ما تفسير سورة البقرة من الآية 41 إلى 44 وما المقصود بعهد الله مع بني إسرائيل والأمر بإقامة الصلاة والزكاة؟
تتناول الآيات 41 إلى 44 من سورة البقرة خطاب الله لبني إسرائيل بتذكر نعمه عليهم والوفاء بعهده ليوفي بعهدهم. وتنهاهم عن كتمان الحق ولبسه بالباطل والاشتراء بآيات الله ثمنًا قليلًا. وتختم بالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والركوع مع الراكعين سبيلًا للعودة إلى طريق الله.
- •
هل يعلم كثيرون أن طوائف يهودية تعتبر العودة إلى فلسطين مخالفةً صريحةً لعهد الله الوارد في كتبهم؟
- •
فضّل الله بني إسرائيل على عالَمي زمانهم وأرسل إليهم موسى الكليم وأراهم معجزات حسية متتالية كشق البحر وإحياء الموتى.
- •
رغم توالي الأنبياء عليهم قست قلوبهم وعصوا، فجاء عيسى ثم محمد ﷺ ليذكّراهم بالوصايا ويدعواهم إلى طريق الله.
- •
تفسير سورة البقرة بشكل مبسط يكشف أن الآية 42 تنهى عن لبس الحق بالباطل وكتمانه مع العلم به، وهو ما يجري تطبيقه في الصراع الراهن.
- •
الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في الآية 43 يجمع بين العبادة القاصرة على النفس والعبادة المتعدية إلى الغير.
- •
القرآن الكريم يخاطب بني إسرائيل إلى يوم الدين لأنه متحرر من الزمان والمكان، وتحذيره من اتباع سننهم موجّه لكل الأمم.
- 0:00
مقدمة تبيّن أن فضل القرآن على كلام الناس كفضل الله على عباده، وأن كل كلمة فيه تستحق التأمل.
- 0:39
الله يأمر بني إسرائيل بتذكر نعمه والوفاء بعهده مقابل أن يوفي بعهدهم، وهم أُتيح لهم ما لم يُتَح لغيرهم.
- 1:09
الله أرسل موسى الكليم لبني إسرائيل وأراهم معجزات حسية متتالية وفضّلهم على عالَمي زمانهم.
- 2:08
رغم توالي الأنبياء في بني إسرائيل قست قلوبهم كالحجارة، ولو امتثلوا للوصايا العشر لما أُرسل عيسى ومحمد ﷺ.
- 2:52
عيسى ثم محمد ﷺ أُرسلا لتذكير بني إسرائيل بالوصايا العشر، والوصية العاشرة المفقودة قد تكون الإيمان بالنبي ﷺ.
- 3:49
القرآن يخاطب بني إسرائيل في كل زمان ومكان ويعدد نعم الله عليهم من النسب النبوي إلى التفضيل على العالمين.
- 4:46
بنو إسرائيل بلغوا القمة في نعم الله عليهم وفي الوقت ذاته بلغوا القمة في الكفران والمعصية والغلو.
- 5:39
النبي ﷺ حذّر من اتباع سنن بني إسرائيل حذوًا كاملًا، مؤكدًا أن الأمة الإسلامية قد تقع في نفس الانحراف.
- 6:16
النبي ﷺ أكد وحدة مسيرة الرسل، وعهد الله مع بني إسرائيل يشمل الحماية والمغفرة مقابل وفائهم بعهدهم.
- 7:28
طوائف يهودية تفسر عهد الله مع بني إسرائيل بأنه يحظر العودة إلى فلسطين، وأن المغفرة مشروطة بعدم العودة.
- 8:12
طوائف يهودية تعترف بأن العائدين إلى فلسطين مخالفون لعهد الله وأنهم بذلك ملعونون وفاقدون للمغفرة.
- 8:56
طوائف يهودية ترفض العودة إلى فلسطين وتعتبر المخالفين لعهد الله سببًا في إتعاب المنطقة والعالم.
- 9:29
نسيان الله وعدم الرهبة منه يؤديان إلى مخالفة العهد وفقدان المغفرة، والأمر بالرهبة شرط الوفاء الإلهي.
- 10:30
القرآن مصدق لما سبقه من الكتب، وورقة بن نوفل شهد بأنه من المشكاة ذاتها التي جاء منها موسى.
- 11:24
النهي عن بيع آيات الله بثمن قليل مرتبط بفقدان التقوى والرهبة اللتين تؤديان إلى نقض العهد مع الله.
- 11:40
لبس الحق بالباطل وكتمانه مع العلم به جريمة قرآنية تتجلى في قلب الحقائق وجعل المحتل مظلومًا والمظلوم ظالمًا.
- 12:34
الصلاة عبادة قاصرة تُصلح علاقة الإنسان بربه، والزكاة عبادة متعدية للغير، والركوع مع الراكعين انتماء لجماعة المؤمنين.
ما فضل القرآن الكريم على سائر الكلام؟
فضل القرآن على كلام الناس كفضل الله سبحانه وتعالى على عباده؛ لأنه كلام رب العالمين. والفارق بين المخلوق والخالق فارق لا يُقاس، مما يجعل كل كلمة في القرآن تستحق الوقوف والتأمل.
ما المقصود بنداء الله لبني إسرائيل في سورة البقرة بتذكر النعم والوفاء بالعهد؟
يوجّه الله خطابًا جديدًا لبني إسرائيل يأمرهم فيه بتذكر نعمه عليهم والوفاء بعهده ليوفي بعهدهم. وبنو إسرائيل أُتيح لهم ما لم يُتَح لأحد في العالمين من نعم وكرامات إلهية.
ما النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل في سورة البقرة؟
أرسل الله إليهم موسى الكليم الذي كلّمه الله تكليمًا، وأنقذهم من فرعون وأراهم معجزات حسية متتالية كشق البحر ونطق الجبل والألواح وإحياء الموتى. وفضّلهم على عالَمي زمانهم ونصرهم وأنقذهم من التيه ليُخلصوا الديانة لله رب العالمين.
لماذا قست قلوب بني إسرائيل رغم كثرة الأنبياء فيهم؟
أرسل الله إلى بني إسرائيل أنبياء كثيرين تباعًا حتى كان النبي في كل مكان، غير أن قلوبهم قست بعد ذلك كله فصارت كالحجارة أو أشد قسوة. ولو أنهم التزموا بالوصايا العشر لما احتاج الله أن يرسل عيسى ولا محمدًا صلى الله عليه وسلم.
لماذا أُرسل عيسى ثم محمد ﷺ إلى بني إسرائيل وما علاقة ذلك بالوصايا العشر؟
أرسل الله عيسى روح الله وكلمته ليذكّر بني إسرائيل فلم يمتثلوا، ثم جاء النبي الخاتم ﷺ يأمرهم بالعودة إلى الوصايا العشر. ويُلاحَظ أن الوصايا المعروفة تسعة فقط، مما يُثير تساؤلًا عن الوصية العاشرة التي قد تكون الإيمان بمحمد ﷺ.
كيف يخاطب القرآن بني إسرائيل في كل زمان ومكان وما النعم التي يعددها عليهم؟
القرآن الكريم تحرر من الزمان والمكان فخطابه لبني إسرائيل مستمر إلى يوم الدين ولا يقتصر على عصر بعينه. ويعدد الله عليهم نعمه: نسبتهم إلى النبي يعقوب، وتوالي الأنبياء فيهم، وتفضيلهم على العالمين في زمانهم، وجعلهم من أتباع الكليم موسى. ثم يدعو إلى التعجب: أبعد كل هذا لا توجد فائدة؟
ما الذي يميز بني إسرائيل في تلقي نعم الله ثم مقابلتها بالكفران؟
لم تتنعم أمة بما تنعم به بنو إسرائيل ولم يُكرم الله أمة أكثر مما أكرمهم. غير أنهم بلغوا القمة في الكفران والغلو والمعصية في مقابل تلك النعم العظيمة، مما يجعل تذكيرهم بها أمرًا واجبًا.
ما الحديث النبوي الذي يحذر من اتباع سنن بني إسرائيل وهل يمكن أن تقع الأمة الإسلامية في ذلك؟
قال النبي ﷺ: «لتتبعن سنن الذين خلوا من قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم»، وأوضح أن المقصود هم اليهود والنصارى. وهذا يعني أن الأمة الإسلامية قادرة على الوقوع في نفس المعصية والانحراف الذي وقع فيه بنو إسرائيل.
ما رسالة النبي ﷺ في تأكيد وحدة مسيرة الرسل وما عهد الله مع بني إسرائيل؟
جاء النبي المصطفى ﷺ ليؤكد أن مسيرة الرسل واحدة وأن الله هو المعبود الحق للجميع. ومن عهد الله مع بني إسرائيل أن يحميهم ويغفر لهم مصائبهم كعبادة العجل وإقامة معابد الوثنية في فلسطين، شريطة أن يوفوا بعهدهم.
ما عهد الله مع بني إسرائيل المتعلق بفلسطين وما موقف بعض طوائف اليهود منه؟
أراد الله أن يعفو عن بني إسرائيل ويغفر لهم فطالبهم بالوفاء بعهدهم. وتقول طوائف من اليهود إن هذا العهد يقضي بألا يعودوا إلى فلسطين مرة أخرى، وأن العودة إليها تعني مخالفة عهد الله وفقدان المغفرة.
كيف يرى اليهود المخالفون للعهد الذين عادوا إلى فلسطين في ضوء تفسير سورة البقرة؟
تقول تلك الطوائف اليهودية إن من عاد إلى فلسطين مخالفًا للعهد يصبح ملعونًا ولن يغفر الله له. وعند السؤال عن الموجودين في فلسطين الذين يثيرون القلق ويسيلون الدماء، أقرّت تلك الطوائف بأنهم مخالفون للعهد.
ما موقف الطوائف اليهودية الرافضة للعودة إلى فلسطين من الصراع الدائر هناك؟
تعلن تلك الطوائف اليهودية أنها ضد العائدين إلى فلسطين ولا ترضى بذلك، معتبرةً أن مخالفة عهد الله بالعودة أتعبت المنطقة كلها والعالم أجمع. ويرون أنفسهم أبناء المعبد وأبناء القدس الحقيقيين الذين يرفضون مخالفة عهد الله.
ما عاقبة نسيان الله ومخالفة العهد وما معنى قوله تعالى وإياي فارهبون؟
نسيان الله وعدم خشيته هو الذي دفع بعض بني إسرائيل إلى مخالفة العهد والعودة إلى فلسطين، فلا مغفرة ولا توفيق لمن فعل ذلك. وقوله تعالى ﴿وإياي فارهبون﴾ يعني: خافوني، فمن لم يوفِ بالعهد فهو لا يخاف الله، ومن لا يخاف الله لن يوفي الله له ببقية العهد.
كيف يصدق القرآن الكريم ما سبقه من الكتب وما شهادة ورقة بن نوفل على ذلك؟
يأمر الله بني إسرائيل بالإيمان بالقرآن المنزل مصدقًا لما معهم من الكتب. وقد شهد ورقة بن نوفل بأن القرآن صادر من المشكاة ذاتها التي جاء منها موسى، مؤكدًا وحدة المصدر الإلهي. وتشير الآية إلى أن بني إسرائيل كانوا أول من كفر بالقرآن رغم أنهم أولى الناس بالإيمان به.
ما معنى النهي عن الاشتراء بآيات الله ثمنًا قليلًا وكيف يرتبط بفقدان التقوى؟
ينهى الله عن استبدال آياته بمكاسب دنيوية زهيدة. وفقدان الرهبة من الله وفقدان التقوى هما اللذان يؤديان إلى عدم الوفاء بالعهد وإلى بيع الحق بثمن بخس.
ما معنى لبس الحق بالباطل وكتمان الحق في سورة البقرة وكيف يتجلى ذلك في الواقع؟
لبس الحق بالباطل يعني الخلط بينهما بأن تُبنى على حقيقة صغيرة نتيجة مغلوطة، وكتمان الحق مع العلم به جريمة يعلمها أصحابها. ويتجلى ذلك في الواقع حين يُقلب الأمر فيصبح المحتل مظلومًا والمظلوم ظالمًا، وهو ما يعلمه الله علّام القلوب.
ما الفرق بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في سورة البقرة وما معنى الركوع مع الراكعين؟
الصلاة عبادة قاصرة على النفس تُصلح علاقة الإنسان بربه، والزكاة عبادة متعدية إلى الغير تُصلح علاقته بالمجتمع. والأمر بالركوع مع الراكعين يعني الانتماء إلى جماعة المؤمنين وعدم الشذوذ عنهم، وهو الطريق العملي للعودة إلى طريق الله.
تفسير سورة البقرة في الآيات 41-44 يكشف أن الوفاء بعهد الله شرط المغفرة، ولبس الحق بالباطل جريمة يعلمها أصحابها.
تفسير سورة البقرة في هذه الآيات يُجلّي خطابًا إلهيًا شاملًا لبني إسرائيل يذكّرهم بنعم لم تنلها أمة قبلهم: إرسال موسى الكليم، والمعجزات الحسية المتتالية من شق البحر وإحياء الموتى، وتوالي الأنبياء فيهم، والتفضيل على عالَمي زمانهم. ومع ذلك قست قلوبهم وعصوا، فجاء القرآن يطالبهم بالوفاء بعهد الله شرطًا للمغفرة والحماية.
تنهى الآيات عن ثلاثة جرائم متصلة: لبس الحق بالباطل وكتمانه مع العلم به، والاشتراء بآيات الله ثمنًا قليلًا، وفقدان الرهبة من الله والتقوى. وتختم بالأمر بإقامة الصلاة بوصفها عبادة قاصرة تُصلح علاقة الإنسان بربه، وإيتاء الزكاة بوصفها عبادة متعدية إلى الغير، والركوع مع الراكعين انتماءً إلى جماعة المؤمنين لا شذوذًا عنها.
أبرز ما تستفيد منه
- الوفاء بعهد الله شرط لأن يوفي الله بعهده من المغفرة والحماية.
- القرآن متحرر من الزمان والمكان فخطابه لبني إسرائيل مستمر إلى يوم الدين.
- لبس الحق بالباطل وكتمانه مع العلم به جريمة يعلمها أصحابها.
- الصلاة عبادة قاصرة والزكاة عبادة متعدية وكلتاهما طريق العودة إلى الله.
مقدمة الدرس وفضل القرآن الكريم على سائر الكلام
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نطلب منه الهداية، ونقف عند كل آية بل كل كلمة منه؛ فهو من كلام رب العالمين، وفضل القرآن على كلام الناس كفضل الله سبحانه وتعالى على عباده؛ فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.
نداء الله لبني إسرائيل بتذكر النعم والوفاء بالعهد
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]
هذا كلام جديد يوجهه الله تعالى إلى بني إسرائيل. فبنو إسرائيل أُتيح لهم ما لم يُتَح لأحد في العالمين، وفُتح لهم ما لم يُفتح لأحد في العالمين.
نعم الله على بني إسرائيل من إرسال موسى والمعجزات الحسية
أرسل الله إليهم موسى عليه السلام، وموسى هو كليم الله، وكلّم الله موسى تكليمًا. وأنقذهم من فرعون وملئه، وأراهم بأعينهم معجزات حسية متتالية: من شقّ البحر، ومن نطق الجبل، ومن الألواح، ومن قصة البقرة وإحياء الموتى أمامهم؛ دليلًا على قدرة الله وعلى عظمة الله.
وفضّلهم على عالَمي زمانهم، ونصرهم وأنقذهم من التيه؛ بغية أن يُخلصوا الديانة لله رب العالمين.
كثرة الأنبياء في بني إسرائيل وقسوة قلوبهم رغم ذلك
وأرسل إليهم الأنبياء تباعًا كثيرًا؛ أي كلما تسير في الشارع تجد نبيًّا في بني إسرائيل. وبعد ذلك لا توجد فائدة!
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ [البقرة: 74]
ولو أن بني إسرائيل التزموا بالوصايا العشر لما أرسل الله عيسى ولا أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم، لكنهم لم يمتثلوا.
إرسال عيسى ثم محمد صلى الله عليه وسلم لتذكير بني إسرائيل
فذكّرهم [الله] بعيسى روح الله وكلمته فلم يمتثلوا، فجاءهم الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم يذكّرهم ويأمرهم بأن يعودوا إلى الوصايا العشر.
عندما تذهب تجد عددها تسعة، فأين ذهبت العاشرة؟ سؤال. تجدها تسعة فقط، فأين ذهبت العاشرة؟ سؤال علامة استفهام؛ لأنها قد تكون الوصية بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولكن ما لا بأس، فهناك أشياء أخرى كثيرة.
خطاب القرآن لبني إسرائيل متحرر من الزمان والمكان وتعداد النعم
ولكن يا بني إسرائيل هذا يخاطبهم إلى يوم الدين؛ لأن القرآن قد تحرر من الزمان والمكان، فلا يخاطبهم في عصر دون عصر.
يا بني إسرائيل: أكرمتكم بأن نسبتكم إلى نبي يعقوب وهو إسرائيل، أكرمتكم بأن جعلت الأنبياء تترى فيكم، أكرمتكم بأن جعلتكم أفضل العالمين في زمانكم، أكرمتكم بأن جعلتكم من أتباع الكليم [موسى عليه السلام]، أكرمتكم بأن جعلت... وهكذا يعدّد عليهم نعمته.
ويتعجب وكأنه يأمرنا أن نتعجب؛ فالله يعلم وليس في حاجة إلى ذلك، يأمرنا أن نتعجب: أفبعد كل هذا لا توجد فائدة؟!
تذكير بني إسرائيل بالنعم التي لم تُنعم بها أمة مثلهم
﴿ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 40]
من كل هذه الأشياء التي لا يذكر بعضها في القرآن. فما العجب إذن في أن يُذكر بنو إسرائيل؟ وهم في الأصل لم تتنعم أمة أكثر مما تنعموا، ولم يُكرم الله أمة أكثر مما أكرم بني إسرائيل.
فبنو إسرائيل هؤلاء أمة بلغت القمة فيما أكرمهم الله وفتح عليهم ولهم، وفيما عصوه وقابلوه وظاهروه بالمعصية كفرانًا وغلوًّا والعياذ بالله تعالى.
تحذير النبي من اتباع سنن بني إسرائيل في المعصية
ومن هنا فإنه يأمرنا ويقول: لا تكونوا مثلهم. فهل من الممكن أن نصبح مثلهم؟ بالطبع!
والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
«لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ وَرَاءَهُمْ» قالوا: اليهود والنصارى؟ قال رسول الله ﷺ: «فَمَنِ الأُمَمُ غَيْرُهُمْ»
هؤلاء هم المقصودون؛ لأنهم هم الذين امتثلوا لكلام الله ثم بعد ذلك حدث ما حدث [من المعصية والانحراف].
رسالة النبي المصطفى في تأكيد وحدة مسيرة الرسل والعودة إلى طريق الله
فجاء النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ليؤكد أن مسيرة الرسل واحدة، وأن الله هو الذي نعبده جميعًا، وأننا ينبغي أن نعود إلى طريق الله، وإلا فإننا نكون قد خرجنا وعصينا وفعلنا مثل ما نهانا الله عنه.
﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: 40]
من عهدهم أن يحميهم، من عهدهم أن يغفر لهم، من عهدهم أن يتقبلهم عنده، يغفر لهم المصائب التي حدثت عندما اتخذوا العجل وعبدوه، عندما فتحوا أكثر من خمسة معابد للوثنية عبدوا فيها الأصنام في فلسطين.
إرادة الله العفو عن بني إسرائيل ومطالبتهم بالوفاء بالعهد
أراد الله سبحانه وتعالى حتى بعد ذلك كله أن يعفو عنهم وأن يغفر لهم، فطالبهم بأن يوفوا بعهدهم.
قال: ما هذا العهد؟ طوائف كثيرة من اليهود يعيشون في لندن وفي النمسا وغير ذلك إلى آخره، يقولون لك: هذا العهد أننا لا نعود إلى هنا [أي فلسطين]. ألّا نعود إلى أين؟ قال: ألّا نعود إلى فلسطين مرة أخرى.
وهذا في مقابل ماذا؟ قال: في مقابل أن يغفر الله لنا.
عهد طوائف من اليهود بعدم العودة إلى فلسطين وشرطه
كيف يكون العهد عندكم هكذا؟ قال: نعم والله، العهد عندنا هكذا: أن لا نعود إلى هنا [فلسطين] مرة أخرى، وإن عدنا نصبح ملعونين، وإن عدنا فإن الله لن يغفر [لنا].
نسألهم يعني: هل عاهدكم الله في كتبكم ألّا تعودوا إلى فلسطين مرة أخرى فيغفر لكم؟ فقالوا: نعم.
فقلنا: إذن ما بال هؤلاء الموجودين ويثيرون كل هذا القلق ويقيمون [الحروب] وتسيل كل هذه الدماء؟ هؤلاء مخالفون. فقالوا: نعم مخالفون.
موقف طوائف يهودية من مخالفة العهد والذهاب إلى فلسطين
ولذلك نحن ضدهم، ونحن بعيدون عن هذه الأمور ولا نرضى، ونحن أبناء المعبد وأبناء القدس أن نخالف عهد الله.
﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: 40]
طيب، هم هكذا خالفوا وكسروا عهد الله وذهبوا فدخلوا فلسطين وجالسون يحاربون في خلق الله، وخلق الله يحارب فيهم، وأتعبوا المنطقة كلها وأتعبوا العالم كله.
نتيجة نسيان الله ومخالفة العهد والأمر بالرهبة من الله
إن هذه المحاربة وهذا الدم نهايته ما هي؟ غير راضين يسكتوا! طيب، يبقى لا توجد مغفرة ولا يوجد توفيق، ويبقى لا بد عليهم أن يطبقوا دينهم وأن يعودوا إليه وإلا فلا فائدة.
فما هذا ناتج عنه؟ من نسيان الله الذي فعلوا ذلك ورجعوا إلى فلسطين مخالفين للعهد، نسوا ربهم ونسوا أن يخافوه.
ولذلك هنا يقول ماذا؟
﴿وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]
خافوني! إن لم توفوا بالعهد فإنكم لا تخافوا مني، وإذا لم تخافوا مني فلن أوفي لكم بقية العهد.
الأمر بالإيمان بالقرآن المصدق لما سبقه وشهادة ورقة بن نوفل
﴿وَءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: 41]
لما أنتم ترون ذلك [من التوافق بين الكتب]، ولذلك ورقة بن نوفل يقول لسيدنا رسول الله ﷺ لما سمع القرآن: والله إنه لمن المشكاة التي أتى بها موسى، من مشكاة واحدة! هذا صادر من مشكاة واحدة على الكلام الذي سمعناه.
﴿وَءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: 41]
فيبقى أيضًا هذا فيه إشارة إلى أنه لما بدأ في التطبيق ببني إسرائيل، أول من يكفر بالقرآن هم بنو إسرائيل.
النهي عن الاشتراء بآيات الله وفقدان التقوى يؤدي إلى نقض العهد
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ﴾ [البقرة: 41]
فيبقى أيضًا فقدان الرهبة وفقدان التقوى يؤدي إلى عدم الوفاء بالعهد.
النهي عن لبس الحق بالباطل وكتمان الحق مع العلم به
﴿وَلَا تَلْبِسُوا ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ [البقرة: 42]
الحمد لله، تقرأ هكذا فتجد كله تلبيس، كله تلبيس! يأتي بحقيقة ويبني عليها شيئًا غريبًا. هو محتل وكل العالم يقول له أنت محتل، ما بعد سبعة وستين [1967م] وأصبح المحتل هو الذي مظلوم، وأصبح الظالم هو الذي مظلوم والمظلوم هو الظالم! وهكذا كل هذه التي تُعَدّ وما إلى ذلك لا التفات إليها.
فما بالكم بالفكر!
﴿وَلَا تَلْبِسُوا ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُوا ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42]
يبقى ربنا علّام القلوب يقول لنا: إنهم يعرفون أن هناك تلبيسًا هنا وتلبيسًا هناك.
الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والركوع مع الراكعين
﴿وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [البقرة: 43]
إذا كنتم تريدون أن تسلكوا طريق الله أقيموا الصلاة.
﴿وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [البقرة: 43]
عبادة الله الخاصة [القاصرة على النفس] وعبادة الله المتعدية [إلى الغير]؛ القاصرة يعني القاصرة على النفس بها يكون للإنسان علاقة طيبة مع الله، والمتعدية إلى الغير بإيتاء الزكاة.
﴿وَٱرْكَعُوا مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]
يعني كونوا مع العالمين هكذا، لا تكونوا أنتم الشاذّين الذين [يخالفون أمر الله] فيهم.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والحمد لله رب العالمين.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
بمَ شبّه القرآن الكريم فضله على كلام الناس؟
بفضل الله سبحانه وتعالى على عباده
ما المعجزات الحسية التي أراها الله لبني إسرائيل على يد موسى عليه السلام؟
شق البحر ونطق الجبل والألواح وإحياء الموتى
ماذا قال النبي ﷺ عن اتباع الأمة الإسلامية لسنن من سبقها؟
إن الأمة ستتبع سنن اليهود والنصارى حذو القذة بالقذة
ما الذي شهد به ورقة بن نوفل عن القرآن الكريم؟
أنه صادر من المشكاة ذاتها التي جاء منها موسى
ما معنى قوله تعالى ﴿وإياي فارهبون﴾ في سياق الآيات؟
الأمر بخشية الله شرطًا للوفاء بالعهد
ما الفرق بين الصلاة والزكاة من حيث نوع العبادة؟
الصلاة قاصرة على النفس والزكاة متعدية إلى الغير
ما الذي تقوله طوائف يهودية عن عهد الله المتعلق بفلسطين؟
إن العهد يقضي بألا يعودوا إلى فلسطين وإلا صاروا ملعونين
ما الذي يؤدي إليه فقدان التقوى والرهبة من الله وفق الآيات؟
عدم الوفاء بالعهد وبيع آيات الله بثمن قليل
ما المقصود بالركوع مع الراكعين في الآية 43 من سورة البقرة؟
الانتماء إلى جماعة المؤمنين وعدم الشذوذ عنهم
لماذا يُعدّ القرآن الكريم متحررًا من الزمان والمكان في خطابه لبني إسرائيل؟
لأن خطابه مستمر إلى يوم الدين ولا يقتصر على عصر بعينه
ما الوصية العاشرة المحتملة التي قد تكون غائبة عن الوصايا العشر المعروفة؟
الوصية بالإيمان بمحمد ﷺ
كيف يتجلى لبس الحق بالباطل في الواقع المعاصر وفق تفسير الآية 42؟
بجعل المحتل مظلومًا والمظلوم ظالمًا
ما الذي يجعل القرآن الكريم متفوقًا على كل كلام؟
فضل القرآن على كلام الناس كفضل الله على عباده؛ لأنه كلام رب العالمين والفارق بين الخالق والمخلوق لا يُقاس.
من هو موسى عليه السلام ولماذا يُعدّ مكانته خاصة عند الله؟
موسى هو كليم الله الذي كلّمه الله تكليمًا مباشرًا، وأرسله لإنقاذ بني إسرائيل من فرعون وإرائهم المعجزات الحسية.
ما المعجزات الحسية التي أراها الله لبني إسرائيل؟
شق البحر، ونطق الجبل، والألواح، وقصة البقرة وإحياء الموتى أمامهم دليلًا على قدرة الله وعظمته.
ما الآية التي تصف قسوة قلوب بني إسرائيل وبماذا شبّهتها؟
الآية 74 من سورة البقرة: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾.
ما الشرط الذي وضعه الله لبني إسرائيل ليوفي بعهده معهم؟
أن يوفوا بعهدهم معه، وهو ما يشمل الإيمان والطاعة وعدم مخالفة أوامره.
ما موقف بعض طوائف اليهود من العودة إلى فلسطين؟
يرون أن عهد الله يقضي بألا يعودوا إلى فلسطين، وأن من عاد يصبح ملعونًا وفاقدًا للمغفرة الإلهية.
ما معنى لبس الحق بالباطل في سورة البقرة؟
هو الخلط بين الحق والباطل بأن تُبنى على حقيقة صغيرة نتيجة مغلوطة، كجعل المحتل مظلومًا والمظلوم ظالمًا.
لماذا يُعدّ كتمان الحق مع العلم به جريمة مضاعفة؟
لأن صاحبه يعلم الحق ويتعمد إخفاءه، والله علّام القلوب يعلم بذلك التلبيس والكتمان.
ما الفرق بين العبادة القاصرة والعبادة المتعدية في الآية 43؟
العبادة القاصرة كالصلاة تقتصر على النفس وتُصلح علاقة الإنسان بربه، والمتعدية كالزكاة تمتد إلى الغير وتُصلح علاقته بالمجتمع.
ما دلالة الأمر بالركوع مع الراكعين في سورة البقرة؟
يعني الانتماء إلى جماعة المؤمنين وعدم الشذوذ عنهم، والسير في طريق الله مع سائر المسلمين.
ما الذي أكده النبي ﷺ برسالته فيما يخص مسيرة الأنبياء؟
أكد أن مسيرة الرسل واحدة وأن الله هو المعبود الحق للجميع، وأن الجميع مدعوون للعودة إلى طريق الله.
ما النتيجة التي يؤدي إليها نسيان الله وعدم خشيته؟
يؤدي إلى مخالفة عهد الله وفقدان المغفرة والتوفيق، كما حدث مع من عادوا إلى فلسطين مخالفين للعهد.
ما الذي يميز خطاب القرآن لبني إسرائيل عن غيره من الخطابات؟
القرآن تحرر من الزمان والمكان فخطابه لبني إسرائيل مستمر إلى يوم الدين ولا يقتصر على عصر أو جيل بعينه.
ما الذي شهد به ورقة بن نوفل حين سمع القرآن الكريم؟
قال إن القرآن صادر من المشكاة ذاتها التي جاء منها موسى، مؤكدًا وحدة المصدر الإلهي لجميع الكتب السماوية.
ما النعم التي عددها الله على بني إسرائيل في سورة البقرة؟
نسبتهم إلى النبي يعقوب، وتوالي الأنبياء فيهم، وتفضيلهم على عالَمي زمانهم، وجعلهم من أتباع الكليم موسى، وإنقاذهم من فرعون.
