محاضرات في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض | الأولى | أ.د علي جمعة | بتاريخ 2009 - 10 - 4 - الشفا بتعريف حقوق المصطفى, سيدنا محمد

محاضرات في كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض | الأولى | أ.د علي جمعة | بتاريخ 2009 - 10 - 4

12 دقيقة
  • السيرة النبوية ألف فيها كثيرون بمنهجيات متنوعة، فابن إسحاق رتب سيرته زمنياً من الإرهاصات قبل المولد مروراً بالبعثة والفترة المكية ثم المدنية.
  • وصلت سيرة ابن إسحاق ناقصة، بينما تعد سيرة ابن هشام أول سيرة كاملة وصلتنا، وكذلك ألف الواقدي المغازي.
  • تختلف السيرة عن الحديث في أنها تشرح المواقف التفصيلية والسياقات، بينما ينقل الحديث المعلومات المحددة.
  • من خلال السيرة نستنبط كيفية معيشة الصحابة وعلاقاتهم ببعضهم، وطبيعة حياتهم وترتيباتهم الدينية.
  • من ضمن المؤلفين في السيرة القاضي عياض الأندلسي المولود سنة 476هـ، الذي تتلمذ على يد علماء أجلاء كابن العربي وابن رشد.
  • ألف القاضي عياض كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى، وهو منهج آخر في كتابة السيرة غير السرد الزمني.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

مقدمة مادة السيرة النبوية وموضوعها حياة النبي صلى الله عليه وسلم

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ اللهِ وآلهِ وصحبهِ ومن والاهُ.

مادتُكم هذه هي السيرةُ [السيرة النبوية] على صاحبها أفضلُ الصلاةِ وأتمُ التحيةِ عليه الصلاةُ والسلامُ. والسيرةُ موضوعُها حياةُ النبيِّ صلى اللهُ عليه وآله وسلم، ألَّفَ فيها كثيرٌ جدًا، وقسَّموها أقسامًا كثيرةً جدًا ومن مداخلَ مختلفةٍ.

منهج ابن إسحاق في تأليف السيرة النبوية بالسرد الزمني المتتابع

فرأينا ابن إسحاق يؤلف في السيرة سردًا متتابعًا، أي يذكر ما حدث قبل المولد الشريف من إرهاصات. والإرهاصات تعني التنبؤات أو الأمور المهيئة للخبر، شيء من هذا القبيل.

الإرهاصات تعني أنه حدثت أشياء تجعل المرء يقول: هل هناك شيء ما؟ هل سيحدث شيء ما؟ هذه هي الإرهاصات، أي أحداث لاحظها الناس تتساءل: ما هذا الأمر؟ لا بُدَّ أن شيئًا سيحدث.

فهذا الكلام هو الأحداث التي تحدث وتنبئ عن المستقبل القريب، يسمونها إرهاصات. فحدثت إرهاصات، فيتكلم [ابن إسحاق] عن هذه الإرهاصات.

ترتيب ابن إسحاق الزمني من المولد إلى الغزوات والفترة المدنية

ثم جاء المولد، ثم مرحلة الطفولة، ثم وفاة والده، ثم وفاة والدته، ثم وفاة جده، ثم كفالة عمه [أبي طالب] له، وهكذا صلى الله عليه وسلم إلى البعث.

فيتحدث [ابن إسحاق] عن البعثة والفترة المكية، ثم يدخل في الفترة المدنية ويتحدث عن الغزوات واحدة تلو الأخرى، أي بترتيب زمني.

سيرة ابن هشام وابن إسحاق الناقصة وما ضاع من المخطوطات

وهناك قلّده ابن هشام. سيرة ابن إسحاق وصلت إلينا ناقصة؛ طُبعت في مجلد، وفي كل جزء يضع المحقق نقاطًا ويقول: خرم في المخطوط. والخرم يعني النقص، فخرم في المخطوط يعني يوجد نقص في المخطوط، إذن هي لم تصل إلينا كاملة.

والدليل أيضًا على ذلك أن ابن هشام نقل منها، وتوجد أشياء كثيرة في كتاب ابن هشام لم نجدها في المخطوطة الوحيدة الفريدة الشريدة التي ظهرت عليها سيرة ابن إسحاق. إذن الرجل [ابن هشام] هنا ليس كاذبًا، بل إن الرجل هنا نقل مما ضاع فيما ضاع [من مخطوطات سيرة ابن إسحاق].

مؤلفات الواقدي وابن هشام وعناية العلماء بالسيرة النبوية

وبعد ذلك جاء الواقدي ألف المغازي، وجاء ابن هشام وألف السيرة، وهي أول سيرة كاملة وصلت إلينا، فاعتنى الناس بها.

كل هذه أمور زمنية، وكان كل واحد يأتي من العلماء الكبار يحاول أن يؤلف شيئًا في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي تتبع ما هنالك من أمره وشأنه؛ لأن أمره وشأنه خطير، فبه يتم التشريع.

الفرق بين السيرة والحديث النبوي في نقل المواقف والأحداث

والسيرة كالحديث. ما الفرق بين السيرة والحديث؟ الحديث يصل إليك الكلام فقط، لكن السيرة تشرح لك المواقف التي كان يقف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأحداث المختلفة.

في الحديث تسمع:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان»

هكذا، لكن في السيرة ترى شيئًا [مختلفًا]؛ أنه [النبي ﷺ] ذهب إلى [أبي أيوب] ابن التيهان في بيته هو وعمر.

قصة خروج النبي وأصحابه إلى بيت ابن التيهان بحثاً عن طعام

خرج [النبي ﷺ] فوجد عمر ووجد أبا بكر، فقال: «ما أخرجكما في هذه الساعة؟» قالا: أخرجنا الذي أخرجك يا رسول الله. وهو [النبي ﷺ] كان قد خرج يبحث عن شيء يأكله.

قال: «إذن فهيا بنا إلى ابن التيهان.» وكان [ابن التيهان] يسكن في ضواحي المدينة، فذهبوا إليه فلم يجدوه. فقالوا لزوجته [أين هو؟].

انظر ماذا يرسم لك [الراوي]، يرسم قصة: ذهبوا هم أولًا، خرج الأول وخرج الثاني وخرج الثالث، وبعد ذلك ذهبوا للرجل الذي لديه طعام. يبدو أن ابن التيهان هذا من أغنياء المسلمين.

زوجة ابن التيهان تستقبل النبي وأصحابه وتطلب منهم الانتظار

وبعد ذلك قالت زوجته: ذهب يستعذب لنا ماء، ذهب ليحضر لنا مياهًا صحية. الله! هؤلاء أغنياء فعلًا، أنت تفهمني، أي أنه ذاهب لأنهم غير راضين بالشرب من البئر التي بجانب الفيلا [البيت الكبير] الخاصة بهم في ضواحي المدينة.

هذا ذاهب ليستعذب لنا ماءً ويحضر لنا ماذا؟ كرتونة مياه [أي حِملًا من الماء العذب]. قال لهم: طيب، السلام عليكم.

قالت لهم: لا، هذا يخرب بيتي لو علم أن سيدنا [رسول الله ﷺ] جاء ومضى هكذا، فهذا غير مناسب. تعالوا اجلسوا في حديقة البيت حتى يأتي.

السيرة تبين المواقف الحياتية بينما الحديث ينقل معلومات محدودة

انظر، إنه [الراوي] يرسم لك أشياء تستطيع أن تستنبط منها أمورًا. هذا يُعتبر السيرة التي تبين لك المواقف، والحديث ينقل لك معلومات محدودة.

لكن هذا [السرد في السيرة] يوضح لك كيف كانت العلاقات: كيف خرج [النبي ﷺ] فوجد أصحابه، قد ذهبوا للصحابي الثاني الذي في طرف المدينة، فذهبوا معًا يتحدثون.

وبعد ذلك وصلوا إلى بيت ابن التيهان فلم يجدوه فيه. هل نرجع؟ لا، لا ترجعوا، أي أنهم يستقبلون الناس الغرباء في الحديقة، حتى يأتي الرجل.

ضيافة ابن التيهان للنبي وأصحابه بالبلح واللحم والماء العذب

فلما جاء ابن التيهان، أحضر لهم عذقًا من البلح، إذ صعد على النخلة، أما السيدة [زوجته] لا تستطيع أن تصعد على النخلة وتقطع لهم عذقًا من البلح ليأكلوا.

والبلح كان الشيء الأساسي حينئذ في المدينة، وبلح المدينة حلوٌ، وما زال حلوًا إلى يومنا هذا ببركة سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم].

كل هذا إلى أن ذبح لهم شاة، وريثما تُشوى فهو يرسم لك أشياء. والمياه العذبة آتية، طبعًا سيقدم لسيدنا [رسول الله ﷺ] منها ثم يشرب، فيكونوا قد شربوا مياهًا باردة ونظيفة، وأكلوا لحمه، وأكلوا بلحًا حلوًا من الدرجة الأولى، أي من بلح المدينة، وقد استضافهم ابن التيهان.

استخلاص المعاني من السيرة حول حياة الصحابة وعلاقاتهم

وبهذا الشكل يمكنك أن تستخلص منها معاني كثيرة جدًا: كيف كانت علاقتهم، وكيف كانوا يعيشون، ومن الذي كان يسكن بجوار المسجد، ومن الذي كان يسكن بعيدًا.

وهل ابن التيهان هذا كان يحضر الصلاة كل مرة؟ يعني تفكر هكذا: هذا بعيد، هذا لابد أن عنده شيء ما.

هل كانت هناك مساجد أخرى؟ عندما تدخل في السيرة وتقف تفكر، ستظهر لك أشياء كثيرة وتتضح لك معلومات كثيرة.

تعدد المساجد في المدينة وصلاة الصحابة في مساجد أحيائهم

نعم، كانت هناك مساجد كثيرة: هناك مسجد القبلتين، والمسجد الذي عند الخندق، وفي المسجد الذي في قباء، وفي المسجد [النبوي]، وكلها مساجد عامرة يُصلَّى فيها.

فإذا لم يكن كل الصحابة يصلون في مسجد واحد، فقد كانوا يصلون في مساجد أحيائهم.

ثم يأتيك حديث معاذ [بن جبل] أنه كان يصلي مع رسول الله ﷺ ثم يعود إلى أهله فيصلي بهم، إذن هم [أهل الحي] لم يصلوا مع رسول الله ﷺ.

السيرة النبوية تصحح المفاهيم وتوسع طريقة الحياة الإسلامية

وتتصحح عندك مفاهيم كثيرة وترتسم لك أمور كثيرة، يؤخذ منها في النهاية أحكام شرعية، ويؤخذ منها طريقة حياة.

وتجد أن طريقة الحياة هذه التي تؤخذ من السيرة أوسع حتى من طريقة حياتنا نحن الآن. يعني نحن نضيقها قليلًا على أنفسنا مع الهتر [التشدد] الذي نحن سائرون فيه.

فهذا يعطيك سعةً وأنت في الدعوة أن تدعو الناس إلى حياتهم أوسع قليلًا من حياتنا. نحن ننظر في الكتاب ونريد أن نطبقه، لكن الأمر كان أكبر من ذلك؛ لأن ما في الكتاب هو واحد من عشرات الأمثلة الموجودة، وتوجد أمثلة أخرى.

التحذير من التضييق على الناس والتأكيد على النقل بعلم

لماذا تضيّق على خلق الله؟ أنت لست صاحب الإسلام، صاحب الإسلام هو الله، أنت ناقل، عالم ناقل، تنقل الإسلام. فيجب عليك أن تنقل عن علم وليس عن جهل.

ترجمة القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي ونشأته في الأندلس

فمن ضمن الناس الذين ألّفوا في السيرة سيدنا القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي، وسبتة هذه مدينة في الأندلس. كان أهله يسكنون في الأندلس قديمًا، وقبل ذلك كانوا يسكنون في فاس.

وابن محمد يقول: وقبل ذلك كنا ساكنين في الأندلس، يعني كأنهم كانوا في الأندلس وانتقلوا إلى فاس، ورجع صاحبنا [القاضي عياض] يعيش في الأندلس ثانية التي هي موطن أجداده.

شيوخ القاضي عياض ومنهم أبو بكر بن العربي وأبو الوليد بن رشد

تتلمذ [القاضي عياض] على أناس أقوياء جدًا؛ لأنه دخل الأندلس بعد سنة خمسمائة، وهو مولود سنة أربعمائة وستة وسبعين هجرية.

يعني من الناس الذين أدركهم أبو بكر بن العربي صاحب التفسير الكبير في تسعين مجلدًا. أبو بكر بن العربي عندما ألَّف التفسير الكبير اختصروه في كتاب «أحكام القرآن»، وأحكام القرآن يقع في أربعة مجلدات مطبوعة. عياض هذا يُعَدُّ تلميذًا له.

ومن ضمن الذين أدركهم أبو الوليد بن رشد، وهو علامة كبير في الفلسفة وفي غير الفلسفة وغير ذلك، يعني علامة كبيرة.

كتاب الشفا للقاضي عياض في تعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم

وهو [القاضي عياض] نفسه ألّف أشياء كثيرة وهو القاضي عياض. ومن ضمن ما ألّف وأبدع وأبقى ما ألّف كتاب «الشفا» الذي هو الكتاب الذي بين أيديكم هذا، بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم.

يعني المصطفى [صلى الله عليه وسلم] له حقوق في رقابنا. هو [القاضي عياض] تكلم هنا عن سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم إنما بطريقة ثانية غير طريقة السرد الزمني، فعملهم أقسام [موضوعية].