اكتمل ✓
تفسير سورة النساء والتوبة النصوح وشروطها وأركانها في الإسلام - تفسير, سورة النساء

ما هي التوبة النصوح وكيف تكون وما الفرق بين الجهل والجهالة في الوقوع بالمعصية؟

التوبة النصوح هي التوبة التي تتوفر فيها شروطها وأركانها الكاملة. في المعصية بين العبد والخالق تقوم على ثلاثة أركان: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على عدم العودة إليها. أما إذا تعلق الأمر بحقوق الخلق فيُضاف ركن رابع هو رد المظالم إلى أصحابها. والجهالة في الآية تعني نقص الإرادة وعدم التمكن من ضبط النفس، لا الجهل بكون الفعل معصية.

3 دقائق قراءة
  • هل يجوز أن تتوب وأنت تعلم أنك أخطأت، أم أن التوبة مخصوصة بمن يجهل أن فعله معصية؟

  • الجهالة في قوله تعالى ﴿يعملون السوء بجهالة﴾ تعني نقص الإرادة وعدم التمكن من ضبط النفس، لا الجهل بكون الفعل معصية.

  • من يخطط لإيذاء الناس بمعصيته يحتاج إلى أكثر من مجرد التوبة، بل إلى إعادة تربية النفس والرجوع إلى الله بالكلية.

  • أركان التوبة النصوح ثلاثة في حق الخالق: الإقلاع عن المعصية، والندم، والعزم على عدم العودة إليها.

  • إذا تعلق الذنب بحقوق الخلق وجب ركن رابع هو رد المظالم والحقوق إلى أصحابها سواء أكانت مالاً أم أرضاً أم ضماناً.

  • بعد استيفاء شروط التوبة النصوح يُستحب نسيان الذنب حتى لا يبقى العبد في تخبط، فيمضي في طاعة الله بصفحة بيضاء.

مقدمة الحلقة والوقوف عند آية التوبة في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، وقفنا عند قوله تعالى:

﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾ [النساء: 17]

وذكرنا أن هناك فرقًا بين الجهل وبين الجهالة؛ وأن الجهل هو عدم الإدراك، وأن الجهالة هي عدم الإملاك؛ بألّا أكون قادرًا على أن أملك نفسي من المعصية.

أسباب وقوع المعصية بجهالة دون قصد التدبير والإيذاء

فتقع المعصية من شدة الشهوة، من شدة الضعف، من شدة الجهل، من غير قصدٍ بالتسرع، بنسيان الله وأحكامه سبحانه وتعالى، بتداخل الأمور واختلاطها، باستهانتي في شيءٍ ما، لا بأن أُدبِّر وأقصد الأذية لخلق الله.

فالذي تتم عنده المعصية بجهالة يقع في المعصية، لكن الذي يخطط ويدبر أن يجعل بمعصيته هذه أذًى فهذا شرير. هذا يحتاج إلى شيء فوق التوبة، هذا يحتاج أن يُربّي نفسه، هذا يحتاج أن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى بكليته.

حال الشرير الذي يحتاج أن يجلس مع ربه ويعترف بذنبه

هذا يحتاج أن يجلس مع ربه ونرى ما هذا الأمر، يقول له: يا رب أنا لقد اضطربت تمامًا، لست مسؤولًا عن ذلك، لقد تبتُ وأعرف أنني مجرمٌ آثمٌ وقد تبتُ الآن. هذا أمرٌ آخر.

أما الناس وهي تسير دون قصدٍ فتقع في الخطيئة أي بجهالة؛ لأنها لم تملك نفسها بعقلٍ وحكمةٍ ووعيٍ تام. فالقدح بالجهالة إنما يكون في الإرادة لا في الإدراك.

الفرق بين من يعلم المعصية ولا يملك نفسه ومن يجهلها أصلًا

يبقى إذن أنا عالمٌ أنها معصية لكن لم أستطع أن أمنع نفسي عنها، فليتب الله عليّ. أما الذي لا يعلم أنها معصية فهذا يمكن ألّا تُكتب له السيئة أصلًا.

﴿ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ [النجم: 30]

فالله هنا لم يقل «يعملون السوء بجهل»؛ لأن الذين يعملون السوء بجهلٍ [أي لا يعلمون أنها معصية] لن يُؤاخَذوا. هذه أول مرتبة الأخذ: أن تكون عارفًا أنه [ذنب]، نعم.

﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]

فيجب أن تكون عارفًا أن هذه معصية.

حكم من فعل المعصية ظانًّا أنها خير ثم تبيّن له خلاف ذلك

أما أنت فتعمل شيئًا وأنت تظن أنه خير، أو تعرف أنها ليست معصية ولا شيئًا، ثم تبيّن أنها معصية، قال [العبد]: أنا إذن فعلت ذلك حسنًا، لنتب إلى الله من اليوم.

ولكن ليس هذا هو المقصود [في الآية]، بل المقصود أنني أعرف كل شيء ولكن هناك نقصٌ في إرادتي وفي إمساكي لنفسي.

﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾ [النساء: 17]

أي لا يقصدون بها إيذاء الناس ولا يفعلونها عن خطةٍ وتدبير، وإنما يفعلونها جهالةً وضعفًا ثم يتوبون.

أركان التوبة الثلاثة في المعصية بين العبد والخالق

طيب، عرفتُ الآن وفهمتُ ووعيتُ ورجعتُ إلى نفسي، إذن لا بدّ من التوبة.

وأركان التوبة معروفة: ثلاثة في المعصية التي بينك وبين الخالق، وأربعة في المعصية التي بينك وبين الخلق.

أولها: الإقلاع عن المعصية، لا تقل أنا تبتُ وأنت ما زلت تمارس المعصية؛ إذن يجب أن تُقلع عن المعصية.

وثانيها: الندم، تندم وتشعر بالندم في صدرك أنك قد وقعت في هذه المعصية. لا تكون فرحًا وتتحدث عنها كأنك فارسٌ نبيل لأنك قد فعلت هذه المعصية، بل ينبغي أن تكون خجلًا ومتواضعًا.

الستر الجميل وعدم المجاهرة بالمعصية وحديث النبي في ذلك

ولذلك ما الذي يُظهر أنك لست فرحًا بها؟ الستر الجميل؛ أنك عندما ترتكب معصية لا تجلس تتفاخر بها بين الناس.

قال رسول الله ﷺ: «يغفر الله إلا للمجاهرين» قالوا: ومن المجاهرون يا رسول الله؟ قال: «رجلٌ يفعل الخطيئة بالليل يستره الله، ثم يُصبح فيقول: فعلتُ كذا وكذا»

أي أنه يجاهر ويفتخر. وهذا ضد النظرة الأخرى العصرية التي تقول لك: كن شفافًا وقل كل شيء تفعله؛ لأنه لا توجد معصية ولا شيء! أي شيء تفعله من الخطيئة قلها هكذا وافتخر بها أمام الناس.

التحذير من إشاعة الفاحشة والركن الثالث العزم على عدم العودة

﴿ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [النور: 19]

قومٌ يتكلمون بالمعصية وكأنها ليست معصية ولا شيء.

فيكون الإقلاع عن الذنب أولًا، ثانيًا: الندم، ثالثًا: العزم على ألّا يرجع لمثلها أبدًا. ما دامت معصية وما دامت خطيئة ومن القاذورات وآثامٍ مما لا يرضي الله، فكيف أعود إليها؟ لن أعود إليها أبدًا.

هذا إذا كان الأمر بينك وبين الله [أي المعصية التي بينك وبين الخالق].

الركن الرابع في حقوق الخلق رد المظالم والحقوق إلى أصحابها

فإذا كان [الذنب] هو الذي بينك وبين الخالق هكذا [بالأركان الثلاثة]، أما الخلق فقال [العلماء]: الخلق يجب لا بدّ أن تردّ إليهم ما أخذته منهم.

يعني لو أن أحدًا سرق فيجب أن يردّ، إذا ارتشى فيجب أن يردّ الرشوة، وإذا اغتصب قطعة أرض فيجب أن يردّ [الأرض] المغتصبة. ويجب أن يردّ ضمانًا لما أتلفه؛ وإذا أتلف شيئًا كسيارةٍ وصدمها فيجب أن يدفع ثمنها، إلا إذا سامحه الرجل صاحب هذا الشيء.

التوبة النصوح وشروطها ومرحلة نسيان الذنب بعد التوبة

فإذن نحن الآن أمام توبة، والتوبة النصوح هي التي تتوفر فيها تلك الشروط المذكورة.

ولكنه يقول لك: انتبه، هذه التوبة في أول الأمر؛ يعني أنا تبتُ الآن من الذنب ومن ضمنه الندم، فلا تبقَ نادمًا لأن ذلك يجعلك تتخبط. قالوا: وبعد ذلك تبنا إلى الله وكذلك وصلّينا وصمنا والحمد لله وهكذا.

قال [العلماء]: تنسى الذنب. هذه المرحلة الثانية؛ إذن فالمرحلة الأولى: استحضر الذنب واستعظمه واندم وابكِ، وبعد ذلك انسَه.

فائدة نسيان الذنب بعد التوبة والختام بقوله تعالى ثم يتوبون من قريب

هذا يفيد إذن. هل أنا ارتكبتُ ذنبًا؟ لا، الحمد لله أنا صفحةٌ بيضاء، عمري ما ارتكبتُ ذنبًا. قُم! هذا [النسيان] يساعدني على أن أتوب.

نسيان الذنب [بعد التوبة والندم يعين العبد على المضي قدمًا في طاعة الله]. في البداية يقول تعالى:

﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17]

هذه قصةٌ أخرى نذكرها في حلقةٍ تالية. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما المقصود بـ«الجهالة» في قوله تعالى ﴿يعملون السوء بجهالة﴾؟

نقص الإرادة وعدم التمكن من ضبط النفس

كم عدد أركان التوبة النصوح في المعصية التي بين العبد والخالق؟

ثلاثة أركان

ما الركن الرابع الذي يُضاف إلى أركان التوبة حين يتعلق الذنب بحقوق الخلق؟

رد المظالم والحقوق إلى أصحابها

ما الفرق بين الجهل والجهالة وفق تفسير الآية؟

الجهل عدم الإدراك والجهالة عدم الإملاك أي نقص الإرادة

ما حكم من يفعل الخطيئة ثم يُصبح يحدث بها الناس مفتخراً وفق الحديث النبوي المذكور؟

يُعدّ من المجاهرين الذين لا يغفر الله لهم

ما المرحلة الثانية التي ينبغي أن يمر بها التائب بعد الندم على الذنب؟

نسيان الذنب والمضي في طاعة الله

من يعمل شيئاً ظاناً أنه خير ثم يتبين له أنه معصية، ماذا يفعل؟

يتوب إلى الله من يومه

ما الذي يدل على أن التائب صادق في ندمه وفق ما ورد في تفسير الآية؟

الستر الجميل وعدم التفاخر بالمعصية

ما شرط مؤاخذة الإنسان على المعصية وفق الآية والتفسير؟

أن يكون عارفاً بأن الفعل معصية

ما وصف الشخص الذي يخطط ويدبر معصيته بقصد إيذاء الناس؟

شرير يحتاج إلى تربية نفسه والرجوع إلى الله بالكلية

ما الآية القرآنية التي استُشهد بها لبيان أن العذاب مشروط بالبلاغ؟

﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾

إذا اغتصب شخص قطعة أرض ثم تاب، ماذا يجب عليه؟

يجب أن يرد الأرض المغتصبة إلى صاحبها

ما تعريف الجهل في سياق تفسير الآية؟

الجهل هو عدم الإدراك، أي أن الشخص لا يعلم أصلاً أن الفعل الذي يقوم به معصية.

ما تعريف الجهالة في سياق تفسير الآية؟

الجهالة هي عدم الإملاك، أي أن الشخص يعلم أن الفعل معصية لكنه لا يستطيع أن يملك نفسه ويمنعها عنها.

لماذا لم يقل الله في الآية «يعملون السوء بجهل» بدلاً من «بجهالة»؟

لأن من يعمل السوء بجهل حقيقي أي لا يعلم أنه معصية لن يُؤاخَذ أصلاً، فالآية تتحدث عمن يعلم لكن تنقصه الإرادة.

ما أسباب وقوع المعصية بجهالة؟

تقع المعصية بجهالة بسبب شدة الشهوة أو الضعف أو الجهل أو التسرع أو نسيان أحكام الله أو استهانة بالأمر، دون قصد إيذاء أحد.

ما الفرق بين من يقع في المعصية بجهالة ومن يدبرها بقصد الأذى؟

من يقع في المعصية بجهالة يحتاج إلى التوبة، أما من يخطط لإيذاء الناس بمعصيته فهو شرير يحتاج إلى إعادة تربية نفسه والرجوع إلى الله بالكلية.

ما الأركان الثلاثة للتوبة النصوح في المعصية بين العبد والخالق؟

الإقلاع عن المعصية فوراً، والندم الصادق في القلب على الوقوع فيها، والعزم الجازم على عدم العودة إليها.

ما الدليل على أن التائب صادق في ندمه؟

الستر الجميل على النفس وعدم التفاخر بالمعصية أمام الناس، لأن من يجاهر بذنبه ويفتخر به يتناقض مع ركن الندم.

من هم المجاهرون الذين ورد في الحديث النبوي أن الله لا يغفر لهم؟

هم من يفعل الخطيئة بالليل فيستره الله، ثم يُصبح يحدث الناس بما فعل مفتخراً بذنبه.

ما الآية التي نهت عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين؟

قوله تعالى ﴿الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا﴾ من سورة النور.

ما الركن الرابع الذي يُضاف إلى التوبة حين يتعلق الذنب بحقوق الخلق؟

رد المظالم والحقوق إلى أصحابها كاملةً، سواء أكانت مالاً مسروقاً أم رشوةً أم أرضاً مغتصبةً أم ضماناً لما أتلفه.

هل تسقط ضرورة رد المظالم في حالة ما؟

نعم، تسقط إذا عفا صاحب الحق عن المعتدي وسامحه.

ما المرحلتان اللتان تمر بهما التوبة النصوح وفق ما ذكره العلماء؟

المرحلة الأولى استحضار الذنب واستعظامه والندم والبكاء عليه، والمرحلة الثانية نسيان الذنب بعد التوبة للمضي في طاعة الله.

لماذا يُستحب نسيان الذنب بعد التوبة؟

حتى لا يبقى التائب في تخبط دائم، فيعيش كأنه صفحة بيضاء ويمضي في طاعة الله بقلب مرتاح.

ما الآية الختامية التي أُشير إليها في نهاية الحلقة دون تفسيرها؟

قوله تعالى ﴿ثم يتوبون من قريب﴾ من سورة النساء آية 17، وأُرجئ تفسيرها إلى الحلقة التالية.

ما الموقف الإسلامي من الدعوة إلى الشفافية المطلقة في الحديث عن الذنوب؟

هو موقف رافض، لأن الإسلام يأمر بالستر الجميل على النفس، والمجاهرة بالذنب تتناقض مع الندم وتُفسد التوبة.

ما الآية التي استُشهد بها لبيان أن الله لا يعذب إلا بعد إقامة الحجة؟

قوله تعالى ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ من سورة الإسراء آية 15.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!