسمع
القضية الثانية هي أن هذا المشرقي وهو يأتي لا يتفق [مع واقعنا]. معقول ما رأي المذهب المالكي في كذا؟ أو نلقّن هنا شعبنا بأنه عندما تسألون لا بد أن تبيّنوا أنكم تريدون المالكية على شيء بالاختيار.
اختيار من يسمع: أطفئ التلفزيون وانتهى.
شرح العقد وليس معنا القطع، وبالعقد تتركب الأمور من حين الاستمتاع ومن ثبوت نصف المهر القليلين، وليست تعني معطّلة وكثيرة وهكذا إليه. لذا العقد وتنتشر مجلس للرقابة يحوّلها إلى واقع.
البشرية بلغت ستة مليارات ونحن أمام حالة جديدة تستدعي فكرًا وأساليب جديدة
فعلًا لم تشهد البشرية [مثل هذا]، بلغت ستة مليارات من سكان الأرض، ولم يحدث هذا في تاريخ البشرية.
فإذن نحن أمام حالة جديدة تستدعي منا فكرًا جديدًا وأساليب جديدة، منها ما ذكرته أو ذكرت بعضه.
نموذج فتوى كبد الخنزير كمرشح لدم المصاب بفشل الكبد وأنواع الفتاوى المعاصرة
وفي مثل قضايا الحديد والقدرة، مائة وستة عشر ومائة وسبعين جزءًا من المفصّلة في أي شيء.
كان جاءنا مثلًا سؤال يقول أنه قد توصّل إلى جعل كبد الخنزير مرشّحًا لدم المصاب بفشل الكبد. من الفرج إلى مفتٍ على رأس معسكر.
فهذه الشخصيات اسمها هذه الشخصيات ناقشناها.
خامسًا: النوع الخامس من هذه الفتاوى التي تصدر عن أشخاص ليست سوى رأيي هذا، ولكن الفتاوى التي تصدر عن أشخاص ينكرون الحقائق العلمية المعاصرة أو يجحدون الحقائق العلمية المعاصرة مثل نزول الإنسان على القمر أو كروية الأرض أو غزو الفضاء.
آراء إنكار كروية الأرض ونزول الإنسان على القمر ليست فتاوى بل تخلف علمي
وهذه الآراء صادرة عن شخصيات دينية في الجزيرة العربية، وقد ذكرت المملكة العربية السعودية أبرز الشخصية الدينية في هذا البلد العربي المسلم، وهي موثّقة وموجودة لدينا في مكتبة الجامعة ونحوز على وثائق لهذه الفتاوى.
وهناك رأي آخر وهو ليس فتوى لكن الرأي وهو معروف أيضًا للعامة، هذا الرأي يحتوي أو يتضمن بأن الله خلق المسلمين لعبادته وسخّر الآخرين للعمل والإنتاج وتوفير قوة المسلمين ووسائل رفاهيتهم وراحتهم.
وغيرها من الآراء العجيبة الغريبة التي تصدر عن شخصيات ورجال دينية. ولم أخصّ مجمعًا أو مجمع الفتوى في مصر، يعني هو يحمينا من هذه الآراء.
إنكار كروية الأرض ليس فتوى بل كلام فارغ لا علاقة له بالحكم الشرعي
حتى وصلنا إلى الحديث عن فضيلة الشيخ الذي تفضلتم بذكره الآن، وقد صدر منه من دار الإفتاء المصرية، لا، حتى لا تخصّ حضرتك.
تقول ماذا بالعربية هكذا: وهذه ليست مجندة، لا تخصّ مجمع دار الإفتاء المصرية لا بهذه الفتاوى، لا تخصّ يعني تُعمّم.
يبقى الدار أصدرت وفلان وعلّان أصدرت عكس ذلك. طيب، هذه فتوى تضحك منها الثكلى وتسقط منها الحبلى ويشيب من هذا الأقرع!
هذه ليست فتاوى يا جماعة الخير! هذه قراءات وتوجهات. كيف نعتبر أن من يقول بعدم كروية الأرض وبعدم أنها تدور وعدم نزول الإنسان على القمر أنها فتوى؟
الفتوى بيان للحكم الشرعي. هل يوجد حكم شرعي في نزول الإنسان أو في كروية الأرض؟ هذه كروية الأرض لا علاقة لها بفعل الإنسان الذي أناقشه الآن.
هذا تخلّف علمي، ما علاقة هذا بالفتاوى؟
لماذا نصر على تسمية الآراء الضالة فتاوى ونعطيها مشروعية لا تستحقها
وبصوت يعني أفكر بصوت مرتفع مع الدكتور عبد الله: أنت مصرّ، لماذا يا دكتور عبد الله هذا تسمّيها فتاوى؟
لماذا لا تأخذ برأيي الذي يقول: هيا بنا نسمّيها الآراء الضالة؟ لماذا تعتبر أن من لم يذهب إلى العملية التعليمية المكوّنة من خمسة أركان - الكتاب والمنهج والأستاذ والطالب والجو العلمي - إنه مرجع؟
سيادتكم تتحدثون عن أناس لم يذهبوا أصلًا إلى أي نوع من أنواع التعليم. ما تقرؤون فتاوى علماء [وتراجم علماء] الحرمين: ولا واحد منهم راح المدرسة! ولا واحد منهم تعلّم على مجموعة من المشايخ.
ولا واحد منهم تخرّج بغاية المراد من رب العباد أن فلانًا قد قرأ فتح الباري مرتين على ابن عتيق! ما هذا الكلام؟
فلماذا مع هذا تصرّ على أنها فتاوى؟ لا شك، وتصرّ على أنهم مرجعيات؟ أبدًا! على أساس لأنهم أصبحوا مرجعًا للإرهاب ومرجعًا للتطرف ومرجعًا للجنون.
اقتراح تسمية الآراء المنحرفة بالآراء الضالة إجلالًا لمنصب الفتوى
أنا أقترح الآن اقتراحًا: ما العائق من أخذه؟ من أن نسمّي هذه الآراء المنحرفة الآراء الضالة ولا نسمّيها الفتاوى، إجلالًا لمنصب الفتوى وتفريغًا لما يحاولونه من جرّ أرجلنا في الوحل وفي غير ذلك.
لماذا لا يعني، لماذا تصرّ على أنها فتوى؟ فقط هو السؤال هكذا؟
نعم، فهمنا الآن. هذا لا، يا شيخ أنا معكم، ولكن السبب: هم يقولون إنها فتاوى! هم الذين يقولون.
لو وصفناهم بأنها غريبة ولا يتصورها عقل إنسان: فتوى غريبة، يبقى كذلك الطعام لو قلنا لها فتوى.
ويسألون عنها وسألوه لها، ولهم أيضًا أتباع، ولهم أتباع صحيح في حرمة العرب الإنسانية صحيح، ويأخذون بأقوالهم صحيح.
nحن نلتزم به صحيح. وهذا يعني أننا يجب أن نضيف فتوى أخرى وهي وجود عدة مؤسسات علمية حتى نهاية السرقة العلمية.
فتوى محلية تجيز سرقة العلم والكتب ونقاش حول تسمية هذه الآراء
فقد صدرت هنا فتوى محلية تجيز سرقة العلم، أي يحق لأي طالب أن يختطف أو يسرق كتابًا من زميله أو مطبوعًا سريًّا أو يختطف كتابًا أو يسرق أو يستعير كتابًا من المكتبة دون إذن.
بهذا هو يعني مجّده أيضًا فتوى! هم يقولون: الله فتوى! أنا لا [أقبل ذلك].
بلجيكا الفسق الذي يقولونه، هم يقولون: الله فتوى! أنا لا علاقة لي بالفتوى، أنا لا علاقة لي بالنصارى، أنا لا علاقة بلا دم.
فبعد ما هم يقولون هذا أكلنا الطُّعم وصدّقناهم وسرنا وراءهم في ضلالهم.
قل: ما هذه الآراء الضالة! نعم، رضي الله عنك وأرضاك.
الحاجة الماسة إلى تأسيس هيئات للفتوى من مرجعيات دينية عالمة ومتمكنة
نور حلقة! ولهذا نحن في أمسّ الحاجة إلى تأسيس أو إقامة هيئات للفتوى تتكون من مرجعيات دينية عالمة ومتمكنة في العلوم الشرعية، وتستعين أيضًا بخبرات علمية في مختلف نواحي الحياة.
أيها الإخوة، هذا هو الذي نريده.
قصة فتوى ابن باز بالجهاد في أفغانستان وكيف انقلب المتشددون على المجاهدين الأفغان
نختتم هذا بقصة: صدرت فتوى من الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى عن أن يذهب الشباب إلى أفغانستان لمقاومة الاحتلال السوفيتي.
وهناك في أفغانستان وبنفس العقلية المتشددة اصطدم هؤلاء الشباب بعموم الثقافة السائدة الحنفية من ناحية والأشعرية من ناحية ثانية مع المجاهدين الأفغان.
وقالوا لهم: ما هذا؟ أنتم أولى بالحرب من الكفار الروس الملاحدة!
ورجعوا إلى ابن باز وقالوا له: نحن الآن قررنا تشكيل فرق لمحاربة الأفغان قبل [محاربة الروس]! لا يزال الروس موجودين في داخل البلاد، قبل أن نحارب الروس.
لماذا؟ قالوا: أعوذ بالله، هؤلاء أشاعرة! أعوذ بالله، هؤلاء حنفية! أعوذ بالله، هؤلاء يجيزون التوسل وزيارة القبور! أعوذ بالله، هؤلاء يذهبون إلى الولي يقولون له: ادعُ لنا، فيصبح مشركًا! ويصبح هؤلاء أولى لأننا نحن أولى بتأديبهم وقتلهم من الروس.
فزع ابن باز من نتائج التشدد وقوله إن الخلاف مع الأشاعرة لفظي
ففزع ابن باز - وهو الذي يقول إن الأشاعرة صمّ وبكم وعمي، وهو الذي يقول إن التوسل شرك، وهو الذي يقول إن زيارة الأضرحة حرام وهكذا.
فزع ابن باز لأنه بدأ في آخر حياته يتنبّه إلى أن ما كان يعتقد أنه التوحيد وأنه الإسلام وأنه كذا وكذا إلى آخره سيؤدي إلى أن يقتل المسلم أخاه.
فقال كلمة مشهورة: لا، هذا خلاف لفظي.
ثم رجعت [المشكلة] مرة أخرى. ما نحن قاعدون نقول في الأزهر: اتركوها خلافًا لفظيًّا، اتركوها كذلك إلى آخره، ما أنتم لا تتطاولون.
ولكن لما رأى الدم بدأ يرجع وقال [ما قال]. وكانت طبعًا الفتاوى قد صدرت، والآراء الضالة نتاج النفسيات، فهيّأت لهم فهمًا. فهم في ورطة كبيرة.
الشيخ التويجري وإنكار كروية الأرض ودورانها مقابل موقف الشيخ بخيت المطيعي
عدد من [العلماء]... الشيخ حمود التويجري وكان رجلًا يهتم كثيرًا بقضية الأرض والسماء هذه.
أولًا هم يقولون أن الأرض كروية، ودليل ذلك انظر إلى الكلام: أن ابن تيمية رحمه الله تعالى قد نصّ في الرسالة العرشية على أن الأرض كرة. والله يعني ابن تيمية لو قال إنها الأرض منبسطة ما لم تكن ستكون كرة! يعني ما الدليل؟ الأرض كرة هذا فيه أدلة، هذا نحن رأيناها بأعيننا كرة تدور.
لكن ابن تيمية قال إنها كرة فلتكن كرة، وقال إنها لا تدور فلتكن لا تدور.
فذهب [التويجري] مؤلفًا كتاب "النور في كون الأرض ثابتة والشمس حولها تدور". وألّف الشيخ التويجري الكتابين: الكتاب الأول "الصواعق الشديدة على أهل الهيئة الجديدة"، والكتاب الثاني "ذيل الصواعق المحرقة على أهل الهيئة المتزندقة".
وهذه فتاوى؟! هذا كلام فارغ! هي هذه فتاوى؟! هذا تخلّف علمي، ما علاقة هذا بالفتاوى؟
الشيخ بخيت المطيعي وكتابه في موافقة الهيئة الجديدة للإسلام والفرق بين المدرستين
الشيخ بخيت [المطيعي] أصبح مفتي الديار سنة ألف وتسعمائة وعشرين، ألّف كتابًا في خمسمائة صفحة في موافقة الهيئة الجديدة للإسلام، وسمّاه "منن الرحمن في موافقة علم الأكوان مع ما أنزله الرحمن" في خمسمائة صفحة هكذا هو مطبوع.
فإذن هذا الفرق بين المدرستين. ما هو هذا الذي نحن نقول؟ ولكن نصمّم على أنها فتاوى!
أين يعني هذه ليست فتاوى، هذا كلام فارغ! كلام فارغ كما يقول اللبنانيون: واحد يتكلم ما له علاقة بالواقع.
فأصبح في دمه في جهالة يجب أن نخرج منها. فيجب علينا أن نسمّي الأمور بأسمائها.
فتاوى محمد بن إبراهيم وكلمة خابوا لكل المذاهب وأثرها على العلاقات الدولية
قضية محصورة: يُسأل محمد بن إبراهيم: ما رأيكم في الشيعة؟ قال: خسئوا!
فطُبعت ثلاث عشرة مجلدًا كلها كذلك اسمها فتاوى محمد بن إبراهيم. هم سمّوها فتاوى.
وسُئل رحمه الله تعالى في الإباضية قال: خابوا. وسُئل في الشيعة فقال: خابوا. وسُئل في الأشاعرة قال: خابوا.
الله! كلهم خابوا! هذه فتوى؟ هذه فتوى "خابوا"؟ هذه فتوى؟ لا يا إخواننا ليس كذلك، هذا كثير هكذا. وخابوا خابوا ثلاث أربع، الأمة خسئت سلفًا وخلفًا وانتهى الأمر!
فالمهم عندما طُبعت: إيران غضبت وعُمان غضبت واليمن غضبت. مصر لم تغضب لأنني أعرف أنهم خسروا أم لم يخسروا.
دع ذلك جانبًا، ولكن هذا لا [يصح]. خسروا! قالوا: ما هذا لقد خسروا! فذهبوا ساحبين المجلدات الثلاثة عشر الخاصة بمحمد بن إبراهيم ووضعوها في المخازن وقالوا: أزيلوا هذا الكلام! كل هذا الذي فعلناه في العلاقات الدولية مصيبة.
سؤال عن تعليم محمد بن إبراهيم وأهمية التعليم المنهجي في تأهيل المفتي
هل تنتبه؟ حسنًا، أنا فقط أسأل سؤالًا بسيطًا لا يستدعي التكبّر أو أي شيء: ما العمل؟
فضيلة سماحة محمد بن إبراهيم رحمه الله، تعلّم أين فقط؟ حسنًا، تعلّم ماذا؟ حسنًا، ذهب فقال لي: مدرسة ابتدائية، إعدادية، ثانوية، أي شيء.
طيب حسنًا، جلس في مجلس أي شيخ. فلننظر إلى ترجمته الموجودة ولنرَ ما هي القضية.
ونحن نتحدث عن من ونطلق فتاوى لمن؟ فنحن جالسون نقارن بين علبة صابون وبين الهرم! ليس لها معنى.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
ختام المحاضرة والشكر لفضيلة الشيخ علي جمعة وللحضور والأمل في تكرار اللقاءات
شكرًا لكم، شكرًا لفضيلة الشيخ علي جمعة على هذا اللقاء العلمي المهم.
شكرًا على سعة صدره وإجابته على التساؤلات وردود الحضور. وشكرًا للحضور على تحمّلهم هذا الوقت وأيضًا على مساهمتهم في إثراء هذا اللقاء.
ونأمل أن تتكرر هذه اللقاءات وأن يعود إلينا فضيلته مرات ومرات في المدة القريبة إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الركن الأول من أركان الفتوى الثلاثة؟
النص الشرعي ثبوتًا واستنباطًا
حدّد مالك بن نبي الواقع بأنه مكوّن من أربعة عوالم، أيها ليس من بينها؟
عالم الأحكام
من قرّر في كتبه الأصولية أن الأحكام تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال؟
القرافي
ما المرحلة الثانية من مراحل الفتوى الأربع في ذهن المفتي؟
التكييف
متى تأسست دار الإفتاء المصرية كمؤسسة؟
1895
ما المذهب الذي أدخله محمد عبده في الفتوى المصرية إلى جانب المذهب الحنفي؟
المالكي
كم مذهبًا يشمل الفقه الإسلامي الواسع؟
خمسة وثمانون مذهبًا
ما الفرق الجوهري بين الفتوى والقضاء؟
القضاء يملك سلطة الإلزام والفتوى بيان لا إلزام
كم فتوى أصدرت دار الإفتاء المصرية في مائة وعشر سنوات؟
مائة وعشرون ألف فتوى
ما الذي قاله النبي ﷺ في حديث امرأة ثابت بن قيس عندما عرضت أن تردّ الحديقة وتزيد؟
رفض الزيادة وقال: أما الزيادة فلا
ما الذي يُميّز المشرب المتشدد عن التطرف الصريح؟
المشرب المتشدد ضد التطرف لكنه بيئة صالحة له
ما الذي كشفه تحليل فتوى ابن تيمية في التتار عن فهم المتطرفين لها؟
قرؤوها معكوسة فجعلوا الدولة تتارًا وأنفسهم مماليك
لماذا لم تُطبَّق الحدود في مصر منذ ألف سنة وفق ما ذُكر؟
بسبب صعوبة الشروط الشرعية لإقامتها
ما الشروط الثلاثة الواجبة في المفتي؟
التعليم والتدريب والتربية الأخلاقية
ما الذي قاله ابن باز في آخر حياته عن الخلاف مع الأشاعرة لما رأى نتائج التشدد؟
قال إن الخلاف معهم خلاف لفظي
ما تعريف الفتوى في الاصطلاح الشرعي؟
الفتوى هي بيان الحكم الشرعي في واقعة محددة، وتنبثق من العلم بالنص الشرعي وإدراك الواقع وكيفية الوصل بينهما.
ما العوالم الأربعة التي يتكون منها الواقع عند مالك بن نبي؟
عالم الأشياء وعالم الأشخاص وعالم الأحداث وعالم الأفكار، وأضاف بعض علماء السياسة عالم النُّظم.
ما الفرق بين المساواة والتساوي في الإسلام؟
المساواة تعني تساوي الكرامة والحقوق الأساسية، أما التساوي فيعني التطابق الكامل في الوظائف والخصائص وهو ما يرفضه الإسلام لأن التمايز يُحقق التكامل.
ما الجهات الأربع التي تتغير بها الأحكام الشرعية؟
تتغير الأحكام بتغير الزمان وبتغير المكان وبتغير الأشخاص وبتغير الأحوال، كما قرره القرافي في كتبه الأصولية.
ما قاعدة ابن عابدين في المجلة العدلية بشأن تغير الأحكام؟
تتغير الأحكام بتغير الزمان، أي بتغير الأعراف التي بُنيت عليها، محافظةً على مقصود الشرع الشريف لا تغييرًا للحكم في ذاته.
لماذا أجاز الفقه الحنفي للوقف الاستدانة بفائدة؟
لأن الوقف شخصية اعتبارية لا روح لها، فلا يُخاف عليها كما يُخاف على النفس الطبيعية من بوائق الذهب، وهذا من تغير الأحكام بتغير الأشخاص.
ما مرحلة التصوير في الفتوى ومن يتحمل عبؤها؟
التصوير هو تصوّر المسألة الواقعة ومعرفة ما الذي حدث وما الذي يُسأل عنه، والعبء فيها بالأساس على السائل، والمفتي يُلقي المسؤولية عليه بقوله: إذا كان الحال كما ورد في السؤال.
ما الفرق بين الفقه والفتوى والقضاء في ثلاث جمل؟
الفقه علم بالأحكام من طرف واحد. والفتوى مركبة من المصادر والواقع وهي بيان لا إلزام. والقضاء مركب من المصادر والواقع وتأثير الواقع بإلزامه ظاهرًا وباطنًا.
كم مرة تدخلت الحكومة المصرية في الفتوى في مائة وعشر سنوات؟
ثلاث مرات فقط، وفي المرات الثلاث رفض المفتي: رفض محمد عبده طلب الخديوي، ورفض المفتي طلب الملك فاروق، ورفض الشيخ حسن مأمون الفتوى بتأييد الاشتراكية.
ما المنهج المتدرج في الأخذ من المذاهب الفقهية في التجربة المصرية؟
لا يُخرج إلى الثمانية إلا إذا لم يُجد في الأربعة، ولا إلى الفقه الواسع إلا إذا لم يُجد في الثمانية، ولا إلى الكتاب والسنة مباشرة إلا بأمر مهم جدًا وبإقرار الجماعة العلمية.
ما الحديث النبوي الذي يُحذّر من تسمية الأشياء بغير أسمائها؟
قال النبي ﷺ: سيأتي على الناس زمان يستحلّون الخمر يسمّونها بغير اسمها. وهذا يُطبَّق في تسمية الآراء الضالة فتاوى.
ما الذي يُميّز الفتوى الحقيقية عن الآراء الضالة؟
الفتوى الحقيقية تصدر عن مفتٍ معتمد من الجماعة العلمية، متعلم متدرب متخلّق بأخلاق الإسلام. أما الآراء الضالة فتصدر عن غير متخصصين لم يتلقوا تعليمًا شرعيًا منهجيًا.
ما الذي قاله النبي ﷺ في حديث النصيحة للحاكم؟
قال النبي ﷺ: الدين النصيحة، لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. وهذا يعني أن ترك النصيحة خيانة للحاكم لا تعظيم له.
ما أزمة العصر الحديث التي وصفها رينيه جونو؟
أزمة العصر أن النشاط أصبح يسبق الفكر، فقبل أن يفكر الإنسان ينشط. قديمًا كان القلب يسيطر على العقل والعقل على النشاط، أما الآن فالنشاط يُسكت العقل والعقل يُسكت القلب.
ما الكتاب الذي ألّفه الشيخ بخيت المطيعي في موافقة العلوم الحديثة للإسلام؟
ألّف كتاب منن الرحمن في موافقة علم الأكوان مع ما أنزله الرحمن في خمسمائة صفحة، وهو نقيض موقف التويجري الذي أنكر كروية الأرض.
ما الذي يعنيه المنهج المعرفي الإسلامي بشأن هيمنة العلم التجريبي؟
المنهج المعرفي الإسلامي يجعل العلم التجريبي مهيمنًا على عالم الأشياء فقط، لا على جميع العوالم، مع مراعاة العلاقات البينية بين الأشياء والعوالم الأخرى.
ما الذي يكشفه أن 60% من فتاوى دار الإفتاء المصرية تتعلق بالأسرة؟
يكشف أن دور الفتوى في بناء الأسرة والمحافظة عليها دور مهم جدًا، وأن الناس ما زالت تعيش في نطاق الدين خاصة في قضايا الأسرة حتى من لا يلتزم بالعبادات.
ما الفرق بين النموذج المعرفي الإسلامي والنموذج الغربي في قضية التكليف؟
الإسلام يرى أن التكليف حقيقة خارجية والحكم من عند الله. أما النموذج الغربي فيرى أن التكليف من عقل الإنسان والحكم من عند الإنسان عبر المجلس التشريعي.
ما الذي يعنيه واجب الوقت في الفقه الإسلامي؟
واجب الوقت هو أن يعيش المسلم مثلما كان يعيش السلف في إدراك عصرهم ثم الدخول فيه بمقتضيات الدين وجوهريته، لا إلغاء مستحدثات العصر ولا الاستسلام لها بلا ضوابط.
ما الحديث النبوي الذي يُعالج مشكلة الفتاوى المستوردة عبر الإعلام؟
قال النبي ﷺ: كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع. وهذا يُلزم المسلم بعدم تصديق كل ما يسمعه وعدم نشره، مما يُساعد على تنحية بلاء الفتاوى المستوردة.
