خطبة الجمعة | وظيفة المسجد في الإسلام | 08 - 04 - 2022 | أ.د علي جمعة - خطب الجمعة

خطبة الجمعة | وظيفة المسجد في الإسلام | 08 - 04 - 2022 | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • حمد الله والشهادة بوحدانيته والإقرار بنبوة محمد ﷺ الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة.
  • الحث على تقوى الله وقول القول السديد ونهج سبيل الهداية باتباع كتاب الله وسنة رسوله.
  • ورد في الحديث أن من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة، فهذا من الصدقة الجارية.
  • الصدقة الجارية ثوابها باقٍ حتى لو تلاشى أثرها بمرور الزمن، لأن الله كتب ثوابها في الجنة.
  • العمل في رمضان مضاعف بسبعين ضعفاً، وعلينا أن نسعى في طلب العلم دائماً لقوله تعالى: "وقل رب زدني علماً".
  • العلم ثلاث درجات: سطحي يرى الأشياء ظاهراً، وعميق يدرك حقائقها، ومستنير يدل على الله ويزيد التعلق به.
  • المساجد تبنى للعبادة والعلم والتكافل الاجتماعي وفعل الخير والذكر والاعتكاف، وتجميع القلوب على قلب واحد.
  • الدعاء إلى الله بالمغفرة والرحمة والرضا والهداية والنعيم في الدنيا والآخرة.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

خطبة الحاجة والثناء على الله تعالى والصلاة على النبي ﷺ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.

فاللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد في الأولين وفي الآخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأبرار، يا أرحم الراحمين.

آيات التقوى من سورة آل عمران والنساء والأحزاب

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]

أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي النبي ﷺ والتحذير من البدع

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن خير الهدي هدي سيدنا محمد رسول الله ﷺ، وإن شر الأمور محدثاتها؛ فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

فضل بناء المساجد لله تعالى ولو كان صغيرًا كمفحص قطاة

عباد الله، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة»

والقطاة عصفور صغير، والمفحص بيت ذلك العصفور. فمن بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة [أي: ولو كان صغيرًا بحجم عش العصفور] بنى الله له بيتًا في الجنة.

وفي هذا الحديث حثٌّ على فعل الخيرات، وأن الأجر العظيم يكون على العمل مهما كان حجمه.

الصدقة الجارية واستمرار ثوابها حتى بعد فناء الأوقاف في الدنيا

وإذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له.

وعندما يسأل الناس: إذا هلك ما صنعناه [من أوقاف ومبانٍ] صدقةً جارية، فهل يستمر الثواب؟

والإجابة: نعم. أخبرنا مشايخنا أن الأوقاف لا تزيد في غالبها في الاستمرار على مائتي سنة، وبعد ذلك تفنى أو تهلك أو تأتي عليها عوادي الزمان.

فأين الثواب؟ وكيف هي جارية على صاحبها إلى يوم القيامة؟

وتفسير ذلك أنك عندما تفعل الخير بصدقة جارية يبني الله لك بيتًا في الجنة، وهو دائم بعيد عن عوادي الزمان؛ ولذلك سيظل حتى لو هلك ما في الأرض، سيظل وسيظل الثواب [مستمرًا لا ينقطع].

فضل الزمان والمكان في رمضان ومحاضن العلم والجامعات

وفي هذا المكان المبارك يذكرني بالزمان والمكان؛ فنحن في رمضان، وقد ورد فيما أخرجه الطبراني أن العمل فيه بسبعين مثلٍ مما في سواه.

ونحن في محضن العلم في تلك الجامعة العريقة التي تعلّم الأولاد كيف يعمرون هذا الكون، يقول تعالى:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

والله سبحانه وتعالى في القرآن أعطانا برنامجًا وصفاتٍ ومناهج للعلم.

العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة وطلبه مستمر من المحبرة إلى المقبرة

فالعلم لا يعرف الكلمة الأخيرة:

﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]

سبحانه وتعالى، وذلك مصداقًا لقوله تعالى:

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

فكل يوم تسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدك علمًا، ومعنى هذا أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، وأنه مع المحبرة إلى المقبرة؛ لأنك لا يمكن أن تدرك أو أن تحيط بكلمات الله سبحانه وتعالى.

وكلما ازداد الإنسان علمًا كلما ازداد تواضعًا لله؛ لأنه يدرك في كل مستوى وفي كل درجة أن ما يجهله أعظم بكثير جدًا مما يعلمه؛ ولذلك فإن العلم يؤدي به إلى التواضع لله رب العالمين.

مراتب العلم الثلاث السطحي والعميق والمستنير الدال على الله

والعلم منه سطحي: ترى الأشياء من الخارج وتفهمها. لكن منه عميق: أن تدرك حقائقها التي لا يدركها الحس المعتاد. لكن منه درجة وهو العلم المستنير: أن يدلك هذا العلم على الله وأن يجعلك متعلقًا بالله.

السطحي والعميق والمستنير، يقول تعالى:

﴿قُلْ سِيرُوا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: 20]

تحصلون العلم السطحي، ﴿فَانظُرُوا﴾ تحصلون العلم العميق، ﴿كَيْفَ﴾ تحصلون العلم المستنير.

فأمرنا سبحانه وتعالى بالتعلم وبالتعليم، وأمرنا أن نقرأ مصادر العلم وأن لا نهمل فيها شيئًا:

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]

الجمع بين كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور عند الإمام الرازي

الإمام الرازي يجعل هذا الكون كتابًا لله منظورًا، ويجعل القرآن كتابًا لله مسطورًا. فلا بد أن تجمع بين الاثنين: بين كتاب الله المنظور [وهو الكون] بمناهجه، وبين كتاب الله المسطور [وهو القرآن الكريم] بقواعده؛ فتكون على هدى من ربك.

وظائف المساجد في العبادة والعلم والتكافل الاجتماعي وفعل الخير

عباد الله، إن المساجد تُصنع للعبادة وللعلم وللتكافل الاجتماعي ولفعل الخير وللذكر وللاعتكاف. تُبنى لتجميع الناس حتى تصبح القلوب على قلب إنسان واحد، فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

هذه المساجد لها وظائف، وهذه الوظائف يجب أن ترجع إلى حالها الأول الذي تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

ادعوا ربكم.

الخطبة الثانية والشهادة لله بالوحدانية ولمحمد ﷺ بالرسالة

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على سيدنا المصطفى وعلى آله وأصحابه الميامين.

عباد الله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده. وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه.

الدعاء بالمغفرة والرحمة والحشر تحت لواء النبي ﷺ يوم القيامة

اللهم يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا، نوّر قلوبنا واهدنا إلى صراطك المستقيم.

واجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا وتفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًا ولا محرومًا. كن لنا ولا تكن علينا، فارحم حيّنا وميتنا وحاضرنا وغائبنا.

واحشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا. ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب؛ فنحن في حاجة إلى رحمتك ولست في حاجة إلى مؤاخذتنا.

الدعاء بالرحمة والعفو والرضا والنظر إلى وجه الله الكريم وإقامة الصلاة

فارحمنا برحمتك، واعفُ عنا بعفوك، وارضَ عنا برضاك، واهدنا بهدايتك، ومتّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عفو يا غفار. ربنا أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين.

ربنا أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا النبي وعلى آله وصحبه وسلم. أقم الصلاة:

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]