محاضرات في كتاب الشفا  للقاضي عياض | الثانية جـ 1 | أ.د علي جمعة |  31 - 10 - 2009 - الشفا بتعريف حقوق المصطفى, سيدنا محمد

محاضرات في كتاب الشفا للقاضي عياض | الثانية جـ 1 | أ.د علي جمعة | 31 - 10 - 2009

54 دقيقة
  • كتاب الشفاء بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض يتكون من أربعة أقسام، القسم الأول في تعظيم الله لقدر النبي صلى الله عليه وسلم.
  • الفصل الأول من الكتاب يستعرض مدح الله للنبي وثناءه عليه، كما في قوله تعالى: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم".
  • "من أنفسكم" تشير إلى أن النبي من العرب، ومن أشرفهم نسباً، وقرئت "من أنفَسكم" بفتح الفاء أي من أعلاهم مكانة وخيارهم.
  • سمى الله نبيه بأسماء من أسمائه كالرؤوف والرحيم، وسماه نوراً وسراجاً منيراً.
  • وصفه بأنه رحمة للعالمين، رحمة للمؤمنين بالهداية، وللمنافقين بالأمان من القتل، وللكافرين بتأخير العذاب.
  • شفاعته العظمى يوم القيامة ستنفع العالمين كلهم، حتى من كان قبله.
  • شرح الله صدره بالإسلام ونور النبوة، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره.
  • طريق الله هو طريق رسول الله، وطريق السعادة في الدنيا والآخرة.
محتويات الفيديو(51 أقسام)

مقدمة كتاب الشفاء وتقسيمه إلى أربعة أقسام للقاضي عياض

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إذن، إذا عرفنا أن كتاب الشفاء بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم جعله صاحبه القاضي عياض على أربعة أقسام، القسم الأول جعله في تعظيم العلي الأعلى لقدر النبي صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا.

وقال: الباب الأول في ثناء الله تعالى عليه وإظهاره عظيم قدره لديه. الفصل الأول فيما جاء من ذلك مجيء المدح والثناء وتعداد المحاسن، كقوله تعالى:

﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾ [التوبة: 128-129]

فائدة لغوية في وزن تَفْعال بالفتح إذا كان مصدراً لا اسماً

طيب، تَعداد، تَكرار، تَذكار، تَسيار، كل وزن تَفْعال مصدرًا يكون لا بد أن يكون بالفتح. إذن هذه فائدة تأخذها، فائدة لغوية: هكذا كل ما كان على وزن تَفْعال مصدرًا - أعني الاسم لا الاسم [أي المصدر لا الاسم الجامد] - فيه بالكسر كثير، لكن هذا مصدر مثل تَكرار، لا تقل تِكرار فهذا خطأ. تَعداد، لا تقل تِعداد. تَذكار، لا تقل تِذكار. تذكر وهكذا.

خلاص، يكون تَفْعال بالفتح أم بالكسر مصدرًا أم اسمًا؟ حسنًا، والاسم، لا، الاسم فيه تِمثال وتِمساح؛ لأن تِمساح هذا اسم وليس مصدرًا، وتِمثال اسم وليس مصدرًا.

المصدران الوحيدان على وزن تِفعال بالكسر في اللغة العربية

لكن يوجد مصدران فقط جاءوا بالكسر في اللغة العربية كلها، ولكي يرأف الله بنا نحن قومٌ جعلهم في القرآن لكي نحفظهم:

﴿تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 22]

﴿تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: 89]

لكن هذان الاثنان فقط -انتبه- تِلقاءَ وتِبيانًا، والباقي كله مفتوح.

سأسألكم أنا في هذه الأسئلة بعد ذلك، وسأوبخكم إذا لم تكونوا متابعين معنا. سترون ما التوبيخ الذي سينزل عليكم؛ لأنه لا يصح أن شخصًا أزهريًا يخطئ مثل هذه الأخطاء ويقول لك تِكرار. خطأ! لابد أن تقول ما هو تَكرار، فيعرفك الناس أنك أزهري على الفور.

علامات الأزهري في النطق الصحيح للكلمات العربية

عندما تقول على وَشْك فأنت أزهري. الأزهري يقول ماذا؟ لا يقول على وَشَك. وتقول مشكلات ولا تقل مشاكل، نعم، بهذا تكون أزهريًا.

حسنًا، وكل فترة تأخذ فوائد هكذا حتى يكون لك [تميّز لغوي]. تقول جَهْوريّ [الصوت]، عيب يا ولد عندما تقول جَهُوريّ الصوت، جَهُوريّ ما هذا يا ولد؟ إذن لم تدخل الأزهر ولا عبرتَ عتبته. عندنا ماذا يقولون؟ جَهْوريّ الصوت، أتنتبه؟

آيات القرآن المفصحة بجميل ذكر النبي وتعظيم قدره

اعلم أنّ في كتاب الله العزيز آيات كثيرة مُفصِحة بجميل ذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعدّ محاسنه، وتعظيم أمره، وتنويه قدره. اعتمدنا منها على ما ظهر معناه وبان فحواه، وجمعنا في ذلك عشرة فصول.

ما تعريف الفصل وما تعريف الباب؟ اكتب يا أخي، فالذي تكتبه سيستفيدون منه. الباب هو جملة مختصة من العلم تشتمل على فصول غالبًا. والفصل هو جملة مختصة من العلم تشتمل على مسائل غالبًا. يعني هذا هو الباب وهذا هو الفصل.

شرح تعريف الباب والفصل والمسألة في العلوم الشرعية

فعندما أقول لك باب، ماذا يعني؟ جملة مختصة - كلمة ورد غطاها - جملة مختصة من العلم تشتمل على فصول، تعني أن الباب يشتمل على فصول غالبًا، لكن يمكن أن يكون بابًا هكذا من غير فصول ولا شيء.

والفصل جملة مختصة من العلم تشتمل على مسائل غالبًا. والمسألة مطلوب خبري يُبرهن عنه في العلم بدليل. مطلوب خبري، جملة مفيدة يُبرهن عنها في العلم، لابد أن يكون لها دليل، أي بدليل يُبرهن عليها في العلم بدليل.

لا آتي لأقول لك ما معنى المسألة؟ المسألة آتية من السؤال، والسؤال أن أحدًا يسأل ما هذا الكلام. هذا [كلام العوام] هناك في الترع وبرك، لا تصلح! أنت خلاص أتيت الأزهر، الحمد لله. تكون جملة مختصة من العلم يُبرهن عنها في العلم بدليل، هكذا هو المحتوى الخاص بهذا.

والباب هو جملة مختصة من العلم أيضًا تشتمل على فصول، والثاني أي المسألة مطلوب خبريًا يُبرهن عنه في العلم بدليل. عندما تذكر هذا اعلم أنك حضرت هنا في الأزهر أو مررت حتى من هنا. أتفهمون يا شباب أنت وهو أم لا؟

إعراب عنوان الفصل الأول فيما جاء من المدح والثناء

حسنًا، الفصل الأول فيما جاء من ذلك مجيء المدح والثناء وتعداد المحاسن. الفصل الأول في، مَن الذي يعرب الفصل الأول، كيف نقرؤها؟ الفصل مبتدأ والأول نعت له، وأين الخبر؟ شبه جملة.

الفصل الأول يعني مبتدأ وخبر، كيف؟ الفصل الأول سنجعلها مبتدأ، فيكون خبره مضمون ما يأتي. الفصل الأول فيما جاء، عندما نقول هكذا هو يكون الفصل الأول هذا عبارة عن المبتدأ مع النعت الخاص به، وفيما جاء هو الخبر.

الوجه البلاغي في عبارة الفصل الأول فيما جاء وبيان الاستعارة التصريحية التبعية

حسنًا، الفصل الأول فيما جاء من ذلك مجيء المدح والثناء وتعداد المحاسن. هذه فيها هو الفصل الأول داخل هذه الحكاية فيه، ولذلك هذا فيها ماذا؟ بلاغة. فيها بلاغة.

هل درستم البلاغة أم لم تدرسها؟ حسنًا، ما هو الوجه البلاغي في هذا الكلام: الفصل الأول فيما جاء؟ قول استعارة تصريحية أو مكنية، حسنًا، تصريحية أو مكنية. لكي تكون تبعية، ما هي التبعية؟ تكون تصريحية أو مكنية. تصريحية أو مكنية، تصريحية صحيح.

وتبعية تكون تصريحية تبعية ما دامت في الحرف وليست في المصدر، هكذا هو؛ لأنه إما الصفة أو الحرف يا الفعل، يعني في شيء ملحق بالمشتق. اكتب يا ولد، والذين يكتبون وسأسألك أنت أيضًا لأنك لا تكتب. هذا فيه استعارة تصريحية تبعية، هذا الأمر هو الفصل الأول فيما جاء، هكذا هو بهذا الشكل يكون فيه استعارة تصريحية تبعية.

تفصيل الاستعارة التصريحية التبعية بتشبيه ارتباط الدال بالمدلول بالظرف والمظروف

حيث شبه مطلق ارتباط دال بمدلول بمطلق ارتباط ظرف بمظروف، فصار التشبيه من الكليات إلى الجزئيات على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية في الحرف.

نقول ثانيةً: شبّه مطلق ارتباط دال بمدلول، الدال والمدلول هكذا لهما ارتباط، شبهوا بماذا؟ فأصبح هذا هو المشبه، والمشبه به ظرف بمظروف. يكون المشبه دال ومدلول، شبهوا بالظرف والمظروف.

شبّه مطلق ارتباط دال بمدلول بمطلق ارتباط ظرف بمظروف، ماشي. فصار التشبيه من الكليات إلى الجزئيات، الكليات التي هي الدال والمدلول، الظرف والمظروف. الجزئيات: الفصل الأول فيه.

إذن يكون شبه مطلق الارتباط هذا الذي بمدلول بمطلق ارتباط ظرف بمظروف، فصار التشبيه من المستوى الخاص بالكليات إلى المستوى الخاص بالجزئيات.

بيان أن الاستعارة تصريحية لأنها صرحت بالمشبه به وحذفت المشبه

طيب، هل صرّح بالمشبه به أم صرّح بالمشبه؟ بهذا صرّح بالمشبه به الذي هو الظرفية. التصريحية، الاستعارة التصريحية نحذف فيها ماذا؟ نحذف المشبه ونصرّح بالمشبه به، فتكون هذه تصريحية.

حسنًا، هذا الكلام في كلمة جامدة: رأيت أسدًا في الحمام، كلمة أسد هل هي جامدة أم في الحرف؟ لا، هي في الحرف، فتكون تبعية.

إذن لأننا شبّهنا وصرّحنا بالمشبه به تكون تصريحية، أيضًا في الحرف تكون تبعية.

تطبيق الاستعارة التصريحية التبعية في الحرف والفرق بين التبعية والأصلية

فتكون الجملة: شبه مطلق ارتباط دلّ بمدلول على يدك اليمين، بمطلق ارتباط ظرف بمظروف على يدك الشمال، فسرى التشبيه - سرى أي تدحرج - من الكليات إلى الجزئيات على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية في الحرف.

لأن كلمة في الحرف هذه تبين أنك تفهم أن التبعية لا تأتي في الجوامد هذه والمصادر، تأتي في المشتقات وفي الحروف، فلنسمها تبعية. جاءت في الثانية هذه الجوامد، فلنسمها أصلية.

إذن لخصنا البلاغة كلها، لكن انظر كيف كان الناس يكتبون وهم فاهمون بهذا العمق.

قراءة من أنفَسكم بفتح الفاء ودلالتها على نفاسة النبي صلى الله عليه وسلم

الفصل الأول: فيما جاء من ذلك - اسم الإشارة هذا مضمون ما سبق - من مجيء المدح والثناء وتعداد المحاسن، كقوله تعالى:

﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: 128]

قال السمرقندي الذي هو أبو الليث الحنفي: وقرأ بعضهم ﴿من أنفَسِكُم﴾ بفتح الفاء. ﴿من أنفَسِكُم﴾ قرأ بعضهم ﴿من أنفَسِكُم﴾، ﴿لقد جاءكم رسول من أنفَسِكُم﴾ يعني من الخيار الذين فيكم.

أنا خيار من خيار من خيار، الشيء النفيس يعني الشيء الثمين العالي القدر، فهو [الله سبحانه وتعالى] اطّلع على البشر فاختار منهم صفوة، واختار من تلك الصفوة نبينا [صلى الله عليه وسلم].

قراءة أنفَسكم بالفتح خارجة عن القراءات العشر المتواترة ودلالتها على مدح العرب

هذا [المعنى] مأخوذ من آية ﴿من أنفَسِكُم﴾، لكن كلمة أنفَسِكُم هذه خارجة عن القراءات العشر المعتمدة بكل رواتها، يعني العشرين كوكب مع العشر شموس لا يوجد فيهم من قرأها أنفَسِكُم. هل تنتبه؟ فتكون هذه قراءة خارجة عن المتواتر [العشرة].

وقرأ بعضهم ﴿من أنفَسِكُم﴾ بفتح الفاء. حسنًا، لماذا أورد هذا هنا؟ إنها لطيفة، انتبه، أي مناسبة للمقال، وكأنه يشير بها إلى نفاسة العرب.

انتبه، عندما يقول ﴿من أنفَسِكُم﴾، من أين هو؟ من العرب، إذن العرب هم أنفس البشر. إذن كلمة أنفَسِكُم هذه فيها دلالة أيضًا مدحٌ للعرب الذين نزل بلسانهم القرآن.

النبي خيار من خيار من خيار واختيار الله له من صفوة العرب وقريش وبني هاشم

فأنا خيارٌ من خيارٍ من خيار. انتبه هنا، يصبح إذن عندما اختار [الله] العرب، واختار منهم قريشًا، واختار من قريش بني هاشم، واختار من بني هاشم النبي عليه الصلاة والسلام، يصبح خيارًا من خيارٍ من خيار.

يصبح ﴿من أنفَسِكُم﴾، ففيها مدحٌ لمن؟ للعرب كذلك؛ لأننا أطلقنا عليهم النفاسة.

وقرأ بعضهم ﴿من أنفَسِكُم﴾ بفتح الفاء، وقرأ الجمهور بالضم. القراءات نحمل بعضها على بعض، يعني يفسر بعضها بعضًا، وهذا من مزايا القراءات أنها يفسر بعضها بعضًا حتى ولو لم تكن متواترة، فهي كذلك يفسر بعضها بعضًا.

تفسير آية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها والقراءة الشاذة أمَّرنا

﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: 16]

يعني وجهنا إليهم الأوامر لكنهم خالفوها. ليس معناها أن الله أمرهم بالفسق، لا، ربنا لا يأمر بالفسق. هذا هو ﴿أمرنا مترفيها﴾ يعني أمرناهم بالشريعة وبالتكليف فلم يستجيبوا، ففسقوا بذلك وبعدم الاستجابة فيها. هذا معنى الآية.

وهناك في قراءة لكن أيضًا ليست من العشرة: أمَّرْنا مترفيها يعني جعلناهم أمراء وأولياء أمور. أمَّرْنا مترفيها فلم يواجهون هذه النعمة - نعمة التمكين - بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل واجهوها بالفسق، فيكون ذلك كفران النعمة.

وجوب التمكين بإقامة الشريعة وبيان معنى أمرنا مترفيها من القراءة الشاذة

كان ينبغي لهم عندما أمرهم الله وجعلهم في الطبقة العليا ومكن لهم في الأرض، أن يكونوا من:

﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]

متصلة بالعقيدة، لكن هؤلاء ماذا فعلوا؟ لا، ﴿أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾. فمن الممكن أن تجعل ﴿أمرنا مترفيها﴾ أي جعلنا بأيديهم الأمر. من أين أتيت بهذا الكلام؟ من قراءة شاذة. نعم شاذة، يمكن أن نستدل بها.

حكم القراءة الشاذة وأنها كحديث الآحاد يُستدل بها في التفسير والفقه

إذن لماذا تسمونها شاذة؟ لأنها لم ترد على وجهها ولا يجوز القراءة بها في الصلاة، ولا يجوز أن ننسبها قرآنًا قطعًا، إنما يجوز أن نستخدمها في التفسير وفي الفقه.

وكأنها - انظر إلى هذا الكلام، انظر إلى الكلام الآتي فهو ضابط المسألة - كأنها حديث آحاد. أليس حديث الآحاد حجة؟ حجة. فكأن القراءة الشاذة حديث آحاد، فنأخذ بها أيضًا كحديث الآحاد.

عندما يعارض أصلًا، عندما يتعارض حديث مع حديث أصح منه نتركه، لكن القرآن لا نستطيع أن نتركه. نعم، فيصبح إذن القراءة الشاذة يمكن أن نتركها عندما تسبب لنا إشكالات.

أمثلة على القراءات الشاذة المرفوضة التي لا يؤخذ بها لعدم صحة معناها

أو تكون محض خطأ. ﴿ذلك الكتاب لا زيت فيه﴾، ما هذا الزيت؟ كان الولد صغيرًا يرى أباه يبيع الزيت فقام قال: لا يوجد زيت فيه! كلام لا معنى له، يعني لا تعدّها، ليست هي القراءة الحجة التي يمكننا استعمالها.

﴿فريق في الحبة وفريق في الشعير﴾، هذا لا يصلح؛ ﴿فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ﴾ [الشورى: 7]، لكن أي حبة وأي شعير؟ لماذا تقرأ هكذا دون تركيز؟

أو تكون لها وجه ولكن وجه متكلف: ﴿إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ﴾، لا ينفع إلا إذا كانت الخشية هنا الاحترام، يعني فقط يعني لف ودوران. لا، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]، هذا هو الصحيح.

قراءة الإمام الشافعي أصيب به من أساء والإشكال الصرفي فيها

أيضًا ورد عن الإمام الشافعي ماذا في القراءات الشاذة؟ ﴿أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ﴾ [الأعراف: 156]، قوم ذهبوا [فقالوا إن] الإمام الشافعي مرة قرأها ﴿أصيب به من أساء﴾ وهي صحيحة، المعنى أن العذاب يُصاب به من أساء وخالف.

لكن المشكلة أنه لم يكمل. الآن هذه الكلمة مفتوحة وتلك مضمومة، فـ﴿عذابي أصيب به من أساءَ﴾ ستكون في صيغة الماضي، و﴿من أشاءُ﴾ ستكون في صيغة المضارع. فلو أنه أكمل الآية وهذه مضمومة، فلن تكون مناسبة كلمة أساء خالص.

ولذلك هذه الأمور أي يعني قراءات شاذة غير مأخوذ بها.

بيان القاضي عياض أن الله بعث في الناس رسولاً من أنفسهم يعرفونه ويتحققون صدقه

طيب، قال القاضي الإمام أبو الفضل رحمه الله: أعلم الله تعالى المؤمنين أو العرب أو أهل مكة أو جميع الناس - على اختلاف المفسرين من المواجهة بهذا الخطاب - أنه بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يعرفونه ويتحققون مكانه ويعلمون صدقه وأمانته، ولا يتهمونه بالكذب وترك النصيحة لهم لكونه منهم.

وأنه لم يكن في العرب قبيلة إلا ولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولادة أو قرابة.

تفسير إلا المودة في القربى وأقوال العلماء في معنى القربى

وهو عند ابن عباس وغيره معنى قوله تعالى:

﴿إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: 23]

يعني في العرب، يعني يأمر المسلمين أن يتقوا الله في العرب. بعضهم يحصرون أحيانًا ليجعلوا ﴿في القربى﴾ يعني في آل هاشم بني هاشم وبني المطلب؛ لأن النبي [صلى الله عليه وسلم] كان يقول:

«بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد»

وذلك لأنهم دخلوا معهم الشعب عند المقاطعة، دخلوا معهم في المقاطعة. أصبحت الناس تقاطع بني هاشم وبني المطلب، والمطلب أبوا إلا أن يقفوا مع أبناء عمومتهم بني هاشم.

النبي عليه الصلاة والسلام جعلهم واحدًا، أو بني هاشم فقط، أو العترة. والعترة من أبناء الحسن والحسين.

الأقوال الخمسة في تفسير أهل البيت وأن كل معنى يُستعمل في مقامه

ولذلك البيت في تفسيرها خمسة أقوال كما أفاد ذلك الباجوري. قال: وهي ليست أقوالًا مختلفة بل يُستعمل كل معنى في مقامه، يعني ليس كلما يأتيني البيت يكون فيها خمسة أقوال.

لا، آل البيت في الصلاة هي أمة المسلمين، أو من عظّم البيت الحرام. أهل البيت الذي هو البيت الحرام هذا الذي هم أمة المسلمين. يعني عندما نأتي لنقول: اللهم صل على سيدنا محمد وآل سيدنا محمد، يعني وأمة سيدنا محمد.

لماذا؟ لأنهم أهل البيت. كيف يكونوا هم أهل البيت؟ كيف! إن أهل البيت الناس جميعًا حوله، وهل البيت هم الأمة كلها؟ لأنها قد اتخذته قبلة ولأنها تحج إليه وتعتمر، فهم أهل البيت.

أهل البيت المحرم عليهم الزكاة وفتوى الباجوري والفضالي بجواز أخذهم منها

ومن أهل البيت المحرَّم عليهم الزكاة الذين هم بنو هاشم وبنو المطلب، وتحرم عليهم الزكاة إلا إذا مُنعوا حقهم من الخمس فيدخلون في الزكاة.

فلما انقطع بهم الخُمْس أفتى الشيخ محمد الفضالي والشيخ إبراهيم الباجوري بأنهم يأخذون من الزكاة ولو كانوا من أهل البيت؛ حتى لا يتكففون الناس.

أهل البيت بمعنى النسب والعترة، أي هم أولاد الحسن والحسين وأولاد زينب، لا، فهي أختهم السيدة زينب. وأولاد أمامة، أمامة بنت العاص لم يكن لها أولاد، ماتت ولم تعقب. يبقى إذن الحسن والحسين فقط.

هل للأسباط أبناء البنات شرف كشرف الأصل وترجيح شرفهم

طيب، والأسباط الذين هم أبناء البنات، هل لهم شرف كشرف الأصل؟ أولاد الحسن والحسين الذكور؟ طيب، جاءت بنت من آل البيت، أولادها أصبحوا من عائلة زوجها، فهل يدخلون معنا في البيت أم لا؟

عندنا أهل السنة قولان: إسماع الصم بثبوت الشرف من قبل الأم، هناك من ألف في هذا. وأيضًا في كتاب شرف الأسباط لـجمال الدين القاسمي ذكرَ قول من قال إنهم من أهل البيت، وعلى ذلك تقوم نقابتنا هذه، نقابة آل البيت، واسمها نقابة الأشراف، وتَعُدُّ الأسباط من الأشراف.

والقول الثاني: لا، هؤلاء ليسوا من الذين لهم سمة الشرف، أي يعني قد لهم ولادة من آل البيت الكرام. وكذلك الشيعة لا يعدون الأسباط من آل البيت.

فمع من نكون؟ مع شرف الأسباط. نعم، نرجح شرف الأسباط كما أن نقابتنا هي نقابة الأشراف، هذه نقابتنا.

كل قبيلة عربية لها على رسول الله ولادة وأمهات النبي صلى الله عليه وسلم

حسنًا، أنه بعث فيهم رسولًا من أنفسهم يعرفونه ويتحققون مكانته ويعلمون صدقه وأمانته، [ولا] يتهمونه بالكذب وترك النصيحة لهم لكونه منهم. وأنه لم يكن في العرب قبيلة إلا ولها على رسول الله ولادة صلى الله عليه وسلم.

ولذلك كان له ما يُسمى بـأمهات الرسول، أي نحن نعلم أن الرسول أمه آمنة رضي الله تعالى عنها. حسنًا، آمنة من هي أمها؟ هل أنت منتبه؟ آمنة بنت وهب، أبوها وهب، ما لي شأن بالتدخل أنا بالآباء إذن.

أنا سأسير دائمًا وأسأل: عندي أم آمنة، من هي؟ حسنًا، من هي أمها؟ من هي أمها؟ لو فعلنا هكذا، فهذا يُسمى أمهات النبي، وقد أُلف فيه.

النبي خلاصة العرب جميعاً بتتبع نسبه من جهة الأمهات

لوجدنا أن النبي قد انتمى إلى العرب جميعًا، فهو خلاصة خلاصة العرب صلى الله عليه وسلم. وكونه من أشرافهم بالتتبع، عندما تصنع هذه الخريطة الكبيرة تجده هو خلاصة الخلاصة وأرفعهم وأفضلهم على قراءة الفتح ﴿أنفَسِهم﴾.

وهذه نهاية المدح، ثم وصفه بعد ذلك بأوصاف حميدة وأثنى عليه بمحامد كثيرة من حرصه على هدايتهم ورشدهم وإسلامهم، وشدة ما يعنتهم ويضر بهم في دنياهم وأخراهم، وعزته عليه ورأفته ورحمته بمؤمنيهم.

اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد.

تسمية النبي باسمين من أسماء الله الرؤوف والرحيم وآيات بعثته من أنفسهم

قال بعضهم: أعطاه [الله] اسمين من أسمائه: رؤوف، رحيم. قال تعالى:

﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 164]

وفي الآية الأخرى:

﴿هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [الجمعة: 2]

وقوله تعالى:

﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ﴾ [البقرة: 151]

كل هذا يؤكد أنه من العرب. وروي عن علي [رضي الله عنه]: ﴿من أنفسهم﴾ قال: نسبًا وصهرًا وحسبًا، ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلنا نكاح.

طهارة نسب النبي وتصحيح العلماء لأنكحة المشركين بناءً على ذلك

قال النبي [صلى الله عليه وسلم]:

«ولم يمسسني سفاح الجاهلية الأولى»

ومن هنا صحح العلماء أنكحة المشركين. إنه يقول: وُلدت من نكاح ولم أولد من سفاح، ولم يمسسني سفاح الجاهلية الأولى. فمعنى هذا أن الآباء وإن كانوا مشركين تصح زيجاتهم.

ولذلك فـالزواج غير السفاح، والفرق بينهما عرف المجتمع. فلما أسلم الصحابة الكرام لم يُعِد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم أنكحتهم، أقرهم على الأنكحة.

ولذلك الاستئناس في تصحيح أنكحة الناس في كتاب بهذا الاسم لـجمال الدين القاسمي يصحح في الأنكحة الناس حتى ولو كانوا مشركين.

ابن الكلبي كتب للنبي خمسمائة أم فما وجد فيهن سفاحاً

وعن ابن عباس قال ابن الكلبي: قبلها كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم خمس مائة أم، فما وجدت فيهن سفاحًا ولا شيئًا مما كان عليه الجاهلية.

يبقى الكلبي له كتاب أمهات النبي، ذكر فيه إلى أن وصل إلى خمس مائة أم بالطريقة التي قلت لكم عليها. هذه، طيب، هذه آمنة، طيب، أم آمنة ما اسمها؟ طيب، ما اسم أمها؟ طيب، ما اسم أمها؟ وهكذا.

انتبه، أنت تتشعب كل قليل وهكذا. طيب، عبد الله، ما اسم أمه؟ طيب، ما اسم أمها؟ ما اسم أمها؟ ما اسم أمها؟ ما هو، الأب والأم، فعدَّ له خمسمائة أم لها - له - لهن عليه صلى الله عليه وسلم ولادة.

تفسير وتقلبك في الساجدين وقول جعفر الصادق في بعثة النبي سفيراً صادقاً

وعن ابن عباس في قوله:

﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ [الشعراء: 219]

قال: من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيًا.

وقال جعفر بن محمد الذي هو جعفر الصادق: علم الله تعالى بعجز خلقه عن طاعته فعرفهم ذلك لكي يعلموا أنهم لا ينالون الصفوة من خدمته، فأقام بينهم وبينه مخلوقًا من جنسهم في الصورة، ألبسه من نعته الرأفة والرحمة، وأخرجه إلى الخلق سفيرًا صادقًا، وجعل طاعته طاعته وموافقته موافقته، فقال:

﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ﴾ [النساء: 80]

وقال:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

قول أبي بكر بن طاهر إن النبي زُيّن بزينة الرحمة وكل شمائله رحمة على الخلق

قال أبو بكر بن طاهر: زين الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق.

فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه، والواصل فيهما إلى كل محبوب. ألا ترى أن الله تعالى يقول:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

فكانت حياته رحمة ومماته رحمة، كما قال:

«حياتي خير لكم وموتي خير لكم»

وكما قال:

«إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطًا وسلفًا»

تفسير رحمة للعالمين بأنها تشمل المؤمن والمنافق والكافر

قال السمرقندي: ﴿رحمة للعالمين﴾ يعني للجن والإنس. وقيل: لجميع الخلق؛ للمؤمن رحمة بالهداية، ورحمة للمنافق بالأمان من القتل، ورحمة للكافر بتأخير العذاب.

قال ابن عباس: هو رحمة للمؤمنين والكافرين إذا عوفوا مما أصاب غيرهم من الأمم المكذبة.

وحُكِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام: هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله علي بقوله:

﴿ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 20-21]

قول جعفر الصادق في تفسير فسلام لك من أصحاب اليمين

وروي عن جعفر بن محمد الصادق في قوله تعالى:

﴿فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 91]

أي بك، إنما وقعت سلامتهم من أجل كرامة محمد صلى الله عليه وسلم.

وهنا فسر بعض المفسرين الرحمة للعالمين بأنها تصيب كل الخلق قبله وبعده. يعني هنا الذين ذكروا المؤمن والكافر، لا، هذا في شيء أكثر من ذلك، هذا الذي قبله والذي بعده.

وذلك لحديث الشفاعة كما أورده الإمام البخاري في صحيحه، فإن الخلق يلجؤون إلى آدم فيعتذر، وإلى نوح فيعتذر، وإلى إبراهيم فيعتذر، وإلى موسى وعيسى وكلهم يحيل بعضهم إلى بعض، حتى يحيل عيسى إلى النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم.

الشفاعة العظمى للنبي يوم القيامة وشمول رحمته لجميع الخلق من لدن آدم

فيذهب كما في البخاري فيسجد سجودًا طويلًا عند العرش لله رب العالمين، ويُلهَم بكلام كثير ودعاء لم يلهمه أحد من قبل، حتى يقول الله له:

«يا محمد، ارفع تُشفع، وقُل تُسمع»

ويستجيب له، فتصيب رحمته بتلك الاستجابة كل العالمين في الموقف، الذي قبل والذي بعد، من لدن آدم إلى يوم القيامة. سيستفيدون منه من سبّه ومن كفر به ومن آمن، كلهم سيستفيدون من شفاعته العظمى للخلق أجمعين بتقصير يوم القيامة.

﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]

فيوم القيامة طوله ألف سنة وسيختصرونه إلى النصف بالشفاعة الكبرى، سواء أفادهم أم لم يفدهم، لكن كل واحد يعمل حسب أصله.

خشية الملائكة من العاقبة واطمئنان جبريل بالنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم

يقول الشيخ: الملك يخشى العاقبة قطعًا وهم يرتجفون ولا يعرفون ما في نفس الله، والله سبحانه وتعالى فعال لما يريد، وفعله في ملكه لا يتعلق بالعمل.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته»

فجبريل يعلم هذه الحقيقة لكنه اطمأن بعدما صرح الله بأنه مطاع عند ذي العرش مكين. تطمأن لأن الله سبحانه وتعالى صادق لا يخلف وعده.

أما قبل ذلك التصريح فالملك وإن كان معصومًا هو في خشية الله وفي الهيبة الدائمة كما أنه في الرجاء الدائم، ولكن جبريل اطمأن لمستقبله بالنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم. فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

معنى زائد في شمول الرحمة النبوية لمن أتى قبله ومن أتى بعده يوم الدين

إذا فهناك معنى زائد وهو أن الرحمة تصل إلى العالمين في يوم الدين، فهذه الرحمة ستعم الناس كلهم، ليس فقط من جاء بعد النبي من مؤمن وكافر وجن وإنس، بل أيضًا من أتى قبله وانتقل قبل أن يراه، كذلك سيدخل في الرحمة العميمة والشفاعة الكبرى صلى الله عليه وسلم.

تفسير الله نور السماوات والأرض بأن المراد بالنور محمد صلى الله عليه وسلم

وقال الله تعالى:

﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [النور: 35]

قال كعب الأحبار وابن جبير: المراد بالنور الثاني هنا محمد صلى الله عليه وسلم.

إذن فكما أن من أسمائه الرحيم وأن من أسمائه الرؤوف ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾، فإن من أسمائه صلى الله عليه وسلم النور. بل من أسمائه أيضًا السميع البصير، وكلها أسماء لله لكنه أذن للبشر أن تتسمى بها وأن تتصف بها.

والفرق بين صفة الرحمن وصفة من كان في الأكوان أن صفة الرحمن تامة كاملة لا مزيد عليها، يتوجه الذهن إليها عند إطلاقها. فلو قلنا: من الرحيم الرؤوف السميع البصير؟ فهو الله؛ لأن الذهن يذهب إلى الله لتمام تلك المعاني في حقه تعالى سبحانه وتعالى.

جواز وصف البشر بأسماء الله مع الفرق في الكمال وتأويل السميع البصير في سورة الإسراء

ولكن سمي الله بالمؤمن ويسمى البشر بالمؤمن، وبالقوي ويمكن أن يكون البشر موصوفًا بالقوة، أو بالعظيم كل فرق كالطود العظيم وهكذا.

ترى أن هناك أوصافًا قد وصف الله بها نفسه لكنه أيضًا وصف بها خلقه. ومما يخص نبينا صلى الله عليه وسلم أنه وصفه بأنه السميع البصير في أحد تأويلات قوله تعالى:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الإسراء: 1]

قال الألوسي: والضمير هنا يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهو كان سميعًا بصرير الأقلام، وكان بصيرًا بأحداث السماء وبلقاءاته مع الأنبياء.

النبي يمكن أن يوصف بالسميع البصير بالتأويل وعود الضمير

ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن يوصف بهذا الاسم [السميع البصير]. فإذا لم يكن هناك تفسير، انصرف الذهن مباشرة إلى أنه هو السميع البصير سبحانه وتعالى.

أما بالتأويل أو بالنظر أو بعود الضمير فيمكن أن نصف النبي صلى الله عليه وسلم بها كما وصفه بها الأكابر. فهو نور.

تفسير سهل بن عبد الله لآية النور بأن المشكاة نور محمد في الأصلاب

وقال سهل بن عبد الله: المعنى الله هادي أهل السماوات والأرض. ثم قال:

﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: 35]

[أي] مثل نور محمد إذ كان مستودعًا في الأصلاب كمشكاة صفتها كذا وكذا. وأراد بـالمصباح قلبه، وبـالزجاجة صدره.

﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ﴾ [النور: 35]

لما فيه من الإيمان والحكمة.

﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ﴾ [النور: 35]

أي من نور إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وضرب المثل بالشجرة المباركة.

وقوله:

﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ﴾ [النور: 35]

أي تكاد نبوة محمد تبين للناس قبل كلامه كهذا الزيت.

مهابة النبي وعدم قدرة الصحابة على وصفه إلا هند بن أبي هالة وأم معبد

ولذلك كان الصحابة الكرام وغيرهم إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطيعوا أن ينظروا في وجهه من شدة حلاوته وجماله ومهابته وأنواره.

ولما سُئل الصحابة الكرام عن وصفه ما استطاعوا، وقالوا: كنا لا نحدق النظر فيه من مهابته صلى الله عليه وسلم، وهم قد لازموه كثيرًا.

والذي استطاع أن يصفه اثنان: الأول هند بن أبي هالة وهو ربيبه؛ لأنه هو ابن خديجة عليها السلام. والثاني أم معبد حيث رأته وهي مشركة، فجلست تتأمل في هذا الذي جاءهم فجاء معه البركة، وتتعجب من وصفه وشأنه حتى حفظت ملامحه فروتها.

فأصبح عندنا حديثان في وصف النبي المصطفى: حديث هند بن أبي هالة رضي الله تعالى عنه - وهند هو رجل ابن خديجة وهو ربيب المصطفى تربى في بيته - والثاني حديث أم معبد. والأوصاف التي ذكرها مثل أنس والحسن والحسين وعلي إنما هي أوصاف جزئية وصفت شيئًا وتركت أشياء.

تسمية النبي نوراً وسراجاً منيراً في القرآن وتفسير ألم نشرح لك صدرك

إذن وقد قيل في هذه الآية غير هذا والله أعلم. وقد سماه الله تعالى في القرآن في غير هذا الموضع نورًا وسراجًا منيرًا، فقال:

﴿قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: 15]

وقال:

﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-46]

ومن هذا قوله تعالى:

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1]

إلى آخر السورة. شرح يعني وسع، والمراد بالصدر هنا القلب. قال ابن عباس: شرحه بالإسلام. وقال سهل: بنور النبوة. وقال الحسن - يعني البصري هذا -: ملأه حكمًا وعلمًا، حكمًا يعني حكمة. وقيل معناه: ألم نطهر قلبك حتى لا يؤذيك الوسواس.

تفسير ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك وأقوال العلماء في معنى الوزر

﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِىٓ أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: 2-3]

قيل: ما سلف من ذنبك يعني قبل النبوة. وقيل: أراد ثقل أيام الجاهلية. وقيل: أراد ما أثقل ظهره من الرسالة حتى بلغها، حكاه الماوردي والسلمي.

والماوردي له تفسير مطبوع أخيرًا، وعبد الرحمن السلمي له أيضًا تفسير وتفسيره أيضًا مطبوع.

وقيل: عصمناك ولولا ذلك لأثقلت الذنوب ظهرك، حكاه السمرقندي.

معنى الذنب في حق النبي وأنه خواطر بشرية لا معاصٍ وعصمته صلى الله عليه وسلم

والذنب في حق النبي صلى الله عليه وسلم هو نوع من أنواع الخواطر التي ترد على البشر ولا يمكن دفعها لأحد من البشر لبشريته. وإنما هو لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة ولا شيئًا يغضب الله سبحانه وتعالى، بل كان صافيًا منورًا.

وكان الخاطر إذا خطر على باله وكأنه قد يحاسب عليه، فطمأنه الله سبحانه وتعالى وطمأن قلبه بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأنه سبحانه وتعالى قد وضع عنه وزره.

وأنك يا محمد لا تفكر في هذا الشأن، وكل ما خطر في بالك فإن الله سبحانه وتعالى سيحميك منه ويطهر جنانك منه. ولذلك أنت لا تخرج من البشرية ولكنك قد وصلت إلى مرحلة العصمة:

﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: 67]

فكان نقيًا وفيًا خالصًا مثالًا صالحًا للبشرية جمعاء وللمسلمين خاصة.

وجوب اتباع النبي وحبه كركن من أركان الإيمان وأنه بابنا إلى الله

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

فعليكم باتباع سنة المصطفى وبحبه وبتعليم أبنائكم وإخوانكم حبه، فإنه ركن الإيمان ولا إيمان إلا بحب هذا الرجل. وهو بابنا إلى الله، وإذا لم يكن هناك إلا هذا الباب فقد نجوت، وإذا جعلت معه بابًا آخر فقد هلكت.

ولذلك نقدمه على أنفسنا وآبائنا وإخواننا وكل ما نحب. النبي صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الكامل الذي كمله الله واصطفى وجعله أسوة حسنة وأمرنا بطاعته، وقال إن هذا هو الذي أرضى عنه.

فمن استطاع أن يقلده وأن يتبعه وأن يأخذ هديه ما أخذ الجد في حياته نجا، ومن لم يستطع حاول مرارًا ثم إنه في رحمة الله سبحانه وتعالى.

تفسير ورفعنا لك ذكرك وتوسل آدم بالنبي عند رؤية اسمه على العرش

نرجو الله سبحانه وتعالى أن يقيمنا في الحق غير خزايا ولا مفتونين.

قال:

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]

قال يحيى بن آدم: بالنبوة. وقيل: إذا ذُكرت ذُكرت معي.

وفي الحاكم أن آدم عندما خرج من الجنة وجد مكتوبًا على العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

فقال الله له: وما أدراك يا آدم بمحمد؟ قال: رأيتك قد قرنت اسمك مع اسمه فعرفت أنه له مكانة عندك، فتوسل إليه به. كل حاجة مقيدة بالكتاب والسنة، طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، عرف ذلك من عرف وجهل من جهل.

طريق أهل الله مقيد بالذكر والفكر وقلة الكلام والطعام والمنام من الكتاب والسنة

أنه حين يأتي أهل الطريق يقول لك: طريقنا مقيد بـالذكر والفكر. نعم، لابد أن يكون كذلك:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ [آل عمران: 191]

الله! فما هو الذكر والفكر؟ من أين أتى بهذا؟ إنه أتى به من سورة آل عمران، ها هي الآية. ولكن عندما وزنها قوم مثلك يخاف البدعة، لا، ها هي الآية، الذكر والفكر.

قُل: طريقنا هذا مُقيّد بـقلة الطعام وقلة المنام وقلة الأنام وقلة الكلام. من أين أتوا بهذا الكلام؟

إن ابن أبي الدنيا ألّف كتاب الصمت، وهو كتابٌ ضخمٌ بهذا الحجم، فيما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصمت. قلة الكلام: ربنا أمرنا بعدم اللغو.

أدلة قلة الكلام من القرآن والسنة ونصيحة الإمام الشافعي في حفظ اللسان

قلة الكلام: ربنا بيَّن لنا أن هناك صيامًا فيمن كان قبلنا ومن ضمن هذا الصيام:

﴿إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 26]

إن قلة الكلام ليست في دين الإسلام [فحسب]، قلة الكلام. والإمام الشافعي هو ينصحك ويقول لك: الكلمة أنت تملكها قبل أن تنطق بها، فإن نطقت بها ملكتك.

قال النبي ﷺ لمعاذ: «وهل يكب الناس في النار يا معاذ إلا حصائد ألسنتهم»

قلة الكلام، ما أحد الآن لا يثرثر، يثرثر على الدوام طوال النهار والليل، جالسين يتحدثون في غير المفيد.

أدلة قلة المنام والطعام من القرآن والسنة وصيام النبي ستة أشهر من السنة

قلة المنام الذي هو الاعتكاف، الذي هو الخلوة التي كان يفعلها [النبي صلى الله عليه وسلم] في غار حراء. قلة الطعام وهو الصيام.

وعندما تتتبع صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم تجده يصوم ستة أشهر، سبعة شهور لأجل رمضان. ستة شهور من المتبقي كما ورد: الاثنين والخميس هذه مائة وأربعة أيام في السنة، مائة وأربعة أيام في السنة تعني ثلاثة شهور يا إخواننا وثلث.

ستة أيام في شوال، السبت والأحد، يوم عاشوراء، التسعة أيام الأولى من ذي الحجة، التي كذا. اجمع هكذا تجدهم ستة أشهر.

وقلة الطعام بحسب:

قال النبي ﷺ: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولا بد فاعلًا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه»

حسنًا، لكنه قال هذا، فهؤلاء الناس لا يتحدثون إلا بالكتاب والسنة.

أدلة قلة المنام من القرآن وقيام الليل والتنبيه على الغفلة عن سنة النبي

لكنك أول ما تسمع هذا الكلام يعني أنه غير وارد معك أين هو بالضبط، وتقرأ أصبحت كل كتبه مبنية على هذه الأربعة: قلة المنام:

﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]

إذن هذا كلام عن قلة المنام:

﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2]

لكن سنتوقف عند هذا الحد ولن نُكمل. أليس هذا قلة المنام؟ ها هو! وبعد ذلك يخفف عنه:

﴿نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: 3-4]

الله الله الله، صارت ثلثين، ها هو!

﴿وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [المزمل: 4]

ثلثين، ها هو! يا إخواننا، انظروا إلى الغفلة، انظروا في أي غفلة أصبحنا.

خاتمة الدرس والحث على اتباع سنة النبي والغوص في معاني سيرته

وهكذا فتنبهوا واعلموا أن طريق الله هو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما هدفنا إلا أن نذكر ذلك الرجل الجليل صلى الله عليه وسلم إلا لاتباعه والغوص في معاني ما يقول، والوقوف عنده في مراده، والتعلم منه منهج مواقفه في سيرته.

وأن توقن بقلبك أن الله يعظم، وأن الله سبحانه وتعالى اصطفى، وأنك إذا أردت رضا الله فعليك برسول الله، وإذا أردت الدنيا فعليك برسول الله، وإذا أردت الآخرة فعليك برسول الله، وإذا أردتهما معًا فعليك برسول الله. فبه العزة في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.