ما حقيقة حسن الخلق وأركانه وكيف يصلح الإنسان نفسه ويزهد في الدنيا؟
حسن الخلق يقوم على اعتدال أربع قوى: العلم والغضب والشهوة والعدل، فإذا اعتدلت هذه القوى وتناسقت حصل حسن الخلق. وطريق إصلاح الأخلاق الذميمة هو المجاهدة والرياضة بتكليف النفس خلاف مقتضى الصفة الغالبة حتى يصير ذلك طبعًا وعادة. أما الزهد في الدنيا فيُدرَك بالتفكر في قِصَر عمرها مقارنةً بأبدية الآخرة، إذ جملة العمر بالإضافة إلى الأبد أقل من سنة بالإضافة إلى العمر كله.
- •
هل يكفي إصلاح بعض الأخلاق الذميمة للنجاة، أم لا بد من الصحة الشاملة للنفس كلها؟
- •
حسن الخلق يقوم على اعتدال أربع قوى: العلم والغضب والشهوة والعدل، وكل إفراط أو تفريط في إحداها يُفسد الخلق كله.
- •
طريق إصلاح الأخلاق هو المجاهدة والرياضة بتكليف النفس خلاف مقتضى الصفة الغالبة حتى يصير الفعل طبعًا راسخًا بلا تكلف.
- •
الدنيا بأسرها مقارنةً بالأبد كلحظة عابرة، وتوقع العفو مع خراب الأعمال كتوقع كنز في خراب بل أبعد وأندر.
- •
يتضمن المجلس رواية الحديث المسلسل بالأولية في الرحمة والمسلسل بالمحبة عن معاذ بن جبل، مع إجازة الشيخ لتلاميذه بجميع مروياته.
- •
في مسألة سب النبي ﷺ يوجّه الشيخ بالإكثار من الصلاة عليه ونشر أمداحه، مؤكدًا أن الله تكفّل بالمستهزئين بقوله: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾.
- 0:00
افتتاح المجلس بطلب سماع الحديث المسلسل بالأولية في الرحمة والمسلسل بالمحبة قبل ختام المجالس.
- 0:53
رواية الحديث المسلسل بالأولية في الرحمة بسنده المتصل من سفيان بن عيينة إلى النبي ﷺ عن عبد الله بن عمرو.
- 1:34
بيان الفرق الدقيق بين رواية الضم الدالة على الدعاء ورواية السكون الدالة على الشرط في حديث الرحمة.
- 2:31
رواية الحديث المسلسل بالمحبة عن معاذ بن جبل متضمنًا وصية النبي ﷺ بالدعاء في دبر كل صلاة.
- 3:22
إجازة الشيخ لتلاميذه بالحديث المسلسل بالمحبة وبجميع مروياته المتلقاة عن مشايخه في مشارق الأرض ومغاربها.
- 4:20
سند كتاب الأربعين في أصول الدين للغزالي من طريق الشيخ الغماري مرورًا بالتلاوي الكفراوي والباجوري.
- 5:14
تسلسل سند الأربعين من الباجوري عبر سلسلة من العلماء تمر بالسيوطي وتنتهي بالإمام الغزالي.
- 6:11
سند الأربعين من طريق مسند الدنيا أبي الفيض الفداني الذي تلقى عن أكثر من سبعمائة شيخ بالحرم المكي.
- 7:16
سند الأربعين من طريق الكتاني وإجازة الشيخ للحاضرين برواية الكتاب سماعًا مع التوصية بتقوى الله.
- 8:30
بدء خاتمة الأربعين في مجامع الأخلاق مبيّنةً أن الأخلاق الذميمة مترابطة ولا تكفي السلامة من بعضها.
- 9:31
جمع أحاديث نبوية في فضل حسن الخلق وبيان أن النجاة مرتبطة بالصحة الباطنة الشاملة لا ببعضها.
- 10:23
بيان حقيقة الخَلق والخُلق وأن الصورة الباطنة المدركة بالبصيرة أعظم قدرًا من الصورة الظاهرة.
- 11:13
استدلال بالآيات القرآنية على شرف الروح والنفس وإضافتهما إلى الله، وأن تزكيتهما طريق الفلاح.
- 12:05
بيان الفرق بين الروح والنفس بالاعتبار والوظيفة، وتفسير تسمية النوم بالميتة الصغرى والموت بالنومة الكبرى.
- 12:53
رأي الإمام الغزالي في أن الروح والنفس شيء واحد يختلفان بالاعتبار فقط: الروح للحياة والنفس للإدراك.
- 13:49
بيان الأركان الأربعة للصورة الباطنة وهي قوى العلم والغضب والشهوة والعدل، واشتراط اعتدالها لحسن الخلق.
- 14:10
اعتدال قوة العلم يُفضي إلى الحكمة التي هي رأس الفضائل، وتُمكّن من التمييز بين الحق والباطل والجميل والقبيح.
- 14:44
بيان دور قوة العدل في ضبط الغضب والشهوة تحت إشارة الدين والعقل، وأن اعتدالها ينشعب منه الأخلاق المحمودة.
- 15:46
الشجاعة ثمرة اعتدال قوة الغضب، وإفراطها تهور وتفريطها جبن، وينشعب من اعتدالها فضائل الكرم والحلم والثبات.
- 16:46
العفة ثمرة اعتدال قوة الشهوة، وإفراطها شره وتفريطها خمود، وينشعب من العفة السخاء والحياء والصبر والقناعة.
- 17:44
تصحيح ضبط كلمة الظرف في اللغة العربية بأنها بالفتح لا بالضم، وبيان معنييها: الوعاء واللطافة.
- 18:31
اعتدال قوة العقل يُنتج حسن التدبير وثقابة الرأي، وحسن الخلق في مجمله هو التوسط بين الإفراط والتفريط.
- 19:28
استشهاد بآيات قرآنية على مبدأ التوسط في الأخلاق والإنفاق، وأن الإفراط أو التفريط في أي قوة يُخل بحسن الخلق.
- 20:24
طريق إصلاح الأخلاق الذميمة هو المجاهدة بتكليف النفس خلاف مقتضى الصفة الغالبة حتى يصير ذلك عادة راسخة.
- 21:08
الخلق الحقيقي هيئة راسخة تصدر منها الأفعال بسهولة، والتكلف هو الطريق الأول لتحصيله حتى يصير طبعًا.
- 22:31
تفاوت الناس في حسن الخلق الباطن كتفاوتهم في الظاهر، والنجاة بالغلبة لا بالكمال، وسعادة الآخرة تتفاوت بحسبه.
- 23:31
التحذير من الغرور بحسن الخلق وبيان مواقع الاغترار كالغضب المظنون لله والعبادة المظنونة للاقتداء وهي في الحقيقة رياء.
- 24:15
الرياء هو الباعث الخفي على كثير من مواقع الغرور في الأخلاق، والتفصيل في كتاب الغرور من إحياء علوم الدين.
- 25:43
البدء بإصلاح الأخلاق بالأهم فالأهم، وأغلبها حب الدنيا الذي لا سبب له إلا الجهل والغفلة.
- 26:30
تصوير قِصَر الدنيا بالنسبة للأبد بمثل الطائر والدرر، وأن الدرر ستفنى ولم ينقص من الأبد شيء.
- 27:23
الحجة العقلية على استحقار الدنيا: جملة العمر بالإضافة إلى الأبد لا نسبة بينهما، فالتفكر فيه يكشف الجهل.
- 28:11
الرد على من يتوقع العفو مع خراب الأعمال بأنه كتوقع كنز في خراب، مستدلًا بآية ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾.
- 29:15
آيات قرآنية تنفي التسوية بين المؤمنين والمفسدين وتؤكد أن الرزق على الله، فالتناقض في الاتكال عليه دنيا وآخرة.
- 29:56
بيان أصناف الناس الأربعة في أمر الآخرة وعلاج ضعف اليقين بالتفكر في أقوال أرباب البصائر من الأنبياء والأولياء.
- 30:37
بيان الصنفين الأول والثالث من النظار: مثبتو الجنة والنار الحسية، ومثبتو الآلام العقلية الأعظم من الحسية.
- 32:02
اتفاق الأنبياء والأولياء والحكماء على السعادة المؤبدة وأنها لا تُنال إلا بترك الدنيا والإقبال على الله.
- 32:46
الأطباء والمنجمون أدركوا الروح الجسماني المشترك مع البهائم ولم يتفطنوا للروح الإلهي الإنساني الخاص.
- 33:38
حتى مجرد احتمال صحة البعث يُلزم بالإعراض عن الدنيا، كمن يترك طعامًا محتملًا فيه سم خشية الهلاك.
- 34:42
الاحتمال يُلزم العاقل بالحذر من النار، والشعر المستشهد به يُبيّن أن الخسارة على من أنكر البعث إن صح.
- 35:23
ادعاء يقين عدم البعث دليل فساد المزاج، وحتى على هذا الفرض فالعقل يتقاضى مجاهدة الشهوات لأن الراحة في كسرها.
- 36:22
الشهوات آلام ناجزة والزاهد هو المستريح الحقيقي، ومن لا يترك الدنيا لعنائها وفنائها فهو من الحمقى المغرورين.
- 37:19
بيان أقسام كتاب الأربعين الأربعة وإعلان انتهاء المجلس من القسم الثالث مع الترغيب في إتمام القراءة.
- 38:22
تدرج أقسام الأربعين من العلوم إلى الأعمال إلى تزكية القلب إلى الأخلاق المحمودة موازيًا لحديث جبريل.
- 39:17
الدعاء الختامي يتضمن طلب فتوح العارفين والانتفاع بعلوم الغزالي والحشر تحت لواء النبي ﷺ يوم القيامة.
- 40:25
التوصية بنسخة دار المنهاج المحققة من الأربعين، والدعاء بأن يجعل الله القرآن ربيع القلوب ونورًا للصدور.
- 41:23
الله تكفّل بالمستهزئين بالنبي ﷺ، والموقف الصحيح الإكثار من الصلاة عليه ونشر أمداحه والتوكل على الله.
- 42:42
المستهزئون بالنبي ﷺ يزدادون غلوًّا بالابتلاء، والتوجيه بالإكثار من الصلاة عليه وترك الانشغال بهم.
- 43:40
ظلم المستهزئين يزيد النبي ﷺ رفعةً عند الله، والواجب التوكل والثبات والالتفات إلى عبادة الله وتزكية النفس.
ما هو الحديث المسلسل بالأولية والمسلسل بالمحبة ولماذا يُطلب سماعهما في مجالس العلم؟
الحديث المسلسل بالأولية هو أول حديث يرويه كل شيخ لتلاميذه متصلًا بسنده، والمسلسل بالمحبة هو الذي يقول فيه كل شيخ لتلميذه: إني أحبك. يُطلب سماعهما في مجالس العلم لما فيهما من تجديد الصلة بالنبي ﷺ عبر السند المتصل، وتوثيق رابطة المحبة بين الشيخ وتلاميذه.
ما نص الحديث المسلسل بالأولية في الرحمة وما سنده؟
الحديث المسلسل بالأولية في الرحمة يرويه الشيخ عن مشايخه بسند يتصل بسفيان بن عيينة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». وهو أول حديث يُحدَّث به في هذا المجلس ويُسنَد إلى سيد الخلق ﷺ.
ما الفرق بين رواية السكون والضم في حديث «يرحمكم من في السماء» وما أثر ذلك في المعنى؟
رواية الضم «يَرحَمُكُم» تُفيد الدعاء، أي أن النبي ﷺ يدعو لنا بالرحمة على كل حال. أما رواية السكون «يَرحَمْكُم» فتُفيد الشرط، أي أن رحمة الله مشروطة برحمتنا لمن في الأرض؛ فإن رحمنا رحمنا الله وإن لم نرحم لم يرحمنا. وهذا ما يسميه الأصوليون السببية، يُستفاد من وجودها الوجود ومن عدمها العدم.
ما نص الحديث المسلسل بالمحبة عن معاذ بن جبل وما الوصية التي تضمنه؟
الحديث المسلسل بالمحبة رواه الإمام أحمد وأبو داود، وفيه أن النبي ﷺ أخذ بيد معاذ بن جبل وقال له: «يا معاذ، والله إني لأحبك»، ثم أوصاه قائلًا: «لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». وهذا الحديث يُسلسَل بأن يقول كل شيخ لتلميذه: إني أحبك.
كيف تتم إجازة الشيخ لتلاميذه بالحديث المسلسل بالمحبة وبسائر مروياته؟
يُجيز الشيخ تلاميذه بالحديث المسلسل بالمحبة بأن يُعلن محبته لهم كما فعل النبي ﷺ مع معاذ، فيتسلسل الحديث بهذه المحبة من شيخ إلى تلميذ. كما يُجيزهم بجميع ما له حق الرواية فيه من الإجازات المختلفة التي تلقاها عن مشايخه في مصر بالأزهر الشريف وخارجه، وفي الهند والبلاد العربية والإسلامية.
ما سند كتاب الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي من طريق الشيخ الغماري؟
سند كتاب الأربعين في أصول الدين من طريق الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري من طنجة بالمغرب، الذي أخذه عن الشيخ محمد دويدار التلاوي الكفراوي ببيته بتلا من قرى مصر، وهو أخذها بالإجازة العامة عن شيخ الإسلام برهان الدين إبراهيم الباجوري شيخ الجامع الأزهر.
كيف يتسلسل سند كتاب الأربعين من الباجوري حتى يصل إلى الإمام الغزالي؟
يتسلسل السند من الباجوري عن الشيخ الأمير الكبير، عن الشيخ الحفني، عن الشيخ البديري، عن الملى محمد شريف، عن علي بن محمد الحكمي، عن محمد المكي، عن الجلال السيوطي، عن صالح بن السراج البلقيني، عن أبي إسحاق التنوخي، عن التقي سليمان بن حمزة، عن عمر بن كرم الدينوري، عن الحافظ أبي الفرج البغدادي، عن الإمام الغزالي رضي الله عنه.
ما سند كتاب الأربعين في أصول الدين من طريق مسند الدنيا أبي الفيض الفداني المكي؟
أبو الفيض بن محمد ياسين الفداني المكي الشافعي تلقى عن أكثر من سبعمائة شيخ ممن وردوا إلى الحرم المكي الشريف. وأخذ سند الأربعين عن الشيخ محمد عبد الباقي بن ملا علي الأيوبي اللكنوي الهندي ثم المدني، عن السيد محمد أمين بن أحمد رضوان المدني، بسنده إلى محمد ثابت بن إسماعيل البهرماري، عن الإمام الغزالي.
ما سند كتاب الأربعين من طريق الكتاني وكيف تتم إجازة الحاضرين بروايته؟
السند من طريق عبد الرحمن بن محمد عبد الحي الكتاني، عن والده محمد عبد الحي الكتاني، بسنده عن الإمام القزويني عمر بن علي القزويني، عن أبي الفرج عبد الخالق اليوسفي، عن الإمام الغزالي. وبعد اتصال هذه الأسانيد يُجيز الشيخ الحاضرين برواية الأربعين في أصول الدين سماعًا في هذه المجالس، ولهم أن يُجيزوها لمن بعدهم مع التزام تقوى الله.
ما مضمون خاتمة كتاب الأربعين في مجامع الأخلاق ولماذا لا يكفي إصلاح بعض الأخلاق الذميمة؟
خاتمة الكتاب تتناول مجامع الأخلاق ومواقع الغرور فيها، وتُبيّن أن الأخلاق الذميمة كثيرة وترجع إلى أصول مترابطة. ولا يكفي تزكية النفس من بعضها دون جميعها، لأن بعض الأخلاق الذميمة يرتبط ببعض ويتقاضى بعضها بعضًا، فترك واحدة منها غالبة يدعو إلى البقية.
ما الأحاديث النبوية الواردة في فضل حسن الخلق وما علاقته بالنجاة؟
النجاة مرتبطة بحسن الخلق، وقد قال النبي ﷺ: «أثقل ما يوضع في الميزان الخلق الحسن»، وقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وقيل له: ما الدين؟ قال: «الخلق الحسن»، وقال: «حسن الخلق خلق الله»، وقال: «أفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا». والسلامة المطلقة لا تُنال بدفع بعض الأمراض بل بالصحة المطلقة الشاملة.
ما الفرق بين الخَلق والخُلق وما علاقة الصورة الظاهرة بالصورة الباطنة؟
الخَلق يُراد به الصورة الظاهرة التي تُدرَك بالبصر، والخُلق يُراد به الصورة الباطنة التي تُدرَك بالبصيرة لا بالبصر. الإنسان مركب من جسد يُدرَك بالبصر ومن روح ونفس تُدرَك بالبصيرة، ولكل منهما هيئة إما قبيحة وإما حسنة. والنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرًا من الجسد.
كيف يدل القرآن الكريم على شرف الروح والنفس على البدن؟
أضاف الله الروح إلى نفسه فقال: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾، وأضاف البدن إلى الطين فقال: ﴿إني خالق بشرًا من طين﴾، ووصف الروح بأمر رباني فقال: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾. كما قال: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾، مما يدل على أن تزكية النفس هي طريق الفلاح.
ما الفرق بين الروح والنفس من حيث الوظيفة وما علاقة ذلك بالنوم والموت؟
الروح هي التي يحيا بها الجسد، والنفس هي التي معها الحساب وبها الإدراك ولها المراتب. النفس تخرج من الجسد فيظهر النوم، وإذا رجعت أفاق الإنسان واستيقظ. أما الروح فلا تخرج إلا مع النفس، وإذا خرجت كان الموت. ولذلك سُمي النوم بالميتة الصغرى والموت بالنومة الكبرى.
ما رأي الإمام الغزالي في العلاقة بين الروح والنفس وهل هما شيء واحد؟
يرى الإمام الغزالي أن الروح والنفس كأنهما شيء واحد لأن بعضهما يحل في بعض، والخلاف بينهما بالاعتبار لا بالحقيقة. فإذا اعتبرنا حياة الإنسان أسميناها روحًا، وإذا اعتبرنا إدراكه أسميناها نفسًا، والخلاف بسيط ولا يتعدى هذا الاعتبار.
ما الأركان الأربعة للصورة الباطنة وما شرط حصول حسن الخلق؟
للصورة الباطنة أربعة أركان لا بد من حسن جميعها لحصول حسن الخلق: قوة العلم، وقوة الغضب، وقوة الشهوة، وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث. فإذا استوت هذه الأركان الأربعة واعتدلت وتناسقت حصل حسن الخلق، كما أن الحسن الظاهر لا يتحقق إلا بحسن جميع الأعضاء.
ما اعتدال قوة العلم وما الثمرة التي تنتج عنها؟
اعتدال قوة العلم وحسنها أن تصير بحيث يُدرَك بها الفرق بين الصدق والكذب في القول، وبين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الجميل والقبيح في الأعمال. وإذا صلحت هذه القوة حصلت منها ثمرة الحكمة، وهي رأس الفضائل، وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا﴾.
كيف يعمل اعتدال قوة الغضب والشهوة وما دور قوة العدل في ضبطهما؟
اعتدال قوة الغضب يكون بقصر انقباضها وانبساطها على موجب إشارة الحكمة والشرع، وكذلك قوة الشهوة. أما قوة العدل فهي التي تضبط قوة الغضب وقوة الشهوة تحت إشارة الدين والعقل، فالعقل منزلته منزلة النصح وقوة العدل هي القدرة المنفذة لإشارته. والغضب والشهوة كالكلب والفرس للصياد، وإذا حسنت جميعها واعتدلت انشعب منها جميع الأخلاق المحمودة.
ما ثمرة اعتدال قوة الغضب وما الأخلاق التي تنشعب من إفراطها وتفريطها؟
اعتدال قوة الغضب يُعبَّر عنه بالشجاعة، والله يحب الشجاعة. وينشعب من اعتدالها: الكرم والنجدة والشهامة والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتؤدة. أما إفراطها فيحصل منه التهور والصلف والبذخ والكبر والعجب، وأما تفريطها فيحصل منه الجبن والمهانة والذلة والخساسة وضعف الحمية وصغر النفس.
ما ثمرة اعتدال قوة الشهوة وما الأخلاق التي تصدر من إفراطها وتفريطها؟
اعتدال قوة الشهوة يُعبَّر عنه بالعفة، وإفراطها بالشره، وتفريطها بالخمود. ويصدر من العفة: السخاء والحياء والصبر والسماحة والقناعة والورع وقلة الطمع. ويصدر عن إفراطها: الحرص والشره والوقاحة والتبذير والرياء والحسد والشماتة والتذلل للأغنياء واستحقار الفقراء.
ما الضبط الصحيح لكلمة الظرف في اللغة العربية ومعناها؟
الصواب في اللغة «الظَّرف» بالفتح لا «الظُّرف» بالضم، وهو يُطلق على معنيين: ما يوضع فيه الخطاب فهو ظرف، وما كان من اللطافة والخفة فهو ظرف أيضًا. وليس في اللغة العربية سوى الظرف بالفتح.
ما الأخلاق التي تصدر من اعتدال قوة العقل وما معنى حسن الخلق في مجمله؟
من اعتدال قوة العقل يصدر: حسن التدبير وجودة الدين وثقابة الرأي وإصابة الظن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفس. أما إفراطها فيحصل منه الجريرة والدهاء والمكر والخداع، وتفريطها يُفضي إلى البله والحمق والبلادة. ومعنى حسن الخلق في الجميع هو التوسط بين الإفراط والتفريط، إذ خير الأمور أوسطها.
كيف تدل الآيات القرآنية على مبدأ التوسط في الأخلاق والإنفاق؟
قال الله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾، وقال: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا﴾، وقال: ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾. وكلما مال أحد القوى الأربع إلى الإفراط أو التفريط لم يكتمل حسن الخلق.
ما طريق إصلاح الأخلاق الذميمة وكيف تُعالَج صفة البخل أو التبذير؟
طريق إصلاح الأخلاق الذميمة هو المجاهدة والرياضة، بأن تُكلَّف الصفة المفرطة الغالبة خلاف مقتضاها فتعمل بنقيض موجبها. فإن غلب البخل فلا تزال تتكلف البذل وتداوم عليه حتى يسهل عليك في محله، وإن غلب التبذير فلا تزال تتكلف الإمساك حتى يصير عادة. وهذا المنهج مفصَّل في كتاب رياضة النفس.
ما الفرق بين التكلف والخلق الراسخ وكيف يصبح التكلف طريقًا لتحصيل الخلق؟
الخلق هو هيئة للنفس يصدر عنها الفعل بسهولة من غير روية وتكلف، فمن يبذل تكلفًا فليس بسخي حقيقي. لكن التكلف هو طريق تحصيل الخلق، إذ لا يزال الإنسان يتكلف أولًا حتى يصير ذلك طبعًا وعادة. ولذلك فالبخيل قد يبذل والسخي قد يمسك، والمعيار هو الهيئة الراسخة التي تصدر منها الأفعال بيسر وسرعة.
كيف يتفاوت الناس في حسن الخلق الباطن وما علاقة ذلك بسعادة الآخرة؟
تفاوت الناس في حسن الباطن كتفاوتهم في الحسن الظاهر، ولن يسلم الحسن المطلق إلا على الندور، وقد سلم ذلك لرسول الله ﷺ حتى أثنى الله عليه بقوله: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾. والنجاة ليست موقوفة على الكمال البالغ بل على أن يكون الميل إلى الحسن أكثر، وتتفاوت سعادة الآخرة بحسب تفاوت حسن الصورة الباطنة.
كيف يقع الإنسان في الغرور بحسن خلقه وما مواقع الاغترار التي يجب الحذر منها؟
قد يظن الإنسان بنفسه حسن الخلق وهو عاطل عنه، ولذلك ينبغي أن يُحكَّم فيه غيره بسؤال صديق بصير لا يداهن. ومن مواقع الغرور: أن يغضب فيظن أنه يغضب لله، أو يُظهر العبادة ويظن أنه يُظهرها للاقتداء، أو يكظم الغيظ وإنما يهون عليه ذلك لأنه يُعرف به، فيكون الرياء هو الباعث على الجميع.
ما العلاقة بين الرياء ومواقع الغرور في الأخلاق وأين يُفصَّل ذلك؟
الرياء هو الباعث الخفي على كثير من الأفعال التي يظنها الإنسان فضيلة، كإظهار العبادة للاقتداء أو كظم الغيظ لأجل الشهرة. ومواقع الغرور في الأخلاق كثيرة ومفصَّلة في كتاب الغرور من إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، وهذا الكتاب المختصر لا يحتمل استقصاءها.
كيف يبدأ الإنسان في إصلاح أخلاقه المذمومة وما أغلب الصفات التي تستوجب البدء بها؟
ينبغي أن يتفقد الإنسان الأخلاق الذميمة في قلبه ويبدأ بالأهم فالأهم، فيُقبل على أغلب الصفات فيكسرها على التدريج. والأغلب على أكثر الناس هو حب الدنيا، وسائر المعاصي والأخلاق المذمومة تتبعه. والخلاص من حب الدنيا يكون بالخلوة والتفكر في سبب الإقبال عليها، فلا يُجد له سببًا إلا محض الجهل والغفلة.
كيف يُوضح الغزالي قِصَر الدنيا مقارنةً بالأبد وما المثل الذي يضربه لذلك؟
يُبيّن الغزالي أن أقصى عمر الإنسان في الدنيا مائة سنة، وحتى لو مُلِّك وجه الأرض كله فإنه يفوته بذلك المُلك في مدة لا آخر لها وهي مملكة الآخرة. ويضرب مثلًا: قدِّر الدنيا كلها مملوءة بالدرر، وطائر يأخذ في كل ألف ألف سنة حبة واحدة، فستفنى تلك الدرر ولم ينقص من الأبد شيء، لأن الباقي أيضًا لا نهاية له.
كيف يُقنع الغزالي بأن تعب الدنيا لا يُقارَن بنعيم الآخرة وما الحجة العقلية في ذلك؟
يُلاحظ الغزالي أن الإنسان يرضى بتعب الأسفار لأجل تجارة أو رئاسة موهومة، وإنما يرضى بذلك لأنه يستحقر التعب سنة بالإضافة إلى بقية العمر. وجملة العمر كله بالإضافة إلى الأبد أقل من سنة بالإضافة إلى العمر، بل لا نسبة بينهما أصلًا. فالتفكر في هذا يكشف للإنسان جهله ويدفعه إلى الزهد في الدنيا.
هل يجوز الاتكال على كرم الله وعفوه مع إهمال الأعمال والأخلاق؟
لا يجوز الاتكال على كرم الله مع خراب الأعمال والأخلاق، فتوقع العفو في هذه الحال كتوقع كنز في خراب بل أبعد وأندر. ويُستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾، فكما لا يترك الإنسان الحراثة والتجارة اتكالًا على كنز موهوم، فكذلك لا يترك العمل اتكالًا على العفو.
كيف تدل الآيات القرآنية على عدم التسوية بين المؤمنين والمفسدين وعلى الاتكال على الله في الرزق؟
قال الله تعالى: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾، مما يدل على عدم التسوية بينهم. وقال: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾، فمن يكذب بكرم الله في الدنيا ولا يتكل عليه ثم يخدع نفسه بالكرم في الآخرة فقد تناقض، إذ رب الدنيا والآخرة واحد.
ما أصناف الناس الأربعة في أمر الآخرة وكيف يُعالَج ضعف اليقين بها؟
الناس في أمر الآخرة أربعة أصناف: أهل البصائر الذين انكشف لهم أمر الآخرة صريحًا، ومن لم يكن من أهله فعليه التفكر في أقاويل أرباب البصائر. ومن يشكو ضعف اليقين بالآخرة يُقال له: لو كنت من أرباب البصائر لانكشف لك أمرها كما انكشف أمر الدنيا، فتفكر في أقوال الأنبياء والأولياء والحكماء الذين اتفقوا على إثبات سعادة مؤبدة وشقاوة مؤبدة.
ما الأصناف الثلاثة من النظار في أمر الآخرة وما الفرق بين الآلام الحسية والعقلية؟
الصنف الأول أثبت الجنة والنار كما ورد في القرآن بنعيمها وعذابها الحسي الدائم. والصنف الثالث أثبت آلامًا عقلية ولذات عقلية وزعم أنها أعظم من الحسية، ومثّل لذلك باستشعار لذة الملك وزوالها، إذ زوال الملك يورث آلامًا كثيرة وإن لم يتألم البدن. وكلا الصنفين من النظار الذين يُعتد بقولهم.
على ماذا اتفق الأنبياء والأولياء والحكماء في أمر الآخرة وما سبيل السعادة المؤبدة؟
الأنبياء والأولياء والحكماء جميعًا اتفقوا على إثبات سعادة مؤبدة وشقاوة مؤبدة، وأن السعادة لا تُنال إلا بترك الدنيا والإقبال على الله عز وجل. ويُضرب المثل بالمريض الذي يرى أفاضل الأطباء قد اتفقوا على علاج، فلا يتوقف في اتباعهم، فكذلك ينبغي اتباع هؤلاء الأنبياء والأولياء في أمر الآخرة.
ما الفرق بين الروح الجسماني والروح الإلهي الإنساني وأين أخطأ الأطباء والمنجمون؟
الصنف الرابع من الناس هم الأطباء والمنجمون الذين اقتصر نظرهم على الطبائع الأربع ومزاجها، فلم يدركوا إلا الروح الجسماني وهو بخار أنضجته حرارة القلب ينتشر في العروق ويقوم به الحس والحركة، وهو الروح الموجود للبهائم أيضًا. أما الروح الإلهي الإنساني الخاص المنسوب إلى الله فلم يتفطنوا له.
ما موقف من ظن أن الموت عدم وكيف يُلزَم بالإعراض عن الدنيا حتى بمجرد الاحتمال؟
من ظن أن الموت عدم وأنه يرجع إلى فساد المزاج فقد أخطأ لأنه لم يتفطن للروح الإنساني الخاص المنسوب إلى الله. وحتى لو جوّز الإنسان خطأهم فيلزمه الإعراض عن الدنيا بمجرد الاحتمال، كمن يجد طعامًا وأخبره صبي أن فيه سمًّا فيتركه، لأنه يقول: إن كان كاذبًا لم يفتني إلا لذة الأكل، وإن كان صادقًا ففيه الهلاك.
كيف يُلزم الاحتمال العاقلَ بالحذر من النار وما الشعر الذي يُستشهد به في ذلك؟
من يحتمل الخلود في النار لا يمكن للعاقل أن يُقدم على ما يُوجبه، بل ينبغي أن يكون كاليقين التام في الحذر منه. ويُستشهد بشعر يقول: «زعم المنجم والطبيب كلاهما / لا تُحشر الأموات، قلت إليكما / إن صح قولكما فلست بخاسر / وإن صح قولي فالخسار عليكما»، مما يدل على أن العاقل يأخذ بالاحتياط.
ما حكم من يدّعي يقين عدم البعث وكيف يُلزَم بمجاهدة الشهوات حتى على هذا الفرض؟
من يدّعي يقين عدم البعث ويزعم أن الأنبياء والأولياء مغرورون فهذا يدل على فساد المزاج وركاكة العقل والبعد عن قبول العلاج. وحتى على فرض صحة قوله فإن عقله يتقاضاه مجاهدة الشهوات وكسرها، لأن الراحة الحقيقية في الحرية والخلاص من الشهوات لا في اتباعها.
لماذا تكون الشهوات آلامًا ناجزة وكيف يكون الزاهد هو المستريح الحقيقي في الدنيا؟
الشهوات إذا تسلطت على النفس فهي آلام ناجزة تحمل النفس على احتمال كل ذل ومشقة، وما المستريح في الدنيا إلا تاركها والزاهد فيها، أما طالبها فلا يزال في عناء. وحتى من لا يؤمن بالآخرة إن عقل قليلًا ترك الدنيا لكثرة عنائها وسرعة فنائها وخسة شركائها، ومن لم يفعل فهو من الحمقى المغرورين.
ما أقسام كتاب الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي وما الذي انتهى منه المجلس؟
كتاب الأربعين في أصول الدين يتكون من أربعة أقسام: القسم الأول في جمل العلوم وأصولها وهي عشرة، والقسم الثاني في الأعمال الظاهرة، والقسم الثالث في تزكية القلب، والقسم الرابع في الأخلاق المحمودة. وقد انتهى المجلس من القسم الثالث ويتبقى القسم الرابع.
كيف تتدرج أقسام كتاب الأربعين من العلوم إلى الأخلاق المحمودة وما الرابط بينها؟
يسير كتاب الأربعين في تدرج منطقي: القسم الأول في جمل العلوم والعقيدة كالإناء الذي يُوضع فيه الأنوار، والقسم الثاني في الأعمال الظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام والحج، والقسم الثالث في تزكية القلب. وهذا التدرج يسير مع حديث جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان، ثم يُفصَّل القسم الرابع في الأخلاق المحمودة وكيفية الوصول إليها.
ما الدعاء الختامي الذي يُختتم به المجلس وما مضامينه؟
يُختتم المجلس بدعاء يسأل الله فيه فتوح العارفين والجمع على الخير في الدنيا والآخرة، والانتفاع بعلوم الإمام الغزالي والصالحين. ويتضمن الدعاء طلب الانتقال من دائرة سخط الله إلى دائرة رضاه، والحشر تحت لواء النبي ﷺ يوم القيامة، والشرب من يده الشريفة، ودخول الجنة من غير حساب ولا عقاب.
ما النسخة المعتمدة من كتاب الأربعين في أصول الدين وما الدعاء المتعلق بالقرآن الكريم؟
النسخة المعتمدة من كتاب الأربعين في أصول الدين هي نسخة دار المنهاج التي بُذل في تحقيقها وتنقيحها وضبطها مجهود كبير، وكانت المرجع في هذه القراءة. ويُختتم بدعاء أن يجعل الله القرآن الكريم ربيع القلوب وجلاء الهم والحزن ونور الأبصار والصدور، وأن يجعله حجة لنا لا علينا.
ما الموقف الشرعي من سب النبي ﷺ وكيف يتعامل المسلم مع الإساءات إليه؟
النبي ﷺ ليس في حاجة إلى دفاعنا، فالله تكفّل بالمستهزئين بقوله: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾، وقال: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله﴾. والموقف الصحيح هو الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ ونشر أمداحه الكريمة، والتوكل على الله في أمر المستهزئين، ومتابعة مسيرة العلم والعبادة دون الانشغال بهم.
كيف يرى الشيخ فعل الله في المستهزئين بالنبي ﷺ وما التوجيه العملي للمسلمين؟
المستهزئون بالنبي ﷺ كلما ابتلاهم الله ببلاء يزدادون غلوًّا في ادعاء المظلومية، وقال الله: ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾. والتوجيه العملي هو الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ ونشر أمداحه، وترك الانشغال بهم كما قال الإمام الشافعي: لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا لأصبح الصخر مثقالًا بدينار.
كيف يزداد النبي ﷺ رفعةً بظلم المستهزئين وما الواجب على المسلمين تجاه ذلك؟
النبي ﷺ بهذا الظلم يزداد عند الله رفعةً فوق رفعة، والدرجات لا نهاية لها. والواجب على المسلمين التوكل على الله والثبات على المنهج وتأمل فعل الله في خلقه، والإكثار من أداء حق النبي ﷺ في أعناقهم. والله تكفّل بالمستهزئين بقوله: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾، فالمسلم يلتفت إلى عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس.
حسن الخلق يقوم على اعتدال قوى العلم والغضب والشهوة والعدل، وإصلاحه طريقه المجاهدة والرياضة المستمرة.
الأخلاق الذميمة متشابكة ومترابطة، ولا تكفي السلامة من بعضها دون جميعها، فالصحة الباطنة المطلقة لا تُنال إلا بحسن القوى الأربع جميعًا: قوة العلم التي ثمرتها الحكمة، وقوة الغضب التي اعتدالها الشجاعة، وقوة الشهوة التي اعتدالها العفة، وقوة العدل التي تضبط الثلاث تحت إشارة الدين والعقل.
طريق إصلاح الأخلاق هو المجاهدة بتكليف النفس خلاف مقتضى الصفة الغالبة حتى يصير الفعل طبعًا راسخًا، إذ الخلق الحقيقي ما صدر بسهولة من غير تكلف. وفي باب الزهد يُنبّه الغزالي إلى أن جملة العمر بالإضافة إلى الأبد لا نسبة بينهما، وأن توقع العفو مع خراب الأعمال كتوقع كنز في خراب بل أبعد وأندر، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾.
أبرز ما تستفيد منه
- حسن الخلق هو التوسط بين الإفراط والتفريط في القوى الأربع.
- التكلف هو طريق تحصيل الخلق حتى يصير طبعًا وعادة.
- الدنيا بالإضافة إلى الأبد لا نسبة بينهما، فتركها هو الراحة الحقيقية.
- الله تكفّل بالمستهزئين بالنبي ﷺ، والواجب الإكثار من الصلاة عليه.
افتتاح المجلس بالسلام وطلب سماع الحديث المسلسل بالأولية والمحبة
[الشيخ]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[الطالب]: وعليكم السلام ورحمة الله، مبارك المولد النبوي.
[الشيخ]: مبارك علينا جميعًا، وكل عام أنتم بخير.
[الطالب]: سيدي، لدينا رجاء، أحبة يطلبون أن يسمعوا منكم المسلسل بالأولية بالرحمة، والمسلسل بالمحبة قبل أن نختم المجالس.
رواية الحديث المسلسل بالأولية في الرحمة بسنده إلى النبي ﷺ
[الشيخ]: حدثنا مشايخنا وكان أول حديث يحدثنيه، عن مشايخهم وكان أول حديث يحدثوه، وتنتهي الأولية عند سفيان بن عيينة رضي الله تعالى عنه، ينمو به إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
«الراحِمونَ يَرحَمُهُمُ الرَّحمَنُ تعالى» - وفي رواية: «تبارك وتعالى، ارحَموا مَن في الأرضِ يَرحَمْكُم مَن في السماء» بسكون الميم، وفي رواية: «يَرحَمُكُم مَن في السماء» بضم الميم.
واجعلوا هذا أول حديث أُحدِّثُكُم به وأُسنِدُه إلى سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم.
بيان الفرق بين رواية السكون والضم في حديث الرحمة وأثره في المعنى
[الشيخ]: وأما السكون في «يَرحَمْكُم» فهو على الدعاء، كأنه يدعو لنا بالرحمة على أي حال. وأما السكون [في الرواية الأخرى] فيكون على الشرط؛ يعني إذا رحمتم من في الأرض رحمكم الله، وإن لم ترحموا من في الأرض لا يرحمكم الله.
وهذا يقول عنه العلماء إن أسلوب الشرط أو الشرطية في اللغة هي السببية عند الأصوليين؛ يُستفاد من وجودها الوجود ومن عدمها العدم. أما رواية «يرحمكم الله» فهو يدعو لنا على كل حال، فبالضم دعاءٌ وبالسكون شرطٌ.
رواية الحديث المسلسل بالمحبة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه
[الشيخ]: وأما الحديث المسلسل بالمحبة فعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيده وقال:
«يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك»
وقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسولَ الله، وأنا أحبُّك. وقال:
«أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه.
إجازة الشيخ لتلاميذه بالحديث المسلسل بالمحبة وبجميع مروياته
[الشيخ]: وأنا أقول لكم وأنتم تحضرون هذه المجالس الطيبة: إني أحبكم، وهذا حديث مسلسل بالمحبة، فكل شيخ يقول لمن بعده من تلاميذه: إنني أحبك.
وأجزتكم به على هذا الشرط، وأجزتكم أيضًا بكل ما لي حق الرواية فيه من الإجازات المختلفة التي تلقيناها عن مشايخنا في مصر بالأزهر الشريف وخارجه، وأيضًا في الهند وفي البلاد العربية والإسلامية وأينما طفنا في المشارق والمغارب.
سند كتاب الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي من طريق الشيخ الغماري
[الشيخ]: وأما سند كتاب الأربعين في أصول الدين لحجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، فقد أخذناه من طريق شيخنا وقدوتنا وإمامنا الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري من طنجة بالمغرب.
وهو أخذه عن الشيخ المعمر محمد دويدار التلاوي الكفراوي ببيته بتلا من قرى مصر في الوجه البحري، وهو قد أخذها بالإجازة العامة عن شيخ الإسلام برهان الدين إبراهيم الباجوري شيخ الجامع الأزهر.
تسلسل سند كتاب الأربعين من الباجوري إلى الإمام الغزالي رحمه الله
[الشيخ]: وهو [الباجوري] أخذها عن الشيخ الأمير الكبير، وهو أخذها عن الشيخ الحفني، عن الشيخ البديري، عن الملى محمد شريف، عن الفقيه علي بن محمد الحكمي، عن الشيخ محمد المكي، عن الإمام إمام الأئمة وبدر التتمة الجلال السيوطي، عن صالح بن السراج عمر البلقيني، السراج البلقيني، عن أبي إسحاق التنوخي، عن التقي سليمان بن حمزة، عن عمر بن كرم الدينوري، عن الحافظ أبي الفرج البغدادي، عن الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه، ونفعنا الله بعلومه في الدارين يا رب.
سند كتاب الأربعين من طريق مسند الدنيا أبي الفيض الفداني المكي
[الشيخ]: وأيضًا من طريق مسند الدنيا العلامة أبي الفيض بن محمد ياسين الفداني المكي ببيته في مكة، الشافعي القدوة، الذي تلقى عن أكثر من سبعمائة شيخ بكثير ممن وردوا إلى الحرم المكي الشريف، رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين.
وهو أخذها عن الشيخ محمد عبد الباقي بن ملا علي الأيوبي اللكنوي الهندي ثم بعد ذلك المدني، وهو أخذها عن السيد محمد أمين بن أحمد رضوان المدني بسنده إلى محمد ثابت بن إسماعيل البهرماري، وهو أخذها عن الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
سند كتاب الأربعين من طريق مسند الدنيا عبد الرحمن الكتاني وإجازة الرواية
[الشيخ]: وأيضًا من طريق مسند الدنيا عبد الرحمن بن محمد عبد الحي الكتاني، عن والده مسند العصر وفريد عصره وأوانه محمد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني رحمه الله تعالى، بسنده عن الإمام القزويني عمر بن علي بن عمر القزويني وهو أبو حفص سراج الدين، بسنده عن أبي الفرج عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف اليوسفي، عن الإمام الغزالي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وكما اتصلت أسانيدنا بهذا الإمام وكتبه، نجيزكم برواية الأربعين في أصول الدين سماعًا في تلك المجالس المكرمة، ولكم أن تجيزوها لمن بعدكم مع حرصكم على تقوى الله في السر والعلن، وأن لا تنسونا من دعائكم في خلواتكم وجلواتكم، اللهم آمين آمين.
بدء قراءة خاتمة كتاب الأربعين في مجامع الأخلاق ومواقع الغرور
[الطالب]: قبلنا يا سيدي.
[الشيخ]: هل تريدون قراءة البرزنجي؟
[الطالب]: سيدي، صراحة كنا نود، لكن الأخ المنشد لم يلتحق بنا. حسنًا، وهو كذلك نبدأ خاتمة في مجامع الأخلاق ومواقع الغرور فيها.
[الطالب]: خاتمة في مجامع الأخلاق ومواقع الغرور فيها: واعلم أن الأخلاق الذميمة كثيرة، ولكن ترجع أصولها إلى ما ذكرناه، ولا يكفيك تزكية النفس عن بعضها حتى تتزكى عن جميعها. ولو تركت واحدًا منها غالبًا عليك، فذلك يدعوك إلى البقية؛ لأن بعضها يرتبط بالبعض، ويتقاضى بعض الأخلاق الذميمة بعضًا.
السلامة المطلقة من الأخلاق الذميمة لا تنال إلا بالصحة الشاملة
[الطالب]: ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، والسلامة المطلقة لا تُنال بدفع بعض الأمراض، بل إنما تُنال بالصحة المطلقة، كما أن الحُسن لا يحصل بحُسن بعض الأعضاء ما لم يحسن جميع الأطراف.
والنجاة في حُسن الخُلق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«أثقل ما يوضع في الميزان الخُلق الحَسَن»
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
وقيل له: ما الدين؟ قال:
«الخلق الحسن»
وقال:
«حسن الخلق خلق الله»
وقال صلى الله عليه وسلم:
«أفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا»
حقيقة الخَلْق والخُلُق والفرق بين الصورة الظاهرة والباطنة
[الطالب]: وقد كثرت الأقاويل في تحقيقه وبيان حدّه، والأكثرون تعرضوا لبعض ثمراته ولم يحيطوا بجميع تفصيله. والذي يطلعك على حقيقته أن تعلم أن الخَلْق والخُلُق عبارتان؛ فيُراد بالخَلْق الصورة الظاهرة، وبالخُلُق الصورة الباطنة.
وذلك لأن الإنسان مركب من جسد يُدرك بالبصر، ومن روح ونفس تُدرك بالبصيرة لا بالبصر. ولكل واحد منهما هيئة إما قبيحة وإما حسنة، والنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرًا.
إضافة الله تعالى الروح إلى نفسه وبيان شرف النفس على البدن
[الطالب]: ولذلك أضافه [أي الروح] الله عزّ وجلّ إلى نفسه وأضاف البدن إلى الطين، فقال:
﴿إِنِّى خَـٰلِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [ص: 71-72]
ووصف الروح بأمر ربانيّ فقال:
﴿قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ [الإسراء: 85]
وأعني بالروح والنفس هنا معنى واحدًا، وهو الجوهر العارف المدرك من الإنسان بإلهام الله تعالى، وكما قال:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 7-10]
بيان الشيخ للفرق بين الروح والنفس من حيث الاعتبار والوظيفة
[الشيخ]: حتى لو كان ذلك أنهما واحد، وإنما يختلفان بالاعتبار؛ باعتبار أن الروح هي التي يحيا بها الجسد، وأن النفس هي التي معها الحساب وبها الإدراك ولها المراتب.
والنفس هي التي تخرج من جسد الإنسان فتظهر ظاهرة النوم عند الإنسان فينام، وإذا رجعت مرة أخرى أفاق واستيقظ. أما الروح إذا خرجت فلا تخرج إلا مع النفس، وإذا خرجت فإنه يكون قد مات. ولذلك سُمي النوم بالميتة الصغرى والموت بالنومة الكبرى.
رأي الإمام الغزالي في وحدة الروح والنفس واختلافهما بالاعتبار
[الشيخ]: ولذلك فهما يختلفان من هذا [الوجه]. فإذا رأى الإمام الغزالي في هذا الموضع أنهما كأنهما شيء واحد؛ لأنهما يحل بعضهما في بعض، ويبقى إذن الخلاف بالاعتبار.
يعني إذا اعتبرنا حياة الإنسان أسميناها روحًا، وإذا اعتبرنا إدراك الإنسان أسميناها نفسًا، والخلاف بسيط.
أركان الصورة الباطنة الأربعة وشرط اعتدالها لحسن الخلق
[الطالب]: كما أن للحسن الظاهر أركانًا كالعين والأنف والفم والخد، ولا يوصف الحسن الظاهر بالحسن ما لم يحسن جميعها، فكذلك الصورة الباطنة لها أركان لا بد من حسن جميعها حتى يحسن الخلق، وهي أربعة معانٍ:
- قوة العلم
- قوة الغضب
- قوة الشهوة
- قوة العدل بين هذه القوى الثلاث
فإذا استوت هذه الأركان الأربعة واعتدلت وتناسقت، حصل حسن الخلق.
اعتدال قوة العلم وثمرتها الحكمة التي هي رأس الفضائل
[الطالب]: وأما قوة العلم فاعتدالها وحسنها أن تصير بحيث يُدرَس بها الفرق بين الصدق والكذب في القول، وبين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الجميل والقبيح في الأعمال.
وحتى إذا صلحت هذه القوة كذلك، حصلت منها ثمرة الحكمة، وهي رأس الفضائل، بل قال الله عز وجل:
﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]
اعتدال قوة الغضب والشهوة ودور قوة العدل في ضبطهما
[الطالب]: وأما قوة الغضب فاعتدالها أن يقصر انقباضها وانبساطها على موجب إشارة الحكمة والشرع، وكذلك قوة الشهوة.
وأما قوة العدل فهي في ضبط قوة الغضب وقوة الشهوة تحت إشارة الدين والعقل. فالعقل منزلته منزلة النصح، وقوة العدل هي القدرة، ومنزلتها منزلة المنفذ الممضي لإشارة العقل.
والغضب والشهوة هما اللذان تنفذ بهما الإشارة، وهما كالكلب والفرس للصياد. فإن حَسُن بعض هذه دون بعض، كان كما لو حَسُن بعض أعضاء الوجه، فلا يُطلق اسم الحسن عليه إلا إذا حَسُن الجميع واعتدل. فإذا حَسُنت واعتدلت انشعب منه جميع الأخلاق المحمودة.
الشجاعة ثمرة اعتدال قوة الغضب وما ينشعب من إفراطها وتفريطها
[الطالب]: وأما قوة الغضب فيعبر عن اعتدالها بـالشجاعة، والله تعالى يحب الشجاعة. وإن مالت إلى طرف الزيادة سُميت تهورًا، وإن مالت إلى النقصان تُسمى جبنًا.
وينشعب من اعتدالها خلق الكرم والنجدة والشهامة والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتؤدة.
وأما إفراطها فيحصل منه خلق التهور والصلف والبذخ والاستشاطة والكبر والعجب. وأما تفريطها فيحصل منه الجبن والمهانة والذلة والخساسة وعدم الغيرة وضعف الحمية على الأهل وصغر النفس.
العفة ثمرة اعتدال قوة الشهوة وما يصدر من إفراطها وتفريطها
[الطالب]: وأما الشهوة فيُعبّر عن اعتدالها بـالعفة، وعن إفراطها بـالشره، وعن تفريطها وضعفها بـالخمود.
فيصدر من العفة: السخاء والحياء والصبر والسماحة والقناعة والورع والمساعد والظرف وقلة الطمع.
ويصدر عن إفراطها: الحرص والشره والوقاحة والتبذير والتقتير والرياء والهتكة والمجانة والملق والحسد والشماتة والتذلل للأغنياء واستحقار الفقراء وغير ذلك.
تصحيح الشيخ لضبط كلمة الظَّرف في اللغة العربية
[الشيخ]: ولا يوجد في اللغة «الظُّرفُ» [بالضم]، بل هو «الظَّرفُ» [بالفتح]، سواء كان ما يوضع فيه الخطاب فهو ظرف، أو سواء ما كان من اللطافة والخفة فهو ظرف أيضًا، وليس في اللغة سواها، الظرف بالفتح.
وأما إذا مال إلى التفريط:
[الطالب]: وأن يصدر منه الخمود والتخنث.
اعتدال قوة العقل وما يصدر من إفراطها وتفريطها وحقيقة حسن الخلق
[الطالب]: وأما قوة العقل فيصدر منها اعتدالها: حسن التدبير وجودة الدين وثقابة الرأي وإصابة الظن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفس.
وأما إفراطها فيحصل منه الجريرة والدهاء والمكر والخداع. ويحصل من تفريطها وضعفها: البله والحمق والغمارة والبلادة والانخداع.
فهذه هي روابط الأخلاق، وإنما معنى حسن الخلق في الجميع توسط بين الإفراط والتفريط؛ فخير الأمور أوسطها، وكل طرفي قصد الأمور ذميم. ولذلك قال الله عز وجل:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29]
الآيات القرآنية الدالة على التوسط في الأخلاق والإنفاق
[الطالب]: وقال تعالى:
﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67]
وقال الله تعالى:
﴿أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]
من غير تنوين، رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، لا يوجد تنوين، رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ.
[الطالب]: رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. ومهما مال واحد من هذه الجملة [أي من القوى الأربع] إلى الإفراط والتفريط فبعدُ لم يكمل حسن الخلق.
فصل في إصلاح الأخلاق الذميمة بالمجاهدة والرياضة
[الطالب]: فصل في إصلاح الأخلاق الذميمة بالمجاهدة: طريق إصلاح هذه الأخلاق كلها المجاهدة والرياضة.
ومعنى المجاهدة أن تكلف الصفة المفرطة الغالبة خلاف مقتضاها، فتعمل بنقيض موجبها. فإن غلب البخل فلا تزال تتكلف البذل بالجهد وتداوم عليه مرة بعد أخرى حتى يسهل عليك البذل في محله.
فإن غلب التبذير فلا تزال تتكلف الإمساك حتى يصير عادة فيسهل عليك الإمساك في محله، وكذلك في خلق الكبر وسائر الأخلاق. وقد ذكرناه في كتاب رياضة النفس على التفصيل.
الفرق بين التكلف والخلق الراسخ وأن التكلف طريق تحصيل الخلق
[الطالب]: وينبغي أن تعلم أن من يبذل تكلفًا فليس بسخي، وأن من يتواضع تكلفًا وهو ثقيل على نفسه فهو عاطل عن خلق التواضع. بل الخلق عبارة عن هيئة للنفس ويصدر عنها الفعل بسهولة من غير روية وتكلف.
لكن التكلف هو طريق تحصيل الخلق؛ فإنه لا يزال يتكلف أولًا حتى يصير ذلك طبعًا وعادة. فيُفهم من هذا أن البخيل قد يَبذُل، وأن السخي قد يُمسك، فلا تنظر إلى الفعل بل إلى الهيئة الراسخة التي تصدر منها الأفعال بيسرٍ وسرعةٍ من غير تكلفٍ.
تفاوت الناس في حسن الباطن وثناء الله على خلق النبي ﷺ
[الطالب]: واعلم أن تفاوت الناس في حسن الباطن كتفاوتهم في الحسن الظاهر، ولن يسلم الحسن المطلق إلا على الندور. وإنما سلم ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أثنى الله سبحانه عليه فقال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
وليست النجاة موقوفة على الكمال البالغ، لكن على أن يكون الميل إلى الحسن أكثر. فإن القبيح المطلق في الظاهر ممقوت، والحسن المطلق معشوق، وما بينهما درجات. فالقريب من الحسن المطلق أسعد في الدنيا من القريب إلى القبيح المطلق، فكذلك تتفاوت سعادة الآخرة بحسب تفاوت حسن الصورة الباطنة.
فصل في التحذير من الغرور بحسن الخلق ومواقع الاغترار بالنفس
[الطالب]: فصل في التحذير من الغرور: واعلم أنك قد تظن بنفسك حسن الخلق وأنت عاطل عنه، فإياك أن تغتر. وينبغي أن تحكم فيه غيرك، فتسأل عنه صديقًا بصيرًا لا يداهنك.
وبالجملة، إذا نسبك غيرك إلى سوء الخلق أوشك أن تكون كذلك؛ لأن أكثر الأخلاق يتعلق بالغير. فينبغي أن تظهر لهم من مواقع الغرور فيه، مثلًا أن تغضب فتظن أنك تغضب لله تعالى، وتُظهر العبادة وتظن أنك تُظهرها للاقتداء، وأن تكف عن الأكل أو عن طلب الدنيا أو تكظم الغيظ، وإنما يهون ذلك عليك أن تُعرف به فيكون الرياء هو الباعث على الجميع.
تعليق الشيخ على مواقع الغرور في الأخلاق وخطر الرياء
[الطالب]: ولذلك يكثر مواقع الغرور فيه على ما ذكرناه في كتاب الغرور من الإحياء، فإن هذا الكتاب لا يحتمل استقصاؤه.
[الشيخ]: فينبغي أن تظهر لهم، أي ينبغي أن تظهر لهؤلاء [الناس]، وبداية الكلام: ومن مواقع الغرور فيه مثلًا أن تغضب فتظن أنك تغضب لله، وتُظهر عبادة وتظن أنك تُظهر الاقتداء، أو تكفّ عن الأكل أو عن طلب الدنيا أو تكظم الغيظ، وإنما يهون عليك ذلك أن تُعرف به فيكون الرياء هو الباعث على الجميع.
ولذلك يكثر مواقع الغرور فيه على ما ذكرناه في كتاب الغرور إلى آخر ما قال رضي الله تعالى عنه.
فصل في بيان الأخلاق المذمومة والبدء بالأهم فالأهم في إصلاحها
[الطالب]: فصل في بيان الأخلاق المذمومة: وينبغي أن تتفقد هذه الأخلاق في قلبك وتبدأ بالأهم فالأهم، فتُقبِل على أغلب هذه الصفات فتكسرها على التدريج.
وأظن أن الأغلب عليك حب الدنيا، وسائر المعاصي والأخلاق المذمومة تتبعها. ولا يمكنك الخلاص من حب الدنيا إلا بأن تطلب خلوة خالية وتتفكر في سبب إقبالك على الدنيا وإعراضك عن الآخرة، فلا تجد له سببًا إلا محض الجهل والغفلة.
التفكر في قصر الدنيا مقارنة بالأبد وضرب المثل بالدرر والطائر
[الطالب]: فإن أقصى عمرك في الدنيا مائة سنة، فهب أن مملكة وجه الأرض تُسلّم لك من المشرق إلى المغرب في مائة سنة، أليس يفوتك بها المملكة في مدة لا آخر لها وهي مملكة الآخرة؟
فإن كان لا يدخل في خيالك طول الأبد، فقدّر الدنيا كلها مملوءة بالدرر، وقدّر طائرًا يأخذ في كل ألف ألف سنة حبة واحدة، فستفنى تلك الدرر ولم ينقص من الأبد شيء؛ لأن الباقي أيضًا لا نهاية له كما كان قبل ذلك.
مقارنة تعب الدنيا بنعيم الآخرة واستحقار العمر بالإضافة إلى الأبد
[الطالب]: وأنت ترى نفسك ترضى بتعب الأسفار إما في تجارة أو في طلب رئاسة، وهذا التعب الناجز لأجل شيء موهوم ربما يدركك الموت قبله، وربما لا يصفو إليك إلا إن ظفرت به.
وإنما ترضى بذلك لأنك تستحقر التعب سنة مثلًا بالإضافة إلى بقية العمر، وجملة عمرك بالإضافة إلى الأبد أقل من سنة بالإضافة إلى عمرك، لا إضافة بينهما. فتفكر فيه لينكشف لك جهلك على القرب.
الرد على من يتوقع العفو مع خراب الأعمال وتشبيهه بتوقع كنز في خراب
[الطالب]: ولعلك تقول: إنما أفعل ذلك على توقع العفو، وإن الله تعالى كريم رحيم. فأقول: ولِمَ لا تترك الحراثة والتجارة وطلب المال على توقع العثور على كنز في خراب؟ فإن الله كريم لا ينقص من ملكه شيء، ولو عرَّفك في منامك كنزًا من الكنوز حتى تأخذه.
فإن قلت: ذلك نادر، وإن كان داخلًا في قدرة الله تعالى. واعلم أن توقع العفو مع خراب الأعمال والأخلاق كتوقع كنز في خراب، بل أبعد منه وأندر.
وقد نبهك الله تعالى عليه فقال:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]
[الشيخ]:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]
[الطالب]:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]
الآيات الدالة على عدم التسوية بين المؤمنين والمفسدين والترغيب عن طلب المال
[الطالب]: وقال تعالى:
﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ﴾ [ص: 28]
ورغّبك عن طلب المال فقال:
[الشيخ]: ورغّبك عن طلب المال.
[الطالب]: ورغّبك عن طلب المال، فقال:
﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]
فما بالك تكذب بكرمه في الدنيا ولا تتكل عليه، ثم تخدع نفسك بالكرم في الآخرة وأنت تعلم أن رب الدنيا والآخرة واحد.
فصل في بيان أمر الآخرة وأصناف الناس الأربعة فيها
[الطالب]: فصلٌ في بيان أمر الآخرة وذكر أصناف الناس فيها: ولعلك تقول: عواقب أمور الدنيا قد انكشفت لي بالعيان واطمأن قلبي إليها، وأما أمر الآخرة فلم أشاهده ولست أجد التصديق الحقيقي في قلبي، فلذلك فترت رغبتي في ترك الدنيا نقدًا بما هو موجود نسيئة ولست أثق به.
فأقول: لو كنت من أرباب البصائر لانكشف لك أمر الآخرة صريحًا كما انكشف أمر الدنيا. فإن لم تكن من أهله فتفكر في أقاويل أرباب البصائر، فإن الناس في أمر الآخرة أربعة أصناف.
الصنف الأول والثالث من أصناف الناس في أمر الآخرة واتفاق النظار على السعادة المؤبدة
[الطالب]: صنف أثبتوا الجنة والنار كما ورد به القرآن، وقد سمعت أنواع نعيمها وأنكال جحيمها، وسبيل التخيل كما في الكتاب حتى يكون كل واحد في جنة أو نار يراها وحده، وزعموا أن تأثير ذلك فيه كتأثير الحقيقة؛ لأن تألم النائم كتألم اليقظان، وإنما يخلص عنه بالتنبه، وذلك في الآخرة دائم لا انقطاع له.
وصنف ثالث أثبتوا آلامًا عقلية ولذات عقلية، وزعموا أن ذلك أعظم من الحسية، ومثلوا ذلك باستشعار لذة الملك واستشعار زوالها؛ فإن زوال الملك يورث آلامًا كثيرة بدنية على ما يظفر به عدوه ويأخذ مملكته ويستسخره، مع أن ظفر العدو لا يؤلم البدن.
اتفاق الأنبياء والأولياء والحكماء على إثبات السعادة المؤبدة بترك الدنيا
[الطالب]: وهؤلاء هم أصناف النظّار، أعني الأصناف الثلاثة، وفيهم الأنبياء والأولياء والحكماء، وكلهم اتفقوا على إثبات سعادة مؤبدة وشقاوة مؤبدة.
فإن السعادة لا تُنال إلا بترك الدنيا والإقبال على الله عز وجل. ولو مرضت ولم تكن من أهل البصيرة في طب، ورأيت أفاضل الأطباء قد اتفقوا على شيء، لم تتوقف في اتباعهم.
الصنف الرابع من الناس وهم الأطباء والمنجمون الذين لم يدركوا حقيقة الروح
[الطالب]: والصنف الرابع ليسوا من النُّظَّار في الأمور الإلهية، بل هم من الأطباء والمنجمين، اقتصر نظرهم على الطبائع الأربع ومزاجها، ورأوا قوام الروح موقوفًا عليها، ولم يتفطنوا لحقيقة الروح الإلهية الحقيقي الذي هو العارف بالله تعالى.
بل لم يدركوا إلا الروح الجسماني الذي هو بخار أنضجته حرارة القلب ينتشر في العروق والضوارب إلى جميع البدن، فيقوم به الحسّ والحركة، وهي الروح التي توجد للبهائم أيضًا.
الروح الخاص الإنساني المنسوب إلى الله وموقف من ظن أن الموت عدم
[الطالب]: فأما الروح الخاص الإنساني المنسوب إلى الله سبحانه حيث قال:
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ [ص: 72]
فلم يتفطنوا له، فظنوا أن الموت عدم وأنه يرجع إلى فساد المزاج. وأنت في حق هؤلاء بين أمرين: إما أن تجوّز غلطهم، أو تعلم قطعًا صحة قولهم.
وإن جوَّزت خطأهم لزمك الإعراض عن الدنيا بمجرد الاحتمال؛ فإنك لو كنت صادق الجوع وظفرت بطعام وهممت بأكله، فأخبرك صبي أن فيه سمًّا أو حية ولغت فيه، قاسيت الجوع وتركت الأكل؛ لأنك تقول: إن كان كاذبًا ليس يفوتني إلا لذة الأكل، وإن كان صادقًا ففيه الهلاك.
الاحتمال يوجب الحذر من النار وشعر المتنبه لخطر إنكار البعث
[الطالب]: وبمثل هذا الاحتمال لا يمكن الهجوم عليه. فليت شعري مَن يحتمل الخلود في النار؟ فكيف يستجرئ العاقل الهجوم عليه، وكيف لا يكون كاليقين التام في الحذر منه.
حتى تنبّه الشاعر مع ركاكة عقله فقال:
زعم المنجم والطبيب كلاهما
لا تُحشر الأموات، قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر
وإن صح قولي فالخسار عليكما
الرد على من يدعي يقين عدم البعث وبيان فساد مزاجه وركاكة عقله
[الطالب]: فإن قلت: إني أعلم ضرورة صدق هؤلاء وأن الموت عدم وأنه لا عقاب ولا ثواب، وأن الأنبياء والأولياء كلهم مغرورون أو ملبَّس عليهم، وإنما الذي انكشفت له حقيقة الحق هو هذا الطبيب الجاهل. وزعمت أنك تعلم ذلك كما تعلم أن الاثنين أكثر من الواحد حتى لا يخالجك فيه ريب، فيدل هذا على فساد المزاج وركاكة العقل والبعد عن قبول العلاج.
ولكن هذا يقال لك: إن كنت تطلب الراحة في الدنيا فقد يتقاضاك عقلك أيضًا مجاهدة الشهوات وكسرها؛ فإن الراحة في الحرية والخلاص في كسر الشهوات لا في اتباعها.
الشهوات آلام ناجزة والمستريح في الدنيا هو تاركها والزاهد فيها
[الطالب]: فإنها [أي الشهوات] إذا تسلطت على النفس فهي آلام ناجزة تحمل النفس على احتمال كل ذل ومشقة. وما المستريح في الدنيا إلا تاركها والزاهد فيها، وأما طالبها فلا يزال منها في عناء.
فالمعطِلُ أيضًا أنه إنْ عَقَلَ قليلًا تَرَكَ الدنيا لكثرة عنائها وسرعة فنائها وخِسَّةِ شركائها. وإنْ لم تكنْ في أمر الآخرة على تخمينٍ، ولا من مشاهدة آفات الدنيا على يقينٍ، فما أنت إلا من الحمقى المغرورين.
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88]
ولمثلك يُقال:
﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 3]
دعاء الشيخ بالنفع من علوم الإمام الغزالي وبيان أقسام كتاب الأربعين
[الشيخ]: نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قرأنا وبما تعلمنا من الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في هذا التقسيم الرائع الذي جعل أربعين أصلًا من أصول الدين على أربعة أقسام، وانتهينا هكذا من القسم الثالث، ويتبقى القسم الرابع. نرجو أن تُتاح لكم فرصة قراءة وإتمام الكتاب.
القسم الأول كان في جمل من العلوم وهي عشرة، والحمد لله أتممناه، وبه كأننا نتم الإناء الذي ستوضع فيه الآثار والأنوار والأسرار والثواب والدرجات، ولذلك بدأ به في جمل العلوم وأصولها.
بيان أقسام كتاب الأربعين الأربعة من العلوم إلى الأخلاق المحمودة
[الشيخ]: ثم أيضًا في القسم الثاني تكلم في الأعمال الظاهرة التي تمثل الإناء المباشر الذي صُنع في البناء على جمل العلوم وأصولها من العقيدة، فتكلم عن الأعمال الظاهرة من الصلاة والزكاة والصيام والحج.
ثم بعد ذلك تحدث عن المرتبة الثالثة في تزكية القلب، وهو يسير بذلك مع حديث جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان.
بعد ذلك فصّل لأهمية درجة الإحسان في القسم الرابع في الأخلاق المحمودة، كيف الوصول إليها، وما البرامج التي توصلنا إلى درجة الأخلاق المحمودة.
دعاء الشيخ الختامي بالفتوح والرحمة والحشر تحت لواء النبي ﷺ
[الشيخ]: فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح علينا فتوح العارفين به، وأن يجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة، وأن ينفعنا بما قدم آباؤنا وأجدادنا وأسلافنا من الصالحين كالإمام الغزالي.
هذا العلم الذي يبقى إن شاء الله إلى أن نلقى الله سبحانه وتعالى وهو عنا راضٍ، وأن ينقلنا من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه، وأن يحشرنا جميعًا تحت لواء نبيه يوم القيامة، وأن نشرب من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم يدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.
فإننا في حاجة إلى رحمته وليس في حاجة إلى مؤاخذتنا. فاللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين.
الدعاء بأن يكون القرآن ربيع القلوب والتوصية بنسخة دار المنهاج
[الشيخ]: واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم آمين، اللهم آمين، اللهم آمين.
وكتاب الأربعين في أصول الدين النسخة المعتمدة التي بُذِلَ في تحقيقها وتنقيحها وضبطها مجهود كبير هي نسخة دار المنهاج، والتي كانت المرجع في هذه القراءة.
ونلتقي إن شاء الله على خير، وكل عام أنتم بخير بمناسبة تشرف العالم بأنوار النبي: وُلِدَ الهدى فالكائنات ضياء، وفم الزمان تبسم وثناء. فالزمان يتبسم والمؤمنون يفرحون بهذه المناسبة.
سؤال حول سب النبي ﷺ وتوجيه الشيخ بأن الله تكفل بنصرته
[الشيخ]: عسى الله سبحانه وتعالى أن ينظر إلينا بنظر الرحمة وأن يجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[الطالب]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. سيدي، الدكتور يطرح علينا سؤالًا في هذه الأيام بسبب سب النبي صلى الله عليه وسلم ونشرِ الكثير من الإساءات إليه، فالكثيرون يلوموننا على تجاهل هذا الموقف، ونحن نريد منكم توجيهًا لمحبيكم ولطلبة العلم حول مسألة سب النبي صلى الله عليه وسلم.
[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم ليس في حاجة إلينا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له ربه:
﴿إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [الحجر: 95]
ويقول:
﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَـٰحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِىَ ٱلْعُلْيَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40]
فعل الله في المستهزئين بالنبي ﷺ والتوجيه بالإكثار من الصلاة عليه
[الشيخ]: نحن نشاهد فعل الله في خلقه، وهؤلاء كلما ابتلاهم الله سبحانه وتعالى ببلاء حتى يستكينوا وحتى يتضرعوا، ويزدادون غلوًّا في ادعاء المظلومية والظلم، وخاصةً ضد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
﴿وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]
ونحن نتجاوز هذا ونكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وننشر أمداحه الكريمة. كما قالوا: دع الكلاب تنبح والقافلة تسير [أي: امضِ قُدُمًا، ولا تلتفت لمن يريد أن يعرقل مسيرتك].
وكان الإمام الشافعي يقول: لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا، لأصبح الصخر مثقالًا بدينار.
النبي ﷺ يزداد رفعة بالظلم وتكفل الله بالمستهزئين والختام
[الشيخ]: فنحن نترك هؤلاء ثم ننظر فعل الله فيهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الظلم يزداد عند الله رفعةً فوق رفعة، والدرجات لا نهاية لها. كما أننا نقرأ الفاتحة ونقول زيادةً في شرف النبي؛ لأن زيادة العدد لا نهاية لها، كلما وصلنا إلى شيءٍ فهناك إضافة لهذا الشيء.
ولذلك فنحن نتوكل على الله ونظل على منهجنا ونتأمل فعل الله في خلقه، ثم بعد ذلك نكثر من أداء حق النبي أو بعض حق النبي في أعناقنا؛ لأننا لا نستطيع أن نؤديه كله مهما فعلنا.
وعلى كل حال:
﴿وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 61]
فهذا في الدنيا والآخرة. ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا صالح أعمالنا، ونلتفت إلى عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس، ودعوا هؤلاء الأسافل؛ لأن ربنا تكفل بهم في تلك الآية العظيمة:
﴿إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ﴾ [الحجر: 95]
[الطالب]: جزاكم الله خيرًا يا سيدي.
[الشيخ]: بارك الله فيكم، مع السلامة.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الرواية التي تُفيد الشرط في حديث «يرحمكم من في السماء»؟
رواية السكون «يَرحَمْكُم»
من الصحابي الذي روى عنه الحديث المسلسل بالأولية في الرحمة؟
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما
ما الوصية التي أوصى بها النبي ﷺ معاذ بن جبل في الحديث المسلسل بالمحبة؟
أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
كم عدد أقسام كتاب الأربعين في أصول الدين للإمام الغزالي؟
أربعة أقسام
ما الثمرة التي تنتج عن اعتدال قوة العلم؟
الحكمة
ما الاسم الذي يُعبَّر به عن اعتدال قوة الغضب؟
الشجاعة
ما الاسم الذي يُعبَّر به عن اعتدال قوة الشهوة؟
العفة
ما الذي يصدر من إفراط قوة الغضب؟
التهور والكبر والعجب
ما المثل الذي يضربه الغزالي لتوضيح قِصَر الدنيا مقارنةً بالأبد؟
مثل الطائر الذي يأخذ حبة من الدرر كل ألف ألف سنة
ما الآية التي يستدل بها الغزالي على أن الإنسان لا ينال إلا ما سعى؟
﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾
ما الصنف الرابع من الناس في أمر الآخرة الذي ذكره الغزالي؟
الأطباء والمنجمون الذين اقتصروا على الطبائع الأربع
ما الآية التي يستدل بها على أن الله تكفّل بالمستهزئين بالنبي ﷺ؟
﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾
ما النسخة المعتمدة من كتاب الأربعين في أصول الدين التي أُشير إليها في المجلس؟
نسخة دار المنهاج
ما الفرق بين الخَلق والخُلق عند الإمام الغزالي؟
الخَلق هو الصورة الظاهرة والخُلق هو الصورة الباطنة
ما معنى تسمية النوم بالميتة الصغرى؟
لأن النفس تخرج من الجسد أثناء النوم وتعود عند الاستيقاظ
ما معنى الحديث المسلسل بالأولية؟
هو الحديث الذي يكون أول حديث يرويه كل شيخ لتلاميذه، وتنتهي الأولية عند سفيان بن عيينة في هذا السند.
ما الفرق بين رواية الضم والسكون في حديث الرحمة؟
رواية الضم «يَرحَمُكُم» تُفيد الدعاء أي أن النبي يدعو لنا بالرحمة على كل حال، ورواية السكون «يَرحَمْكُم» تُفيد الشرط أي أن رحمة الله مشروطة برحمتنا لمن في الأرض.
من روى الحديث المسلسل بالمحبة وما مضمونه؟
رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه، وفيه أن النبي ﷺ أخذ بيده وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك»، ثم أوصاه بالدعاء في دبر كل صلاة.
ما شرط إجازة الشيخ لتلاميذه بالحديث المسلسل بالمحبة؟
أن يُعلن الشيخ محبته لتلاميذه كما فعل النبي ﷺ مع معاذ، فيتسلسل الحديث بهذه المحبة من شيخ إلى تلميذ.
من هو مسند الدنيا أبو الفيض الفداني وما مميزاته؟
هو العلامة أبو الفيض بن محمد ياسين الفداني المكي الشافعي، تلقى عن أكثر من سبعمائة شيخ ممن وردوا إلى الحرم المكي الشريف.
ما الأركان الأربعة للصورة الباطنة عند الغزالي؟
قوة العلم، وقوة الغضب، وقوة الشهوة، وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث.
ما الأخلاق التي تنشعب من اعتدال قوة الغضب؟
الكرم والنجدة والشهامة والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتؤدة.
ما الأخلاق التي تصدر من اعتدال قوة الشهوة؟
السخاء والحياء والصبر والسماحة والقناعة والورع وقلة الطمع.
ما معنى حسن الخلق في مجمله عند الغزالي؟
التوسط بين الإفراط والتفريط في القوى الأربع، إذ خير الأمور أوسطها وكل طرفي قصد الأمور ذميم.
ما الفرق بين الخلق الراسخ والتكلف؟
الخلق الراسخ هيئة للنفس يصدر عنها الفعل بسهولة من غير روية وتكلف، أما التكلف فهو الطريق الأول لتحصيل الخلق حتى يصير طبعًا وعادة.
ما طريق إصلاح الأخلاق الذميمة عند الغزالي؟
المجاهدة والرياضة بتكليف الصفة المفرطة الغالبة خلاف مقتضاها، فتعمل بنقيض موجبها حتى يسهل عليها ذلك ويصير عادة.
لماذا لا يكفي إصلاح بعض الأخلاق الذميمة دون جميعها؟
لأن الأخلاق الذميمة مترابطة ومتشابكة، وترك واحدة منها غالبة يدعو إلى البقية، فالسلامة المطلقة لا تُنال إلا بالصحة الشاملة.
ما مواقع الغرور في الأخلاق التي حذّر منها الغزالي؟
أن يغضب الإنسان فيظن أنه يغضب لله، أو يُظهر العبادة ويظن أنه يُظهرها للاقتداء، وإنما الباعث الحقيقي هو الرياء.
ما الحجة العقلية على وجوب الإعراض عن الدنيا حتى بمجرد احتمال صحة البعث؟
كمن يجد طعامًا وأخبره أحد أن فيه سمًّا، فيتركه لأنه يقول: إن كان كاذبًا لم يفتني إلا لذة الأكل، وإن كان صادقًا ففيه الهلاك.
ما الآية التي تدل على شرف الروح وإضافتها إلى الله؟
قوله تعالى: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾، وقوله: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾.
على ماذا اتفق الأنبياء والأولياء والحكماء في أمر الآخرة؟
اتفقوا جميعًا على إثبات سعادة مؤبدة وشقاوة مؤبدة، وأن السعادة لا تُنال إلا بترك الدنيا والإقبال على الله.
ما الفرق بين الروح الجسماني والروح الإلهي الإنساني؟
الروح الجسماني بخار أنضجته حرارة القلب ينتشر في العروق ويقوم به الحس والحركة، وهو موجود للبهائم أيضًا. أما الروح الإلهي الإنساني فهو الجوهر العارف المدرك المنسوب إلى الله الخاص بالإنسان.
ما الموقف الصحيح من الإساءة إلى النبي ﷺ؟
الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ ونشر أمداحه الكريمة، والتوكل على الله في أمر المستهزئين، والالتفات إلى عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس.
ما قول الإمام الشافعي في التعامل مع من يُسيء؟
قال: لو كل كلب عوى ألقمته حجرًا، لأصبح الصخر مثقالًا بدينار، أي لا تنشغل بالرد على كل مسيء.
ما القسم الرابع من كتاب الأربعين في أصول الدين؟
القسم الرابع في الأخلاق المحمودة وكيفية الوصول إليها والبرامج التي توصل إلى درجة الأخلاق المحمودة.
