شرح الأربعين النووية | حلقة 2 | حديث 1 | د. علي جمعة | English Subtitle
- •حديث "إنما الأعمال بالنيات" أوَّل حديث في الأربعين النووية وصحيح البخاري لأهميته.
- •يدخل هذا الحديث في سبعين باباً من أبواب الفقه حسب السيوطي.
- •استُنبطت منه قاعدة "الأمور بمقاصدها" وهي إحدى القواعد الخمس الكبرى في الفقه الإسلامي.
- •القواعد الخمس هي: الأمور بمقاصدها، الضرر يزال، العادة محكمة، المشقة تجلب التيسير، اليقين لا يزول بالشك.
- •رواه عمر بن الخطاب على المنبر دون إنكار من الصحابة، ويعد من التواتر المعنوي.
- •النية في اللغة هي القصد المؤكد وهي المرتبة الخامسة بعد الهاجس والخاطر وحديث النفس والهم.
- •محل النية القلب ولا يُتلفظ بها إلا في الحج، وزمنها بداية الفعل غالباً.
- •لا يقبل الله العمل إلا بنية مخلصة، ومن نوى الخير ولم يفعله يثاب عليه.
- •المهاجر الحقيقي من هاجر ما نهى الله عنه.
مقدمة الدرس وأهمية حديث إنما الأعمال بالنيات عند العلماء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع الأحاديث الأربعين النووية، رأينا الإمام النووي وهو يضع حديث «إنما الأعمال بالنيات» أول حديث في كتابه هذا [الأربعين النووية]، ولقد فعل ذلك أيضًا الإمام البخاري في صحيحه؛ فإننا رأيناه وقد روى هذا الحديث في تسعة مواضع في صحيح البخاري، في بعضها زيادات وفي بعضها اختصارات، ولكنه إذا ما فتحنا صحيح البخاري وجدنا أول حديث فيه هو حديث «إنما الأعمال بالنيات».
رأي الإمام السيوطي في دخول الحديث في سبعين باباً فقهياً وقاعدة الأمور بمقاصدها
والإمام السيوطي في كتابه [الأشباه والنظائر] يرى أن هذا الحديث يدخل في سبعين بابًا من أبواب الفقه، ويرى أن القاعدة التي تقول «الأمور بمقاصدها» إنما أُخذت من حديث «إنما الأعمال بالنيات».
قاعدة «الأمور بمقاصدها» هي قاعدة من القواعد الخمس الكبرى التي بُني عليها الفقه الإسلامي كله، وهي قاعدة من القواعد التي اهتم بها المذهب الشافعي.
نظم القواعد الفقهية الخمس الكبرى التي بُني عليها الفقه الإسلامي
ولذلك يقول الناظم يجمع هذه القواعد الخمسة:
ضررٌ يُزال، وعادةٌ قد حُكِّمت، وكذا المشقة تجلب التيسير، والشك لا تَرفع به متيقَّنًا، وخلوصُ نيةٍ إن أردتَ أجورًا. خمسٌ محررةٌ قواعدُ مذهبٍ للشافعي بها تكون بصيرًا.
وهذه هي القواعد الخمس: الضرر يُزال، والعادة محكَّمة، والمشقة تجلب التيسير، والأمور بمقاصدها، وإخلاص النية لا بد منه.
الضرر يُزال، والعادة قد حُكِّمت، وكذلك المشقة تجلب التيسير، والشك لا يُرفع به المتيقَّن، ولذلك اليقين لا يزول بالشك. هذه الخمسة هي القواعد التي بُني عليها الفقه الإسلامي كله، وهي القواعد التي تفرعت منها كل القواعد الفقهية فيما بعد.
نص حديث إنما الأعمال بالنيات كما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه
الحديث يذكره الإمام النووي أول حديث في كتابه الأربعين النووية، عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» رواه إمام المحدثين البخاري ومسلم.
تواتر حديث إنما الأعمال بالنيات المعنوي وإلقاؤه على المنبر
هذا الحديث حديث عظيم تكلم به سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] على المنبر، ولذلك سمعه صحابة كثيرٌ ولم يتكلم واحدٌ منهم أنه لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أنكر على عمر أنه ينسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك يعدُّه العلماء مما يُسمى بـالتواتر المعنوي؛ لأنه متواتر في المعنى [أي أن معناه وهو العمل بالنية ثابت عند جميع الصحابة].
تفرد عمر بن الخطاب برواية الحديث وكنيته أبو حفص
هناك حديث أخرجه البيهقي بهذا المعنى [أي معنى العمل بالنية]، ولكن «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» هو الحديث الذي رواه سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]، ولكنه لم يرد إلا عن سيدنا عمر.
وكان سيدنا عمر له كنية وهذه الكنية أبو حفص؛ لأن ابنته هي السيدة حفصة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
معنى إنما الأعمال بالنيات ودلالة القصر والحصر فيها
سيدنا عمر بن الخطاب كان دقيقًا في رواية الأحاديث. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث المدخل الذي هو مدخل لكل الدين:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»
و**«إنما»** تفيد القصر والحصر؛ أي لا يقبل الله سبحانه وتعالى العمل من المؤمن إلا بالنية المخلصة.
معنى النية لغةً ومراتب القصد الخمس من الهاجس إلى العزم
والنية في المعنى اللغوي هي القصد، ومراتب القصد على خمس درجات. مراتب القصد خمس:
هاجسٌ ذكروا فخاطرٌ فحديثُ النفسِ فاستمعا، يليه همٌّ فعزمٌ، كلها رُفعت سوى الأخير، ففيه الأخذ قد وقع.
فهناك هاجس، وبعد الهاجس خاطر، وبعد الخاطر حديث النفس، وبعد حديث النفس الهمّ، وبعد الهم يأتي العزم.
والعزم هو النية، [أي] القصد المؤكد. كل هذه المراتب من مراتب القصد مرفوعة [أي لا يُؤاخَذ عليها]، ولكن في النهاية القصد المؤكد هو المأخوذ به وهو النية.
وجود النية في العبادات والمعاملات وأحكامها الشرعية
والنية موجودة في العبادات؛ فهناك نية في الوضوء وفي الصلاة وفي الزكاة وفي الصيام وفي الحج، وهناك نيات أيضًا في قضايا الطلاق وفي قضايا المعاملات، ولذلك فالنية لا بد منها.
أحكام النية أنها محلها القلب، ولذلك لا نتلفظ بالنية في الصلاة ولا في الوضوء ولا في شيء من هذا إلا في الحج، ونحن ننوي الحج أو العمرة.
محل النية القلب، ومعناها القصد، ولا بد فيها من الإخلاص لله رب العالمين.
زمن النية في العبادات وحكم تبييت نية الصيام بالليل
زمن النية هو بداية الفعل غالبًا؛ فبداية الوضوء غسل الوجه، وبداية الصلاة تكبيرة الإحرام.
وبداية فعل الصيام متعذر أن نبدأها بالنية؛ لأن بداية الصيام هي الفجر، والفجر لا يستطيع أحد أن يجلس ويترصده، ولذلك تكفي النية فيه ولو في أي وقت من ليل الصيام.
إذا كان الإنسان يفطر يقول: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله، ونويت صيام غد من رمضان»، يكفي هذا. أو عند السحور أو في أي وقت في الليل فإنه يكفي لنية الصيام، والنبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نُبَيِّتَ نية الصيام بالليل.
ثواب النية الصالحة وإن لم يُعمل بها وتحرير الهجرة لله ورسوله
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
حتى لو لم يعمل؛ فـ**«إنما الأعمال بالنيات»** لا يقبل الله العمل إلا بنية مخلصة له، «وإنما لكل امرئٍ ما نوى» فلو نوى الإنسان الخير ولم يفعله فإنه يُثاب عليه، ولو فعله لأُعطي عشر حسنات.
ولذلك أمرنا أن نحرر هجرتنا إلى الله ورسوله، وأمرنا ألا نجعل الهجرة إلا لله ولرسوله.
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه»
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
