ما معنى حديث إنما الأعمال بالنيات وما فوائده وتفسيره في أبواب الفقه المختلفة؟
حديث «إنما الأعمال بالنيات» هو أصل قاعدة «الأمور بمقاصدها» وهو حديث صحيح أخرجه الأئمة الستة من حديث عمر بن الخطاب. اتفق الشافعي وأحمد وابن مهدي وغيرهم على أنه ثلث العلم لأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه والنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها. يدخل هذا الحديث في أكثر من سبعين بابًا من أبواب الفقه شاملًا العبادات والمعاملات والعقود والأنكحة والطلاق والقصاص وغيرها.
- •
هل تعلم أن رجلًا طلّق زوجته اثنتي عشرة مرة على مدى خمسة عشر عامًا فأُخبر بأن طلاقه لم يقع إلا مرة واحدة بسبب وطء الشبهة وعدم انعقاد العقد الأول؟
- •
حديث «إنما الأعمال بالنيات» حديث صحيح أخرجه الأئمة الستة من حديث عمر بن الخطاب، وجعله البخاري في أول صحيحه دلالةً على أن الدين مبني على النية.
- •
اتفق الشافعي وأحمد وابن مهدي وأبو داود والدارقطني على أن حديث النية ثلث العلم لأن النية أحد أقسام كسب العبد الثلاثة وأرجحها.
- •
تدخل النية في أكثر من سبعين بابًا فقهيًا تشمل الطهارة والصلاة والصيام والحج والزكاة والعقود والأنكحة والطلاق والخلع والقصاص ونشر العلم.
- •
النية تُحدد صحة عقد البيع والهبة والوقف والخلع والنكاح، فالخلع بعوض غير مقوّم أو غير طاهر يقع باطلًا وتجب إعادة الاتفاق من جديد.
- •
الجرأة على ما يُعتقد حرامًا توجب الفسق وإن لم تقع المعصية حقيقةً، غير أن الله يخفف العقوبة الأخروية كرمًا منه لمن ستره.
- 0:00
افتتاح دراسة كتاب الأشباه والنظائر للسيوطي بالقاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها، وما تشمله من مباحث فقهية.
- 1:23
حديث إنما الأعمال بالنيات صحيح أخرجه الأئمة الستة عن عمر، مع بيان طرقه الأخرى وتعجب السيوطي من إغفال مالك له في الموطأ.
- 2:14
شواهد حديث النية من مسند الشهاب والطبراني ومسند أحمد تؤكد أن النية أساس قبول الأعمال وأن نية المؤمن خير من عمله.
- 3:02
أحاديث شاهدة تبيّن أن الناس يُبعثون على نياتهم وأن النية وحدها تكفي للثواب كمن نوى قيام الليل فغلبه النوم.
- 3:35
أحاديث تكشف خطورة النية الفاسدة في النكاح والبيع والدين، وأن سوء النية يُحوّل المباح إلى إثم ويُرتب عقوبة أخروية.
- 4:27
البخاري بدأ صحيحه بحديث النية وختمه بالذكر، والسيوطي يُقرر أن النية تدخل في أكثر من سبعين بابًا فقهيًا.
- 5:35
حديث النية من أصول الإسلام الثلاثة عند جمع من العلماء، والنووي جمع هذه الأحاديث الأساسية في أربعينه الشهيرة.
- 6:42
الاهتمام بجمع الأربعين حديثًا نابع من حديث مرويّ في فضل حفظها، وتميزت الأربعون النووية بكونها أحاديث أصول الإسلام.
- 7:17
غياب حديث النية من الموطأ يُفسَّر بتعدد روايات الموطأ وعدم وصول بعضها، إذ روى الموطأ أربعون راويًا وأشهرها رواية يحيى بن يحيى.
- 8:43
تصحيح نطق اسمَي المحدثَين: أبو نُعيم بضم النون صاحب حلية الأولياء، وابن ماجه بالهاء لا بالتاء المربوطة.
- 9:58
منهج دراسة قاعدة الأمور بمقاصدها: القاعدة ثم الدليل ثم التخريج ثم الاستثناء ثم الاشتباه، وهو ترتيب يستوفي المسألة كاملة.
- 11:32
تفسير كون حديث النية ثلث العلم: كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه، والنية أرجح الأقسام الثلاثة لاستقلاليتها كعبادة.
- 12:31
الإمام أحمد يجعل أصول الإسلام ثلاثة أحاديث أولها النية، وأبو داود يجعل مدار السنة على أربعة أحاديث أولها النية أيضًا.
- 13:17
اختلاف الأئمة في عدد الأحاديث الأصول بين ثلاثة وأربعة وخمسة، وحديث النية حاضر في جميع هذه التصنيفات.
- 14:01
ابن مهدي يُقدّر دخول حديث النية في ثلاثين بابًا والشافعي في سبعين بابًا، مما يدل على شمولية هذا الحديث في الفقه.
- 14:29
النية تدخل في ربع العبادات كاملًا من الطهارة والصلاة بأنواعها إلى الأذان وسجود التلاوة والشكر وخطبة الجمعة.
- 15:14
النية تمتد من الزكاة والصوم والحج إلى نشر العلم والقضاء وإقامة الحدود وتحمل الشهادات، مما يجعلها شاملة لكل أبواب الفقه.
- 16:10
مسألة الجرموق الضعيف الذي لا يمنع الماء تُظهر دخول النية في الطهارة، إذ يُشترط قصد مسح الخف لا مجرد نزول الماء.
- 17:14
اشتراط النية في مسح الخف عند نزول الماء من الجرموق الضعيف، فبدون النية لا يُعتد بنزول الماء مسحًا شرعيًا.
- 18:20
الخلاف في مسألة الجرموق يدور حول هل يسري المسح تلقائيًا أم يحتاج إلى نية مستقلة لمسح الخف، وهو مثال دقيق على دخول النية في الطهارة.
- 19:16
اختلاف نسخ المخطوطة لا يؤثر في المعنى، والمباحات تصبح عبادة مأجورة إذا قُصد بها التقوي على طاعة الله.
- 20:14
النكاح والوطء يصبحان عبادة بنية إقامة السنة والإعفاف، وتدخل النية في طيف واسع من العقود الشرعية من البيع إلى الأمان.
- 20:57
النية تدخل في تحديد طبيعة عقود البيع والهبة والوقف والقرض والضمان والإبراء وتُفرق بين صور متشابهة في الظاهر مختلفة في الحكم.
- 21:58
خصم الإبراء من الزكاة لا يجوز عند الشافعية، والنية تدخل في الحوالة والإقالة والوكالة وتحديد مقدار الإقرار أمام القاضي.
- 23:07
النية تدخل في التدبير والكتابة والطلاق الكنائي والإيلاء والظهار لتحديد أثر كل منها وصحته الشرعية.
- 24:23
النية تُفرق في القصاص بين العمد والخطأ، وفي السرقة بين قصد الاستيفاء وقصد السرقة، وفي الردة بين قصد الارتداد وغيره.
- 25:16
النية تحدد في أداء الدين أي الدينين يُسدَّد، وفي اللقطة بين الحفظ والتمليك، وفي الإسلام على أكثر من أربع بين الاختيار والفراق.
- 26:03
من تعاطى مباحًا يعتقده حرامًا يجري عليه حكم الفاسق عند الشيخ عز الدين لجرأته على الله وإن لم تقع المعصية حقيقةً.
- 26:34
النطق بلفظ الطلاق أمام الزوجة لا يوقع الطلاق إذا كان المقصود الحكاية أو التعليم لا الانفصال، والمعيار هو قصد اللفظ الصريح لمعناه.
- 28:13
الطلاق لا يقع في التمثيل عند الجمهور لأن الممثل لم يقصد اللفظ الصريح لمعناه، وهذا تطبيق مباشر لقاعدة الأمور بمقاصدها.
- 29:34
التفريق بين الطلاق الحقيقي والحكاية يعتمد على قصد اللفظ الصريح لمعناه، فالنية هي الفيصل في وقوع الطلاق من عدمه.
- 30:30
الطلاق يقع عند الحكاية إذا نوى الرجل الانفصال، ولا يقع إذا قصد الحكاية أو التعليم، والنية هي المحدد الأساسي.
- 31:29
الطلاق في صورة السؤال عن المستقبل لا يقع لأنه يفتقد النية المنجزة، والفارق بين الطلاق المنجز والسؤال عنه جوهري.
- 32:29
النية في عقد البيع تحدد المعقود عليه من مبيع وثمن، فالاتفاق على السعر دون تحديد السلعة يُفضي إلى نزاع لاختلاف النيات.
- 34:14
أركان البيع ثلاثة إجمالًا وستة تفصيلًا، والنية تدخل في تحديد المعقود عليه من مبيع وثمن لإتمام العقد صحيحًا.
- 35:07
الخلع طلاق في الراجح عند الشافعية ويُحسب من الطلقات الثلاث، بخلاف الفسخ الذي لا يُحسب منها مما يُغيّر أحكام المراجعة.
- 36:17
القانون المصري اختار أن الخلع طلاق وفق مذهب الشافعية، فيُحسب من الطلقات الثلاث ويمنع المراجعة إلا بعد زواج جديد.
- 36:50
الحديث النبوي يُقيّد عوض الخلع بما دُفع من مهر دون زيادة، وقد أخذ المصريون بهذا النص خلافًا لمن أجاز الزيادة.
- 37:55
تقييد عوض الخلع بالمهر المدفوع حماية للمرأة من الاستغلال، والحديث صريح في نفي الزيادة وفي كون الخلع طلاقًا.
- 39:05
المذاهب الأربعة أجازت الزيادة في عوض الخلع بمطلق القرآن، وضعّفوا الحديث المقيِّد، بينما أخذ المصريون بنص الحديث.
- 40:24
المذاهب الأربعة تمسكت بمطلق القرآن في إطلاق عوض الخلع واضطرت إلى تضعيف الحديث المقيِّد للجمع بين الدليلين.
- 41:40
الحل الفقهي للزيادة في عوض الخلع يقوم على تضعيف الحديث المقيِّد والأخذ بمطلق القرآن، وتحديد القدرة يرجع للقاضي.
- 42:48
إمساك الزوجة ضرارًا حرام قرآنيًا، والنبي ﷺ أسرع في حل مشكلة الخلع حمايةً للمرأة من الفتنة في دينها.
- 44:12
سورة البقرة تحذّر بشدة من تجاوز حدود الله في الطلاق والخلع، وإمساك الزوجة ضرارًا مخالفة صريحة لهذه الحدود.
- 45:02
عوض الخلع يجب أن يكون مُقوَّمًا طاهرًا، والنية تدخل في تحديده فإذا نوى عوضًا غير مُقوَّم أو غير طاهر بطل الخلع.
- 46:34
الخلع يبطل إذا نوى أحد الطرفين عوضًا غير مُقوَّم أو غير طاهر، ولا يُصحَّح بل يجب إعادة الاتفاق من البداية.
- 47:40
النية في عوض الخلع تكشف صحته من بطلانه، والخلع الباطل لا يُصحَّح بل يستلزم اتفاقًا جديدًا بعوض مُقوَّم طاهر.
- 48:43
الخلع طلاق بائن بالاتفاق، وبينونته إما صغرى في الطلقة الأولى أو الثانية أو كبرى في الثالثة مما يحدد إمكانية المراجعة.
- 49:29
التصريح بالتأقيت في النكاح يُبطل العقد لأنه نكاح متعة محرّم، أما نية التأقيت دون تصريح ففيها وجهان بين البطلان والصحة مع الإثم.
- 50:54
نية التأقيت بمدة محددة تُبطل النكاح، أما نية الطلاق المستقبلي المبهمة فلا تُبطله لأن كل زواج يجوز فيه الطلاق.
- 51:59
زواج طلاب الأزهر أثناء الإقامة صحيح لأن المدة غير محددة، والمبطل هو تحديد المدة لا مجرد نية الطلاق المستقبلي.
- 53:02
في نية التأقيت في النكاح وجهان: البطلان لمخالفة مقتضى العقد المؤبد، والصحة ظاهرًا مع الإثم الباطن عند من لم يتلفظ بها.
- 53:57
وجهان في نية التأقيت: البطلان لمخالفة مقتضى العقد المؤبد، والصحة مع الإثم، وهو خلاف مشابه لمسألة نية عدم إعطاء المهر.
- 55:09
من نوى عدم إعطاء المهر يحتمل أنه زانٍ حقيقةً فيبطل العقد في حقه، أو يأثم إثم الزاني مع صحة العقد، وهو خلاف في الأنظار.
- 56:17
التأقيت المبطل هو تحديد مدة حقيقية للزواج، أما التعليق على المستحيل في الأيمان فهو لغو كالعدم ولا يُعدّ تأقيتًا.
- 57:10
الأداة المستخدمة في القتل وسيلة لاستنباط النية: ما يقتل غالبًا يدل على العمد، وما لا يقتل غالبًا يدل على الخطأ، والاعتراف يُقدَّم عليهما.
- 58:20
السحر مع الاعتراف يُوجب القصاص، والدعاء لا قصاص فيه، والعين يُحبس صاحبها حتى يتوب، وكلها تدور على النية والقصد.
- 59:46
معيار القتل العمد عند عدم الاعتراف هو الأداة: ما يقتل غالبًا يُوجب القصاص، وما لا يقتل غالبًا يُوجب الدية، والنية هي الأساس.
- 61:01
الشيخ عز الدين يُقرر أن الجرأة على ما يُعتقد حرامًا توجب الفسق وإن تبيّن أن الفعل مباح، لأن الثقة قد انخرمت بهذه الجرأة.
- 61:48
الولد من الأمة عبد لسيدها إلا إذا كانت ملك أبيه فيكون ولده، وعند الشبهة يُحكم بحرية الولد لأن الشرع يتشوف إلى الحرية.
- 63:34
تشوف الشرع للحرية يعني ترجيحها عند التردد، فالولد من وطء الشبهة يُنسب حرًا اعتبارًا بظن الأب ومبدأ الحرية الأصلية.
- 64:38
الجرأة على الحرام توجب الإثم حتى لو تبيّن أن الفعل مباح، فمن شرب ماءً ظنه خمرًا أو جامع زوجته ظانًا أنها أجنبية يأثم بنيته.
- 66:02
في الحد على من وطئ أجنبية فتبيّن أنها زوجته قولان: الأرجح لا حد، ومقابله إقامة الحد، وقصة بشار بن برد مثال على انعكاس الفطرة.
- 67:29
قصة بشار بن برد تُبيّن خطر انعكاس الفطرة، والجرأة على الحرام حرام قطعًا حتى لو تبيّن أنه حلال، ولا عبرة بالظن البيّن خطؤه.
- 69:03
قتل المحكوم عليه بالإعدام دون إذن ولي الأمر افتيات على الإمام وهو حرام، ولا يُقتل القاتل لكنه أثم بتجاوز صلاحيات السلطة.
- 70:39
قتل قاتل الأب دون علم تعدٍّ لغياب الإذن القضائي، وإتلاف المال ظنًا أنه لغيره عدوان في النية حتى لو تبيّن أنه ملكه.
- 72:05
التصرف في المال ظنًا أنه لغيره ثم اكتشاف أنه ملكه بالميراث لا يرفع الإثم، والشيخ عز الدين يُقرر أن الجرأة على المعصية توجب الفسق.
- 73:12
الجرأة على المعصية توجب الفسق وإن لم تقع، لكن عذاب الآخرة أخف من عذاب من ارتكبها حقيقةً، وفي ذلك ستر من الله وكرم.
- 74:17
الله يُخفف عقوبة من ستره كرمًا منه، ووطء الشبهة لا يترتب عليه حد الزنا اعتبارًا بالنية والمقصد وهو من أهم تطبيقات قاعدة الأمور بمقاصدها.
- 75:46
وطء الشبهة يثبت النسب حتى في حالة العقد الباطل الذي لم يعلم به الزوجان، فالأطفال يُنسبون لأبيهم ولا يُعدّ ما حدث زنًا.
- 77:12
الطلاق قبل الدخول بائن فوري يُنهي العقد ويستلزم عقدًا جديدًا للمراجعة، والاستمرار بدون عقد جديد وطء شبهة لا زنا.
- 78:34
الطلاق قبل الدخول بائن فوري، والعيش بعده بلا عقد جديد وطء شبهة، والطلاقات اللاحقة لا تقع لأنها على غير زوجة.
- 79:34
من طلّق اثنتي عشرة مرة بعد عقد باطل لم يعلم به فطلاقه الأول فقط هو الواقع، وما بعده لم يقع، والحل عقد جديد مع إثبات النسب بوطء الشبهة.
- 81:00
الجهل بأحكام الشريعة يُوقع في مخالفات شرعية خطيرة، وتجديد عقد الزواج عند اكتشاف البطلان يُصحح الوضع ويُعيد الاستقرار.
- 82:34
تعلم أحكام الشريعة ونشرها واجب لأن الجهل يُوقع المسلمين في مخالفات خطيرة دون علم، وقد رأينا نماذج واقعية لذلك.
- 83:07
الخلع طلاق في الراجح عند الشافعية لا فسخ، وهو استثناء يُعطي المرأة حق الانفصال مقابل الطلاق الذي وضعه الله في يد الرجل.
- 84:17
فسخية الخلع تُتيح تنظيف العقد من الأيمان المعلقة، إذ يُخلع ثم يُعاد العقد جديدًا خاليًا من الشروط، وهو مسلك فقهي معتمد.
- 85:44
الفسخ يحتاج إلى سبب شرعي أو وضعي ولا يصح بمجرد الإرادة، ويتم بالحال في بعض صوره، والفارق الجوهري بينه وبين الطلاق في العد من الثلاث.
- 86:29
الفسخ لا يُعدّ من الطلقات الثلاث خلافًا للطلاق، وفسخية الخلع تُستخدم لتنظيف العقد من الأيمان المعلقة بإعادة العقد جديدًا.
ما هو كتاب الأشباه والنظائر وما أول قاعدة فيه؟
كتاب الأشباه والنظائر للإمام السيوطي هو من أمهات كتب القواعد الفقهية. تبدأ دراسته بالقاعدة الأولى وهي «الأمور بمقاصدها» التي تنبثق منها مباحث متعددة تتعلق بدور النية في الأحكام الشرعية.
ما صحة حديث إنما الأعمال بالنيات ومن رواه من الأئمة؟
حديث «إنما الأعمال بالنيات» حديث صحيح مشهور أخرجه الأئمة الستة وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والعجب أن مالكًا لم يخرجه في الموطأ، غير أنه روي من طرق أخرى عن علي بن أبي طالب عند ابن الأشعث، وعن أبي سعيد الخدري عند الدارقطني وأبي نعيم، وعن أنس عند ابن عساكر، وعند البيهقي بلفظ «لا عمل لمن لا نية له».
ما الأحاديث الشاهدة على معنى حديث إنما الأعمال بالنيات في كتب السنة؟
من أبرز شواهد حديث النية حديث «نية المؤمن خير من عمله» الوارد في مسند الشهاب ومعجم الطبراني الكبير. ومنها حديث سعد بن أبي وقاص «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت فيها حتى ما تجعل في فِي امرأتك»، وحديث ابن مسعود في مسند أحمد «رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيّته»، وكلها تؤكد مركزية النية في قبول الأعمال.
ما فوائد حديث إنما الأعمال بالنيات في باب الثواب والجزاء يوم القيامة؟
من فوائد حديث النية أن الناس يُبعثون يوم القيامة على نياتهم كما ورد عند ابن ماجه. ومنها أن من نوى قيام الليل فغلبته عينه كُتب له ما نوى كما عند النسائي. وأن الله يُدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة بما فيهم صانعه الذي يحتسب في صنعته الأجر، مما يدل على أن النية وحدها قد تكون سببًا للثواب.
ما أثر النية الفاسدة في عقود النكاح والبيع والدين يوم القيامة؟
من أحاديث النية الشاهدة أن من تزوج امرأة ونوى ألا يعطيها صداقها مات وهو زانٍ، ومن اشترى ونوى ألا يعطي الثمن مات وهو خائن. أما من استدان ونوى الأداء أدّاه الله عنه يوم القيامة، ومن استدان ناويًا عدم الأداء أُخذ من حسناته فجُعلت في حسنات صاحبه، وإن لم تكفِ أُخذ من سيئات الآخر فجُعلت عليه.
لماذا بدأ البخاري صحيحه بحديث النية وفي كم بابًا من الفقه تدخل النية؟
جعل الإمام البخاري حديث «إنما الأعمال بالنيات» في أول صحيحه وختمه بحديث الذكر، مما يعني أن النية قد بُني عليها الدين. وقد ذكر السيوطي أن النية تدخل في أكثر من سبعين بابًا من أبواب الفقه شاملةً الطهارة والصلاة والصيام والحج والعبادات والمعاملات والأنكحة والطلاق واليمين والنذر.
كيف عدّ العلماء حديث إنما الأعمال بالنيات من أصول الإسلام وما علاقته بالأربعين النووية؟
عدّ بعض العلماء الإسلام مبنيًا على ثلاثة أحاديث أولها «إنما الأعمال بالنيات» وثانيها «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وثالثها «الحلال بيّن والحرام بيّن». وقد تتبع الإمام النووي كل من قال إن الإسلام يدور على ثلاثة أو أربعة أو خمسة أحاديث وجمعها في الأربعين النووية التي قيل إنها التي بُني عليها الإسلام.
ما سبب اهتمام العلماء بجمع الأربعين حديثًا وبم تميزت الأربعون النووية؟
سبب الاهتمام بجمع الأربعين حديثًا هو حديث «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا بُعث يوم القيامة مع الفقهاء» وإن كان في سنده مقال. وتميزت الأربعون النووية بأنها هي التي بُني عليها الإسلام في كلام الإمام الشافعي والإمام البيهقي وغيرهم من الأئمة، مما جعلها أشهر مجموعات الأربعين وأكثرها تداولًا.
لماذا لم يرد حديث النية في موطأ مالك وكم رواية للموطأ وصلت إلينا؟
عدم ورود حديث النية في الموطأ يُعزى إلى أن ما وصل إلى السيوطي من روايات الموطأ لم يتضمنه، إذ روى الموطأ عن مالك أربعون راويًا وكان مالك يزيد وينقص فيه على مدى أربعين سنة. الرواية الشائعة هي رواية يحيى بن يحيى، وهناك روايات أخرى وصلت كموطأ محمد بن الحسن الشيباني، فيما لم تصل رواية الإمام الشافعي للموطأ.
كيف يُنطق اسم أبي نعيم وابن ماجه نطقًا صحيحًا؟
الصواب في نطق اسم المحدث هو «أبو نُعيم» بضم النون لا بفتحها، وهو صاحب كتاب «حلية الأولياء» المطبوع. أما «ابن ماجه» فتُكتب وتُنطق بالهاء لا بالتاء المربوطة، فلا يقال «ابن ماجة» بل «ابن ماجه» هكذا بالهاء.
ما المنهج الصحيح لدراسة قاعدة الأمور بمقاصدها وشرح حديث إنما الأعمال بالنيات؟
منهج دراسة القاعدة الفقهية يسير وفق ترتيب محدد: أولًا حفظ نص القاعدة «الأمور بمقاصدها»، ثم ذكر دليلها وهو حديث «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، ثم بيان الفروع المبنية عليها، ثم الفروع الخارجة عنها، ثم الفروع المشتبهة. هذا الترتيب الخماسي يضمن استيفاء المسألة من جميع جوانبها.
لماذا قال العلماء إن حديث إنما الأعمال بالنيات ثلث العلم وما تفسير ذلك؟
اتفق الشافعي وأحمد وابن مهدي وابن المديني وأبو داود والدارقطني وغيرهم على أن حديث النية ثلث العلم. وجّه البيهقي ذلك بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها. ومن ثَمّ ورد «نية المؤمن خير من عمله».
ما الأحاديث التي قال الإمام أحمد وأبو داود إن أصول الإسلام تدور عليها؟
قال الإمام أحمد إن أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث الأعمال بالنية، وحديث «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وحديث «الحلال بيّن والحرام بيّن». وقال أبو داود إن مدار السنة على أربعة أحاديث: الأعمال بالنيات، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، والحلال بيّن والحرام بيّن، وإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.
ما الأحاديث التي يدور عليها الفقه عند الدارقطني وأبي داود في رواياته المختلفة؟
ذكر أبو داود في لفظ آخر أن الفقه يدور على خمسة أحاديث: الأعمال بالنيات، والحلال بيّن والحرام بيّن، ولا ضرر ولا ضرار، وما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم. وقال الدارقطني إن أصول الأحاديث أربعة: الأعمال بالنيات، ومن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، والحلال بيّن والحرام بيّن، وازهد في الدنيا يُحبك الله.
في كم بابًا من العلم يدخل حديث النية عند ابن مهدي والشافعي؟
قال ابن مهدي إن حديث النيات يدخل في ثلاثين بابًا من العلم، بينما قال الشافعي إنه يدخل في سبعين بابًا. وذكر ابن مهدي وابن المديني أن مدار الأحاديث على أربعة أولها الأعمال بالنيات، وثانيها لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وثالثها بُني الإسلام على خمس، ورابعها البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
ما أبواب العبادات التي تدخل فيها النية من الطهارة إلى الأذان؟
تدخل النية في ربع العبادات بكماله: الوضوء والغسل فرضًا ونفلًا، ومسح الخف في مسألة الجرموق، والتيمم وإزالة النجاسة وغسل الميت والأواني. وتدخل في الصلاة بأنواعها فرض عين وكفاية وراتبة وسنة ونفلًا مطلقًا، والقصر والجمع والإمامة والاقتداء، وسجود التلاوة والشكر، وخطبة الجمعة والأذان.
ما الأبواب الفقهية التي تدخل فيها النية من الزكاة إلى نشر العلم والقضاء؟
تدخل النية في الزكاة واستعمال الحلي والتجارة والصوم والاعتكاف والحج والعمرة والطواف والهدايا والضحايا والنذور والكفارات والجهاد والعتق والوصية والنكاح والوقف وسائر القرب بمعنى توقف حصول الثواب على قصد التقرب بها إلى الله. وتدخل أيضًا في نشر العلم تعليمًا وإفتاءً وتصنيفًا، والحكم بين الناس وإقامة الحدود وتحمل الشهادات وأداؤها.
ما مسألة الجرموق وما علاقتها بالنية في مسح الخف؟
الجرموق هو حذاء خارجي يُلبس فوق الخف، وإذا كان الجرموق ضعيفًا أي لا يمنع وصول الماء فإن ماء المسح ينزل من الجرموق إلى الخف تحته. المسألة هنا هي هل يُعتد بهذا النزول مسحًا للخف أم لا بد من نية مسح الخف تحديدًا؟ وهذا مثال على دخول النية في باب الطهارة.
هل يصح مسح الخف إذا نزل إليه الماء من الجرموق بدون نية؟
لا يصح مسح الخف إذا نزل إليه الماء من الجرموق بدون نية؛ لأن المياه نزلت من تلقاء نفسها دون قصد. يُشترط أن ينوي الشخص مسح الخف تحديدًا حتى يُعتد بهذا النزول، فإذا لم تكن هناك نية فلا ينفع هذا النزول في إتمام المسح الشرعي.
هل يسري المسح تلقائيًا من الجرموق إلى الخف أم يحتاج إلى نية مستقلة؟
المسألة خلافية: هل ينوي الشخص مسح الخف فيكون نزول الماء نزولًا مع النية، أم يسري المسح تلقائيًا دون حاجة إلى نية مستقلة؟ والمسألة تُبيّن أن النية ركيزة أساسية في تحديد صحة الطهارة، وأن الفقهاء اختلفوا في هذه الصورة الدقيقة.
كيف تتحول المباحات إلى عبادة بالنية وما معنى اختلاف نسخ المخطوطة؟
اختلاف النسخ في المخطوطات أمر طبيعي لا يؤثر في المعنى كما في «ومسح الخف» و«ومسه» و«فينزل» و«فنزل». أما المباحات كالأكل والنوم واكتساب المال فتتحول إلى عبادة مأجورة إذا قُصد بها التقوي على العبادة أو التوصل إليها، وهذا من أبرز فوائد قاعدة الأمور بمقاصدها.
كيف تدخل النية في عقد النكاح والوطء وسائر العقود الشرعية؟
يدخل النكاح والوطء في باب النية إذا قُصد بهما إقامة السنة أو الإعفاف أو تحصيل الولد الصالح وتكثير الأمة فيصبحان عبادة مأجورة. وتدخل النية في كنايات العقود كالبيع والهبة والوقف والقرض والضمان والإبراء والحوالة والإقالة والوكالة والطلاق والخلع والرجعة والإيلاء والظهار والأيمان والقذف والأمان.
كيف تدخل النية في عقود البيع والهبة والوقف والقرض والضمان والإبراء؟
في البيع لا بد من نية تحديد المبيع والثمن. وفي الهبة تحدد النية هل المقصود إعطاء الشخص مباشرة أم توصيلها لآخر. وفي الوقف لا بد من نية الجهة المستفيدة. وفي القرض تُفرق النية بين العارية والقرض. وفي الضمان والكفالة تُحدد النية طبيعة الالتزام. وفي الإبراء تُفرق النية بين التنازل المجاني وخصم الزكاة الذي لا يجوز عند الشافعية.
هل يجوز خصم الإبراء من الزكاة وما حكم الحوالة والإقالة والوكالة؟
الإبراء هو إسقاط ما في ذمة المدين، وإذا أبرأه ثم أراد خصمه من الزكاة فالشافعية يقولون لا يجوز، وإن كان في الفقه الإسلامي من أجازه. والحوالة هي تحوّل الدين من شخص لآخر. والإقالة هي رد البضاعة المشتراة. والوكالة إما عامة أو خاصة وبعضهم لا يجيز الوكالة العامة. وفي الإقرار أمام القاضي تدخل النية في تحديد المقدار المُقرّ به.
كيف تدخل النية في الطلاق والتدبير والكتابة والإيلاء والظهار؟
التدبير هو أن يقول السيد لعبده: أنت حر عند موتي مقابل خدمته. والكتابة هي أن يُتيح للعبد العمل وتسديد ثمن نفسه. والطلاق يكون بالنية مع اللفظ إذا كان كناية، فيُنظر هل نوى به الطلاق أم لا. والإيلاء هو الحلف بعدم قرب الزوجة وله أجل أربعة أشهر ثم إما الطلاق أو العودة مع الكفارة. وكل هذه العقود تحتاج إلى النية لتحديد أثرها الشرعي.
كيف تدخل النية في القصاص والردة والسرقة وتمييز العمد من الخطأ؟
تدخل النية في القصاص لتمييز العمد وشبهه من الخطأ، وفي حكم الوكيل في القصاص هل قتل عن الموكل أم بشهوة نفسه. وفي الردة تدخل النية في تحديد قصد الارتداد. وفي السرقة تُفرق النية بين من أخذ آلات الملاهي بقصد كسرها وبين من أخذها سرقةً، وبين من أخذ مال مدينه استيفاءً وبين من أخذه سرقةً، فلا قطع في الأول ويُقطع في الثاني.
كيف تدخل النية في أداء الدين واللقطة ومسألة من أسلم على أكثر من أربع نسوة؟
في أداء الدين إذا كان على شخص دينان لرجل بأحدهما رهن فأدى أحدهما ونوى دين الرهن انصرف إليه والقول قوله في نيته. وفي اللقطة تُفرق النية بين قصد الحفظ وقصد التمليك. وفيمن أسلم على أكثر من أربع نسوة إذا قال فسخت نكاح هذه فإن نوى الطلاق كان تعيينًا لاختيار النكاح، وإن نوى الفراق حُمل على اختيار الفراق. وإذا وطئ أمة بشبهة ظانًا أنها زوجته الحرة فالولد ينعقد حرًا.
ما حكم من تعاطى فعلًا مباحًا وهو يعتقد أنه حرام فتبيّن أنه حلال؟
من وطئ امرأة يعتقدها أجنبية فإذا هي زوجته، أو قتل من يعتقده معصومًا فتبيّن أنه يستحق دمه، أو أتلف مالًا يظنه لغيره فتبيّن أنه ملكه، فقد قال الشيخ عز الدين إنه يجري عليه حكم الفاسق لجرأته على الله، لأن العدالة شُرطت لتحصل الثقة بصدقه وأداء الأمانة وقد انخرمت هذه الثقة بجرأته على ارتكاب ما يعتقده كبيرة.
هل يقع الطلاق إذا نطق الرجل بلفظ الطلاق أمام زوجته قاصدًا الحكاية لا الطلاق؟
لا يقع الطلاق إذا لم يقصد الرجل اللفظ الصريح لمعناه، فالفقيه الذي يعلّم زوجته ويقول «أنت طالق» قاصدًا الحكاية لا الطلاق لا يقع عليه طلاق. الفارق الجوهري هو النية: هل قصد اللفظ الصريح لمعناه وهو الانفصال، أم قصد الحكاية والتعليم؟ فإن قصد الحكاية فلا طلاق.
هل يقع الطلاق إذا قاله الممثل لزوجته الحقيقية في فيلم أو مسرحية؟
ذهب الشيخ علي حسب الله في أصول الفقه إلى أنه لا يقع الطلاق في التمثيل لأن الممثل لم يقصد اللفظ الصريح لمعناه بل استعمله في سياق الرواية. وذهب الشيخ عبد الحي الغماري إلى وقوع الطلاق وهو رأي غريب. والراجح أنه لا يقع الطلاق لأن المعيار هو قصد اللفظ الصريح لمعناه وهو الانفصال.
كيف نفرق بين الطلاق الحقيقي والحكاية عند النطق بلفظ الطلاق؟
الفارق بين الطلاق الحقيقي والحكاية يكمن في قصد اللفظ الصريح لمعناه: فإذا قصد الرجل بقوله «أنت طالق» الانفصال عن زوجته وقع الطلاق، وإذا قصد حكاية قصة جارٍ أو تعليم حكم شرعي فلا يقع الطلاق. والمعيار الداخلي هو النية، وقد يُستعان بالقرائن الخارجية لتحديدها.
متى يقع الطلاق عند الحكاية ومتى لا يقع بحسب النية؟
يقع الطلاق عند الحكاية إذا أقرّ الرجل بأنه كان ينوي الانفصال عند نطقه بلفظ الطلاق، فقصد اللفظ الصريح «أنت طالق» لمعناه وهو الانفصال يُوقع الطلاق. أما إذا كان يقصد الحكاية أو التعليم وبيان الحكم فلا يقع الطلاق، لأن اللفظ الصريح لم يُستعمل لمعناه الحقيقي.
هل يقع الطلاق إذا قاله الرجل في صورة سؤال عن المستقبل لا على سبيل الإنشاء؟
لا يقع الطلاق إذا قاله الرجل في صورة السؤال عن المستقبل كقوله «لو قلت لكِ أنت طالق يقع الطلاق؟» لأن هذا سؤال عن حكم مستقبلي وليس إنشاءً منجزًا. الطلاق المنجز هو «أنت طالق» الحالية التي يقصد بها الانفصال الآن، أما السؤال فيفتقد إلى النية اللازمة لإيقاع الطلاق.
كيف تدخل النية في تحديد المعقود عليه في عقد البيع من مبيع وثمن؟
تدخل النية في تحديد المعقود عليه في البيع لأن الاتفاق على سعر معين لا يكفي دون تحديد السلعة المقصودة. فإذا اتفق البائع والمشتري على مائة ألف جنيه دون تحديد السيارة المقصودة نشأ نزاع، لأن كل طرف قد ينوي سلعة مختلفة. لذا لا بد أن تكون النية محددة للمعقود عليه من مبيع وثمن.
ما أركان عقد البيع وكيف تدخل النية في كل ركن منها؟
أركان عقد البيع ثلاثة إجمالًا وستة تفصيلًا: العاقدان وهما البائع والمشتري، والمحل وهو المعقود عليه الذي يشمل المبيع والثمن، والصيغة وهي الإيجاب والقبول. وتدخل النية في تحديد أي سيارة وأي ثمن في مقابلها، لأن الإيجاب والقبول دون تحديد المعقود عليه بالنية يُفضي إلى نزاع.
هل الخلع طلاق أم فسخ وما الفرق بين الحكمين عند الشافعية؟
الراجح في المذهب الشافعي أن الخلع طلاق لا فسخ. الفرق بينهما أن الطلاق يُحسب من الطلقات الثلاث بينما الفسخ لا يُحسب منها. فإذا طلّق زوجته مرتين ثم خلعها فعلى القول بأنه طلاق تكون هذه الطلقة الثالثة ولا يجوز له مراجعتها إلا بعد زواجها من آخر، وعلى القول بأنه فسخ يجوز له مراجعتها بعقد جديد.
ما موقف القانون المصري من الخلع وهل اعتبره طلاقًا أم فسخًا؟
اختار القانون المصري أن الخلع طلاق وفقًا لمذهب الشافعية. وبناءً على ذلك يكون الخلع طلقة ثالثة إذا سبقه طلقتان، مما يعني أنه لا يجوز للزوجين مراجعة بعضهما إلا إذا تزوجت المرأة زوجًا آخر ودخل بها ثم مات عنها أو طلقها وانقضت عدتها، وهو ما نص عليه القرآن الكريم.
ما الحديث النبوي في عوض الخلع وهل يجوز للزوج أخذ أكثر من المهر؟
الحديث النبوي في الخلع يقول «رد عليه الحديقة وطلقها تطليقة»، وعندما عرضت المرأة الزيادة قال النبي ﷺ «أما الزيادة فلا». وبناءً على هذا الحديث ترد المرأة مهرها فقط دون زيادة. وقد أخذ المصريون بهذا النص، بينما أجاز الفقهاء في المذاهب الأخرى الزيادة استنادًا إلى مطلق القرآن.
ما الحكمة من تقييد عوض الخلع بما دُفع وما أثر الزيادة على صحة الخلع؟
الحكمة من تقييد عوض الخلع بما دُفع هي حماية المرأة من الاستغلال، فإذا أُجيزت الزيادة بلا حد أصبح الخلع بلا فائدة إذ يطلب الزوج ما يشاء. الحديث واضح في أمرين: أن الخلع طلاق، وأن العوض يكون في مقابل ما دُفع لا يزيد. وإذا اتفق الزوج على أقل فبها ونعمت، وإن طلّق بلا مقابل فهو أحسن لأنه كرم أخلاق.
ما دليل المذاهب الأربعة على جواز الزيادة في عوض الخلع؟
المذاهب الأربعة أباحت الزيادة في عوض الخلع استنادًا إلى مطلق القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾ دون تحديد مقدار الفداء. والمشكلة أن الحديث النبوي جاء فحدّد وقال «أما الزيادة فلا»، فلم يكن أمام المذاهب إلا تضعيف الحديث والأخذ بمطلق القرآن.
كيف استدل المذاهب الأربعة بمطلق القرآن في جواز الزيادة في عوض الخلع؟
استدل المذاهب الأربعة بقوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾ الذي أطلق الفداء دون تحديد مقداره. ولما جاء الحديث النبوي مقيِّدًا بعدم الزيادة، اضطر أصحاب هذا الرأي إلى تضعيف الحديث حتى يخرجوه عن الاستدلال ويبقوا على مطلق القرآن. وهذا هو الفرق بين المنهجين في التعامل مع النص.
ما الحل الفقهي لمن يريد الزيادة في عوض الخلع في ضوء الحديث والقرآن؟
الحل الفقهي لمن يريد الزيادة في عوض الخلع هو تضعيف رواية الحديث المقيِّد «أما الزيادة فلا» فيخرجها عن الاستدلال، ثم الأخذ بمطلق القرآن ﴿فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾ الذي لم يحدد مقدار الفداء. أما مسألة القدرة وعدم القدرة على الأداء فيحددها القاضي. وهذا هو مسلك المذاهب الأربعة في هذه المسألة.
ما حكم إمساك الزوجة ضرارًا ورفض الخلع وما الموقف القرآني من ذلك؟
إمساك الزوجة ضرارًا حرام وقد حذّر منه القرآن الكريم بقوله ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾. وقد كان النبي ﷺ حريصًا على ألا يُفتن الناس، فعندما جاءته المرأة قائلةً إنها تخشى الكفر بعد الإيمان أسرع في حل المشكلة وأمر الزوج بقبول رد الحديقة وتطليقها. وهناك جانب أخلاقي مهم يجب مراعاته في هذه المسائل.
ما التحذير القرآني في سورة البقرة من تجاوز حدود الله في أحكام الطلاق؟
حذّر القرآن الكريم في سورة البقرة تحذيرًا شديدًا من تجاوز حدود الله بقوله ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ﴾. وهذا التحذير يشمل إمساك الزوجة ضرارًا ورفض الخلع عند الحاجة إليه. وهناك جانب أخلاقي يجب الانتباه إليه لأن كثيرًا من المسلمين يتجاهلون هذه الحدود رغم وضوح النص القرآني.
ما شروط صحة عوض الخلع وكيف تدخل النية في تحديده؟
يُشترط في عوض الخلع أن يكون مُقوَّمًا أي له قيمة مالية يمكن البيع والشراء فيه، وأن يكون طاهرًا. فلا يصح أن يكون عوض الخلع خمرًا أو خنزيرًا أو ميتةً. وتدخل النية في تحديد العوض، فإذا نوى الزوج أن يعطيه شاةً ميتة فقد أفسدت هذه النية الخلع لأن الميتة غير مُقوَّمة وغير طاهرة.
ما حكم الخلع إذا نوى الزوج عوضًا غير مُقوَّم أو غير طاهر وهل يمكن تصحيحه؟
إذا نوى الزوج عوضًا غير مُقوَّم كالميتة أو غير طاهر كالخمر والخنزير بطل الخلع. ولا يمكن تصحيح هذا الخلع الباطل بل يجب استئناف الاتفاق من جديد. وهذا ينطبق حتى على الزوج المسلم المتزوج من غير مسلمة إذا نوت هي عوضًا يُعدّ مُقوَّمًا عندها كالخمر لكنه غير مُقوَّم في الشريعة الإسلامية.
ما فائدة الالتفات إلى النية في عوض الخلع وماذا يترتب على بطلانه؟
فائدة الالتفات إلى النية في عوض الخلع تظهر في تحديد صحة الخلع من بطلانه. فإذا تبيّن أن الزوج نوى عوضًا غير مُقوَّم كالميتة فالخلع باطل ولم يتم الاتفاق، ويجب إجراء اتفاق جديد. ولا يمكن تصحيح الخلع الباطل بل لا بد من استئنافه من البداية بعوض صحيح مُقوَّم طاهر.
هل الخلع طلاق بائن بالاتفاق وما الفرق بين البينونة الصغرى والكبرى فيه؟
الخلع طلاق بائن بالاتفاق، ولا يصح للزوج إمساكها بعده إلا بعقد جديد. والبينونة في الخلع قد تكون صغرى إذا كانت المرة الأولى أو الثانية، وقد تكون كبرى إذا كانت الطلقة الثالثة. والبينونة الكبرى تمنع المراجعة إلا بعد زواج المرأة من آخر ودخوله بها وطلاقه إياها وانقضاء عدتها.
ما حكم النكاح إذا نوى الزوج التأقيت ولم يصرح به وما الفرق بينه وبين نكاح المتعة؟
النكاح عقد مؤبد، فإذا صرّح الزوج بالتأقيت كأن قال «قبلت على أن أتزوجك أسبوعًا» بطل العقد لأنه نكاح متعة الذي أجازه الشيعة وحرّمه أهل السنة جميعًا. أما إذا نوى التأقيت في قلبه دون تصريح فهناك وجهان: وجه بالبطلان ووجه بالصحة مع الإثم، لأنه خالف مقتضى العقد المؤبد.
ما الفرق بين نية التأقيت المبطلة للنكاح ونية الطلاق المستقبلية غير المبطلة؟
الفرق جوهري: نية التأقيت تعني تحديد مدة للزواج كأسبوع أو شهر وهذا يُبطل العقد. أما نية الطلاق المستقبلية كأن يتزوج وفي نيته أنه سيطلقها إن لم تصلح فهذا لا يُبطل العقد لأن كل زواج يجوز فيه الطلاق. والفارق هو التحديد: المدة المحددة تُبطل، والنية المبهمة للطلاق المستقبلي لا تُبطل.
ما حكم زواج طلاب الأزهر أثناء إقامتهم في القاهرة مع نية العودة إلى بلدهم؟
زواج طلاب الأزهر أثناء إقامتهم في القاهرة مع نية العودة إلى بلدهم صحيح لأن مدة إقامتهم غير محددة، وكل زواج يجوز فيه الطلاق. الذي يُبطل العقد هو تحديد المدة كقوله «سأتزوجك لمدة أسبوع»، أما الزواج مع نية الطلاق عند العودة دون تحديد مدة فلا يُبطل العقد لأن هذا إظهار لنية مشروعة.
ما رأي السيوطي في نية التأقيت في النكاح هل يُبطل العقد أم يُوجب الإثم فقط؟
السيوطي يرى أن نية التأقيت في النكاح لا تصح لأنه لو صرّح بها لبطل العقد. وقد ذكر بعض الطلاب أن السيوطي في التحليل والتحريم يقول إن نية التأقيت في القلب دون تلفظ تجعل العقد صحيحًا ظاهرًا لكن الناوي يأثم بقلبه. وهذان وجهان: وجه بالبطلان ووجه بالصحة مع الإثم.
هل مخالفة مقتضى العقد بنية التأقيت تُبطل النكاح أم تُوجب الإثم فقط؟
في المسألة وجهان: الوجه الأول أن نية التأقيت تُبطل النكاح لأن العقد مؤبد فمخالفة مقتضاه تُفسده. والوجه الثاني أن العقد صحيح ظاهرًا لكن الناوي يأثم بهذه النية. وهذا يشبه حديث من نوى ألا يعطي زوجته مهرها فعُبّر عنه بأنه زانٍ، فهل هو إثم الزنا أم حقيقته؟ وهذا هو اختلاف الأنظار.
هل من نوى عدم إعطاء زوجته مهرها يُعدّ زانيًا حقيقةً أم يأثم إثم الزاني فقط؟
في المسألة وجهان: إذا كان المقصود حقيقة الزنا فيكون العقد باطلًا في حقه هو لأنه بالنسبة لها ليس زنًا فهي مظلومة. وإذا كان المقصود إثم الزنا فيختص به هو لأنه ينوي كلامًا غير مناسب. وكذلك نية الإضرار بالزوجة حرام لكنها لا تُبطل الزواج لأنها لا علاقة لها بصحة العقد.
ما الفرق بين التأقيت المبطل للنكاح والتعليق على المستحيل في الأيمان؟
التأقيت المبطل للنكاح هو تحديد مدة حقيقية للزواج كأسبوع أو شهر. أما التعليق على المستحيل في الأيمان كقوله «سأطلقك بعد ألف سنة» أو «إذا انطبقت السماء على الأرض» فهو لغو لأنه أحالها على مستحيل. وكذلك «أطلقك يومًا من الأيام» ليس تأقيتًا بل تعليق على المستحيل، والتعليق على المستحيل كالعدم.
كيف تُستخدم الأداة للكشف عن النية في تمييز القتل العمد من الخطأ؟
النية في القصاص تُكشف بواسطة الأداة المستخدمة: فالضرب بالمسدس يدل على نية القتل لأنه قاتل غالبًا، بينما الضرب بحجر صغير يدل على عدم نية القتل. لكن إذا اعترف الجاني بأنه قصد القتل حتى بأداة لا تقتل غالبًا حُكم بأنه عمد. فالأداة وسيلة لاستنباط النية عند عدم الاعتراف.
هل يُقتص من الساحر إذا اعترف بأنه سحر لأجل القتل وما حكم القتل بالدعاء والعين؟
إذا اعترف الساحر بأنه سحر لأجل القتل فمات المسحور فيُقتص منه. أما الدعاء فلا قصاص فيه كما نص الخطيب الشربيني في مغني المحتاج. وأما العين فمن يقتل بها يُحبس إلى أن يتوب لأن لديه طاقة شريرة يوجهها بهذه الطريقة. وهذه المسائل كلها تدور على النية والقصد في تحديد العقوبة.
كيف يُحكم بالقتل العمد عند عدم الاعتراف وما معيار ما يقتل غالبًا؟
عند عدم الاعتراف يُحكم بالقتل العمد أو الخطأ بحسب الأداة: فما يقتل غالبًا كالمسدس والسيف يدل على نية القتل فيُحكم بالعمد، وما لا يقتل غالبًا كالحجر الصغير يدل على عدم نية القتل فيُحكم بشبه العمد أو الخطأ. وكذلك في حالة الوكيل في القصاص تدخل النية في تحديد هل قتل عن الموكل أم بشهوة نفسه.
ما حكم من تعاطى مباحًا يعتقده حرامًا عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام؟
قال الشيخ عز الدين إن من تعاطى فعلًا مباحًا وهو يعتقد عدم حله يجري عليه حكم الفاسق لجرأته على الله. والسبب أن العدالة شُرطت لتحصل الثقة بصدقه وأداء الأمانة، وقد انخرمت هذه الثقة بجرأته على ارتكاب ما يعتقده كبيرة. وهذا الحكم يسري حتى لو تبيّن أن الفعل كان مباحًا في الواقع.
ما أحكام الولد من الأمة وكيف يتشوف الشرع إلى الحرية في هذه المسائل؟
إذا تزوج الرجل أمةً وأنجب منها فالولد عبد لسيدها. أما إذا كانت الأمة ملكه فالولد ولده وتُسمى هي أم ولد وتُعتق عند وفاته. وإذا اجتمع رجل بأمة ظانًا أنها زوجته الحرة فحملت منه فالولد حر لأن الشرع يتشوف إلى الحرية دائمًا عند التردد بين الحرية والعبودية.
لماذا يُحكم بحرية الولد عند الشبهة وما معنى تشوف الشرع إلى الحرية؟
يُحكم بحرية الولد عند الشبهة لأن الشرع الإسلامي يتشوف إلى الحرية دائمًا عند التردد بين الحرية والعبودية. فإذا اجتمع رجل بأمة ظانًا أنها زوجته الحرة فالولد يُنسب حرًا اعتبارًا بظن الأب وبمبدأ تشوف الشرع للحرية، حتى لو كانت الأمة ملك شخص آخر وكان الولد في الأصل عبدًا له.
ما حكم من شرب ماءً ظنه خمرًا أو جامع زوجته ظانًا أنها أجنبية؟
من شرب ماءً ظانًا أنه خمر فتبيّن أنه ماء فتجرؤه على الحرام حرام وإن لم تقع المعصية حقيقةً. ومن جامع امرأة يعتقد أنها أجنبية فإذا هي زوجته تقع عليه الحرمة قطعًا لجرأته على الزنا. وهذه الصور تُبيّن أن النية والقصد يُرتّبان الإثم حتى لو لم تقع المعصية في الواقع.
هل يُقام الحد على من وطئ أجنبية فتبيّن أنها زوجته وما القولان في المسألة؟
في المسألة قولان: القول الأرجح أنه لا حد عليه لأن الله ستره وجعل الأجنبية زوجته. ومقابل الأصح أن يُقام عليه الحد. والمسألة شديدة وليست هزلًا. وقد ذكر العلماء قصة بشار بن برد الضرير الذي كان يرتكب الفاحشة فذهبت زوجته إلى ذلك البيت وقدّمت نفسها له فعرفها بصوتها وقال «ما أحلاكِ في الحرام وأبغضكِ في الحلال» مما يدل على انعكاس فطرته.
ما العبرة من قصة بشار بن برد وما حكم من تجرأ على الحرام فتبيّن أنه حلال؟
العبرة من قصة بشار بن برد أن الإنسان لا بد أن يطلب العفاف، وأن انعكاس الفطرة يجعل الحرام محبوبًا والحلال مكروهًا. وحكم من تجرأ على الحرام فتبيّن أنه حلال أنه حرام قطعًا لجرأته، ولا عبرة بالظن البيّن خطؤه. وفي الحد قولان لكن الإثم ثابت قطعًا.
ما حكم من قتل شخصًا محكومًا عليه بالإعدام دون علمه بذلك وما معنى الافتيات على الإمام؟
من قتل شخصًا ظانًا أنه معصوم الدم فتبيّن أنه محكوم عليه بالإعدام فعله حرام لأنه افتيات على الإمام. الافتيات على الإمام يعني تجاوز صلاحيات ولي الأمر وتنفيذ الحكم بدون إذنه. والواجب كان القبض على المحكوم عليه وتسليمه للجهة التنفيذية لا قتله. ولا يُقتل القاتل في هذه الحالة لكنه ارتكب حرامًا.
ما حكم من قتل قاتل أبيه دون علم بذلك وما حكم من أتلف مالًا ظنه لغيره فتبيّن أنه ملكه؟
من قتل شخصًا ظانًا أنه معصوم الدم فتبيّن أنه قاتل أبيه وهو وليّ الدم فقد تعدّى لأنه لم يكن يعلم بذلك ولم يأخذ إذن القضاء. ومن أتلف مالًا ظنه لغيره فتبيّن أنه ملكه فقد تصرف في ملكه دون علم وهذا عدوان في نيته. وهذه الصور تُبيّن أن النية والقصد يُرتّبان الإثم حتى لو انكشف الأمر على خلاف ما ظن.
ما الحكم إذا تصرف شخص في مال ظنه لغيره فتبيّن أنه ورثه وما قول الشيخ عز الدين؟
إذا تصرف شخص في مال ظنه لغيره فتبيّن أنه ورثه من أبيه الذي توفي قبل تصرفه فهو قد تصرف في ملكه دون علم. وهذه الصور كلها تجري عليها أحكام الله. وقال الشيخ عز الدين إن من تعاطى مباحًا يعتقده حرامًا يجري عليه حكم الفاسق لجرأته على الله لأن العدالة شُرطت لتحصل الثقة وقد انخرمت.
هل تُوجب الجرأة على المعصية الفسق وإن لم تقع المعصية وما أثر ذلك في الآخرة؟
نعم، الجرأة على ما يُعتقد حرامًا توجب الفسق وإن لم تقع المعصية حقيقةً، لأن الثقة قد انخرمت بهذه الجرأة. أما في الآخرة فلا يُعذب تعذيب الزاني ولا القاتل ولا آكل المال الحرام لأن عذاب الآخرة مرتب على ترتب المفاسد في الغالب. وفي ذلك ستر من الله وكرم، إذ جعله الله لا زانيًا ولا قاتلًا ولا سارقًا.
كيف يُخفف الله العقوبة لمن ستره وما معنى وطء الشبهة في الفقه الإسلامي؟
من ستره الله بأن جعل الأجنبية زوجته أو الخمر ماءً فعقابه في الآخرة أخف لأن الله أراد حمايته. وهذا كرم من الله يُشير إلى أن الشخص مخطئ وعليه إثم لكن الله أكرمه بمنعه من المعصية. أما وطء الشبهة فهو وطء من يظنها زوجته الحرة فتبيّن أنها أجنبية، ولا يترتب عليه شيء من عقوبات الزاني اعتبارًا بنيته ومقصده.
كيف يثبت النسب في وطء الشبهة وما مثال العقد الباطل الذي لم يعلم به الزوجان؟
وطء الشبهة يثبت النسب لأن الزوج كان يظنها زوجته. ومثال ذلك من تزوج بعقد باطل لسبب من أسباب البطلان دون علمه وعاش معها خمسة عشر سنة وأنجب أطفالًا، فعندما يتبيّن بطلان العقد لا يُقال إن ما حدث زنا لأنه وطء شبهة، ووطء الشبهة يثبت النسب فيُنسب الأطفال لأبيهم.
ما حكم الطلاق الذي يقع قبل الدخول وهل يحتاج إلى عقد جديد للمراجعة؟
الطلاق الواقع قبل الدخول يكون بائنًا فورًا ويُنهي العقد، ولا يجوز للزوجين الاستمرار معًا إلا بعقد جديد. فإذا طلّق الرجل زوجته قبل الدخول ثم استمرا معًا ظانَّين أن ما حدث لا اعتبار له في الشرع فقد وقعا في وطء الشبهة. وهذا يحدث بسبب الجهل بأحكام الشريعة.
ما الحكم إذا طلّق الرجل زوجته قبل الدخول ثم عاش معها سنوات دون عقد جديد؟
إذا طلّق الرجل زوجته قبل الدخول وقع الطلاق بائنًا فورًا وانتهى العقد، ولا بد من إنشاء عقد جديد للمراجعة. فإذا لم يفعلوا ذلك وعاشا معًا خمسة عشر عامًا فما حدث وطء شبهة لا زنا لأنهم كانوا يظنون أن الطلاق لم يقع. والطلاقات اللاحقة التي أوقعها الزوج لا تقع لأنها وقعت على غير زوجة.
كيف يُحل حكم من طلّق زوجته اثنتي عشرة مرة بسبب عقد باطل لم يعلم به؟
من طلّق زوجته اثنتي عشرة مرة بعد طلاق قبل الدخول لم يُعقد عليه من جديد فإن طلاقه الأول هو الوحيد الذي وقع، وما بعده من طلاقات لم تقع لأنها وقعت على غير زوجة. وما حدث بينهما طوال هذه السنوات وطء شبهة يثبت النسب. والحل هو إجراء عقد جديد الآن والاعتداد بطلقة واحدة فقط.
ما أثر الجهل بأحكام الشريعة على صحة الزواج وكيف يُحل بتجديد العقد؟
الجهل بأحكام الشريعة يُوقع المسلمين في مخالفات شرعية دون أن يشعروا، كمن عاش مع زوجته عشرين سنة في نكد دائم فتبيّن أنه طلّقها قبل الدخول ولم يُعقد عليه من جديد. والحل هو تجديد عقد الزواج الشرعي، وقد حدث أن حياة زوجين استقامت تمامًا بعد تجديد العقد مما يدل على أن الجهل كان سبب المشكلة.
ما واجب المسلمين في تعلم أحكام الشريعة وما خطر الجهل على حياتهم؟
يجب على المسلمين تعلم أحكام الشريعة وتعليمها للناس لأن الجهل العميق يجعلهم مخالفين للشريعة دون أن يشعروا أو يعرفوا. وقد رأينا كيف أن الجهل بأحكام الطلاق والنكاح أوقع أناسًا في مشكلات شرعية خطيرة استمرت سنوات طويلة. ونشر العلم الشرعي واجب على العلماء تعليمًا وإفتاءً وتصنيفًا.
ما الراجح عند الشافعية في الخلع هل هو طلاق أم فسخ وما الفرق بينهما؟
الراجح عند الشافعية أن الخلع طلاق لا فسخ. والفرق بينهما أن الطلاق من حق الرجل وضعه الله في يده، بينما الخلع جاء استثناءً ليضع بيد المرأة أيضًا حق الانفصال. وكلاهما يشتركان في الانفصال لكن الطلاق يُحسب من الطلقات الثلاث والفسخ لا يُحسب منها.
ما فائدة اعتبار الخلع فسخًا لا طلاقًا وكيف يُستخدم لتنظيف العقد من الأيمان المعلقة؟
فائدة اعتبار الخلع فسخًا أنه لا يُحسب من الطلقات الثلاث، مما يُتيح للزوجين العودة ببعضهما بعقد جديد خالٍ من أي شروط أو أيمان معلقة. وقد كان الشيخ النجدي شيخ الشافعية يُفتي من علّق طلاقه على شرط بأن يجعله خلعًا على سبيل الفسخ ثم يُعيد زوجته بعقد جديد نظيف، وهذا ما يُسمى تنظيف العقد مما علق به من الأيمان.
كيف يتم الفسخ بين الزوجين وما الأسباب الشرعية والوضعية التي تُجيزه؟
الفسخ يتم بالحال لا بالمقال في بعض صوره كاكتشاف المحرمية من الرضاعة. ولا يصح أن يقول الزوج «فسخت العقد» دون سبب لأن الفسخ لا بد له من سبب إما شرعي كاكتشاف المحرمية أو وضعي كالخلع. والفرق بين الفسخ والطلاق أن الطلاق يُحسب من الطلقات الثلاث والفسخ لا يُحسب منها.
ما الفرق العملي بين الطلاق والفسخ في العد من الطلقات الثلاث وكيف يُستفاد من فسخية الخلع؟
الطلاق يُعدّ من الطلقات الثلاث بينما الفسخ لا يُعدّ منها، وهذا هو الفارق العملي الجوهري. ويُستفاد من فسخية الخلع في تنظيف العقد من الأيمان المعلقة: فمن قال لزوجته «إذا ذهبتِ إلى أمكِ فأنتِ طالق» وهذه المرة الثالثة يُفتى بأن يجعله خلعًا على سبيل الفسخ ثم يُعيد زوجته بعقد جديد خالٍ من هذا الشرط، فيكون قد هرب من تعليق اليمين.
حديث «إنما الأعمال بالنيات» ثلث العلم عند الأئمة ويدخل في سبعين بابًا فقهيًا تحدد النية فيها صحة العبادات والعقود والعقوبات.
حديث إنما الأعمال بالنيات هو أصل قاعدة «الأمور بمقاصدها» وهو حديث صحيح أخرجه الأئمة الستة من حديث عمر بن الخطاب، وبدأ به البخاري صحيحه إشارةً إلى أن الدين مبني على النية. اتفق الشافعي وأحمد وابن مهدي وأبو داود والدارقطني على أنه ثلث العلم لأن النية أحد أقسام كسب العبد الثلاثة وأرجحها، إذ قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها.
تفسير حديث إنما الأعمال بالنيات يمتد إلى أكثر من سبعين بابًا فقهيًا: فالنية تُحدد صحة الطهارة والصلاة والصيام والحج، وتدخل في عقود البيع والهبة والوقف والخلع والنكاح، وتُفرق في القصاص بين العمد وشبهه والخطأ. وفوائد حديث إنما الأعمال بالنيات تظهر جليًا في مسائل وطء الشبهة الذي يثبت النسب، والخلع الذي يُعدّ طلاقًا في الراجح عند الشافعية ويمكن توظيفه فسخًا لتنظيف العقد من الأيمان المعلقة.
أبرز ما تستفيد منه
- حديث النية صحيح أخرجه الأئمة الستة وهو ثلث العلم عند جمهور الأئمة.
- النية تدخل في أكثر من سبعين بابًا فقهيًا من العبادات إلى العقود والجنايات.
- الخلع طلاق بائن في الراجح عند الشافعية ولا يجوز فيه الزيادة على المهر وفق الحديث.
- وطء الشبهة يثبت النسب ولا يترتب عليه حد الزنا اعتبارًا بالنية والمقصد.
- الجرأة على ما يُعتقد حرامًا توجب الفسق وإن لم تقع المعصية حقيقةً.
مقدمة الدرس وافتتاح كتاب الأشباه والنظائر للإمام السيوطي
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب [الأشباه والنظائر] للإمام السيوطي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ونفعنا اللهم بعلومه في الدارين، آمين. اقرأ.
[الشيخ مجدي عاشور]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. يقول المصنف رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين. القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها، فيها مباحث.
أصل قاعدة الأمور بمقاصدها وحديث إنما الأعمال بالنيات وتخريجه
[الشيخ مجدي عاشور]: المبحث الأول: الأصل في هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»
وهذا حديث صحيح مشهور أخرجه الأئمة الستة وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والعجب أن مالكًا لم يخرجه في الموطأ، فأخرجه ابن الأشعث في سننه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والدارقطني في غرائب مالك، وأبو نعيم في الحلية من حديث أبي سعيد الخدري، وابن عساكر في أماليه من حديث أنس، كلهم بلفظ واحد.
وعند البيهقي في سننه من حديث أنس:
«لا عمل لمن لا نية له»
شواهد حديث النية من مسند الشهاب ومعجم الطبراني والصحيح
[الشيخ مجدي عاشور]: وفي مسند الشهاب من حديثه:
«نية المؤمن خير من عمله»
وهو بهذا اللفظ في معجم الطبراني الكبير من حديث سهل بن سعد والنواس بن سمعان، وفي مسند الفردوس للديلمي من حديث أبي موسى.
وفي الصحيح من حديث سعد بن أبي وقاص:
قال النبي ﷺ: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجِرت فيها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك»
ومن حديث ابن عباس:
«ولكن جهاد ونية»
وفي مسند أحمد من حديث ابن مسعود:
«رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيّته»
أحاديث شاهدة في بعث الناس على نياتهم وفضل النية في الأعمال
[الشيخ مجدي عاشور]: وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة وجابر بن عبد الله:
«يُبعث الناس على نياتهم»
وفي السنن الأربعة من حديث عقبة بن عامر:
«إن الله يُدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة» وفيه: «وصانعه يحتسب في صنعته الأجر»
وعند النسائي من حديث أبي ذر:
«من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح، كُتب له ما نوى»
أحاديث في خطورة النية في النكاح والبيع والدين يوم القيامة
[الشيخ مجدي عاشور]: وفي معجم الطبراني من حديث صهيب:
«أيما رجل تزوج امرأة فنوى ألا يعطيها من صداقها شيئًا مات يوم يموت وهو زانٍ، وأيما رجل اشترى من رجل بيعًا فنوى ألا يعطيه من ثمنه شيئًا مات يوم يموت وهو خائن»
وفيه أيضًا من حديث أبي أمامة:
«من ادَّان دينًا وهو ينوي أن يؤديه أداه الله عنه يوم القيامة، ومن ادَّان دينًا وهو ينوي ألا يؤديه فمات، قال الله يوم القيامة: ظننت أني لا آخذ لعبدي بحقه، فيؤخذ من حسناته فتجعل في حسنات الآخر، فإن لم يكن له حسنات أُخذ من سيئات الآخر فجُعلت عليه»
منزلة حديث النية عند الإمام البخاري وبناء الدين على النية
[الشيخ]: هذا حديث صحيح روته الأئمة، وجعله الإمام البخاري رضي الله تعالى عنه في أول صحيحه فبدأ به الصحيح، وختم صحيحه بالذكر:
«كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»
وبذلك فقد بدأ بالنية وأنهى بالذكر، وهذا معناه أن النية قد بُني عليها الدين. ولذلك يقول السيوطي إنها في أكثر من سبعين بابًا من أبواب الفقه: في الطهارة والصلاة والصيام والحج وسائر العبادات والمعاملات، وفي الأنكحة وفي الطلاق وهكذا، وفي اليمين وفي النذر، كل ذلك يحتاج إلى النية.
حديث النية من أصول الإسلام عند العلماء والأربعون النووية
[الشيخ]: وعندما أشار بعضهم إلى أصول الإسلام فإنهم عدّوا هذا الحديث من أصول الإسلام، فيقال مثلًا: بُني الإسلام على ثلاثة أحاديث:
-
إنما الأعمال بالنيات.
-
ومن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
-
والحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات.
الثلاثة أحاديث هؤلاء كأن كل الإسلام يؤول إليهم، فعدّوا منها إنما الأعمال بالنيات.
والإمام النووي تتبع من ذكر ذلك أن الإسلام بُني على ثلاثة أو على أربعة أو على خمسة، وجمع كل ذلك في الأربعين. فالأربعون النووية قيل فيها إنها التي بُني عليها الإسلام.
حديث حفظ أربعين حديثاً وتميز الأربعين النووية عند الأئمة
[الشيخ]: وسبب ذلك أنه ورد حديث وإن كان في سنده مقال يقول:
«من حفظ على أمتي أربعين حديثًا بُعِثَ يوم القيامة مع الفقهاء» أو كذا إلى آخره.
فاهتم الناس بجمع الأربعين حفظًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتميزت الأربعون النووية بأنها هي التي بُني عليها الإسلام في كلام الإمام الشافعي والإمام البيهقي وغيرهم من الأئمة.
التعجب من عدم ذكر مالك للحديث في الموطأ وتعدد روايات الموطأ
[الشيخ]: هنا يتعجب [السيوطي] من أن مالكًا لم يذكره في الموطأ، ولكن مالك له موطآت كثيرة، وروى عنه الموطأ أربعون [راويًا]، ومن أعلاهم الإمام الشافعي. فالإمام الشافعي له رواية للموطأ لكنها لم تصل إلينا.
والرواية التي شاعت وذاعت هي رواية يحيى بن يحيى، هذه هي التي وصلت إلينا. ولكن هناك أيضًا وصلت إلينا موطآت وطُبعت وهي موجودة بين أيدي الناس، منها موطأ محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة.
كان الإمام مالك يزيد وينقص ويقدم ويؤخر على مدى أربعين سنة حتى وصل هذا الكتاب إلينا، ولم تصل إلينا أيضًا روايات كثيرة من الروايات التي رواها الأكابر عن الإمام. فعدم وجوده فيها أي في الروايات التي وصلت إليه [السيوطي].
تصحيح نطق أسماء الرواة أبو نُعيم وابن ماجه
[الشيخ]: هذا ما نقوله في الروايات التي وصلت، إنا لله وإنا إليه راجعون، لا بأس علينا، فلنوسع صدورنا قليلًا. فإذن، تعجب الإمام [السيوطي] فإنما هو لما وصل إليه من الروايات.
قال: وأبو نعيم، وهكذا تنطق: أبو نُعيم في الحلية، أي حلية الأولياء، وحلية الأولياء أيضًا مطبوعة. فلا تقل أبو نعيم بل قل أبو نُعيم.
وممن ذُكر يقول: وابن ماجه، ويخطئ من يذكرها بالتاء، فهي ابن ماجه وهكذا هي بالهاء وليست بالتاء، وليس هناك وجه لمن يقول ابن ماجة، فهي ليست ماجة إنما هي ابن ماجه هكذا.
منهج دراسة القاعدة الفقهية من الدليل إلى التخريج والاستثناء
[الشيخ]: وهنا أورد [السيوطي] عدة روايات أو أحاديث تعد شاهدًا لهذا الحديث. إذن فالقاعدة تُحفظ نصُّها: الأمور بمقاصدها، ثم تذكر دليلها، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»
ثم تبين الفروع التي بُنيت عليها، ثم تبين الفروع التي هي منها وخرجت عنها، ثم تبين الفروع التي قد تشتبه أنها منها وليست منها.
فهذا نظام نذكره: نذكر القاعدة ثم الدليل ثم التخريج ثم الاستثناء ثم الاشتباه، بهذا الترتيب فتكون قد استوفيت المسألة. الأمور بمقاصدها لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، وعليه نبدأ فنقول: الفروع، تفضل.
تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم حديث النية وكونه ثلث العلم
[الشيخ مجدي عاشور]: المبحث الثاني: فيما يرجع إلى هذه القاعدة من أبواب الفقه. اعلم أنه قد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر حديث النية.
قال أبو عبيدة: ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة منه. واتفق الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وابن مهدي وابن المديني وأبو داود والدارقطني وغيرهم على أنه ثلث العلم، ومنهم من قال ربعه.
ووجّه البيهقي كونه ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها؛ لأنها قد تكون عبادة مستقلة، وغيرها يحتاج إليها. ومن ثَمّ ورد:
«نية المؤمن خير من عمله»
أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث عند الإمام أحمد وأبي داود
[الشيخ مجدي عاشور]: وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم أنه أحد القواعد الثلاث التي ترد إليها جميع الأحكام عنده، فإنه قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث:
-
حديث الأعمال بالنية.
-
وحديث من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.
-
وحديث الحلال بيّن والحرام بيّن.
وقال أبو داود: مدار السنة على أربعة أحاديث:
-
حديث الأعمال بالنيات.
-
وحديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
-
وحديث الحلال بيّن والحرام بيّن.
-
وحديث إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.
اختلاف الأئمة في عدد الأحاديث التي يدور عليها الفقه والإسلام
[الشيخ مجدي عاشور]: وفي لفظٍ عنه [أبي داود] يكفي الإنسان لدينه أربعة أحاديث فذكرها، وذكر بدل الأخير حديث:
«لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه»
وعنه أيضًا: الفقه يدور على خمسة أحاديث: الأعمال بالنيات، والحلال بيّن والحرام بيّن، ولا ضرر ولا ضرار، وما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم.
وقال الدارقطني: أصول الأحاديث أربعة: الأعمال بالنيات، ومن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، والحلال بيّن والحرام بيّن، وازهد في الدنيا يُحبك الله.
أقوال ابن مهدي وابن المديني والشافعي في أبواب حديث النية
[الشيخ مجدي عاشور]: وحكى الخفاف من أصحابنا في كتاب الخصال عن ابن مهدي وابن المديني أن مدار الأحاديث على أربعة:
-
الأعمال بالنيات.
-
ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث.
-
وبُني الإسلام على خمس.
-
والبينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وقال ابن مهدي أيضًا: حديث النيات يدخل في ثلاثين بابًا من العلم. وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابًا.
تفصيل أبواب الفقه التي تدخل فيها النية في ربع العبادات
[الشيخ مجدي عاشور]: قلت: وهذا ذكر ما يرجع إليه من الأبواب إجمالي ذلك ربع العبادات بكماله: كالوضوء والغسل فرضًا ونفلًا، ومسح الخف في مسألة الجُرموق إذا مسح الأعلى وهو ضعيف فينزل البلل إلى الأسفل، والتيمم، وإزالة النجاسة على رأي، وغسل الميت على رأي، والأواني في مسألة الضبة بقصد الزينة أو غيرها.
والصلاة بأنواعها: فرض عين وكفاية وراتبة وسنةً ونفلًا مطلقًا، والقصر والجمع والإمامة والاقتداء، وسجود التلاوة والشكر، وخطبة الجمعة على أحد الوجهين، والأذان على رأي.
تتمة أبواب الفقه التي تدخل فيها النية من الزكاة إلى نشر العلم
[الشيخ مجدي عاشور]: وأداء الزكاة واستعمال الحلي أو كنزه والتجارة والقنية والخلطة على رأي، وبيع المال الزكوي وصدقة التطوع، والصوم فرضًا ونفلًا والاعتكاف، والحج والعمرة كذلك، والطواف فرضًا وواجبًا وسنةً، والتحلل للمُحصَر والتمتع على رأي، ومجاوزة الميقات والسعي والوقوف على رأي.
والفداء والهدايا والضحايا فرضًا ونفلًا، والنذور والكفارات والجهاد والعتق والتدبير والكتابة والوصية والنكاح والوقف وسائر القرب، بمعنى توقف حصول الثواب على قصد التقرب بها إلى الله تعالى.
وكذلك نشر العلم تعليمًا وإفتاءً وتصنيفًا، والحكم بين الناس وإقامة الحدود، وكل ما يتعاطاه الحكام والولاة، وتحمل الشهادات وأداؤها.
شرح مسألة الجُرموق وحاجة مسح الخف إلى النية
[الشيخ]: إذن، هنا مسألة الجُرموق إذا مسح الأعلى وهو ضعيف، بمعنى أن الجُرموق ضعيف، وضعيف معناه أنك تلبسه في رجلك وتحته خُفّ وهو لا يمنع المياه من الوصول إلى الخُفّ، فينزل البلل إلى الأسفل.
أي أنني ألبس جُرموقًا وتحته خُفّ، والجُرموق يشبه الحذاء هكذا، والجُرموق مصنوع من مادة خفيفة بحيث لا تمنع من وصول الماء لما تحتها مثل الجورب، فهو لا يمنع من وصول الماء لما تحته، المياه تدخل وتتشرب وتلمس القدم. كذلك أيضًا ستنزل من الحذاء الخارجي وتلمس الخف.
اشتراط النية في مسح الخف عند نزول البلل من الجرموق
[الشيخ]: حسنًا، أنا الآن ارتديت الحذاء الخارجي لكن المياه دون قصد وصلت إلى الخف، فيكون الخف قد وصله ماء المسح. يا تُرى ينفع أم لا ينفع؟ قال: اشترطت النية.
قال: إن هذا النزول بدون نية؛ لأن المياه هي التي نزلت وحدها، فيجب أن تنوي مسح الخف. فإذا لم تنوِ مسح الخف، فلا ينفع؛ لأنها نزلت من تلقاء نفسها بدون نية.
فعندما تكون لابسًا جرموقًا - ولا يوجد أحد يرتدي الجرموق حاليًا - لكن المهم أنك تفكر في أنها تحتاج إلى النية، وهذه ليس فيها نية فلا تصلح، أو أنها لا تحتاج إلى النية فتصلح حسب ما يتوصل إليه عقلك واجتهادك واختيارك وما إلى ذلك.
تفصيل حكم نزول البلل من الجرموق الضعيف وهل يسري المسح
[الشيخ]: ففي مسألة الجرموق هنا نقول: إذا مسح الأعلى وهو ضعيف، من الضعيف؟ الجرموق ضعيف، أي لا يمنع من نزول الماء على الخُفّ. فينزل البلل إلى الأسفل بسبب ضعفه؛ لأنه ضعيف فالبلل ينثال منه وينزل إلى الأسفل.
ماذا يعني ينثال؟ يعني يتسرب، يعني يتشرب، يعني ينزل منه هكذا إلى الأسفل.
فإذا كان الأمر كذلك، فإن المسألة هنا تحتاج إلى نية: هل ننوي مسح الخف ونضع عقولنا ونيتنا في الخف حتى يكون هذا النزول نزولًا مع النية أم لا، بل يسري [المسح تلقائيًا]؟
توضيح اختلاف النسخ في ألفاظ المخطوطة ومسألة المباحات بقصد العبادة
[الشيخ مجدي عاشور]: هنا يا سيدي ومسح الخف مكتوب ومسه، وفي القديمة ومسه.
[الشيخ]: نعم هي هي، ومسح الخف بمعنى ومسح الخف، في مسألة هي بسيطة. ومسح الخف ما به الآن، يعني ماذا تريد أن تقول؟
[الشيخ مجدي عاشور]: أنا أقول هذا اختلاف النسخ أم فيه خطأ؟
[الشيخ]: لا أبدًا، هذا اختلاف نُسَخ. وكذلك فينزل وفنزل هي هي، فينزل وفنزل هي هي، فينزل وفنزل هذه لا تؤثر في المعنى.
[الشيخ مجدي عاشور]: فليُسَر ذلك إلى سائل المباحات إذا قُصِد بها التقوي على العبادة أو التوصل إليها، كالأكل والنوم واكتساب المال وغير ذلك.
النكاح والوطء بقصد إقامة السنة والإعفاف ودخول النية في العقود
[الشيخ]: وكذلك...
[الشيخ مجدي عاشور]: النكاح والوطء.
[الشيخ]: النكاح والوطء؛ لأننا بدأنا الجملة، نعم.
[الشيخ مجدي عاشور]: إذا قُصد به إقامة السنة أو الإعفاف أو تحصيل الولد الصالح وتكثير الأمة. ويندرج في ذلك ما لا يُحصى من المسائل.
ومما تدخل فيه [النية] من العقود ونحوها: كنايات البيع والهبة والوقف والقرض والضمان والإبراء والحوالة والإقالة والوكالة وتفويض القضاء والإقرار والإجارة والوصية والعتق والتدبير والكتابة والطلاق والخلع والرجعة والإيلاء والظهار والأيمان والقذف والأمان.
شرح دخول النية في البيع والهبة والوقف والقرض والضمان والإبراء
[الشيخ]: كل ذلك يحتاج إلى النية. في البيع المعروف، البيع هو التبادل. وفي الهبة، أعطيك هدية، هل أنا ناوٍ إعطاءها لك أم ناوٍ أنك توصلها لأحد؟ فهي تحتاج إلى نية.
والوقف: أوقفت ذلك، إذن لابد من نية للجهة التي يستفيد منها الناس في هذا الوقت.
والقرض: أعطيتك شيئًا على سبيل العارية ولا على سبيل القرض.
والضمان: كفالة.
والإبراء: أبرأتك وأسقطت عنك ما في ذمتك على سبيل التنازل، ولا على غير ذلك من خصم من الزكاة مثلًا، وهو لا يجوز عند الشافعية، ولا يجوز عند ابن سيرين.
شرح الإبراء وخصمه من الزكاة والحوالة والإقالة والوكالة
[الشيخ]: الإبراء: أبرأتك ذمتك وبعد ذلك ذهبت لخصمها من الزكاة لأنك متعسر، أيجوز هذا؟ الشافعي يقول لا يجوز، لكن في الفقه الإسلامي هناك من أجازه.
والحوالة: تحوّل الدين من شخص إلى شخص آخر.
والإقالة: أن أرد لك البضاعة التي اشتريتها منك، وأنت أقلتني، هكذا:
«أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»
والوكالة: أن أوكلك في أمر معين بالضبط، ولها وكالة عامة أو وكالة خاصة.
وتفويض القضاء والإقرار؛ لأن بعضهم يقولون إن الوكالة العامة غير جائزة، وبعضهم يقولون لا يجوز الإقرار أمام القاضي بأن في ذمتي ألف، فماذا نويت؟ إذن: ألف جنيه أم ألف دولار؟ ما هي نيتك عندما كنت تقول ألف؟ هل انتهى الكلام أم لا يزال؟ ألف إلا تسعمائة.
شرح التدبير والكتابة والطلاق بالنية مع اللفظ والإيلاء والظهار
[الشيخ]: والإجارة والوصية والعتق والتدبير، والتدبير هو أن أقول للعبد الذي أملكه: عندما أموت أنت حرٌ، لكن تخدمني لأنني محتاج للخدمة، وجزاءً لخدمتك الطيبة هذه أول ما أموت ستكون أنت لست في التركة، بل ستصبح حرًا.
والكتابة: تقول للعبد أنني سأتنازل عن وقتك، تذهب لتعمل وتحضر المال وتسدد ثمنك.
والطلاق يكون بالنية مع اللفظ، إن كان كناية فهل نوى به الطلاق أم لم ينوِ به الطلاق.
والخُلع والرجعة والإيلاء والظهار: الإيلاء هو الحلف بأنه لا يقرب زوجته، فهذا يكفره أربعة أشهر، وبعدها إما أن يطلق أو يعود إليها ويكفر عن يمينه. والقذف والأمان إلى آخره.
دخول النية في غير الكنايات كقصد لفظ الصريح ونية المعقود عليه والقصاص
[الشيخ مجدي عاشور]: ويدخل أيضًا فيها غير الكنايات في مسائل شتى، كقصد لفظ الصريح لمعناه، ونية المعقود عليه في المبيع والثمن وعِوَض الخَلع والمنكوحة.
ويدخل في بيع المال الربوي ونحوه، وفي النكاح إذا نوى ما لو صرَّح به بطل.
وفي القصاص في مسائل كثيرة، منها تمييز العمد وشبهه من الخطأ، ومنها إذا قتل الوكيل في القصاص: إن قصد قتله عن الموكل أو قتله بشهوة نفسه.
وفي الردة، وفي السرقة فيما إذا أخذ آلات الملاهي بقصد كسرها وإشهارها أو بقصد سرقتها، وفيما إذا أخذ الدائن مال المدين بقصد الاستيفاء أو السرقة، فلا يُقطع في الأول ويُقطع في الثاني.
دخول النية في أداء الدين واللقطة ومن أسلم على أكثر من أربع نسوة
[الشيخ مجدي عاشور]: وفي أداء الدين فلو كان عليه دينان لرجل بأحدهما رهن فأدى أحدهما ونوى به دين الرهن انصرف إليه، والقول قوله في نيته.
وفي اللقطة بقصد الحفظ أو التمليك.
وفيما لو أسلم على أكثر من أربع فقال: فسخت نكاح هذه، فإن نوى به الطلاق كان تعيينًا لاختيار النكاح، وإن نوى الفراق أو أطلق حُمل على اختيار الفراق.
وفيما لو وطئ أمة بشبهة وهو يظنها زوجته الحرة فإن الولد ينعقد حرًا.
حكم من تعاطى فعل مباح وهو يعتقد عدم حله وقول الشيخ عز الدين
[الشيخ مجدي عاشور]: وفيما لو تعاطى فعل شيء مباح له وهو يعتقد عدم حِلّه: فمن وطئ امرأة يعتقد أنها أجنبية وأنه زانٍ بها فإذا هي حليلته، أو قتل من يعتقده معصومًا فتبين أنه يستحق دمه، أو أتلف مالًا يظنه لغيره فتبين أنه ملكه.
[الشيخ]: خلاص، فبان ملكه.
[الشيخ مجدي عاشور]: فبان ملكه.
شرح قصد اللفظ الصريح لمعناه في الطلاق ومثال الفقيه الذي يعلم زوجته
[الشيخ]: نعم، إذن ففي الكنايات، الكناية تحتاج إلى النية في كل ما ذكرنا من البيع والهبة والطلاق والوكالة إلى آخر ما ذكرناه.
وفي غير الكنايات كقصد لفظ الصريح لمعناه: رجل فقيه يعلّم زوجته فقال لها: إذا قال أحدهم لزوجته أنت طالق. الحاصل أنه نطق بقوله «أنت طالق» أمام وفي مواجهة زوجته، لكنه لا يقصد الطلاق، هو يقصد الحكاية. فرق كبير.
فجاءت المرأة وقالت: لا، أنت طلقتني، قلت لي أنت طالق. فرد عليها: نعم، أنا قلت أنت طالق من الكتاب. قالت: لا، فقالت له: لا، أنت قلت لي أنت طالق، إذن انتهى الأمر، هذا طلاق صريح.
لا، نقول له: ماذا؟ لم يقصد اللفظ الصريح لمعناه، هو يقصد الحكاية.
مسألة التمثيل بين الزوجين وحكم الطلاق فيه عند العلماء
[الشيخ]: وهنا ثارت مسألة عندما ظهر وانتشر التمثيل وجاء الرجل وزوجته يمثلان في الفيلم أو في المسرحية، وفي الفيلم داخل الفيلم كان هناك واقع طلاق سيقع بينهما، فقال لها في الفيلم: أنت طالق، على أساس أن هذا الممثل داخل الرواية يقول لزوجته التي هي زوجته في الخارج في الحقيقة: أنت طالق.
يقع الطلاق أم لا يقع الطلاق؟ فذهب الشيخ علي حسب الله في أصول الفقه إلى أنه لا يقع الطلاق؛ لأنه لم يقصد اللفظ الصريح لمعناه، استعمل ما معنا الآن [من القاعدة].
وذهب الشيخ عبد الحي الغماري إلى وقوع الطلاق وهو رأي غريب. ونقول: لا، هذا لا يقع به الطلاق.
حكم الطلاق عند الحكاية وبيان الفرق بين قصد الانفصال وقصد القصة
[الشيخ]: بغض النظر عن شخص يقول لي: وهل يحل له أن يقول لها أم حرام أم ليس لنا تدخل بذلك، نحن ننظر هل وقع الطلاق أم لم يقع الطلاق، هذا هو الأساس، وليس الأساس أن تبحث مسألة ثانية.
الأساس هل وقع الطلاق عند الحكاية: رجل قال لزوجته أن جارنا قال لزوجته أنت طالق، وهو يقول لها ذلك أومأ برأسه هكذا. فهل هو يطلقها هي أم يحكي قصة؟
وهنا نحتاج إلى أن نعرف هل قصد باللفظ الصريح لمعناه وهو الانفصال عن زوجته، أم قصد باللفظ الصريح القصة؟
تطبيق قاعدة النية على الطلاق بين الحكاية والانفصال الحقيقي
[الشيخ]: فإذا قال لي: بيني وبينك ويعلم ربنا أنني كنت أريد طلاقها، وعندما قلت لها أن جارنا قال لزوجته انتظرت قليلًا هكذا ثم قلت لها أنتِ طالق، وكنت عندما أقول لها أنتِ طالق لا أنوي الحكاية وإنما أنوي الانفصال، وقع الطلاق هكذا.
وقع الطلاق لأنه قصد اللفظ الصريح «أنت طالق» لمعناه وهو الانفصال عن زوجته.
لكن لو لم يقصد اللفظ الصريح لمعناه فيكون على سبيل الحكاية أو على سبيل التعليم وبيان الحكم.
الفرق بين الطلاق المنجز والسؤال عن المستقبل وافتقاد النية
[الشيخ]: على سبيل الاستقبال؛ لأن «أنت طالق» هذه منجزة. فلو قال مثلًا يعني: أنا لو قلت لكِ أنت طالق يقع الطلاق؟ هو قال لها ذلك ولكن في صورة السؤال هكذا.
هي فقيهة وهو ليس فقيهًا، فيسألها في دين الله: لو قلت لكِ أنت طالق يقع الطلاق؟ هذا سؤال يسأله عن المستقبل، ليس منجزًا وليس حالًا الآن «أنت طالق».
وإن جرى اللفظ الصريح على لسانه في مواجهة زوجته، لكنه افتقد إلى النية كقصد اللفظ الصريح لمعناه.
حسنًا، هذه مفهومة وقد فُهمت مع عدة أمثلة وغيرها، مفهوم؟
نية المعقود عليه في المبيع والثمن ومثال بيع السيارات
[الشيخ]: ونية المعقود عليه في المبيع والثمن، أي تدخل [النية] في غير الكنايات. المعقود عليه أننا نبيع معًا سيارة، بكم؟ مائتين وخمسين ألف جنيه. سيارة بمائتين وخمسين ألف جنيه، هذه سيارة ليست بمائة ألف جنيه، هذه غير هذه.
ما هي نيتي عندما قلت أنا بعت لك السيارة بمائة ألف أو بمائتين وخمسين ألف، أي سيارة؟ نأتي لنستلم إذن، أنا لدي توكيل سيارات، اتفقنا على كم؟ مائة ألفٌ.
فتقول لي: هات الآن المرسيدس. فأقول لك: أيُّ مرسيدس؟ هل المرسيدس بمائة ألف؟ المرسيدس أغلى. ونحن اتفقنا على مائتين وخمسين ألفًا، أقول لك: خُذ الفيات. فتقول لي: هل الفيات بمائتين وخمسين ألفًا؟
إذن لا بد أن يكون في النية في المعقود عليه.
أركان عقد البيع الثلاثة إجمالاً والستة تفصيلاً وأهمية النية فيها
[الشيخ]: عقد البيع ثلاثة أركان إجمالًا، ستة تفصيلًا:
-
العاقدان (البائع والمشتري)، هذا واحد: العاقدان.
-
المحل الذي هو المعقود عليه، الذي هو الثمن والمثمن. المثمن هذا الذي هو ماذا؟ المبيع، السيارة، والمائة ألف هذا الثمن والمثمن، سمِّه المحل.
-
الصيغة: القبول والإيجاب.
فيصبح عقد البيع كم ركنًا إجمالًا؟ (يرفع الشيخ ثلاث أصابع ليذكر الحاضرين) كم؟ ستة تفصيلًا.
ومن هنا يقع الكلام الآن، إذ لا بد أن ننوي أي سيارة وأي ثمن في مقابل هذه السيارة؟
عوض الخلع بين كونه طلاقاً أو فسخاً والفرق بينهما عند الشافعية
[الشيخ]: وعوض الخلع، الخلع يتم في مقابل مال. الخلع هل هو طلاق أم فسخ؟ هناك وجهان وقولان.
الراجح عندنا في المذهب الشافعي أنه طلاق. ما الفرق بينهما؟ لو كان طلاقًا يُحسب من الطلقات الثلاث، ولو كان فسخًا لا يُحسب من الطلقات الثلاث.
الفرق بين كلمة طلاق وكلمة فسخ: إذا كان فسخًا فلا نحسبه من الطلقات الثلاث. لقد طلق زوجته مرة ومرة ثانية، ثم خلعها أو خلعته، يجوز أن يرجعا إلى بعضهما عند من قال إنه فسخ؛ لأنه بذلك طلقها مرتين فقط، إذن هذا الانفصال الثالث هو فسخ وليس طلاقًا.
القانون المصري واختياره أن الخلع طلاق وفقاً لمذهب الشافعية
[الشيخ]: وهذا مقابل الرأي الأصح عند الشافعي، والقانون المصري عندما اختار أنه طلاق وفقًا لمذهب الشافعية، فإن كان طلاقًا فنكون هذه الطلقة الثالثة، بمعنى أنه لا يجوز له مراجعتها ولا أن يعودا معًا إلا إذا تزوجت زوجًا غيره ودخل بها ثم مات عنها أو طلقها وانقضت عدتها، حينئذٍ يمكنهما أن يتراجعا كما ينص القرآن.
عوض الخلع في الحديث النبوي ورد الحديقة دون زيادة
[الشيخ]: حسنًا، عوض الخُلع، المال الذي سيأخذه الزوج التي افتدت به نفسها منه. وفي الحديث:
«رد عليه الحديقة وطلقها تطليقة»
قالت: أرد الحديقة وأزيد يا رسول الله. قال: أما الزيادة فلا.
فأخذنا بنص الحديث، ولذلك ترد المرأة مهرها من صاحبنا هذا من غير زيادة؛ لأن الحديث يقول ماذا؟ أما الزيادة فلا.
عند الفقهاء قال: لا، إنه يأخذ ما يشاء وما يطلب. فما فائدة الخلع إذا أخذ ما يطلب؟ إذا أخذ ما يطلب فما فائدة الخلع؟ هذا يعني أنه لا يوجد خلع.
بطلان الخلع عملياً بالزيادة وموقف الحديث الواضح في العوض
[الشيخ]: وقد كان فعلًا وبناءً على هذا بطل الخلع ليس له فائدة، فهو يقول لها: أعطيني مليون جنيه، وهي أصلًا لا تجد ما تأكل، أعطيني مليونًا. فإن كل شخص يتحدث على هواه.
الحديث واضح:
«ردي عليه الحديقة وطلقها تطليقة»
واضح في أمرين:
-
أن الخلع طلاق.
-
وأن العوض يكون في مقابل ما دُفع لا يزيد.
فإذا اتفق الزوج على أقل من ذلك فبها ونعمت، أو طلقها من غير مقابل فهو أحسن؛ لأن هذا معناه كرم الأخلاق. فإذا كان متضررًا وأراد حقًا مستحقًا فلا يزيد عما دفع، وبهذا أخذ المصريون.
دليل المذاهب الأربعة في جواز الزيادة في عوض الخلع ومطلق القرآن
[الشيخ]: نعم، والله يا ابني، لا أعرف، لا أعرف، فتشنا الكتب ذهابًا وإيابًا هكذا، لا، لا، لا نعرف. إذا كان أحد عندكم لديه علم إضافي فليقله لنا، لا أعرف.
الشيخ أحمد هنا ربما لديه علم.
[الشيخ أحمد]: الخلع طلقة بائنة، وهناك خلاف في الأمة فيما يخص ذلك فلا يعد إجماعًا، فهناك خلاف فلا نستطيع القول بأنه إجماع، الموجود خلاف عند المذاهب.
[الشيخ]: أنا لا أفهم ماذا تقول.
[طالب]: هو يقول كيف يقول هكذا؟ أنا أقول له المسألة ليس إجماعيًا، أن هناك قولًا موجودًا في الفقه الإسلامي، وبالتالي لا نستطيع هنا...
[الشيخ]: ما هذا القول الذي في الفقه الإسلامي؟
[الطالب]: يقول أن الطلاق أو أن الخلع فسخ وليس طلاقًا.
[الشيخ]: هو لا يسأل عن ذلك، بل يسأل لماذا قيدناه بما قيده الحديث في العوض.
استدلال المذاهب الأربعة بمطلق القرآن في الزيادة وتضعيف الحديث
[الشيخ]: نحن لا نقول إن الخلع فسخ ولا طلاق، هو يسأل عن العوض؛ لأن المذاهب الأربعة أباحوا الزيادة، والمصريون أخذوا بنص الحديث في عدم الزيادة.
فهو يسأل عن دليل المذاهب الأربعة لجواز الزيادة، من أين جاءت؟ عندما يقول هذا وذاك يأخذ عوضًا، فهي جاءت من مطلق القرآن:
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]
فما هو قدر ما افتدت به؟ والقرآن سكت عن تحديد مقدار ما افتدت به، فأخذوا بمطلق القرآن.
المشكلة أن الحديث جاء فحدد وقال: أما الزيادة فلا. فليس لديهم إلا أن يضعفوا الحديث فيخرجوه عن الاستدلال، ثم يذهبون إلى مطلق القرآن ويسيرون عليه. ما لها إلا هكذا.
توضيح الإجابة الصحيحة عن سؤال العوض في الخلع وتصحيح الفهم
[الشيخ]: وهذه إجابة الشيخ عماد، إنما يسألك في العوض فتقول له في الفسخ، فماذا يكون هذا؟ هذا لا يصح.
فهمتُ يا شيخ عماد، ليس لهم حل إلا أن يُضعِفوا الرواية، فيُصبح معنا مطلق القرآن، ومطلق القرآن يقول: فيما افتدت به. لكنه «فيما افتدت به» محدد في السنة بأنه: أما الزيادة فلا.
عندما تُضعِف لي هذه الرواية، فسنأخذ بمطلق القرآن. أما القدرة وعدم القدرة فهذه إذن اختلفوا فيها، سيحددها القاضي، القدرة وعدم القدرة.
واقع الخلع وإمساك الزوجات ضراراً والتحذير القرآني الشديد
[الشيخ]: لكنه يقول: أنا أحبك وأريد أن أبقى معك، ومال الدنيا لا يكفيني أبدًا، وهو يؤذيها ليل نهار.
حسنًا، هذه هي الحالات التي عُرضت علينا، الحالات التي شاعت وذاعت، يؤذيها ليل نهار مع حلو الكلام. حسنًا، وماذا يحدث بعد ذلك؟ هكذا يحدث أن المرأة جاءت لسيدنا [النبي ﷺ] وقالت له: إني أكره الكفر في الإسلام بعد الإيمان، أي خلاص ستكفر هكذا.
وكما سمعنا اليوم عند سيدنا البخاري في قصة السيدة فاطمة أنه يخاف عليها أن تُفتن في دينها، فالنبي ﷺ كان حريصًا على ألا يُفتن الناس، وألا يجلس يسلط أبدانًا على أبدان ويفعل هذا، فذهب وأحضره بسرعة وقال له: طلقها وسترد إليك حديقتك وانتهِ من هذا الأمر.
﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]
التحذير من إمساك الزوجات ضراراً وحدود الله في سورة البقرة
[الشيخ]: فهناك أناس هكذا يمسكونها، ويقول: ما شأني؟ أنا أريد أن أمسكها هكذا. حسنًا، إذا كانت لا تريدك، ماذا ستفعل؟ لا شيء، فلتأكل الأرض وتلتهم التراب؟
هذا ما يحدث عند المسلمين، فهموا هكذا، بالرغم من أن ربنا قد حذرهم في سورة البقرة. اقرأ سورة البقرة ترتعب، إنه يقول لك:
﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 229]
يعني ترتعب، لم يخافوا. فهناك جانب أخلاقي يجب أن ننتبه إليه.
ضبط نطق كلمة عِوَض وشروط عوض الخلع أن يكون مقوماً طاهراً
[الشيخ]: وعوض الخلع، واسمه ماذا؟ عِوَض، ليس عَوَضًا. والشخص الذي اسمه هكذا هو بالكسر، شخص اسمه عِوَض، لا يوجد شيء اسمه عَوَض. عِوَض كما هو في القاموس، ولا الشيخ عِوَض الزبيدي مثلًا.
حسنًا، وعوض الخلع فإنك تُدخل النية في عوض الخلع، ويجب أن يكون عوض الخلع مُقَوَّمًا طاهرًا، له قيمة وطاهر.
فلا يصح أن يكون عوض الخلع خمرًا ولا خنزيرًا ولا ميتًا. على سبيل المثال إن قلت: لأني سأعطيك الشاة لحمًا عوضًا للخلع ونويت الشاة الميتة بالأمس أن أعطيها لك، لا يصح؛ لأن النية هنا قد أفسدت الخلع.
بطلان الخلع بنية العوض غير المقوم ووجوب استئناف الاتفاق
[الشيخ]: لابد أن تكون شاة مذبوحة حتى يمكن استغلالها بيعًا أو أكلًا، لكن أنت تعطيني ميتة لا قيمة لها، وسأضطر إلى رميها.
لذلك يجب في نية عوض الخلع أن يكون لمقوم طاهر، ومعنى مقوم أي له قيمة يمكن البيع والشراء فيه، وطاهر أي لا يكون غير طاهر.
وهذا يحدث لو كان رجل مسلم متزوجًا من مسيحية مثلًا، وعندهم الخمر أو الخنزير حلال، فهي نوت أن تعطيه هذا الشيء الذي هو غير مُقوَّم عندنا وكان مُقوَّمًا عندها. ولذلك أوردنا كلمة طاهر أيضًا عندنا.
فلا يصح إذا نوى هذه النية، يقع الخلع باطلًا.
فائدة الالتفات إلى النية في عوض الخلع وإعادة الاتفاق عند البطلان
[الشيخ]: إذا كان الخُلع وقع باطلًا بتلك النية، فهل يجوز تصحيحه أم لا بد من استئنافه؟ النية على الميتة هكذا، الخُلع لم يتم.
حسنًا، هكذا لم نتفق، وعلينا أن نعيد الاتفاق مرة أخرى. أم نصحح؟ قال: لا، بل تعيد الاتفاق مرة ثانية.
هنا تظهر فائدة الالتفات إلى النية: هل كنت تنوي أن تعطيني هذا؟ قال له: نعم، كنت أنوي أن أعطيك هذا الخنزير أو الميتة هذه في قبل كما قلنا بالأمس أعطيك لحمًا، هذا اللحم هو لحم خنزير أو لحم ميتة.
أقول له: نعم، انتهى الخلع. حسنًا، ماذا نفعل؟ نجري اتفاقًا جديدًا، اتفاق جديد.
الخلع طلاق بائن بالاتفاق ولا يصح إمساكها بعده إلا بعقد جديد
[الشيخ]: لا، هذا لم يُبرَم الاتفاق بعد. نعم، هذا هو الخلع، طلاق بائن باتفاق، وإلا فيجب أن يطلقها من هنا أو يتركها من هنا ويعيدها في اليوم التالي، فهذا لا يصح.
فهو طلاق بائن بالاتفاق، لكن البينونة قد تكون صغرى إذا كانت المرة الأولى أو الثانية، وقد تكون كبرى.
حكم النكاح إذا نوى التأقيت ولم يصرح به وبطلان نكاح المتعة
[الشيخ]: وفي النكاح إذا نوى ما لو صرح به لبطل، ماذا يحدث لو صرح به وبطل؟ قال: النكاح عقد على التأبيد، عقد مؤبد، فنوى التأقيت لمدة ولم ينوِ زواج المدة بل نوى المدة.
فلو صرّح به كأن قال: قبلت على أن أتزوجك أسبوعًا، هذا يكون نكاح متعة الذي أجازه الشيعة وحرّمه أهل السنة جميعًا. لا يجوز أن يتزوجها أسبوعًا.
لو نصّ هكذا قال: تقبلينني زوجًا؟ قالت: قبلت. فقال: نعم، ولكن لمدة أسبوع. قال هكذا في العقد، بطل العقد.
الفرق بين نية التأقيت المبطلة ونية الطلاق المستقبلية غير المبطلة
[الشيخ]: ماذا نوى؟ ما الذي نواه؟ نوى أنه سيطلقها في يوم من الأيام؟ لا، هكذا لا يبطل العقد. وهو يتزوجها نوى، قال: سأتزوجها وحسب، إذا لم تصلح أطلقها. هكذا لا يبطل العقد.
نص الشيخ الدردير من المالكية في الشرح الصغير على خليل في الطلاب الذين كانوا في الأزهر هنا يأتون من الآفاق فيتزوجون خلال مدة إقامتهم وهم لا يعرفون كم ستكون مدة إقامتهم.
انتبه للفرق بين الصورتين: فقد تكون عشر سنوات وقد تكون سبعًا وقد تكون اثنتي عشرة سنة حسب ما يدرسون ويُمتحنون وينجحون ويرسبون.
قصة طلاب الأزهر وزواجهم أثناء الإقامة والفرق بين نية المدة والتأقيت
[الشيخ]: وعندما يعودون إلى البلد تكون بنت عمهم في انتظارهم حسب العادات القديمة، فكانوا يتزوجون هنا في القاهرة وبعد ذلك يطلقها أو لا يطلقها.
مضت العشر سنوات، وبعد العشر سنوات استراح معها وأنجب منها ووجدها امرأة طيبة، فيذهب بها إلى البلد هي وأولاده. حدث هذا، أو لم ينجب منها وطلقها.
وهو يتزوج كانت عنده الفكرة هذه أنه يتزوج ما دام مقيمًا، هذا غير محدد هكذا. وإن كل زواج يجوز فيه الطلاق، كل زواج يجوز فيه الطلاق، فيكون هذا إظهاره لا يُبطل العقد.
الذي يُبطل العقد ماذا؟ المدة: سأتزوجك لمدة أسبوع.
رأي السيوطي في نية التأقيت وهل يبطل العقد أم يأثم فقط
[الشيخ]: فلو نواها [المدة]، الشيخ السيوطي هنا يقول أنه لا يصح؛ لأنه لو صرّح بذلك لبطل [العقد]. تفضل.
[الطالب]: يقول الإمام السيوطي في التحليل والتحريم بأنه لو نوى ذلك بقلبه لكانت هذه النية محرمة، لو قَطَعَ بها يصح العقد بالظاهر لأنه لم يتلفظ بها، وإذا هو نوى بقلبه يصح العقد ظاهرًا وهو يأثم بقلبه بهذه النية التي هي التأقيت في العقد.
[الشيخ]: إنما ما معنى «وفي النكاح إذا نوى ما لو صرح به بَطُلَ» الذي هو التأقيت؟ هو في التأقيت قال في قلبه هكذا: هذا لمدة أسبوع، فيكون حرامًا عليه. نعم، ماذا تقول؟
وجهان في نية التأقيت بين البطلان والحرمة مع الصحة ومخالفة مقتضى العقد
[الطالب]: رأيت العقد صحيح، لكنه يأثم بهذه النية إذا نوى التأقيت.
[الشيخ]: يأثم، هذا وجه. وهل يبطل؟ هذان وجهان: هذا في وجه بأنه يبطل، في وجه بالبطلان، وفي وجه بحرمة هذا الذي حدث مع الصحة. في وجه هكذا وفي وجه هكذا.
خالف مقتضى العقد، العقد مؤبد فخالف فيه. هل مخالفة مقتضى العقد هذا تشبه ماذا؟ تشبه الحديث الذي مرّ معنا الآن أنه نوى ألا يعطيها مهرها.
الحديث عبّر بأنه زانٍ، إثم الزاني أم حقيقة الزنا؟ يصح هكذا ويصح هكذا.
الفرق بين حقيقة الزنا وإثمه في نية عدم إعطاء المهر وأثره على العقد
[الشيخ]: لو كان حقيقة الزنا فيكون العقد باطلًا في حقه هو؛ لأنه بالنسبة لها هي ليس زنًا، فهي مظلومة. لكن لو كان إثم الزنا فيختص به هو؛ لأنه ينوي كلامًا غير مناسب.
فكلمة الزنا هذه على الحقيقة أم على الإثم؟ هذا هو اختلاف الأنظار.
وفي النكاح إذا نوى ما لو صرح به بطل كالتأقيت، كعدم إعطاء المهر مثلًا من غير رضاها، وهكذا كالإضرار بها. فهذا حرام، ولكن لا يُبطل الزواج، بمعنى أنه لو صرّح به وقال: لا، أنا سأضربك ضربًا كل يوم، فهذا لا علاقة له بصحة العقد، هذا قلة أدب فقط، لكن لا علاقة له بصحة العقد.
التأقيت يبطل العقد والتعليق على المستحيل كالعدم في الأيمان
[الشيخ]: أما هنا إذا صرّح به فإنه يبطل الذي هو التأقيت. لا يوجد شيء اسمه هكذا، هذا ليس تأقيتًا.
وهذا في الأيمان يظهر: سأطلقك بعد ألف سنة، لا يوجد شيء اسمه هكذا؛ لأن لا أحد عاش ألف سنة، هذا لغو.
سأطلقك إذا انطبقت السماء على الأرض، يقول: أحالها على مستحيل، أي كيف يعني يطلقها عندما لن تنطبق السماء [على الأرض].
أو أطلقك يومًا من الأيام، كل هذه الأشياء ليست تأقيتًا، بل هي تعليق على المستحيل، والتعليق على المستحيل كالعدم.
دخول النية في القصاص وتمييز العمد من الخطأ بالأداة والاعتراف
[الشيخ]: وفي القصاص في مسائل كثيرة، منها تمييز العمد وشبه العمد من الخطأ. هذا يحتاج إلى نية: ما هي نيتك؟ هل كانت نيتك أن تقتله؟
هذه النية نحن نبحث عنها بواسطة الأداة: عندما ضربه بالمسدس قلنا: لا، هذا يريد أن يقتله؛ لأن المسدس قاتل. لكن عندما ضربه بطوبة فهذا لا يريد أن يقتله، هذا يريد أن يصيبه، ولكن سبحان الله أصابت رأسه فقتلته.
إذن هناك فرق في الأداة، فالأداة أحاول أن أُظهر بها النية. لكنه جاء واعترف وقال: لا، أنا ضربته بالطوب لكي يموت، أنا كنت أقصد الموت، هذا الموت أنا فرحت به كثيرًا حين مات؛ لأن الله جعل هذه الطوبة تميته لأنني أردت ذلك. نعم، هكذا أحكم بأنه عمد، هذا عمد فعلًا.
حكم القتل بما لا يقتل غالباً والسحر والدعاء والعين في القصاص
[الشيخ]: ليس لي تدخل في القتل غالبًا أو عدم القتل غالبًا من غير اعترافه على الفور. هذا يقول لي أنني قصدت قتله وقتلته فيما لا يقتل غالبًا.
والأشد من ذلك السحر: قال أنني سحرت له لكي أميته فمات، فيُقتص منه به.
وفي الدعاء: قال أنني دعوت عليه وقلت يا رب خذه، فالإمام الشيخ الخطيب الشربيني نص عليها في مغني المحتاج وقال: لا، ليس فيها قصاص. الدعاء ليس فيه قصاص، إنما السحر والاعتراف به [فيه قصاص].
قال: وماذا عن العين؟ شخص يقتل بالعين. فقال: هذا يُحبس إلى أن يتوب؛ لأن لديه طاقة شريرة يوجهها بهذه الطريقة.
تمييز القتل العمد بالاعتراف أو بالأداة ما يقتل غالباً وما لا يقتل
[الشيخ]: ولكن هو اعترف وقال: نعم، أنا أمسكت هذه الحجرة وضربتها في رأسه لكي أقتله.
إنما متى نقول أنه عمل بمحدد أو عمل بعصا أو نحو ذلك؟ عندما يكون غير راضٍ أن يقولها، قائلًا: لا، أنا لن أتكلم. قلنا له: حسنًا، ما هي الأداة؟
- •
ما يقتل غالبًا فهذا يعني أنك كنت تنوي [القتل].
- •
لا يقتل غالبًا فهذا يعني أنك لم تكن تنوي [القتل].
وهكذا. ومن ذلك إذا قتل الوكيل في القِصاص: المقصود قتله عن الموكل أو قتله بشهوة نفسه، في كفالة تُسمى كفالة الأبدان، وهنا تدخل النية.
قول الشيخ عز الدين في حكم الفاسق الذي تعاطى المباح معتقداً حرمته
[الشيخ مجدي عاشور]: قال الشيخ عز الدين: يجري عليه حكم الفاسق لجرأته على الله؛ لأن العدالة إنما شُرطت لتحصل الثقة بصدقه وأداء الأمانة، وقد انخرمت الثقة بذلك لجرأته بارتكاب ما يعتقده كبيرة.
[الشيخ]: أي إنه هنا يتحدث عن هذه الصورة أنه اجتمع مع أَمَة، والأمة معناها المرأة المضروب عليها الرق.
أحكام الولد من الأمة بين الحرية والعبودية وتشوف الشرع للحرية
[الشيخ]: وحكمها أنني إذا تزوجتها وأنجبت منها طفلًا، فإن هذا الطفل يكون عبدًا مملوكًا لسيدها.
إذا كانت هذه الأمة ملكي أنا، فيكون الولد ولدي، وتسمى هي أم ولد، ولا تدخل في التركة، وتُعتق عند وفاتي، حررها ابنها ولدها.
إذا كانت ليست ملكي وأنا تزوجتها، فهي ملكك أنت وتزوجتها منك، فالولد ولدها عبدٌ لك أنت.
الصورة التي معنا أن رجلًا اجتمع مع أمة ظانًا أنها زوجته، ثم ظهر أنها ليست زوجته. ويحدث هذا عند الاشتباه، ويحدث عند الضرر، عندما يكون هناك شخص ضرير، فيحدث له هذا، هو ظنّ أن هذه زوجته حلال وكل شيء، فحملت من هذا الاجتماع وأنجبت ولدًا.
الشرع يتشوف إلى الحرية والولد ينعقد حراً عند الشبهة
[الشيخ]: هذا الولد حرٌّ؛ لأن الشرع دائمًا عندما يتردد الأمر بين الحرية والعبودية، يختار الحرية.
أنا ظننت أن هذه الأمَة ملكي وهذا ابني منها، إذن يصبح حرًا محررًا على الفور. ولكن هذه ليست الأمَة التي أملكها، هذه أمَةٌ [أخرى] خاصتك أنت، ولذلك ابنها يجب أن يكون عبدك.
فيكون هذا الولد إما أن يكون حرًا باعتبار ظني، أو يكون عبدك باعتبار الأمة التي تملكها. نسير وراء أي شيء؟ وراء الحرية، فالشرع يتشوف إلى الحرية دائمًا.
هكذا، وهو يظنها زوجته الحرة، فإن الولد يُنسب حرًا.
حكم من شرب ماء ظنه خمراً وجامع زوجته ظاناً أنها أجنبية
[الشيخ]: وفيما لو مارس فعل شيء مباح له وهو يعتقد عدم حله: وجود مياه أمامي، فقلت هذه خمرة جيدة جدًا، وتجرأ عليها فشربها، فتبين أنها مياه.
تجرؤه هذا عليها حرام، وهجومه عليها حرام. عندما شربها وجدها مياه، وهذا من لطف ربنا، فالله تعالى لطف به حين شربها فوجدها ماءً. أما الحرمة فجاءت من تجرؤه وتجرؤه على الحرام.
وأيضًا جامع امرأة يعتقد أنها أجنبية والعياذ بالله تعالى، نوى الزنا، فإذا هي زوجته وهو لا يدرك ذلك. هنا تقع عليه الحرمة قطعًا.
قولان في إقامة الحد على من وطئ أجنبية فبانت زوجته وقصة بشار بن برد
[الشيخ]: ويقول ابن الصلاح في فوائد رحلته: وفي الحد قولان. هل نرجمه أم ما الأمر؟ وإذا لم يكن محصنًا كأن لم يدخل بها مثلًا وهكذا، دخل بها، ماذا نفعل به؟ هل نرجمه أم نجلده أم ماذا نفعل؟ قال: وفي الحد قولان.
القول الأرجح أنه لا حد عليه، لقد سترها الله معه. ومقابل الأصح أن يُقام عليه الحد.
إذن، المسألة شديدة وليست هزلًا. فإذا هي زوجته، وكان مشايخنا يذكرون قصة مروية عن الشاعر بشار بن برد، وبشار كان ضريرًا، فذهب وعرفت زوجته أنه يرتكب الفاحشة، فذهبت إلى البيت الذي يرتكب فيه هذا وقالت: قدموني لبشار.
تتمة قصة بشار بن برد والعبرة في طلب العفاف وانعكاس الفطرة
[الشيخ]: فقدموها لبشار وقالوا له: هذه فتاة من عائلة محترمة ولا تتكلم حتى لا يظهر صوتها فيعرفها؛ لأنه ضرير يسمع بأذنه جيدًا.
وبعد ذلك تكلمت قائلة: يا بشار. فقال: ويحك! من أنتِ؟ قالت له: أنا زوجتك. قال: ما أحلاكِ في الحرام وأبغضكِ في الحلال، انعكست فطرته.
كانوا يضربونها مثلًا على أن الإنسان لا بد أن يطلب العفاف، فإذا طلبه وجده، وأن هذا الانعكاس في الفطرة هو الذي - والله عليم بخلقه - يعني أن بعض الناس يتعجب لماذا هذه الشهوات يكون فيها حدود قوية؛ لأنه يوجد انعكاس في الفطرة وفي قدرة على العفاف.
فالمهم مثل هذا هل يُحَدّ؟ قولان، لكنه حرام قطعًا أن يتجرأ على فعل الحرام حتى لو كان الأمر على خلاف ما ظن، فلا عبرة بالظن البيّن خطؤه.
حكم من قتل شخصاً ظنه معصوماً فبان مستحق الدم والافتيات على الإمام
[الشيخ]: أو قتل من يعتقده معصومًا: قتلتُ شخصًا تشهيًا وشهوةً، أغضبني وقتلته، فتبين أنه خط الصعيد [أي مطلوب للعدالة] الذي صدر عليه حُكِمَ بالإعدام ويبحثون عنه ليُعدِموه.
أنا ظننتُه معصومًا كأي شخص من الناس فقتلتُه عدوانًا، فيكون حرامًا. في هذه الحالة يسمي الفقهاء هذا الأمر الافتيات على الإمام، أي يسمونها الافتيات على الإمام.
كان يجب علينا القبض على هذا الرجل وتسليمه للجهة التنفيذية، والقاضي يُحضر الحكم الخاص به الذي وقّع عليه المفتي ويتلوه بهذه الطريقة، لكن لا تقتله أنت.
حسنًا، أنت قتلته وهو أصلًا محكوم عليه بالإعدام، لا تُقتل فيه، إنما أنت ارتكبت حرامًا. النية هنا، وأين المخالفة؟ الافتيات على الإمام، هذه هي المخالفة.
من قتل قاتل أبيه دون علم وحكم إتلاف مال يظنه لغيره فبان ملكه
[الشيخ]: أو قتل من يعتقده معصوم الدم، وتبين أنه غير معصوم الدم، بل هو مطلوب، فتبين أنه يستحق دمه.
اتضح أكثر من ذلك: اتضح أن خط الصعيد هذا الذي قتلته كان قد قتل أبي، أي أنني ولي الدم، وقد صدر عليه حكم بالإعدام وكانوا يبحثون عنه، لكنني لم أكن أعرف هذه المعلومات، لم أكن أعلم أنه قاتل أبي ولا أعرف أي شيء. فقالوا لي: لا، أنت هكذا تعديت.
أو أتلف مالًا يظنه لغيره فتبين أنه ملكه: وجدت مالًا تصرفت فيه، حقيبة نقود وتصرفت فيها. هل هذه النقود ملكك؟ قلت لك: لا، من أين تكون ملكي؟ هذه النقود وجدتها هنا هكذا وتصرفت فيها كما أردت، عدوان.
اكتشاف أن المال المتصرف فيه ملكه بالميراث وجريان أحكام الله على الصور
[الشيخ]: بالبحث في الحقيبة وجدت بطاقة أبي، ووجدت أنني تصرفت فيها الساعة الثانية عشرة وتوفي والدي الساعة الحادية عشرة وأنا وريثه الوحيد، فتكون هذه الحقيبة ملكي في أمانة الله.
وعندما صرفت النقود، كنت أظن أنني اغتصبتها أو أخذتها أو سرقتها أو ما شابه ذلك.
وهذه صور كلها تجري عليها أحكام الله.
قال الشيخ عز الدين: يجري عليه حكم الفاسق لجرأته على الله؛ لأن العدالة إنما شُرطت لتحصل الثقة بصدقه وأداء الأمانة، وقد انخرمت الثقة بذلك.
الجرأة على المعصية توجب الفسق وإن لم تقع المعصية حقيقة
[الشيخ]: ما قصة أن مياه تشربها إنها خمرة، وأن امرأة تطئها على أنها أجنبية، وأن مال تأخذه وتفعل هكذا، ماذا؟ هذا يعني أنك لا ثقة فيك.
إذا فعلت هذا لجرأته بارتكاب ما يعتقده كبيرة، نسيت ربنا فيصبح فسقًا.
قال: وأما مفاسد الآخرة فلا يُعذب تعذيب زانٍ ولا قاتل ولا آكل مالًا حرامًا؛ لأن عذاب الآخرة مرتب على ترتب المفاسد في الغالب، كما أن ثوابها مرتب على ترتب المصالح في الغالب.
يعني هذا فيه، مع الفسق والإثم، سِتْرٌ من الله. الله سترها معك فجعلك لست قاتلًا ولست زانيًا ولستُ سارقًا ولستُ شاربًا.
كرم الله في تخفيف العقوبة لمن ستره وعكس ذلك في وطء الشبهة
[الشيخ]: أيضًا فيها شيء من الكرم، ففي يوم القيامة سيكون العقاب أقل من الذي ارتكب أشياء مثل هذه؛ لأن الله أراد أن يحميك. يعني فيها إشارة أنك مخطئ وفيه إثم، لكن فيها إشارة من ناحية أخرى أن الله أكرمك بأنه منعك من المعصية أيضًا، هذه كرامةٌ.
وقد قال إن الظاهر أنه لا يُعذب تعذيبَ مَن ارتكب صغيرة لأجل جرأته وانتهاك الحُرمة، بل عذابًا متوسطًا بين الصغيرة والكبيرة مراعاةً للكرم.
وعلى عكس هذا، فإن مَن وطِئ أجنبيةً وهو يظنها حليلةً له لا يترتب عليه شيءٌ من العقوبات والمؤاخذات المترتبة على الزاني اعتبارًا بنيته ومقصده، وهذا ما يُسمونه وطء الشبهة.
وطء الشبهة يثبت النسب وقصة واقعية عن عقد باطل لم يعلم به الزوجان
[الشيخ]: ووطء الشبهة تُثبت النسب. وكثير من المسائل تأتينا بهذا الشكل: تزوَّجها في أمانة الله بعقد باطل لأي سبب من أسباب البطلان وهو لا يعلم، وعاش معها عِشرة خمسة عشر سنة، هو يظنها زوجته وهي تظنه زوجها، وأنجبوا واستقروا.
يذهبون هنا وهناك، ويأتي بها كزوجته، ويذهبون للزيارات، وهذا أمر عادي تمامًا. وبعد ذلك سألوا أو اتضح الحال فتبين أنها ليست زوجته؛ لأن العقد لم ينعقد.
العقد لم ينعقد، وجاؤوا وقالوا: حسنًا، وماذا نفعل بهؤلاء الأطفال؟ إن الزنا لا يثبت النسب، وما كنا نفعله كان زنا. قلنا له: لا، هذا وطء شبهة، ووطء الشبهة يثبت النسب.
قصة واقعية عن رجل طلق قبل الدخول ولم يعقد عقداً جديداً وعاش مع زوجته
[الشيخ]: لأخينا هذا الذي يُعتمد هو على الأمر يقول لك: ما هذا الكلام؟ وهذا يحدث هكذا؟ يقول هكذا في ذهنه: ماذا قال؟ قال أمر باطل. ما معنى باطل؟ اسمع ما حدث يا سيدي لأحكي لك حتى تطمئن ويطمئن قلبك.
رجل كتب الكتاب على البنت، كتبوا الكتاب وأعلنوا الزواج وأقاموا حفلًا، المأذون وكل شيء على ما يرام تمامًا. تم عقد القران قبل الدخول.
وبينما هما جالسان في حفل الزفاف، وضع يده على يدها، فسحبت يدها بسرعة وأطلقت زغرودة على وجهه قائلةً: لماذا تضع يدك عليّ؟ فقال لها: لقد أصبحت زوجك. فردت: لا زوجي ولا زوج حذاء!
وقوع الطلاق قبل الدخول بائناً ووجوب عقد جديد وقصة الاثنتي عشرة طلقة
[الشيخ]: ثم صفعته بقوة، تهور المسكين وطلقها قائلًا: أهكذا؟ ونحن ما زلنا في البداية هكذا؟ عجبًا! أنت طالق، وفعلها هكذا بشكل صريح ومريح.
كل شيء، خالها جالس وقال لها: يا ابنتي ليس هكذا، يا ابني ليس هكذا، أمر لا أعرف ماذا هكذا. الطلاق وقع والعقد انتهى، ولابد من إنشاء عقد جديد.
فلم يفعلوا ذلك وتصالحوا ودخل بها ظانين أن ما حدث لا اعتبار له في الشرع. شخص غضب وقال لزوجته: أنت طالق، ما المشكلة؟ وهو لأنه لم يدخل بها يتم الطلاق فورًا على البينونة، ويجب عليه أن يعقد عقدًا جديدًا.
لم يفعل ذلك وظلا معًا هكذا خمسة عشر عامًا.
حل مسألة الطلاق المتكرر بوطء الشبهة وإثبات النسب للأولاد
[الشيخ]: هذه هي الصورة، وقد جاءني وعنده أطفال في المرحلة الإعدادية، ويقول لي: الذي حدث كذا وكذا وكذا، فما حكم هذا إذن؟
وأحيانًا يصبح الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك. قال: أنا طلقتها اثنتي عشرة مرة. قلت له: كيف طلقتها اثنتي عشرة مرة؟ قال: لأنني طلقتها في الموقف الفلاني والموقف العلاني والموقف اثنتي عشرة مرة.
فقلت له: احكِ لي من البداية. فحكى لي هكذا. قلت له: هل تتصور أن الله أكرمك عندما طلقتها ولم تعقد عليها فهي ليست زوجة لك، وبقيت تطلق امرأة ليست زوجتك اثنتي عشرة مرة.
أنت طلقتها مرة واحدة فقط، تعال نُجري عقدًا جديدًا الآن، والذي حدث في كل هذا وَطء شبهة، والطلاق فيه الذي بلغ اثنتي عشرة مرة لم يقع. وهكذا أنت طلقت مرة واحدة فقط، فابدأ حياتك معها اليوم وهؤلاء أولادك؛ لأن وطء الشبهة يثبت النسب.
قصة واقعية عن زوجين في نكد دائم وحلهما بتجديد العقد الشرعي
[الشيخ]: كل هذا من الجهل، فنحن لدينا جهل والحمد لله بكميات كبيرة.
فحدث مرة أني كنت في لجنة الفتوى هنا وجاءني رجل يقول لي: أنا لا أعرف هل نحن معمول لنا عمل أم ماذا؟ نحن في نكد دائم منذ عشرين سنة، ومُخلِّفٌ من هذه السيدة ستة أولادٍ تقريبًا، يُطَلِّقُها كل يوم، كل يوم يُطلقها ومن غير سبب، فهناك شيء خطأ.
والغريب العجيب أن هذا الرجل جاء هو وزوجته وأبوها. نعم والله، قلت له: حسنًا، اجلس وحدثني من البداية تمامًا، متى خطبتها وماذا فعلت؟
المهم عرفت أنه طلقها قبل الدخول ولم يُعقد عليه. فقلت له: حسنًا، أين أبوها؟ قال: أبوها في الخارج. حسنًا، ما الذي أحضره معها؟ قال: لا نعرف. أدخلناه وفعلنا هكذا، وزوجناهما ثانيةً وقلت لهم فكرتنا هذه.
الغريب والأعجب أن حياتهما قد استقامت بعد هذا الحل.
وجوب تعلم أحكام الشريعة وخطورة الجهل بين المسلمين
[الشيخ]: هذا يا بني شيء ليس خيالًا بل واقع حدث. ينبغي أن تتعلموه وتعلّموه للناس؛ لأن حالة الجهل بين المسلمين تجعلهم يريدون [علم]، جهل عميق يجعلهم مساكين مخالفين للشريعة دون أن يشعروا ودون أن يعرفوا.
الخلع عند الشافعية طلاق في الراجح والفرق بين الطلاق والفسخ في الخلع
[الطالب]: كان يسأل عن الطلاق يعني، أو عمن جعل الخلع طلاقًا أو فسخًا. فالطلاق حضرة الشافعية يعتبرون الخلع طلاقًا.
[الشيخ]: في الراجح، أي في القولين عند الشافعية، الراجح أنه طلاق.
قال إنه ليس كهيئة الطلاق، فالطلاق من حق الرجل، وهذا مفروض على الرجل. الطلاق وضعه الله في يد الرجل، فهذا [الخلع] جاء استثناءً من أجل أن يضع بيد المرأة أيضًا، فجاء كأنه في المقابل في الضد.
بمَ اجتمعا؟ اجتمعا على الانفصال، يعني الطلاق فيه انفصال والفسخ فيه انفصال.
فائدة اعتبار الخلع فسخاً لا طلاقاً وتنظيف العقد من الأيمان المعلقة
[الشيخ]: إذن، فأنا أريد أن يكون انفصالًا ليس طلاقًا. ما هو الانفصال الذي ليس طلاقًا؟ إنه الفسخ. فاعتمد على أنه جاء على العكس أو في المقابل لقضية الطلاق التي وُضعت في يد الرجل.
«ردي عليه الحديقة وطلّقها تطلِيقة»
نعم.
[الطالب]: وطلّقها تطليقة، كيف يتم الفسخ؟ نعم، كيف يتم هذا الفسخ؟ ولا شيء، ينفصلوا هكذا.
[الشيخ]: الفسخ موجود في صور كثيرة: واحد تزوج أخته من الرضاعة، اكتشف أنها أخته، انتهى ويكون فسخًا. فأصل الفسخ يتم بالحال ليس بالمقال، يعني خلاص هؤلاء هذان الاثنان لم يعودا لبعضهما.
كيفية الفسخ بين الزوجين ولابد من سبب شرعي أو وضعي للفسخ
[الطالب]: نعم، في هذه الصورة أنا أتحدث عن اثنين ليس بينهما موانع شرعية، زوجين. بدلًا من أن نطلق سنفسخ. حسنًا، فهل هو سيقول لها: العقد الذي بيني وبينك فسخته؟
[الشيخ]: لا، فهذا انتهى. بمجرد أن يأخذ العوض ويقول: خلعتك، يكون الأمر قد انتهى. هذا هو، خلعتك مثل طلقتك مثل فصلتك، وهكذا.
[الطالب]: لكن لو قال لها: العقد الذي بيني وبينك فُسِخ، هذا يُعتبر فسخًا أم لا؟
[الشيخ]: لا يوجد شيء اسمه هكذا، لابد أن يكون للفسخ كله سبب، إما سبب شرعي وإما سبب وضعي.
[الطالب]: نعم، يعني بوجود السبب يتم الفسخ.
[الشيخ]: نعم.
الفرق بين الفسخ والطلاق في العد من الثلاث وفائدة فسخية الخلع
[الشيخ]: طيب، يبقى إذا أنا هنا الفسخ واضح جدًا أنه انفصال، حالة انفصال تام، لم يعد هذا لذاك.
ما الفرق بينهما؟ أن هذا [الطلاق] يُعَدُّ من الطلاق الثلاث وذاك [الفسخ] لا يُعَدُّ من الطلاق الثلاث.
ولذلك الشافعية - مولانا الشيخ النجدي، النجدي كان شيخ الشافعية، هذا شيخ شيوخنا - يأتي واحد ويقول: أنا قلت لزوجتي: إذا ذهبتِ إلى أمكِ فأنتِ طالق، وهذه المرة الثالثة، وأمّها مرضت وتحتاجها بجانبها لتخدمها، ماذا أفعل؟
فكان يقول له: اجعله خلعًا على سبيل الفسخ، واذهب وتروح ثم رجعها. فلما ترجع بعد الفسخ رجعت بعقد جديد غير محمل بأي شرط. فكان يعمل كده، يستغل فسخية الخلع للهروب من تعليق اليمين.
فإذن الفسخ ده ممكن يبقى له فوائد أخرى وهو تنظيف العقد مما علق به من الأيمان.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
من أخرج حديث «إنما الأعمال بالنيات» من الأئمة الستة؟
الأئمة الستة جميعًا
من الصحابي الذي رُوي عنه حديث «إنما الأعمال بالنيات» في الكتب الستة؟
عمر بن الخطاب
لماذا وضع الإمام البخاري حديث النية في أول صحيحه؟
لأن الدين مبني على النية
ما الذي وجّه به البيهقي كون حديث النية ثلث العلم؟
لأن كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه والنية أحد أقسامها الثلاثة
في كم بابًا من العلم قال الإمام الشافعي إن حديث النية يدخل؟
سبعين بابًا
ما الأحاديث الثلاثة التي قال الإمام أحمد إن أصول الإسلام تقوم عليها؟
النية ومن أحدث في أمرنا والحلال بيّن والحرام بيّن
ما الراجح في المذهب الشافعي في مسألة الخلع هل هو طلاق أم فسخ؟
طلاق لا فسخ
ما الذي يُبطل عقد النكاح من نية التأقيت؟
تحديد مدة للزواج كأسبوع أو شهر
ما حكم الخلع إذا نوى الزوج عوضًا غير مُقوَّم كالميتة؟
يبطل الخلع ويجب استئناف الاتفاق
ما حكم من وطئ أجنبية ظانًا أنها زوجته من حيث إثبات النسب؟
يثبت النسب لأنه وطء شبهة
ما الذي يُستخدم لاستنباط نية القتل عند عدم اعتراف الجاني؟
الأداة المستخدمة في القتل
ما الفائدة العملية من اعتبار الخلع فسخًا لا طلاقًا؟
تنظيف العقد من الأيمان المعلقة
ما نص حديث «إنما الأعمال بالنيات» كاملًا؟
«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهو حديث صحيح أخرجه الأئمة الستة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ما القاعدة الفقهية المستنبطة من حديث «إنما الأعمال بالنيات»؟
القاعدة الفقهية هي «الأمور بمقاصدها»، وهي أولى القواعد الخمس الكبرى في الفقه الإسلامي.
ما معنى قول العلماء إن حديث النية «ثلث العلم»؟
لأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، والنية أحد هذه الأقسام الثلاثة وأرجحها لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها.
ما الأحاديث الثلاثة التي قال بعض العلماء إن الإسلام مبني عليها؟
إنما الأعمال بالنيات، ومن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، والحلال بيّن والحرام بيّن.
لماذا تعجّب السيوطي من عدم ذكر مالك لحديث النية في الموطأ؟
لأن الحديث من أصول الإسلام وأشهر الأحاديث، والتعجب مبني على ما وصل إلى السيوطي من روايات الموطأ، إذ روى الموطأ أربعون راويًا ولم تصل جميع رواياتهم.
ما الفرق بين الطلاق والفسخ في الفقه الإسلامي؟
الطلاق يُحسب من الطلقات الثلاث بينما الفسخ لا يُحسب منها، مما يُغيّر أحكام المراجعة والعودة بين الزوجين.
ما شروط صحة عوض الخلع؟
يجب أن يكون عوض الخلع مُقوَّمًا أي له قيمة مالية، وطاهرًا، فلا يصح أن يكون خمرًا أو خنزيرًا أو ميتةً.
ما حكم الطلاق الواقع قبل الدخول؟
الطلاق قبل الدخول يكون بائنًا فورًا وينهي العقد، ولا يجوز للزوجين الاستمرار معًا إلا بعقد جديد.
ما معنى «وطء الشبهة» وما أثره على النسب؟
وطء الشبهة هو وطء من يظنها زوجته فتبيّن أنها أجنبية أو العكس، ولا يترتب عليه حد الزنا ويثبت به النسب اعتبارًا بالنية والمقصد.
ما حكم من تعاطى فعلًا مباحًا وهو يعتقد أنه حرام عند الشيخ عز الدين؟
يجري عليه حكم الفاسق لجرأته على الله، لأن العدالة شُرطت لتحصل الثقة وقد انخرمت بهذه الجرأة على ارتكاب ما يعتقده كبيرة.
ما الفرق بين نية التأقيت المبطلة للنكاح ونية الطلاق المستقبلي؟
نية التأقيت تعني تحديد مدة للزواج كأسبوع وهذا يُبطل العقد، أما نية الطلاق المستقبلي المبهمة فلا تُبطله لأن كل زواج يجوز فيه الطلاق.
كيف يُستنبط القتل العمد من الخطأ عند عدم اعتراف الجاني؟
بالأداة المستخدمة: ما يقتل غالبًا كالمسدس يدل على نية القتل فيُحكم بالعمد، وما لا يقتل غالبًا كالحجر الصغير يدل على عدم نية القتل.
ما دليل المذاهب الأربعة على جواز الزيادة في عوض الخلع؟
استدلوا بمطلق القرآن ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾ الذي لم يحدد مقدار الفداء، وضعّفوا الحديث المقيِّد «أما الزيادة فلا».
ما معنى «الافتيات على الإمام» في الفقه الإسلامي؟
هو تجاوز صلاحيات ولي الأمر وتنفيذ الحكم بدون إذنه، كمن قتل محكومًا عليه بالإعدام دون إذن السلطة التنفيذية.
ما سبب اهتمام العلماء بجمع الأربعين حديثًا وبم تميزت الأربعون النووية؟
سببه حديث «من حفظ على أمتي أربعين حديثًا بُعث مع الفقهاء»، وتميزت الأربعون النووية بأنها الأحاديث التي بُني عليها الإسلام في كلام الشافعي والبيهقي.
