هذا شهرٌ مُبارك | خطبة أ.د علي جمعة في مسجد آل منصور
- •الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الكريم، محمد الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة.
- •يوم الجمعة عيد في السماء وتجمع للمسلمين في الأرض، وبداية طيبة للتجديد الإيماني والعودة إلى الله.
- •شهر رمضان مبارك فرض الله صيامه وسن النبي قيامه، وفيه أنزل القرآن هدى للناس.
- •تضاعف فيه الأعمال حتى أن من أدى فريضة فيه كأنما أدى سبعين فريضة فيما سواه.
- •هو شهر انتصارات للمسلمين عبر الزمان، ففيه غزوة بدر وفتح مكة ونصر أكتوبر 1973م.
- •استقبله المصريون بحفاوة عظيمة وأحاطوه بمظاهر حضارية كالفانوس ومدفع الإفطار.
- •افتتاح المسجد الجديد في أول جمعة من رمضان فيه بركة، وسيكون بإذن الله بؤرة نور للعبادة والعلم وتحفيظ القرآن.
- •فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفيها كان جبريل يدارس النبي القرآن.
- •هو شهر نفحات إلهية يتعرض فيها المسلمون لرحمة الله ومغفرته وعطائه.
- •نسأل الله القبول والمغفرة والستر في الدنيا والآخرة، وأن ينصرنا على أعدائنا ويرد أرضنا.
خطبة الحاجة والثناء على الله تعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله ونبيه وصفيه وخليله، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين.
فاللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه بإحسان يا رب العالمين.
الأمر بتقوى الله تعالى في آيات قرآنية كريمة من سورة آل عمران والنساء والأحزاب
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]
يوم الجمعة عيد المسلمين ودعوة النبي لتجديد الإيمان بقول لا إله إلا الله
عباد الله، ها نحن في يوم الجمعة وهو عيد في السماء وتجمّع للمسلمين في الأرض، وبداية طيبة مع رب العالمين.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يقول لأصحابه:
«جدّدوا إيمانكم»
ابدؤوا صفحة جديدة مع الله. فكانوا يقولون: وكيف يجدّد أحدنا إيمانه يا رسول الله؟ [فأجابهم صلى الله عليه وسلم]: قولوا لا إله إلا الله.
يُسرٌ وسهولة؛ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، يُسرٌ وسهولة في التعامل مع رب العالمين.
سعة مغفرة الله تعالى للتائبين ولو بلغت ذنوبهم تراب الأرض
وفي البداية الجديدة [مع الله تعالى في رمضان]:
«يا ابن آدم، لو جئتني بتراب الأرض ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرت لك»
وفي رواية: «بتراب الأرض ذنوبًا»، وهو تعجيز لبني آدم؛ لأنك لا تستطيع أن تأتي بتراب الأرض ذنوبًا، ثواني عمرك لا تسمح بهذا. لو ارتكبت المعصية بكل ثانية من ثواني عمرك لا تزيد عن متر مكعب من التراب، بل تراب الأرض [كلها أعظم من ذلك بكثير].
ومتى [نحن في هذا الشهر الكريم]؟
فضائل شهر رمضان المبارك وتقديس الله له بالصيام والقيام وتصفيد الشياطين
نحن في رمضان قدّسه الله سبحانه وتعالى، فقد فرض صيام نهاره وسنّ نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قيام ليله.
شهر أنزل الله فيه القرآن:
﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]
شهر صُفّدت فيه مردة الجن والشياطين؛ حتى يعطيك فرصة مع نفسك للتوبة والإنابة والرجوع إلى الله.
شهر كان سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه يقول: من تقرّب إلى الله سبحانه وتعالى فيه بخصلة من خصال الخير كمن أدّى فريضة فيما سواه، ومن أدّى فريضة فيه فكأنما أدّى سبعين فريضة فيما سواه. شهر بركة، أخرجه الإمام ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي في شعب الإيمان.
شهر رمضان شهر الذكر والتلاوة والدعاء والاعتكاف والخلوة مع الله
شهر مبارك فيه ذكر الله، وفيه تلاوة القرآن، وفيه الدعاء والمناجاة لله رب العالمين.
وفيه الاعتكاف الذي يخلو فيه الإنسان مع نفسه فيقلّ كلامه، يقلّ الكلام واتصال الناس والمنام. يقلّ كل هذا من أجل أن تخلو مع الله، وأن تعيد حساباتك، وأن تبدأ صفحة جديدة، وأن تبدأ منطلقًا جديدًا.
افتتاح المسجد المبارك في أول جمعة من رمضان وفضل بناء المساجد
إذن نحن في أول جمعة من رمضان، فيها بركة نفتتح هذا المسجد الكريم الذي سيكون بعون الله تعالى بؤرة نور في العالمين؛ عبادةً وعلمًا وتحفيظًا لكتاب الله، وحلًّا لمشكلات المجتمع، واجتماعًا للخير لأجل الآخرة حتى يكون لنا رصيد عند الله.
قال رسول الله ﷺ: «من بنى مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة»
فاللهم يا ربنا نسألك الجنة ونسألك رضاك.
فضل ليلة القدر ومدارسة جبريل القرآن مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان
وهو شهر فيه ليلة خير من ألف شهر في البركة وفي الدعاء، يُفرق فيها كل أمر حكيم.
وهو شهر كان جبريل عليه السلام ينزل فيه لمدارسة القرآن مع رسول الله مرة واحدة كل عام، حتى إذا كان في العام الأخير عرضه عليه مرتين.
فأسرّ [النبي ﷺ] للسيدة فاطمة عليها السلام، كما يقول الإمام البخاري، دائمًا عندما [يذكرها يقول] عليها السلام. أسرّ لها بسرّ فبكت، فأسرّ لها بسرّ آخر فضحكت.
حديث فاطمة وعائشة عن سر النبي بقرب أجله وبشارتها بسيادة نساء العالمين
فسألتها عائشة رضي الله عنها: ما رأيت ضحكًا أقرب إلى بكاء من هذا، ماذا قال لك رسول الله؟ قالت [فاطمة]: لا أُفشي لرسول الله سرًّا.
فلما انتقل [النبي ﷺ] إلى الرفيق الأعلى أعادت عليها السيدة عائشة السؤال. قالت [فاطمة]: قال لي:
«إني قد جاءني جبريل عارضني القرآن مرتين، ولا أرى ذلك إلا لقرب الأجل»
فبكيتُ. ثم قال:
«ألا تحبين أن تكوني سيدة نساء العالمين؟»
فضحكتُ. بركة في هذا الشهر، وانتقل رسول الله بعدها بستة أشهر.
رمضان شهر الانتصارات الإسلامية الكبرى عبر التاريخ من بدر إلى حرب أكتوبر
شهر مقدّس محترم له مكانة عند الله، وهو أيضًا شهر عجيب، شهر انتصارات:
- •انتصر فيه المسلمون في بدر في سابع عشره.
- •ودخلوا مكة في يوم العشرين من سنة الفتح.
- •وانتصروا على الفرس في رمضان.
- •وانتصروا في الشرق والغرب وعلى الصليبيين وعلى التتار في رمضان.
شهر ينتصر فيه المسلمون عبر المكان وعبر الزمان، حتى أتى نصر رمضان أكتوبر سنة ألف وتسعمائة وثلاث وسبعين يتوّج تلك الانتصارات؛ حيث كسر الله شوكة العدو ورفع رايته [راية الإسلام والوطن]، ورددنا ما قد سُلب منا من أرضنا، ودافعنا عن عرضنا، وكسرنا هذه العنجهية. والحمد لله أولًا وأخيرًا في العاشر من رمضان.
حضارة المصريين في استقبال رمضان من الفانوس إلى مدفع الإفطار
شهر حضارة استقبله المصريون بحفاوة عظيمة وأحاطوه بحضارة أعظم، وجعلوا له شعائر تعظيمًا لشعائر الله سبحانه وتعالى في الأكل والشرب والمواكب والاحتفال والفرحة وقيام الليل وصيام النهار.
في مظاهر الحضارة التي تتعلق بالفرح والبهجة، استقبلوا في عام ثلاثمائة وثمانية وخمسين [هجريًّا] المعزّ [لدين الله الفاطمي] وهو يدخل بالليل فاستقبلوه بالفانوس، وصار شعارًا إلى يومنا هذا.
ابنة الخديوي إسماعيل هي التي جعلت المدفع علامة للمغرب، ولا يزال إلى يومنا هذا علامة تؤذّن الناس بالإفطار بفرح.
ارتبط بالمصريين أشياء كثيرة لو عددناها لجلسنا إلى الجمعة القادمة، ولكن قليل الكلام يغني عن كثيره.
افتتاح مسجد مبارك في شهر مبارك والتعرض لنفحات الله تعالى
شهر مبارك يُفتتح فيه مسجد مبارك، فرصة ونفحة.
قال رسول الله ﷺ: «إن لله في أيام دهركم لنفحات، فتعرّضوا لنفحات الله»
عسى الله سبحانه وتعالى أن يستجيب دعاءنا، وأن يتقبل أعمالنا، وأن ينقلنا من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه، وأن يعاملنا بالإحسان سبحانه، إنه على كل شيء قدير.
الخطبة الثانية وقصة الإمام الشافعي مع تكبيرات العيد عند المصريين
ادعوا ربكم. الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على سيدنا النبي المصطفى وعلى آله أهل الوفاء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده.
عندما دخل الإمام الشافعي مصر وجدهم يكبّرون للعيد، ولم يرد صيغة معينة عن سيدنا النبي حتى نتبعه، فقد كان الأسوة الحسنة:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
لم يرد إلا عن بعض الصحابة [صيغة التكبير]: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، أكبر الله أكبر ولله الحمد.
إقرار الإمام الشافعي لتكبيرات المصريين وتعظيمهم لشعائر الله بالجمال والفرح
وجد [الإمام الشافعي] المصريين يزيدون هذه الزيادة التي تعرفونها، نتغنّى بها لتمجيد الله سبحانه وتعالى في سماواته وأرضه، ونضيف إليها الصلاة على النبي والآل والأهل والأزواج.
فقال [الإمام الشافعي]: ولو كبّر بما يكبّر عليه الناس الآن فحسن.
وصار المصريون منذ الزمن الأول، منذ القرن الثاني الهجري وإلى يومنا هذا، يكبّرون تلك التكبيرة التي فيها تعظيم لشعائر الله، والتي فيها جمال وحلاوة ولين وفرح يدخل القلب فيسكن فيه. فالحمد لله رب العالمين.
دعاء ختام الخطبة بالمغفرة والهداية والنصر وحماية مصر من كل سوء
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار، واهدنا إلى أقوم طريق. اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، واصرف عنا شر ما قضيت.
وأجمعنا على الخير والحق في الدنيا والآخرة، واسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك يا أرحم الراحمين. لا نعرف إلا إياك ولا نعبد ربًّا سواك.
فاللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا، اهدئ بالنا وأصلح حالنا وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم يا ربنا هذا حالنا لا يخفى عليك، وعلم بكل شيء بيديك. ربنا إني مظلوم فانتصر، يا رب انصرنا على أعدائنا، ردّ أرضنا واحمِ عرضنا ومالنا وديننا.
اللهم إنهم قد بغوا في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم كل من أراد مصر بسوء فخذه أخذ عزيز مقتدر. اللهم إنك تُمهل ولا تُهمل فأرنا فيهم عجائب قدرتك.
دعاء بتنوير القلوب والمغفرة وردّ القدس وحسن الخاتمة والحشر مع النبي
اللهم يا ربنا نوّر قلوبنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر غيوبنا، وأحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين.
ردّ علينا القدس ردًّا جميلًا؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بك.
اللهم يا ربنا احشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.
هب مسيئنا لمحسننا واغفر لنا جملة واحدة يا رب. العجل العجل يا رب، هب مسيئنا لمحسننا وأدخلنا الجنة من غير حساب. ارحم ضعفنا واغفر ذنبنا وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك.
دعاء بقبول الصيام والقيام واتباع جود النبي في رمضان وختام الخطبة بالصلاة
اللهم يا ربنا تقبّل منا صيامنا وقيامنا وتلاوتنا وصالح أعمالنا.
اللهم وفّقنا يا أرحم الراحمين لأن نتّبع نبيك في جوده؛ فكان في رمضان كالريح المرسلة.
فاللهم يا ربنا هيّئ لنا من أمر الخير ما يرضيك عنا، وافتح علينا فتوح العارفين بك، وافتح علينا من خزائن فضلك ورحمتك ما تثبّت به الإيمان في قلوبنا.
﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: 7]
واجعلنا من الراشدين ومن الصادقين ومع القوم المتقين يا أرحم الراحمين.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وأقم الصلاة:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]
