خطبة الجمعة | من خصائص وشمائل رسول الله ﷺ | بتاريخ 6-5-2005| أ.د. علي جمعة - خطب الجمعة, سيدنا محمد

خطبة الجمعة | من خصائص وشمائل رسول الله ﷺ | بتاريخ 6-5-2005| أ.د. علي جمعة

23 دقيقة
  • الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.
  • شهر ربيع الأول أنارت الدنيا فيه بمولد النبي المصطفى، وبه بدأ ربيع البشرية وتشريع الإسلام.
  • أحبت الأكوان النبي محمداً، فسبح الحصى بين يديه، وحن إليه الجذع، وسجدت له الشجرة.
  • أظهرت الكائنات محبتها للنبي، حتى الكفار أحبوه، فأبو لهب يُخفَّف عنه العذاب يوم الاثنين لفرحته بمولده.
  • النبي رحمة للعالمين، بعثه الله رحمة مهداة، وقال: "الراحمون يرحمهم الرحمن".
  • علمنا الرسول منهج التفكير والسير في الحياة والدعوة إلى الله على بصيرة.
  • النجاة من الفتن تكون بالالتفاف حول سنة النبي وشريعته ومحبته، فحبه ركن الإيمان.
  • ينبغي الإكثار من الصلاة على النبي والدعاء بالتثبت على دينه واتباع منهجه.
  • التوسل إلى الله بنبيه للنصر والهداية والعافية والنجاة من الشرور والفتن.
محتويات الفيديو(5 أقسام)

افتتاح الخطبة بالحمد لله والصلاة على النبي والدعوة للتقوى

إن الحمد لله نحمده وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين. اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في الأخرين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في العالمين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار وأتباعه إلى يوم الدين. "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ" [آل عمران: ١٠٢]. "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" [النساء: ١]. "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا" [الأحزاب: ٧٠،٧١].

أهمية كتاب الله وسنة نبيه وسحر ربيع الأنور وذكر علامات الساعة

أما بعد، "فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهديّ هدي سيدنا محمد رسول الله، وإن شر الأمور محدثاتها، فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". هذه آخر جمعة في شهر ربيع الأنور الذي أنارت الدنيا فيه بمولد الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- هذه آخر جمعة في هذا الشهر الذي بدأ فيه ربيع البشرية، والذي بدأ فيه تشريع الإسلام، الذي هو آخر العهد بين الله وبين البشر. يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين" وأشار بإصبعيه الشريفين السبابة والوسطى، يدل بذلك على أن الأمر قريب ولكنه قريب عند الله وإن استطاله الناس إنكم ترونه بعيدًا، ولكن الله سبحانه وتعالى يراه قريبًا. ومن هنا نبهنا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه إنما بُعِثَ بين يدي الساعة وبشرنا بأن طائفة من أمته سيظلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، وبشرنا بأن الإسلام سيعود غريباً كما بدأ غريباً فطوبى للغرباء، وبشرنا فجعل أجر العامل منا كخمسين من صحابته الكرام، وبشرنا فقال سيأتي على الناس زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وبشرنا بالأجر العظيم، وبشرنا أن نتمسك بديننا إلى أن نلقى الله آمنين،

حب الكون للنبي محمد ومعجزاته الخالدة في الجماد والحيوان

فاللهم آمن عوراتنا وروعاتنا يوم القيامة يا أرحم الراحمين. عندما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرحت الأكوان به، كل الأكوان: الجماد والنبات والحيوان والإنسان. فيا فرحة من آمن بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ويا سروره! أظهرت الأكوان كلها حبها للنبي المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- في نشأته وفي وجوده. يقول المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- "إني لأعلم حجراً بمكة كان يسلم علي إبان مبعثي"، إنه يعلمه ويشاهده ويسمعه وهو يسلم عليه تثبيتاً لفؤاده الشريف وإكراماً لمقامه عند ربه وتدريجاً به -صلى الله عليه وسلم- للاتصال بعالم الغيب، والنبي صلى الله عليه وسلم أمسك حصى فسبح الحصى في يديه، وأصله في الصحيح. ولكن زاد أبو نعيم في الدلائل والبيهقي في الدلائل أيضاً أن الحصى لما سبّح بين يديه وسمعه أصحابه ناوله إلى أبي بكر فسبّح الحصى في يديه إكراماً للحبيب -صلى الله عليه وآله وسلم- وأرجعه إلى النبي. فناوله إلى عمر فسبّح الحصى بيديه صلى الله عليه وآله وسلم في يد عمر. وأرجعه إلى النبي فناوله إلى عثمان فسبَّح الحصى في يديْ عثمان، في يد عثمان بين يدي النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ثم توزع الحصى على الصحابة فلم يسبِّح. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم- كان واقفاً على أُحُد وهو يقول لنا: "أُحُدٌ جبلٌ يحبنا ونحبه"، [أخرجه البخاري ومسلم]. كان واقفًا عليه وهؤلاء الفتية الذين بشرهم بالجنة فارتعش أحد واهتز وارتج، حتى ضربه رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- بقدمه الشريفة فسكن. والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقف في خطبته للجمعة أمام صحابته على جذع، ثم جُعِل له منبر من عيدان (نوع من خشب)، فلما وقف النبي -صلى الله عليه وآله وسلم على منبره الشريف، والمنبر الذي في المدينة الآن مكان ذلك المنبر الشريف، حنَّ الجذع حنيناً سمعه مَن في المسجد، والنبي وصفه ربه بأنه: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" [الأنبياء: ١٠٧]، للجن والإنس والجماد والحيوان. والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هو الذي قال: "إنما بُعثت رحمةً مُهداة". والنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هو الذي قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". فنزل النبي -صلى الله عليه وسلم- بقدره الجليل واحتضن هذا الجذع حتى سكن، وهو يقول والصحابة تسمع: "افعل إن شاء الله، افعل إن شاء الله". وقال: "والله لو لم أحتضنه لبقي في حنينه إلى يوم القيامة". ودفن النبي صلى الله عليه وسلم الجذع، وسأله الناس: "تفعل ماذا يا رسول الله؟" قال: "سألني أن يكون رفيقي في الجنة، فقلت: أفعل إن شاء الله". أي أنه يدعو ربه سبحانه وتعالى، يدعو ملك الملوك أن يصاحبه هذا الجذع في الجنة. سبَّح الطعام بين يديه -صلى الله عليه وآله وسلم- وكثر ونمى، حتى أنه قد كفى الجمَّ الغفير. كثر الماء بين يديه وفار، وهو خير ماء على وجه الأرض، بل وفي الأكوان كلها. أفضل ماء ما قد نبع من بين يدي النبي المتبع -صلى الله عليه وآله وسلم- فسقى الجيش كله.

رحمة النبي الشاملة ودروس من أيام الله وأهمية القرآن الكريم

سجدت له الشجرةُ، سجودَ تحيةٍ وإجلالٍ كسجودِ الملائكةِ لآدم. اشتكتْ له الناقةُ ما يفعلُهُ صاحبُها بها. رسولُ اللهِ -صلى اللهُ عليه وآله وسلم- أحبتْهُ الأكوانُ، حتى الكفارُ أحبوه. لما جاءتْ ثويبةُ إلى أبي لهبٍ وبشرتْهُ بأنَّ محمداً قد وُلِدَ، أعتقَها. وأخرجَ البخاريُّ أنه يُخَفَّفُ عن أبي لهبٍ في النارِ كلَّ يوم الاثنين إكراماً لفرحته للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم. فإذا كان النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم قد بلغت رحمته للعالمين حتى الكفار، فما بالك بالمؤمنين عند فرحهم به وسرورهم وحبورهم بمقدمه الشريف. "وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ" [ابراهيم: ٥]، وأيام الله تكون نحساً على الكافرين، وعذاباً على المشركين، وهي في ذات الوقت وفي نفس الوقت نصرةً للمؤمنين، ولذلك فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما دخل المدينة ووجد أهلها من اليهود يصومون يوم عاشوراء وسأل: "ما هذا؟" قالوا: "هذا يوم نجّى الله فيه موسى"؛ أي وأهلك فرعون، "وَذَكِّرْهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِ" [ابراهيم: ٥]. فلما نجّى الله فيه موسى - بمعنى وأهلك فرعون - قال: "نحن أولى بموسى منهم"، فصامه وأمر بصيامه -صلى الله عليه وآله وسلم. والقرآن قد يأتينا بشيء عام يظل إلى يوم القيامة أمراً للمؤمنين وإرشاداً لهم وتوجيهاً لشأنهم، فإذا نفذناه في أي وقت كان فإنه يكون من الدين لأنه من كلام رب العالمين، إنما جعلناه إماماً لنا، وجعلناه هادياً لنا، وجعلناه مرشداً لنا. وسيظل شأنَ القرآنِ عظيمٌ إلى يومِ الدين، لا تنتهي عجائبُه ولا يَخلَقُ من كثرةِ الرد.

دعوة لحب النبي واتباع سنته ودعاء جامع للمسلمين

أيها المؤمنون، افرحوا برسولِ الله، أحبوا رسولَ الله، علِّموا أبناءكم حبَّ رسولِ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لا نجاةَ لنا من الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطنَ إلا برسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم. التفوا حول سنته وشريعته ومقامه الكريم بقلوبكم وعقولكم وسلوككم وحياتكم وأموالكم وأنفسكم، وبيعوها لله. أخرجوا الدنيا من قلوبكم ولتكن في أيديكم. أحبوا رسول الله فإن حبه ركن الإيمان. أحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأكثروا من الصلاة عليه بالليل والنهار. "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا" [الأحزاب: ٥٦]. ادعوا ربكم. "يا رب يا موفق الطائعين وفقنا لما تحبه وترضاه، آمين" [ابتهال المؤَذِن]. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأتباعه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله بلغ الرسالة، أدّى الأمانة ونصح للأمة، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، علّمنا منهج التفكير، علّمنا السير في الحياة، علّمنا كيف ندعو إلى الله على بصيرة لأننا من أتباعه. علّمنا كيف نسأل ربنا سبحانه وتعالى الحكمة، "وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا" [البقرة: ٢٦٩]. فاللهم حققنا بالنبي المصطفى والحبيب المجتبى -صلى الله عليه وآله وسلم- واطبع صورته وشأنه كله ومنهجه وسيرته وسنته في قلوبنا ونفوسنا وعقولنا وحياتنا حتى نصير ربانيين نتبع النبي المصطفى والحبيب المجتبى في كل شأنه وحركاته وسكناته، وحتى يملك علينا حياتنا، "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا" [النساء: ٦٥]. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار واهدنا إلى أقوم طريق لا يهدينا إليه إلا أنت. اللهم حرر أنفسنا من شهواتها. نعوذ بك من العجز والكسل، ونعوذ بك من الهم والحزن، ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، ونعوذ بك من الفقر والكفر، ونعوذ بك من كل ما استعاذك منه نبيك محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- اللهم يا ربنا إنا نعوذ بك من الخطأ والخطيئة ومن الذلل والذل اللهم بلغ بنا دينك واهدنا في من هديت وعافنا في من عافيت وتولنا في من توليت وبارك لنا فيما أعطيت واصرف عنا شر ما قضيت. افتح علينا من خزائن فضلك ما تثبت به الإيمان في قلوبنا حبب لنا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره لنا الكفر والفسوق والعصيان اجعلنا من الراشدين ومن المتقين ومع القوم الصادقين احشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبداً. أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب. اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً، اشفِ مرضانا وارحم موتانا واستجب لدعائنا يا أرحم الراحمين، نوِّر قلوبنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسِّر غيوبنا، اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا، اللهم ارزقنا رضاك وحبك وحب من أحبك اللهم كن لنا ولا تكن علينا وارحم ضعفنا واقبلنا على ما نحن عليه، وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك ومكنا في الأرض كما مكنت الذين من قبلنا. واهدنا واهد بنا ورد علينا قدسنا وارفع أيدي الأمم عنا. اللهم يا أرحم الراحمين حالنا لا يخفى عليك، وضعفنا ظاهر بين يديك، نلجأ إليك يا الله باسمك الأعظم أن تنصر الإسلام والمسلمين وأن توحد بين قلوب أمة محمد أجمعين -صلى الله عليه وآله وسلم- اللهم شفعه فينا في الآخرة وانصرنا به في الدنيا وأقمنا على الحق وأقم الحق بنا، اللهم صل وسلم على سيد الكائنات صخرة الكونين إنسان الحضرة الإلهية. اللهم يا ربنا اجعلنا من اتباعه في الدنيا واحينا مسلمين وامتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين صلِّ وسلم عليه كما يليق بمكانته عندك يا أرحم الراحمين، وانفعنا به في الدنيا والآخرة، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون