المجلس الثامن والسبعون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة - الغاية والتقريب, فقه

المجلس الثامن والسبعون من شرح متن الغاية والتقريب | أ.د علي جمعة

24 دقيقة
  • الحمد لله الذي جعل العلم مستمراً في الأمة الإسلامية حتى يوم القيامة، وجعل العلم رحماً بين أهله كرحم النسب.
  • تناول المتحدث مسألة كلمات على وزن "فاعول" المنتهية بالسين، حيث كانت عشرة ألفاظ ثم أضيفت إليها أربعة فأصبحت أربعة عشر، ثم بحث العلماء فيها حتى وصلت إلى خمسة وثلاثين لفظاً.
  • قدم الشيخ محمد وسام قصيدة نظم فيها هذه الألفاظ على حروف المعجم مثل باروس وجاروس وجاسوس وغيرها.
  • كذلك بحث في الأسماء المعدولة الممنوعة من الصرف كعمر وزفر وهبل، فوصلت إلى أربعة وعشرين اسماً.
  • شرح مسألة فقهية حول دفع الأرض للزراعة، حيث لا يجوز اشتراط جزء من ريعها لجهالة الأجر، ويجوز إذا كان الأجر معلوماً.
  • أوضح أن إحياء الموات (استصلاح الأراضي) جائز بشرطين: أن يكون المحيي مسلماً، وأن تكون الأرض حرة.
محتويات الفيديو(28 أقسام)

افتتاح الدرس بالحمد والثناء على استمرار العلم في الأمة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

الحمد لله الذي جعل الأمر متصلًا في أمة سيدنا النبي ﷺ وقال:

«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة»

فبشّرنا أن الأمر مستمر إلى يوم القيامة. وقال [النبي ﷺ]:

«يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله»

وقد كان [العلم] سلسلةً لا تتناهى، والعلم رحمٌ بين أهله كرحم النسب، وصلة الرحم لا تقف عند الأنساب بل تتعدّاها إلى رحم العلم.

الحمد لله على اتصال السند بالأكابر إلى سيد المرسلين

فالحمد لله رب العالمين أن جعلنا على سندٍ متصلٍ مع الأكابر عبر القرون، حتى يصل بنا الأمر إلى سند العالمين وسيد المرسلين وإمام المتقين، إلى باب الله لرب العالمين. الحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

مراجعة ما سبق عن وزن فاعول الذي آخره سين وزيادة الألفاظ

في المرة السابقة تحدثنا عن فاعول الذي آخره سين، وقلنا إنه في صحيفة دار العلوم جاؤوا بعشرة، ثم أضاف الناس عليها أربعة فأصبحت أربعة عشر.

وبعد ذلك الشيخ محمد وسام قدّم حلقة من حلقات العلم أيضًا عبر التاريخ، نعم، بناءً على ما كان من عمل، أي أنه بحث فوجد أناسًا قد زادوا على هذا الحد، منهم الإمام السيوطي ومنهم الفارابي، وزاد هو أيضًا بعدما أمعن النظر حتى وصل بها إلى أربعة وعشرين فاعول وآخره سين.

طلب إلقاء قصيدة فاعول المرتبة على حروف المعجم

وبمناسبة حضوره الشريف نطلب منه أن يتلو هذه القصيدة التي نظمها ورتّبها على حروف المعجم، باعتبار الفاء تعني الأول، يبدأ بـبابوس وباروس وهذه الأشياء.

فلنستمع إذن، لا يوجد... أين إسماعيل؟ فهو ليس موجودًا. الصوت هو صوت الشيخ محمد، جَهْوَرِيّ. وتقول جَهْوَرِيّ، لا جَهْوَرِيّ. ليس في اللغة كلمة جُهُوري، في اللغة ماذا؟ جَهْوَرِيّ، جَهْوَرِيّ الصوت، يعني صوته فيه جهر وعلو.

إلقاء قصيدة نظم ألفاظ فاعول المختوم بالسين مرتبة على الحروف

صوّروا اثنين أيضًا، ها هم الآخرون. أما الأربعة وعشرون، فخذها مرتبة:

من وزن فاعول المختوم بالسين ألفاظه خمسة فوق الثلاثين، خذها مرتبة في فائها، فعسى أن يكون أوثق في حفظ وتدوين.

باروس الطفل، باروس أتى بلدًا، باسوس نهر مداه لا إلى حين، جاروس الشَّرِه الأكّال في نَهَم، جاسوس الناقل الأخبار في لين، جاموس البقر عرّبه عن فارسيته أهل الدواوين.

حاسوس السنة الجدبا وإن قدحت يدي فربي من الداعوس يشفيني، داموس بالظلمة الظلماء تسترنا، راموس للقبر سوّوا دون تعيين.

تتمة قصيدة ألفاظ فاعول من سادوس إلى فاقوس والفانوس

ومثل ثالوث سادوس تريد به ما عُدَّ من ستة في أصل تكوين، والطائر الحسن الطاووس سمّيه علامة التابعين الثبت في الدين.

عاطوس كل نشوق الأنف يعطسنا وما تشوّئم منه فَدْرٌ تبيّن، غاموس ماء كثير عند جمهرة والغين في بعض الأحايين.

فاطوس للحوت إن يكسر له سفنًا، فاعوس أفعى وجمعٌ دون تدكين، فاقوس في مصر والفانوس نماء ومنه جاءت فوانيس التكاكين.

تتمة القصيدة من قاموس وقادوس إلى ناقوس وناووس

قاموس للرجل الحسناء طبعته وتغرف الماء بـالقادوس تسقيني، ولبدة البحر قاموس ترادفها قاعوس بالعين والناعوس بالنون.

تاعوس أيضًا ويرويها مصححة في مسلم أهل إثقال وتبكين، والشر في النول كاهوس ولاحوس ذو الشؤل لا يُهتدى منه لمسكين.

والنار ماموسة ناء، والنار ماموسة مانوسة، وأتت بالباء ماموسة مسوسة السين، وللمجانين ماسوس ومالوس، وللنصارى فناقوس لتأذين.

وصاحب السر في الخيرات ناقوس، وصار في الوحي تنقيبًا لببرين، قبل النصارى هو الناووس أخذها فاشكر، وصلِّ على خير النبي ﷺ.

الألفاظ ارتفعت من أربعة عشر إلى خمسة وثلاثين بالبحث والتتبع

فأصبحوا خمسة وثلاثين بدلًا من أربعة عشر. يعني كنّا في الأسبوع الماضي أربعة عشر، وبعد ذلك الكتب فيها خمسة وثلاثون، نعم.

سنقولها الآن، لا عليك المعدول. لكن صاحب القاموس [الفيروزآبادي] عندما تحدث عن شُبْرَة، وهي بالفتح، قال إن هناك في مصر اثنتين وخمسين شُبْرَة: شَبْرَةُ النملة، وشَبْرَةُ مِلْس، وشَبْرَةُ بخيت، وشَبْرَةُ البلد، وشَبْرَةُ التي نقول عنها شَبْرَة فقط، وهي في اللغة بالفتح شَبْرَة.

فجاء الشيخ المرتضى الزبيدي وجعلهم فوق السبعين، وبتتبع الكتب والدواوين وهذه الأشياء.

تطور عدد ألفاظ فاعول بالبحث المستمر وقياسه على خصال ما بعد الموت

وبالتتبع بدأت العشرة التي ذكرهم في صحيفة دار العلوم فأصبحنا أربعة عشر، ومن الأربعة عشر أصبحنا عشرين، والعشرون أصبحوا خمسة وثلاثين، وهكذا كلما تبحث تجد أكثر وأكثر.

وكذلك عندما قالوا:

قال رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» [رواه مسلم]

وبعد ذلك جعلوهم عشرة؛ لأن هناك سبعة أخرجهم البيهقي:

«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من سبعة»

واستمر جمعهم حتى جاء الأجهري ونظمهم، فجاء السيوطي نظم ثلاث عشرة.

العلم رحم بين أهله ونظم خصال ما يجري على ابن آدم بعد موته

إذن ما العلم؟ إنه رحمٌ بين أهله، أي كل فترة نتعلم شيئًا جديدًا.

إذا مات ابن آدم ليس يجري عليه من خصال غير عشر: علوم بثّها، ودعاء نجل، وحفر البئر، والصدقات تجري... وفي النهاية جعلها ثلاث عشرة خصلة.

إذن في كل مرة هكذا سنفعل [نزيد بالبحث والتتبع].

مراجعة الاسم المعدول وأمثلته من عُمَر وزُفَر وهُبَل

وتكلمنا في المرة الفائتة، تحدثنا عن الاسم المعدول، يعني كلمة عُمَر معدولة عن عامر، وزُفَر عن زافر، وهُبَل عن هابل، وكنا حصيناها عشرة أيضًا.

وبعد ذلك، الشيخ محمد لم ينم وظلّ يبحث في هذه المسألة؛ لأن طالب العلم ماذا يفعل؟ يبحث ولا يسكت. فأَدِم العلم المذاكرة، فحياة [العلم] المذاكرة، حتى توصّل بهم - المساكين - إلى أربعة وعشرين.

جائزة حفظ قصيدتي فاعول والأعلام المعدولة وشروطها

وسيفتح الله لنا، وسننشر هذه الأشياء على الموقع. ومن سيحفظ قصيدة الخمسة والثلاثين الخاصة به [بوزن فاعول]، فله ألف جنيه؛ يأتي ليلقيها ويأخذ ألف جنيه، نعم، في أي وقت إن شاء الله، غدًا، نعم، في أي وقت.

المهم أن يحفظها. هناك أشخاص سيمكثون شهرين، وهناك من سيمكث شهرًا، وهناك من سيمكث يومًا، وهناك من ربما حفظها بالفعل الآن منذ أن قالها، لا أظن. كان في الماضي وانتهى.

والذي سيحفظ هذه المرة الثانية [قصيدة الأعلام المعدولة] له سبعمائة جنيه، وهي الأربعة والعشرون التي سنستمع إليها الآن.

تفصيل الجوائز لحفظ القصيدتين معاً وشرط الإلقاء من الحفظ

قل لي يا شيخ محمد: ألف وسبعمائة على الاثنين، والذي يأخذ ويُكمل الاثنين يأخذ ألفين، نعم.

هيّا، نظم الأعلام المعدولة الممنوعة من الصرف:

أعناهم عُدِلَت تُسْتَطَر، لم تُصرف فاحفظ ما زَبَروا: عُمَر، قُثَم، جُشَم، مُضَر، وجُحا، عُصَر، جُمَع، زُفَر، دُلَف. أسماع برجال: هُذَل، ثُعَل، عُدَث، غُبَر، هُبَل صنم، زُحَل نجم، قُزَح قوسهم إن مُطِروا.

وطوى إن فارق تنويلًا، بَلَع ينزل فيهم قبر، لُبَذ اسم النسر بلغمان، واسم الأسد الحيدر خُصَر.

تتمة نظم الأعلام المعدولة وزيادتها من كتب اللغة

خُصَر، جُرَش جُرَش مكان جاء على اسم سمّيه أول من عمروا، عُمَق نزل ينزل من رام الحج أو اعتمر.

الحج أو العمرة، وسُلَق بلا واو بلا خوف، جاؤوا إن كادوا أو مكروا. في المزهر جاءت موضّحة وفي ديوان الأدب الخبر.

زدنا لهما فيها أُذُنًا من كتب جاء بها النظر، مائة وعشرين وأربعة فاشكر، فقليلٌ ما نشكر.

متشكرين يا سيدي، انتهى الأمر.

ملخص جوائز حفظ القصيدتين وشروط الإلقاء بدون ورقة

هذه هي الحلاوة والبقلاوة، وفي الحفظ نحفظ القصيدتين أبو ألفين. القصيدة الثانية الصغيرة [الأعلام المعدولة] أربعة وعشرون بسبعمئة، والقصيدة الطويلة التي هي بوزن فاعول وآخرها سين أصبحت ألفًا، الاثنان أصبحا ألفين.

لكن لابد أن يسمعهما أمامنا هكذا، نعم، من غير ورقة ولا نظر في الهاتف المحمول والألعاب الإلكترونية، لا داعي منها.

بداية فصل المزارعة ومعنى دفع الأرض لرجل ليزرعها

قال المصنف رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

فصل: وإذا دُفع إلى رجل أرضًا ليزرعها. يسمّونه قيد الأغلبية.

يعني هو لو دفعها إلى امرأة لتزرعها، تصلح أم لا بد أن يكون رجلًا؟ لا، الرجل هنا هو الإنسان سواء كان ذكرًا أو أنثى.

ولذلك عندما يأتي إنسان بالإنجليزية يقول لك man الذي هو الرجل، فكلمة رجل هنا ليس معناها الجنس، [بل] الإنسان من ذكر وأنثى بقدر ما معناها يعني شخصًا.

سبب تخصيص الرجل في النص الفقهي وأنه خرج مخرج الغالب

وإذا دُفع إلى رجل، قالوا: لماذا خصّصت الرجل؟ قال: اللغة هكذا، اللغة أن رجل معناها إنسان، ولكن لأن غالب من يشتغل بتحصيل الأرزاق هم الرجال [فخرج النص مخرج الغالب].

حكم المزارعة عند الشافعية بين الجواز والمنع بحسب نوع الأجر

وإذا دُفع إلى رجل أرضًا ليزرعها واشترط له جزءًا معلومًا من ريعها، لم يجز عند الشافعية. وإن أكراه إياها بذهب أو فضة، أو شرط له طعامًا معلومًا في ذمته، جاز.

يبقى الصورة الأولى التي لا تجوز: قال له خذ قطعة الأرض هذه، والذي يخرج منها خذ ربعه مقابل ما سقيت وتعبت ورعيت الزرع وبذلت المجهود.

فقال له: هذا لا يجوز، لماذا؟ قال: لأنه جعل الأجر مجهولًا.

بيان وجه جهالة الأجر في المزارعة بنسبة من الريع

طيب، قطعة الأرض التي أعطيتها لي، هل ستُنتج إردبًا أو اثنين أو عشرة؟ حتى عندما آخذ الربع، هل سيكون إردبًا ونصفًا، أم لا يكون هناك شيء؟

افترض أنها هلكت بآفة سماوية ولم تُنتج شيئًا، فسأكون قد بذلت مجهودًا وضيّعت وقتًا، وأطفالي لن يجدوا ما يأكلون.

ولذلك ذهب الشافعية إلى حرمة ذلك لجهالة الأجر. فهذا الكلام ممنوع؛ لأن الأجر مجهول.

صورة جواز المزارعة بأجر معلوم من ذهب أو فضة أو طعام

حسنًا، لنفترض أننا جعلنا الأجر معلومًا، ماذا يعني أن يكون الأجر معلومًا؟ يعني أن يقول له: أنت ستعمل عندي في هذه الأرض الزراعية لتزرع لي بعض القمح، ولك اثنان من الدنانير أو الجنيهات الذهبية.

لقد حسبتها فوجدت أن الجنيه الذهبي الآن قد يصل إلى حوالي خمسة وعشرين أو ثلاثين ألف جنيه. قلت: حسنًا، آخذ جنيهًا على ثلاثة شهور للزراعة، فيكون حسنًا. أو فضة، هي هي.

أو شرط له طعامًا معلومًا: قال له أنا سأعطيك إردبًا، هي تنتج عشرة أرادب، تنتج إردبًا واحدًا وهو له إردب، ليس مرتبطًا بالجهالة وإنما مرتبط بشيء معيّن للأجر؛ حتى لا نأكل جهد الناس وعرق الناس. فهذا جائز.

صورة جواز الجمع بين أجر معلوم وحافز من الإنتاج

يتركّب من ذلك صورة ثانية وهي أنني قلت له: سأعطيك دينارًا كأجرك، وسأعطيك حافزًا.

قال لي: ما هذا الحافز؟ قلت له: إردب من الذي ستخرجه. فهو اجتهد لكي يُخرج عشرة أرادب يأخذ منها إردبًا.

جائز له، جائز؛ لأنني اتفقت معه على أجر [معلوم]، ثم جعلتُ هذا [الإردب] خارج الأجر، فيجوز تشجيعًا له.

تعريف إحياء الموات وصوره من صحراء وأرض بور وأرض مالحة

في هذا [الفصل] قال: فصل، وإحياء الموات جائز بشرطين.

إحياء الموات يعني الصحراء، أي مكان لا يذهب إليه أحد ولا يزرع فيه ولا يقتلع منه ولا يستفيد منه أحد. فذهب صاحبنا هذا ووضع علامات وحفر بئرًا واستخرج الماء وزرع قمحًا وبرسيمًا؛ لكي يطوّر الأرض قليلًا، وظلّ يعمل في هذه المسألة واستصلح الأرض.

فيكون استصلاح الأرض من كونها أرضًا غير منتجة؛ لأنها صحراء، أو أرض بور، أو أرض مُتشبّعة بالأملاح كثيرًا.

علاج الأرض المالحة بالغمر والتصريف كالغسيل الكلوي

لها علاج: نستمر في غمرها بالمياه ثم تصريف المياه، ونستمر في غمرها بالمياه ثم تصريفها، نفعل فيها كأنها غسيل كلوي.

[هذه الأرض] لم تكن صالحة وكانت الأملاح تقتل الزرع. أرض موات، [والمصنف] لم يرضَ أن يقول صحراء؛ لأن الموات قد يكون صحراء، وقد يكون أراضٍ غير مستغلة، وقد يكون أراضٍ غير صالحة أصلًا للزراعة.

التي أنشأنا لها هيئة هنا في مصر ووزارة أيضًا تسمى الاستصلاح الزراعي.

الاستصلاح الزراعي في مصر ومحافظة الوادي الجديد

كان لدينا خمسة ملايين فدان، والاستصلاح الزراعي هذا استصلح مليون فدان، زادت الرقعة الزراعية.

ولدينا محافظة كبيرة هي أكبر محافظات مصر اسمها الوادي الجديد، مهمتها استصلاح الأراضي.

جواز إحياء الموات في الماضي وشرطاه عند الشافعية

وإحياء الموات جائز. كان في الماضي لا توجد التنظيمات التي موجودة الآن ولا المواصلات ولا الاتصالات، فكان الذي يذهب إلى الصحراء ويحفر بئرًا ويبذل ما هنالك من إصلاح هذه الأرض حتى تصير منتجة، ذلك جائز بشرطين:

الشرط الأول: أن يكون المُحيي مسلمًا. يبقى أن الشافعية اشترطوا في الإحياء أن يكون مسلمًا.

سبب اشتراط الإسلام في المحيي وعلاقته بانتشار الإسلام سلمياً

وهذا مراعاة لمسألة زمنية كانوا يعيشون فيها. وكان المسلمون - لأن المسلمين لم يُدخلوا الناس إكراهًا في دين الله، بل أدخلوهم بالعائلة - يتزوج الرجل امرأة غير مسلمة، فينجب منها الأولاد فيصيرون مسلمين، فيتزوجون ويُدخِلون غيرهم في الإسلام.

وانتشر الإسلام هكذا في القرن الأول. الإسلام في مصر بعد مائة سنة من دخوله كان خمسة في المائة، وفي القرن الثالث أصبح خمسة وعشرين في المائة، وفي القرن السابع والثامن أصبح فوق التسعين في المائة من الأهالي.

لم نُكره أحدًا ولم يدخل أحد بالسيف والسلاح، وهذا لم يحدث إطلاقًا. في إيران كذلك وفي العراق كذلك وفي الشام كذلك.

الحكم متعلق بانتشار الإسلام بالطرق السلمية دون إكراه

فكان الخوف أن لا ينتشر الإسلام، فكان هذا الحكم [اشتراط الإسلام في المُحيي] متعلقًا بانتشار الإسلام؛ حتى ينتشر بالطرق السلمية التامة، من غير إكراه ومن غير دخول في صدام أو في مواجهة.

[فالشرط الأول] أن يكون المُحيي مسلمًا.

الشرط الثاني: وأن تكون الأرض حرة، يعني لا يمنعك أحد، ولا تذهب لتقول: ها هو شخص ترك الأرض فأنا أعمرها. لا يجوز هذا؛ فلها مالك. لم يجرِ عليها ملك لمسلم إطلاقًا، أي مثل الصحراء.

صفة الإحياء بالعمارة والبناء والزرع وتحويل الصحراء إلى أرض منتجة

وصفة الإحياء كانت في العادة عمارة للمُحيي، فأنارت الدنيا وعمرت الدنيا. عندما تمشي عليها تجدها مختلفة عن الصحراء التي لم تكن تجد فيها أحدًا، فأصبحت فيها عمارة بالبناء وبالطرق وبالمياه وبالزرع وبأي شيء فيه نوع من أنواع الإحياء.

ثم بعد ذلك يتحدث [المصنف] عن بذل الماء.