ما أهمية الإيمان باليوم الآخر من أركان الإيمان وما ثمراته في ضبط سلوك الإنسان وإصلاح الدنيا؟
الإيمان باليوم الآخر هو الضابط المعرفي لسلوك الإنسان في الحياة الدنيا، يدفعه إلى الخير ويمنعه من الشر. وقد أنشأ الله هذا اليوم ليُعين الإنسان على الاستقامة مع خصائصه البشرية كالنسيان والغفلة. ومن أبرز ثمراته أن ذكر الجنة والنار يُبقي الإنسان في حالة يقظة دائمة، وأن الغرض من ذكر العذاب في القرآن هو الدفع إلى الخير والمنع من الشر لا الانتقام.
- •
هل يمكن أن يكون الإيمان باليوم الآخر سببًا في إصلاح الدنيا لا مجرد خوف من العذاب؟
- •
الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، وهو الضابط المعرفي الذي يدفع الإنسان إلى الخير ويمنعه من الشر.
- •
خلق الله في الإنسان خاصية النسيان والغفلة، فجعل اليوم الآخر تذكيرًا مستمرًا يُعينه على الاستقامة.
- •
من ثمرات الإيمان باليوم الآخر أنه يمنع الإنسان من الانزلاق إلى حياة الفوضى التي لا تنظر إلا إلى الجانب المادي.
- •
تناول العلماء كابن تيمية وابن عربي مسألة العدل الإلهي في الآخرة بأقوال عميقة تجمع بين الرحمة والحكمة.
- •
ليس في القرآن آية عذاب إلا ومعها ذكر الرحمة والمغفرة، والغرض من ذكر العذاب هو الدفع والمنع لا الانتقام.
- 0:00
مقدمة تُعرّف بالإيمان باليوم الآخر بوصفه ركنًا من أركان الإيمان، وتطرح كيفية إدراكه عقلًا وشرعًا.
- 1:15
اليوم الآخر ضابط معرفي أنشأه الله ليُعين الإنسان على العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس.
- 2:14
النسيان خاصية إلهية في الإنسان تُمكّنه من المسامحة والاستمرار في العمارة، وأول من نسي هو آدم عليه السلام.
- 3:28
الإنسان بطبيعته يغفل وينسى، لذا يحتاج إلى تذكير مستمر باليوم الآخر كي يستمر في الاستقامة والعبادة.
- 4:31
أنشأ الله اليوم الآخر ضابطًا للإنسان، وذكر الجنة والنار يُعينه على الانضباط وأداء وظائفه في الأرض.
- 5:36
الإيمان باليوم الآخر يمنع الإنسان من المعصية عمليًا، وغيابه يُفضي إلى حياة فوضى مادية بلا ضابط.
- 6:40
العقل والروح والتكليف يُميّزان الإنسان، ولذلك لا بد من يوم آخر يرجع فيه إلى الله للحساب والعفو.
- 7:18
طلب العدل المجرد من الله دون رحمته يدل على جهل بحقيقة النعم الإلهية وعدم إدراك معنى الحساب.
- 8:24
طلب العدل والإحسان معًا من الله قلة أدب، لأن نعم الله لا تُحصى وكل ما يُعطيه هو محض فضل وإحسان.
- 9:01
الإيمان باليوم الآخر يدفع إلى الخير ويمنع من الشر، وثمرته الكبرى تحقيق الاتزان النفسي لا الخوف المفرط.
- 10:03
الوسط في القرآن تعني الأعلى والأفضل، وجعل الله المسلمين أمة وسطًا لتكون شاهدة على الناس من موقع الريادة.
- 11:03
شهيد صيغة فعيل تجمع الشاهد والمشهود معًا، وهي دقة لغوية قرآنية تعبّر عن الحضور المتبادل والمسؤولية.
- 11:59
صيغة فعيل تدل على الفاعل والمفعول معًا، وشهداء جمع شهيد لا جمع شاهد، وهذا من دقة الاستعمال القرآني.
- 13:00
شهداء في الآية تعني الشهادة المتبادلة بين الأمة والناس، وهي دعوة للانخراط الحضاري لا للعزلة أو العنف.
- 13:55
الاقتداء بالرسول ﷺ مرتبط بالإيمان باليوم الآخر، ويُطرح سؤال العدل الإلهي في الآخرة بين المؤمن والكافر.
- 14:46
العدل الإلهي في الآخرة مضمون بنص القرآن، والله لا يظلم أحدًا، وهو غفور حكيم في كل أحكامه.
- 15:58
الله حرّم الظلم على نفسه، وابن تيمية نقل قولًا بفناء النار مستندًا إلى أن الخلود يعني أحقابًا طويلة لا الأبدية.
- 16:53
ابن تيمية رأى أن النار ستفنى بناءً على قول منسوب لعمر، وأن الخلود يعني أحقابًا طويلة لا الأبدية المطلقة.
- 17:27
ابن عربي رأى أن حروف العذاب هي حروف العذوبة، وأن رحمة الله تتخلل العقوبة فتجعلها عذبة على من يتلقاها.
- 18:52
مثال الجمل المجروب يُوضّح اجتماع الألم واللذة، وهو ما استخدمه ابن عربي لتفسير تحول العذاب إلى عذوبة.
- 19:46
مثال المرأة الحامل يُجسّد الجمع بين المشقة والسعادة، مما يُعزز فكرة أن رحمة الله تتخلل كل شيء حتى العقوبة.
- 21:05
ضرس الكافر بحجم جبل أُحد يدل على اختلاف الأجسام في الآخرة، وأوصاف العذاب الشديدة غرضها الموعظة لا الانتقام.
- 22:09
الغرض من ذكر العذاب في القرآن هو الدفع إلى الخير والمنع من الشر، وهو من أبرز ثمرات الإيمان باليوم الآخر.
- 22:53
الاستهانة بالعذاب تُهدر الغرض الأساسي من الآخرة، وهو منع الإنسان من المعصية ودعوته إلى الخير.
- 23:50
فهم أن الآخرة لإصلاح الدنيا لا للعذاب المجرد يُزيل الخوف المفرط، وقد أثّر هذا الفهم في اقتناع المتشككين.
- 24:38
كل آية عذاب في القرآن مقرونة بالرحمة والمغفرة، وهذا يدل على أن الله لا يُقدّم العذاب مجردًا من رحمته.
- 25:18
الإيمان باليوم الآخر ضابط معرفي يُسهم في استقامة الدنيا، وثمرته للمتأمل أن يرى الحياة بمنظور أعلى وأشمل.
ما هو الإيمان باليوم الآخر وكيف يدركه العقل البشري من منظور الشرع؟
الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان يأتي بعد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. ويطرح هذا الركن تساؤلًا جوهريًا حول كيفية إدراك العقل البشري لهذا المفهوم من منظور الشرع ومن منظور العقل معًا.
لماذا يُعدّ اليوم الآخر ضابطًا معرفيًا لحركة البشر وما علاقته بتكليف الإنسان؟
اليوم الآخر هو الضابط المعرفي لحركة البشر، إذ خلق الله الإنسان ليعبده ويعمر الأرض ويزكي نفسه. وقد أنشأ الله هذا اليوم ليُعين الإنسان على الالتزام بهذا التكليف الإلهي رغم ما فيه من خصائص بشرية قد تُعيقه.
ما دور خاصية النسيان في الإنسان وكيف تُسهم في استمرار الحياة والعمارة؟
النسيان خاصية خلقها الله في الإنسان لتُمكّنه من الاستمرار في الحياة؛ فلولا النسيان لما استطاع الإنسان أن يسامح أو يتاجر بعد خسارة أو يُحسّن علاقته مع الله. وأول من نسي هو سيدنا آدم عليه السلام، وقد سُمّي الناس بالناس لأنهم ينسون.
لماذا يحتاج الإنسان إلى التذكير المستمر باليوم الآخر وما أهمية ذلك في مواجهة الغفلة؟
بسبب طبيعة النسيان والغفلة المركوزة في الإنسان، لا بد من تذكير مستمر ومتكرر بالآخرة، وهو ما أشارت إليه الآية: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فالإنسان خُلق محتاجًا إلى الأكل والشرب والأنيس، وكذلك محتاج إلى التذكير بالآخرة كي يستمر في العبادة والعمارة والتزكية.
كيف يُعين اليوم الآخر الإنسان على الاستقامة وما دور ذكر الجنة والنار في ذلك؟
أنشأ الله اليوم الآخر ليُعين الإنسان على الاستقامة رغم خصائصه البشرية، فيُذكَّر الناس في كل حين بأن هناك جنة ونارًا. وهذا التذكير المستمر هو الذي يجعل الإنسان ينضبط ويؤدي وظائفه الكبرى في الأرض، ولذلك قيل إن اليوم الآخر هو الضابط على وجه الأرض.
كيف يمنع الإيمان باليوم الآخر الإنسان من الوقوع في المعصية وما البديل لو غاب هذا الضابط؟
من ثمرات الإيمان باليوم الآخر أنه يمنع الإنسان من المعصية، إذ يُحدّثه ضميره بأن ما يفعله سيُغضب الله وسيُحاسَب عليه يوم القيامة فيمتنع. ولو غاب هذا الضابط المعرفي لأصبحت الحياة فوضى لا تنظر إلا إلى الجانب المادي الذي يشترك فيه الإنسان مع سائر المخلوقات.
ما الذي يُميّز الإنسان عن سائر المخلوقات ولماذا يحتاج إلى يوم آخر يرجع فيه إلى الله؟
الفرق بين الإنسان وسائر المخلوقات هو العقل والروح والتعلق بالله والتكليف والأمانة. ومع كل هذه الخصائص والوظائف لا بد من يوم آخر يرجع فيه الإنسان إلى الله ليُنبئه بالحقيقة المطلقة والثواب والعقاب ويتجلى عليه بالعفو.
ما الخطأ في قول من يطلب من الله أن يعامله بعدله لا برحمته وما دلالة ذلك؟
طلب العدل المجرد من الله دون الرحمة يدل على عدم فهم حقيقة الحساب، إذ إن الله أعطى الإنسان نعمًا لا تُحصى وسيحاسبه عليها جميعًا. ومن يطلب العدل المجرد يكون واثقًا من نفسه ثقة في غير محلها، وهو في الحقيقة يقع في المعصية والتقصير كترك الصلاة وغيرها.
لماذا يُعدّ طلب العدل والإحسان معًا من الله قلة أدب وما الموقف الصحيح من نعم الله؟
الله أعطى الإنسان نعمًا لا تُحصى كالعينين والأذنين وغيرها، وسيحاسبه عليها جميعًا. فمن يطلب العدل والإحسان معًا يكون قليل الأدب لأن ذلك محض فضل الله وإحسانه، وهو في الحقيقة لا يشعر بمنّة الله عليه بل يتكبر على الله.
ما ثمرات الإيمان باليوم الآخر في حياة الإنسان وكيف يحقق التوازن بين الخوف والرجاء؟
من ثمرات الإيمان باليوم الآخر أنه يدفع الإنسان إلى الخير ويمنعه من الشر، وهذا هو جوهر أهمية الإيمان باليوم الآخر. غير أن الإنسان إذا خرج عن حد الاتزان في نفسيته وعقليته اهتزت شخصيته، لذا فالمطلوب هو الاتزان بين الخشية والرجاء لا الغلو في أحدهما.
ما معنى الأمة الوسط في القرآن الكريم وما علاقة ذلك بالشهادة على الناس؟
الوسط في القرآن لا تعني المنتصف بل تعني الأعلى والأفضل، كمن يقف على قمة الجبل فهو في وسطه وهو في أعلاه. وقد جعل الله المسلمين أمة وسطًا لتكون شاهدة على الناس، أي في موقع الرؤية الشاملة والمسؤولية الحضارية.
ما معنى كلمة شهيد في اللغة العربية وكيف تجمع بين الشاهد والمشهود؟
كلمة شهيد في اللغة العربية تجمع بين معنى الشاهد والمشهود في آنٍ واحد، لأن صيغة فعيل تصلح للدلالة على الفاعل وعلى المفعول معًا. فمن يقف على قمة الجبل يرى الوادي ويُرى في الوقت ذاته، فهو شاهد ومشهود، وهذا هو معنى شهيد.
كيف تدل صيغة فعيل على الفاعل والمفعول في اللغة العربية وما أمثلتها القرآنية؟
صيغة فعيل في اللغة العربية تصلح للدلالة على الفاعل كعليم بمعنى عالم وجبير بمعنى جابر، وعلى المفعول كحبيب بمعنى محبوب وقتيل بمعنى مقتول. وشهداء جمع شهيد كما أن علماء جمع عليم وفقهاء جمع فقيه وخبراء جمع خبير، وليس جمع شاهد.
ما السر في استخدام القرآن لكلمة شهداء في وصف الأمة الإسلامية وما دلالتها الحضارية؟
استخدام القرآن لكلمة شهداء يعني أن الأمة الإسلامية في حالة شهادة متبادلة مع الناس، فهي تراهم ويرونها. وهذا لا يعني العزلة أو التكفير أو العنف، بل يعني إقامة علاقات حضارية مع الآخرين وتبليغهم رسالة الإسلام بوصفهم أمة الدعوة.
كيف يرتبط الاقتداء بالرسول ﷺ بالإيمان باليوم الآخر وما سؤال العدل الإلهي في الآخرة؟
الرسول ﷺ شهيد على الأمة وهي تتبعه وتقتدي به، وقد جمعت الآية بين الأسوة الحسنة والإيمان باليوم الآخر. ويُطرح سؤال العدل الإلهي: كيف يُعذَّب الكافر إلى ما لا نهاية بينما من آمن في آخر حياته يدخل الجنة؟
أين العدل الإلهي في اليوم الآخر بين من آمن في آخر عمره ومن مات كافرًا؟
الجواب أن الله غفور حكيم عادل ولا يظلم أحدًا، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. فلا ينبغي القلق من هذه المسألة لأننا بيد ربنا، والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في عدله ورحمته وحكمته.
ما موقف ابن تيمية من مسألة الخلود في النار وما الحديث القدسي المتعلق بتحريم الظلم؟
الله حرّم الظلم على نفسه كما جاء في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا». وقد نقل ابن تيمية قولًا منسوبًا لعمر بن الخطاب يذكر أن النار ستفنى، مستدلًا على أن الخلود في النار يعني البقاء أحقابًا طويلة لا الأبدية المطلقة.
ما رأي ابن تيمية في فناء النار وكيف فسّر معنى الخلود فيها؟
ابن تيمية ذو اطلاع واسع وذاكرة قوية نقل قولًا منسوبًا لعمر بن الخطاب بأن النار ستفنى. وفسّر معنى خالدين فيها أبدًا بأن أبدًا تعني أحقابًا أي مددًا طويلة، ولكن في النهاية من رحمة الله ستفنى النار.
ما رأي ابن عربي في طبيعة العذاب في النار وكيف تتجلى رحمة الله فيه؟
ابن عربي يرى أن الله رحيم وأن حروف كلمة العذاب هي نفس حروف العذوبة، مستدلًا على أن الله سيصيّر العقاب عذبًا على من يتلقاه. وهذا يعني أن الرحمة تتخلل العقوبة، فليس العذاب انتقامًا مجردًا بل فيه توافق كوني مع رحمة الله.
كيف يُوضّح مثال الجمل المجروب فكرة الجمع بين الألم واللذة في تفسير ابن عربي للعذاب؟
الجمل المصاب بالجرب يبحث عن شجرة ليحكّ جلده فيها حتى ينزف دمًا، وهو في الوقت ذاته سعيد أشد السعادة من الحكّ رغم الألم الشديد. وهذا المثال يُوضّح كيف يمكن أن يجتمع الألم واللذة في آنٍ واحد، وهو ما استخدمه ابن عربي لتوضيح فكرة تحول العذاب إلى عذوبة برحمة الله.
كيف يُجسّد مثال المرأة الحامل فكرة الجمع بين المشقة والسعادة في سياق رحمة الله؟
المرأة الحامل تعاني الغثيان والوهن والمشقة الشديدة وهي في الوقت ذاته سعيدة غاية السعادة، بل تعاين الموت عند الولادة وهي فرحة. وهذا المثال يُجسّد أن الجمع بين الألم واللذة ممكن، وأن الله رحمن رحيم عفو غفور وليس من نوع الانتقام المجرد.
ما دلالة حديث ضرس الكافر في النار وما الغرض من أوصاف العذاب الشديدة في القرآن؟
حديث أن ضرس أحدهم في النار بحجم جبل أُحد يدل على أن الجسم في الآخرة يختلف عن الجسم الدنيوي في مقاومته وتحمله. أما أوصاف العذاب الشديدة كعذاب مهين وعذاب عظيم وعذاب أليم فقد ردّ عليها بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾، أي أنها مصنوعة لموعظة الإنسان لا لإظهار الانتقام.
ما الغرض الحقيقي من ذكر العذاب في القرآن الكريم وكيف يرتبط بثمرات الإيمان باليوم الآخر؟
الغرض من ذكر العذاب في القرآن هو الدفع والمنع، أي دفع الإنسان إلى الخير ومنعه من الشر، وهذا من أبرز ثمرات الإيمان باليوم الآخر. فالله وضع هذه المعالم من أجل أن يبقى الإنسان على ذكرى يمتنع فيها عن المعصية دون أن ينهار أو ينكر.
كيف يُفضي الاستهانة بفكرة العذاب إلى إهدار الغرض الأساسي من الإيمان باليوم الآخر؟
من يستهين بفكرة العذاب ويقول إنه لن يمسه إلا أيامًا معدودة كأنه يريد الاستهانة بالغرض الأساسي من الآخرة. والغرض الأساسي هو أن الله يفعل ذلك من أجل الإنسان لا ضده، أي لمنعه من المعصية ودعوته إلى الخير لا لتعذيبه.
كيف تزول فكرة الخوف من الآخرة عند فهم أن الآخرة لإصلاح الدنيا لا للعذاب فقط؟
عندما يفهم الإنسان أن غرض الآخرة هو إصلاح الدنيا بالدفع والرفع بنص القرآن، تزول فكرة الخوف المفرط منها. وقد حدث هذا فعلًا مع من كان يستصعب فكرة العذاب، فلما عُرضت عليه أقوال العلماء وعرف غرض الكلام آمن وصلّى وحسُن إسلامه.
هل توجد في القرآن آية عذاب مجردة من الرحمة والمغفرة وما دلالة ذلك؟
لا توجد في القرآن آية عذاب إلا ومعها ذكر الرحمة والمغفرة والقبول والتجاوز، كما في قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾. وهذا يدل على أن الله لا يُقدّم العذاب مجردًا، ولكن الناس لا يتدبرون القرآن كما ينبغي.
كيف يُسهم الإيمان باليوم الآخر في استقامة الدنيا وما ثمرته للإنسان المتأمل؟
الإيمان باليوم الآخر هو الضابط المعرفي لحركة الإنسان المحترم في الدنيا، ومن ثمراته أن المتدبر الذي يربط بين المعلومات ويُعمل عقله يصل إلى أن هذا كله من أجل أن تستقيم الدنيا. فاليوم الآخر ليس تهديدًا بل هو الضامن لاستمرار الحياة الإنسانية الكريمة.
الإيمان باليوم الآخر من أركان الإيمان هو الضابط المعرفي الذي يدفع الإنسان إلى الخير ويمنعه من الشر، والآخرة غايتها إصلاح الدنيا.
الإيمان باليوم الآخر من أركان الإيمان ليس مجرد عقيدة نظرية، بل هو ضابط معرفي عملي أنشأه الله ليُعين الإنسان على أداء وظائفه في الأرض من عبادة وعمارة وتزكية. فبسبب خاصية النسيان والغفلة المركوزة في الطبيعة البشرية، يحتاج الإنسان إلى تذكير مستمر بالجنة والنار كي يبقى على الاستقامة.
من أبرز ثمرات الإيمان باليوم الآخر أنه يجمع بين الدفع إلى الخير والمنع من الشر دون أن يُفضي إلى اختلال نفسي، إذ كل آية عذاب في القرآن مقرونة بالرحمة والمغفرة. وقد أكد علماء كابن تيمية وابن عربي أن الغرض من ذكر العذاب هو الموعظة والإصلاح لا الانتقام، وأن رحمة الله تتخلل كل شيء.
أبرز ما تستفيد منه
- الإيمان باليوم الآخر ضابط معرفي يدفع إلى الخير ويمنع من الشر.
- النسيان خاصية بشرية جعلت التذكير باليوم الآخر ضرورة إلهية.
- ليس في القرآن آية عذاب إلا ومعها ذكر الرحمة والمغفرة.
- الآخرة غايتها إصلاح الدنيا وليست مجرد عقوبة أو انتقام.
- ابن تيمية وابن عربي قدّما رؤى عميقة في مسألة العدل الإلهي والرحمة في الآخرة.
مقدمة الحلقة والحديث عن الإيمان باليوم الآخر من منظور العقل والشرع
[المذيع]: أهلًا بكم في إطار حلقتنا المتواصلة مع فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، الحديث متواصل في الحوار، حوار العقل وحوار الإيمان، في درجات المعرفة: معرفة العقل ومعرفة الإيمان وأركان الإيمان.
ننتقل إلى ركن آخر وركيزة أخرى من ركائز الإيمان وهي الإيمان باليوم الآخر، بعد أن آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله، نتحدث عن اليوم الآخر. هذا اليوم من منظور الشرع ومن منظور العقل، كيف يدرك العقل البشري والعقل المسلم خصوصًا هذا المفهوم؟
أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.
إشكالية فهم البعث والحساب عند بعض المؤمنين وبداية الإجابة عنها
[المذيع]: أهلًا وسهلًا، مرحبًا مولانا. اليوم الآخر وفلسفته، لأنه أحيانًا يوجد أناس في الحقيقة يستصعبون هذه الفكرة وهم مؤمنون بكافة الأركان، ولكن حينما تأتي فكرة سنُبعث ونُحاسب، تجد أن في القلب شيئًا وكأنه - لا أقول شكًّا - ولكن لست فاهمًا.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اليوم الآخر هو الضابط المعرفي لحركة البشر. عندما خلق الله البشر أراد منهم أن يعبدوه:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
رضًا منهم أن يعمروا الأرض:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
أراد منهم أن يزكّوا أنفسهم:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]
خصيصة النسيان في الإنسان وأثرها في استمرار الحياة والعمارة
ما الذي يدفع الإنسان إلى أن يلتزم بهذا [التكليف الإلهي] مع وجود الخصائص التي خلقها الله فيه من أجل القيام بهذه الوظيفة؟ من ضمن هذه الخصائص النسيان.
فالإنسان لو لم ينسَ، لن يستطيع أن يسامح. والإنسان لو لم ينسَ، سيخاف خوفًا شديدًا ولن يستطيع أن يتاجر وهو قد خسر من قبل. وسيؤرقه الذنب، فلن يستطيع أن يُحسّن علاقته مع الله؛ لا بد له أن ينسى.
ومن أول من نسي؟ سيدنا آدم عليه السلام، وهو أول الناس، أول شخص نسي من أول البشر. لقد سُمي الناس بالناس لأنهم ينسون، هل تنتبه كيف؟
حاجة الإنسان إلى التذكير المستمر بسبب طبيعة النسيان والغفلة
حسنًا، هذه خصيصة خلقها الله فينا، وهي خاصية النسيان. ألن أنسى أنا يوم الآخرة؟ نعم:
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]
إذن لا بد أن يفهمني ويذكّرني ويكرر ويزيد في التوضيح؛ لأنَّ طبيعتي [البشرية] حتى أستطيع أن أُكمل الغفلة، وطبيعتي حتى أستطيع أن أُكمل التفلّت، وطبيعتي على ذلك.
ولذلك توجد أشياء ودوافع عندي حتى أعرف كيف أستمر في العمارة أو في العبادة أو في التزكية أو غير ذلك إلى آخره. فأنا خُلقت في الاحتياج إلى الأكل والشرب والنوم، وخُلق فيَّ الاحتياج إلى أنيس أتآنس به؛ لأن الوحدة قاتلة.
اليوم الآخر كضابط معرفي أنشأه الله لإعانة الإنسان على الاستقامة
كل هذه الخصائص البشرية خلقها الله في الإنسان ليعمر بها الأرض. ولذلك كي يعينه أنشأ له يومًا آخر وقال له: انتبه، هناك جنة ونار.
وفي كل حين سنذكّر الناس، ويذهبون يوم الجمعة فيذكّرهم الخطيب بأن هناك جنة ونارًا: إياك أن تفعل الشر إن الله يغضب عليك، فاحذر أن تترك الخير، وإياك أن تتأخر عن الخير لئلا يرضى الله عنك؛ لأن الله قد ادّخر لك شيئًا طيبًا في يوم القيامة لا تنسَه.
ومتى سيستمر وراءه بهذا الشكل ليؤدي له مع خصائصه ووظائفه شيئًا كبيرًا ينضبط به؟ ولذلك قلنا إن اليوم الآخر هو الضابط على وجه الأرض.
مثال عملي على دور اليوم الآخر في منع الإنسان من المعصية
آتي هنا أحب أن أشرب خمرًا، ويأتي ليقول لي عقلي وضميري ونفسي، تحدثني وتقول لي أن هذا سيُغضب الله عليك، وأنك ستُحاسب عليه يوم القيامة، فلا أشرب وأقول: تبنا إلى الله، لن أشرب ولن أفعل هذه المعصية.
تخيّل أن البشر ليس لديهم هذا [الضابط المعرفي]، وقد كان ليس عندهم هذا الفهم أو هذا الضابط المعرفي، فيصبح الأمر كما يُقال: اللعب بما تكسبه، أي أحيِني اليوم وأمِتني غدًا، وهي حياة الغابة والفوضى وكل هذا الكلام.
لأنه لن ينظر إلا إلى الجانب الترابي في الإنسان الذي يشترك فيه مع البقر والحجر، فهم أيضًا مصنوعون من تراب.
الفرق بين الإنسان وسائر المخلوقات والحاجة إلى يوم آخر للرجوع إلى الله
ما الفرق الذي بيني وبين هؤلاء [المخلوقات الأخرى]؟ لا شيء، هو العقل، هو الروح، والتعلق بالله وبالتكليف وبالأمانة التي ائتمننا الله عليها.
حسنًا، وهذا تذكّر: وكيف مع كل هذه الخصائص التي أعيش فيها والوظائف التي كُلّفت بها، يبقى لا بد من يوم آخر أرجع فيه إلى الله سبحانه وتعالى:
﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48]
وينبئنا بالحقيقة المطلقة، وينبئنا بالثواب وبالعقاب، ويتجلى علينا بالعفو.
قصة الكاتب الصحفي الذي طلب من الله أن يعامله بعدله لا برحمته
فإن قضية أن الإنسان يُحاسب هذه تمثل الضابط المعرفي. كما تقول حضرتك كثير من الناس للأسف لا يفهم هذا العمق.
أحد الكتّاب الصحفيين الكبار يقول: يا رب، أنا لا أريدك أن تعاملني برحمتك، أنا أريدك أن تعاملني بعدلك! هذا لا يفهم شيئًا، هذا ليس منتبهًا لأي شيء.
كما كنا ونحن طلاب صغار ونقول: ماذا في هذه الحكاية؟ الماحي في جميع النواحي، ماذا أنت تقول؟ يقول له: عاملني بعدلك! يعني هو واثق من نفسه جدًا.
وحين تمسك هذا الإنسان تجد أنه يقع في المعصية ويقع فيه القصور والتقصير، تجده لا يصلي مثلًا. كيف يعاملك بعدله؟
قلة الأدب مع الله في طلب العدل دون الرحمة والتكبر على نعم الله
حسنًا، أعطاك عينيك سيحاسبك عليهما، أعطاك أذنيك، أعطاك أشياء كثيرة:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
ماذا ستفعل؟ ماذا تقول له: يا رب؟ يعني عندما يكون قليل الأدب ماذا يقول له؟ يا رب، أي عندما يكون الشخص قليل الأدب، ماذا يقول له؟ يا رب عاملني بعدلك وإحسانك معًا.
فيكون بذلك قليل الأدب؛ لأن هذا هو محض الفضل والإحسان. إنه لا يشعر بمنّة الله عليه، بل هو متكبر، ولكنه تكبّر هذه المرة على الله.
اليوم الآخر ضابط معرفي يدفع إلى الخير ويمنع من الشر وسؤال عن البعد السلبي
إن اليوم الآخر هو الضابط المعرفي لسلوك الإنسان في الحياة الدنيا، ضابط معرفي بمعنى أنه يدفع ويمنع؛ يدفعني إلى الخير ويمنعني من الشر. هذا هو الإيمان باليوم الآخر.
[المذيع]: الحقيقة يا مولانا، المفترض هنا أن الإيمان باليوم الآخر يمكن للمرء أن يعتقد أنه قد يعطي بُعدًا سلبيًّا لحياة الإنسان، يعني مسألة الخشية، مسألة الخوف، مسألة الرهبة، ولكن ما المقصد منه في النهاية؟ أن يعطي الإنسان جزءًا إيجابيًّا وتأثيرًا إيجابيًّا في حياته؟
[الشيخ]: الدفع والمنع، أي يدفعه للخير ويمنعه من الشر. لكن انتبه أن الإنسان إذا خرج عن حد الاتزان في نفسيته وعقليته اهتزت شخصيته.
معنى الوسطية في القرآن وعلاقتها بالشهادة على الناس
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
الوسط ما هو؟ كان يُقال: وكان من أواسط الناس. فما معنى وسط الناس؟ يعني أعلاهم.
ومن أين أتى هذا المعنى؟ وسط تعني شيئًا في المنتصف، لكن وسطًا معناها أعلى. قال: نعم، لأنك عندما تصعد الجبل وتمشي كيلومترين وتصل إلى قمة الجبل، فأنت في المنتصف؛ لأنك عندما تريد أن تمشي إلى الاثنين كيلو هما، فأنت في أعلى الجبل عندما تكون في وسطه. أين وسط الجبل؟ أعلاه، قمته.
الشاهد والمشهود ومعنى كلمة شهيد في اللغة العربية
حسنًا، أنت الآن فوق في الجبل، ما النتيجة التي تحصل عليها؟ النتيجة التي أحصل عليها هي أنني أرى الوادي.
طيب، الناس واقفة في الوادي كله، هل هم يرونك؟ لا، يعني أنت تراهم مختبئ أنت عنهم. لا، وأنت في أعلى الجبل ستكون مكشوفًا لهم، ينظرون إليك وتنظر إليهم. يعني أنت شاهد ومشهود، أي اسم فاعل واسم مفعول.
هل يوجد في اللغة العربية كلمة تجمع الاثنين معًا: شاهد ومشهود؟ نعم، شهيد. فصيغة فعيل تصلح للدلالة على الفاعل أو الدلالة على المفعول.
صيغة فعيل بين الفاعل والمفعول ودقة الاستعمال القرآني
الدلالة على المفعول كيف يكون؟ حبيب بمعنى محبوب، وقتيل بمعنى مقتول. وكيف تكون الدلالة على الفاعل؟ مَن يُحب يكون عليمًا أي عالمًا. هل تنتبه إلى أن عليمًا يعني عالمًا؟ وجبير هو الذي يضع الجبيرة وهو جابر، فتصلح هنا وتصلح هناك.
فهو يقول:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]
أي في أعلى الجبل، لتكونوا شهداء. وشهداء جمع شهيد مثل علماء جمع عليم، فقهاء جمع فقيه، خبراء جمع خبير. وليس جمع عالم، وليس جمع شاهد، وليس جمع فاقه، وليس جمع خابر. هذا خبير، شهيد، عليم، فقيه، وهكذا.
دقة الاستعمال اللغوي القرآني في الشهادة المتبادلة بين الأمة والناس
إذن فعيل تصلح لماذا؟ للشاهد والمشهود. ما هذا؟ هذه دقة متناهية في الاستعمال اللغوي والدلالة الحضارية.
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]
ما السر هنا في أن تكونوا شهداء؟ شهداء يعني شاهدون ومشهودون، أن تكونوا في حالة الشهادة المتبادلة.
أيعني هذا أن نعتزل العالم ونكفّر الناس ونذهب لنضربهم بالقنابل؟ لا، فهناك علاقات ستكون بين الشاهد والمشهود؛ فهو يراني ويراني بصورة معينة أراد الله أن يبلّغها له، وأنا أراه وأرى أحواله وأسمّيه أمة الدعوة.
الاقتداء بالرسول ﷺ والتساؤل عن موقعنا من هذا الخلق العظيم
لتكونوا شهداء على الناس، فنحن إذن نتبع من؟ يعني ننفّذ من؟ يعني نريد أن نتزيّن مثل من؟
﴿وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
أيضًا شهيدًا يراكم وترونه:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
إذن هذه القضية، قضية أين نحن من هذا الخلق؟
[المذيع]: طيب، أستأذن حضرتك بعد الفاصل. فكرة العدل هنا: يقول أحدهم: والله، طيب، الكافر اليوم قد عاش خمسين أو ستين سنة كافرًا، أفيُعذَّب إلى ما لا نهاية؟ أين العدل؟ ألا يُعذَّب خمسين أو ستين سنة كما كفر خمسين أو ستين سنة؟ أين العدل في الآخرة؟ بعد الفاصل.
سؤال العدل في الآخرة بين من آمن في آخر عمره ومن مات كافرًا
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرة أخرى مشاهدينا، وحديث ممتد مع فضيلة الدكتور، وحديث العقل وحديث الإيمان حول اليوم الآخر. فضيلة الدكتور أهلًا بحضرتكم مرة أخرى.
[الشيخ]: مرحبًا بك.
[المذيع]: أهلًا بكم مولانا. العدل في اليوم الآخر، أين هو العدل؟ يعني نجد أن شخصًا عاش عمرًا طويلًا كافرًا أو مشركًا وقبل وفاته حَسُنَ الخاتمة من الله سبحانه وتعالى، من آمن بالله في آخر يومين أو شهرين أو حتى ساعة سيدخل الجنة، في حين أن شخصًا آخر كفر لمدة طويلة ولكنه لم يؤمن وسيُعذَّب إلى ما لا نهاية، فأين هو حساب العدل؟
[الشيخ]: أنا لا أريدكم أن تقلقوا؛ لأننا بيد ربنا، والله غفور حكيم عادل:
﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]
هل انتبهت كيف؟
تحريم الله الظلم على نفسه وموقف ابن تيمية من مسألة الخلود في النار
وقال في الحديث:
قال النبي ﷺ: «الظلم ظلمات يوم القيامة»
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا»
فلذلك لا تخافوا من هذا الأمر، لا نخاف منه إطلاقًا؛ لأننا مع الله، والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء.
عندما سُئل الشيخ ابن تيمية عن هذه [المسألة]، قالوا له: هل هذا يعني أنهم خالدون فيها أبدًا هكذا؟ أي فقط لأنه كفر أو لم يفعل أو لم يصلِّ أو ارتكب معصية؟ فقال لهم: لا، هذا في قول عن سيدنا عمر [بن الخطاب].
رأي ابن تيمية في فناء النار ومعنى الخلود فيها أحقابًا
كان ابن تيمية ذا اطلاع واسع وكان يبحث في الكتب وما شابه ذلك، وكانت لديه ذاكرة قوية. فقال: هناك قول منسوب لعمر [بن الخطاب] يذكر أن النار ستفنى.
فكيف يكون معنى خالدين فيها أبدًا؟ قال إن أبدًا تعني أنهم سيبقون فيها أحقابًا، أي مددًا طويلة، ولكن في النهاية من رحمة الله ستفنى.
رأي محيي الدين بن عربي في تحول العذاب إلى عذوبة برحمة الله
قبله كان سيدي محيي الدين بن عربي - وسيدي محيي الدين هذا اطّلع على فلسفات الأرض كلها، واستوعبها وهضمها وفكّها وعرف، أي رآها كلها وعرف دقائقها والأسئلة الخاصة بها - فأتى لنا بشيء أعمق مما قدّمه الشيخ ابن تيمية.
يقول ماذا؟ ابن العربي يقول إن ربنا رحيم، وهو في النار ماذا سيفعل؟ سيصنع العذاب. كلمة العذاب هذه مكونة من كم حرف؟ العين والذال والباء. قال: طب أليست هذه هي حروف العذوبة؟ عذب.
طيب، لو تخيّلنا أنه استعمل هذه الحروف والألفاظ من أجل الدلالة على معانٍ كونية، من أنه سبحانه وتعالى سيصيّر العقاب عذبًا على من يتلقاه، أيكون في ذلك رحمة أم لا؟ قلنا له: لا، هذا بهذا الشكل يكون فيه رحمة. هذا يعني أن الرحمة تخلّلت العقوبة. قال: نعم.
مثال الجمل المجروب في الجمع بين الألم واللذة لتوضيح معنى العذاب
قلنا له: والله مثل ماذا؟ نريد أن نتصور المعنى. قال: مثل الجمل عندما يكون مصابًا بالجرب - وهو مرض جلدي يسبب للجمل حكة - فيريد أن يحكّ جلده، فتجده يا للأسف يبحث عن شجرة ويقف بجانبها ليحكّ جلده فيها حتى يخفف حكّة بالله تعالى.
فالجمل ينزف دمًا من جلده من شدة الحكّ، فيتألم وهو سعيد أشد السعادة، مبتهج من الحكّ لأنه يريده، ومتألم من التمزق الذي يحدث في الأنسجة. قالوا: انظر كيف جمع بين الألم واللذة!
مثال المرأة الحامل في الجمع بين المشقة والسعادة
كان في الماضي المرأة عندما تحمل تصيبها حالة غثيان وتتقيأ، أي أنه يوجد كائن بداخلها وجالس يعني يتفاعل معها، وهي سعيدة غاية السعادة مع ما تتحمله من هذه المشقة والوهن وهذه الحالة.
وبعد ذلك تأتي لتلد، صرخة من فوق وصرخة من تحت، وتصرخ وهي سعيدة جدًا. كيف يعني؟ لا أعرف أنا كيف! هل أنت منتبه؟ هذه تعاين الموت.
فإذا ضرب ابن عربي أمثلة للجمع [بين الألم واللذة]، هذا ليس عذابًا كما يفهم أغلب الناس، أي أنه عذاب بمعنى افتراء عليه كأن شخصًا يفتري على الآخر. حاشاه، فهو رحمن رحيم، وهو عفو غفور، حاشاه، فهو ليس من هذا النوع. هذا فيه توافق كوني مع هذا.
حديث النبي ﷺ عن ضرس الكافر في النار واختلاف طبيعة الأجسام في الآخرة
ويأتي النبي عليه الصلاة والسلام ليشير لنا هكذا من بعيدًا عن هذه المعاني اللطيفة، فيقول:
قال النبي ﷺ: «إن ضرس أحدهم في النار، الضرس بحجم جبل أُحد»
يعني أن الجسم يختلف عن الجسم ومقاومته الطبيعية، وكون ضرسه بحجم جبل أُحد معناه أنه يتحمل الألم.
فيسأله أيضًا ابن عربي وأتباعه وغيرهم: طيب، لماذا إذن يقول عذاب مهين، عذاب عظيم، عذاب أليم؟ يعني أوصاف العذاب ليست سهلة.
ذهبوا فردّوا عليهم بقوله تعالى:
﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]
يعني هذا ليس مصنوعًا لإظهار الانتقام، لا، هذا مصنوع من أجل موعظة الإنسان كي يمتنع عن الشر وأن يفعل الخير.
الغرض من ذكر العذاب في القرآن هو الدفع والمنع لا الانتقام
[المذيع]: هذه جزئية مهمة يا مولانا، يعني خُلِقنا وما نحن إلا بشر، وحتمًا سنخطئ، وخالقنا يعلم أن:
قال النبي ﷺ: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون»
[الشيخ]: وهكذا الناس، فهناك من يبحث عن العلل. لكنك لو قرأت الكلام كله متصلًا ببعضه من:
﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: 16]
ستعرف أن الله سبحانه وتعالى وضع هذه المعالم من أجل الدفع والرفع. يقولون أو المنع، فالدفع والمنع هو الذي يجعل الإنسان على ذكرى يمتنع فيها، لا يخاف، لا ينهار، أو لا ينكر إلى آخره.
قصة من استصعب فكرة العذاب الأبدي وكيف اقتنع بعد فهم الغرض
واجهنا في حياتنا الدنيا هذه الأمثلة. وجدنا بعض الناس يأتي ويقول: والله أنا مصدّق كل شيء، ولكن مسألة أن ربنا يعذبنا هذه لا تدخل عقلي، وخالدًا فيها!
طب يا أخي دعها يومين أو ثلاثة يا أخي، دعها:
﴿لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: 80]
يعني هل لديكم عهد بذلك؟ انظر إلى الاستهانة، يعني انتبه أن الذي يقول هكذا كأنه يريد الاستهانة بالغرض الأساسي لهذه القصة كلها، وهو أنني أفعل ذلك من أجلك.
لا تستسهل المعصية ولا تتجرأ على المعصية، ليس من أجل أن أعذبك وإنما من أجل أن أمنعك من المعصية وأدعوك إلى الخير.
اقتناع المتشكك بعد عرض أقوال العلماء وأن الآخرة لإصلاح الدنيا لا للعذاب فقط
فلما عرضت عليه قول عمر [بن الخطاب] وقول ابن تيمية وقول كذا، قال: لا، هكذا صحيح. يعني المشكلة التي بينه وبين هذا الأمر هي أنه يرى أن الله الرحيم ليس معقولًا أنه يعذّب. فلما عرف غرض الكلام، آمن وصلّى وحَسُن إسلامه.
[المذيع]: هنا يا مولانا تزول فكرة الخوف من الآخرة بأن الآخرة هي لإصلاح الدنيا وليست فقط للعذاب؟
[الشيخ]: هذا هو المراد من الحديث، نعم. هي لإصلاح الدنيا بنص القرآن، هي للدفع والرفع بنص القرآن. نعم هي:
﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]
يعني هذه مسألة.
لا توجد آية عذاب في القرآن إلا ومعها ذكر الرحمة والمغفرة
وليس هناك في القرآن أبدًا آية عذاب إلا ومعها الرحمة. الله لا يوجد [آية عذاب مجردة]، ولكن الناس لا يتدبرون:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [النساء: 82]
للأسف:
﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50]
لا يوجد "نبّئ عبادي أني أنا العذاب الأليم" وانتهى الأمر هكذا، هذا غير موجود. شيء مثل هذا:
﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ [المائدة: 18]
نعم، أي أنه لا يوجد عذاب إلا ومعه أن الرحمة والمغفرة والقبول والتجاوز وغيرها إلى آخره، لا يوجد [عذاب مجرد من الرحمة].
اليوم الآخر هو الضابط المعرفي لحركة الإنسان المحترم في الدنيا
فإذا عُرض هذا عند المتدبر والمتأمل الذي لا يقرأ القرآن قراءة عابرة، وإنما يقف عند الأمور ويربط بين المعلومات ويُعمل العقل بدرجات معرفته إلى المعاني العليا، سيتضح أن هذا من أجل أن تستقيم الدنيا.
حيث أن اليوم الآخر هو الضابط المعرفي لحركة الإنسان المحترم. بارك الله فيكم.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الذي يعنيه وصف اليوم الآخر بأنه الضابط المعرفي لحركة البشر؟
أنه يدفع الإنسان إلى الخير ويمنعه من الشر
لماذا خلق الله خاصية النسيان في الإنسان؟
لتُمكّنه من المسامحة والاستمرار في الحياة والعمارة
ما رأي ابن تيمية في مسألة الخلود في النار؟
أن النار ستفنى وأن الخلود يعني أحقابًا طويلة
ما الذي استدل به ابن عربي على أن رحمة الله تتخلل العقوبة في النار؟
أن حروف كلمة العذاب هي نفس حروف العذوبة
ما معنى كلمة وسط في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾؟
الأعلى والأفضل
ما الغرض الأساسي من ذكر العذاب في القرآن الكريم وفق الآية: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾؟
الدفع إلى الخير والمنع من الشر
ما الخطأ في قول من يطلب من الله أن يعامله بعدله لا برحمته؟
أنه يجهل أن نعم الله لا تُحصى وسيُحاسَب عليها
ما الذي يدل عليه حديث النبي ﷺ بأن ضرس أحدهم في النار بحجم جبل أُحد؟
أن الجسم في الآخرة يختلف عن الجسم الدنيوي في تحمله
ما الذي تجمعه صيغة فعيل في اللغة العربية؟
الدلالة على الفاعل والمفعول معًا
ما الذي يُميّز الإنسان عن سائر المخلوقات ويجعله بحاجة إلى يوم آخر؟
العقل والروح والتكليف والأمانة
ما الذي حدث للشخص الذي كان يستصعب فكرة العذاب الأبدي بعد أن عُرضت عليه أقوال العلماء؟
آمن وصلّى وحسُن إسلامه
ما الذي يُثبته القرآن الكريم بشأن آيات العذاب؟
أنه لا توجد آية عذاب إلا ومعها ذكر الرحمة والمغفرة
ما تعريف اليوم الآخر بوصفه ضابطًا معرفيًا؟
هو الضابط الذي يدفع الإنسان إلى الخير ويمنعه من الشر، وقد أنشأه الله ليُعين الإنسان على أداء وظائفه في الأرض من عبادة وعمارة وتزكية.
لماذا سُمّي الناس بالناس؟
لأنهم ينسون، وأول من نسي هو سيدنا آدم عليه السلام، والنسيان خاصية خلقها الله في الإنسان لتُمكّنه من المسامحة والاستمرار في الحياة.
ما الآية القرآنية التي تُبيّن ضرورة التذكير المستمر بالآخرة؟
قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهي تُشير إلى أن الإنسان بطبيعته يغفل وينسى فيحتاج إلى تذكير متكرر.
ما الفرق بين حياة الإنسان بضابط اليوم الآخر وبدونه؟
بوجود الضابط يمتنع الإنسان عن المعصية ويسعى إلى الخير، أما بدونه فتصبح الحياة فوضى لا تنظر إلا إلى الجانب المادي الذي يشترك فيه الإنسان مع سائر المخلوقات.
ما القول المنسوب لعمر بن الخطاب الذي نقله ابن تيمية؟
قول يذكر أن النار ستفنى، واستند إليه ابن تيمية لتفسير معنى الخلود في النار بأنه يعني أحقابًا طويلة لا الأبدية المطلقة.
كيف فسّر ابن عربي العلاقة بين العذاب والعذوبة؟
لاحظ أن حروف كلمة العذاب هي نفس حروف العذوبة، واستدل على أن الله سيصيّر العقاب عذبًا على من يتلقاه، وأن الرحمة تتخلل العقوبة.
ما المثالان اللذان ضربهما ابن عربي لتوضيح الجمع بين الألم واللذة؟
مثال الجمل المجروب الذي ينزف دمًا وهو سعيد بالحكّ، ومثال المرأة الحامل التي تعاني المشقة الشديدة وهي سعيدة غاية السعادة.
ما دلالة الحديث النبوي عن ضرس الكافر في النار؟
يدل على أن الجسم في الآخرة يختلف عن الجسم الدنيوي في مقاومته وتحمله، إذ يكون ضرس أحدهم بحجم جبل أُحد.
ما معنى الأمة الوسط في القرآن الكريم؟
تعني الأمة الأعلى والأفضل، كمن يقف على قمة الجبل فهو في وسطه وهو في أعلاه، وقد جعل الله المسلمين أمة وسطًا لتكون شاهدة على الناس.
ما الفرق بين شهداء وشاهدون في اللغة العربية؟
شهداء جمع شهيد وهي صيغة فعيل تجمع الشاهد والمشهود معًا، أما شاهدون فجمع شاهد ولا تحمل معنى المشهود، والقرآن استخدم شهداء لدقتها الدلالية.
ما الغرض الإلهي من وصف العذاب بأنه مهين وعظيم وأليم في القرآن؟
الغرض هو موعظة الإنسان وتخويفه من المعصية كي يمتنع عنها، وليس إظهار الانتقام، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾.
ما الحديث القدسي المتعلق بتحريم الظلم؟
قال الله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا»، وهو دليل على أن الله لا يظلم أحدًا في الآخرة.
ما الغرض الأساسي من الآخرة وفق نص القرآن الكريم؟
الغرض هو إصلاح الدنيا بالدفع والرفع، أي دفع الإنسان إلى الخير ومنعه من الشر، وليس العذاب المجرد أو الانتقام.
ما الذي يحدث للإنسان إذا خرج عن حد الاتزان في فهم اليوم الآخر؟
تهتز شخصيته، لأن المطلوب هو الاتزان بين الخشية والرجاء، فلا غلو في الخوف يُفضي إلى الانهيار ولا استهانة بالعذاب تُفضي إلى الفوضى.
ما الثلاثة التكاليف الإلهية التي خُلق الإنسان لأجلها وفق الآيات القرآنية؟
العبادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وعمارة الأرض: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، وتزكية النفس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾.
