ما معنى واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا وما دلالة تفسير سورة البقرة على المسؤولية الفردية يوم القيامة؟
قوله تعالى ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ يؤكد أن المسؤولية يوم القيامة فردية تامة، فلا تحمل نفسٌ وزر أخرى ولا تنفع فيه شفاعة بغير إذن الله ولا فداء بالمال. وتكشف الآية 49 من سورة البقرة نعمة إنجاء بني إسرائيل من آل فرعون الذين كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وهو بلاء عظيم يستوجب الشكر والتذكر.
- •
كيف يواجه الإنسان يوم القيامة وحيدًا بعمله دون أن ينفعه قريب أو مال أو شفاعة بغير إذن الله؟
- •
آية ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ تؤسس لمبدأ المسؤولية الفردية الكاملة في الإسلام.
- •
القرآن يضرب أمثلة واقعية على استقلال الإيمان عن القرابة: فرعون وزوجته المؤمنة، ونوح وابنه الكافر، وإبراهيم وأبوه الكافر.
- •
الفداء بالمال يوم القيامة مستحيل لأن وقت السداد قد فات والأموال لا قيمة لها في الحشر.
- •
عذاب فرعون لبني إسرائيل بذبح الأبناء واستحياء النساء أفرز نفسية العبيد وقابلية الاستعمار.
- •
إنجاء بني إسرائيل من آل فرعون رغم انعدام حولهم وقوتهم كان معجزة إلهية تستوجب تذكر نعمة الله.
- 0:00
آية ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ تؤسس لمبدأ المسؤولية الفردية الكاملة يوم القيامة حيث يحاسَب كل إنسان على عمله وحده.
- 1:04
القرآن يستشهد بفرعون وزوجته ونوح وابنه وإبراهيم وأبيه دليلًا على أن المسؤولية الفردية مستقلة تمامًا عن القرابة.
- 2:09
أمثلة لوط ونوح وغيرهما تؤكد أن الصلاح والفساد لا يورَثان، وأن كل إنسان يبقى يوم القيامة بعمله وحده.
- 2:45
مبدأ المسؤولية الفردية يحرر العقل من أوهام توريث الخطيئة ومؤاخذة الناس بجريرة غيرهم ويحارب القتل العشوائي.
- 3:42
الحديث النبوي يحذر من الخروج على الأمة بالقتل العشوائي، وهو ما يناقض مبدأ المسؤولية الفردية المقرر في القرآن.
- 4:21
الآية تنفي قبول الشفاعة بغير إذن الله والفداء بالمال يوم القيامة، فلا ينجو أحد إلا بعمله وبرحمة الله.
- 5:19
الأموال والذهب لا تنفع فداءً يوم القيامة لأن الكفن لا جيوب له ولا قيمة للمال في يوم الحشر حيث لا بيع ولا شراء.
- 6:05
﴿ولا هم ينصرون﴾ تعني انقطاع النصر عمن لم ينصر الله في الدنيا، والنصر الإلهي مشروط بقوله ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾.
- 6:54
النصر الإلهي واسع يشمل الدنيا والآخرة والنفس والجهاد، ثم ينتقل السياق لتعداد نعم الله على بني إسرائيل.
- 7:24
الآية تذكّر بنعمة إنجاء بني إسرائيل من آل فرعون الذين كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم في سوء عذاب مهين.
- 8:18
ذبح الأطفال يكشف عن قسوة القلب والإفساد في الأرض ويصف أقصى درجات الألم النفسي للأمهات والمجتمع المقهور.
- 9:21
سوء العذاب يدل على قوة فرعون وسلطانه الكامل على بني إسرائيل المستضعفين المحصورين العاجزين عن أي مقاومة.
- 10:15
انعدام السلاح والعدة والتخطيط عند بني إسرائيل جعل إنقاذهم مستحيلًا بالحسابات الدنيوية مما يجعل إنجاءهم الإلهي معجزة.
- 10:55
طول العذاب يُفرز نفسية العبيد المليئة بالهوان وقابلية الاستعمار التي تجعل صاحبها عاجزًا عن المقاومة أو قول لا.
- 11:47
تغيير أصحاب نفسية العبيد مستحيل بالأسباب الطبيعية، فإذا حدث بإذن الله كان معجزة تستوجب تذكر نعمة الله وشكره.
- 12:39
﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ تختم الآية بتذكير بني إسرائيل بعظم ابتلائهم ونعمة إنجائهم لاستحضار شكر الله.
ما معنى قوله تعالى ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ وما دلالته على المسؤولية الفردية؟
الآية ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ تؤكد أن المسؤولية يوم القيامة شخصية مطلقة، فكل إنسان يحاسَب على عمله وحده. ويؤكد القرآن ذلك بقوله ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾، وبقوله ﴿يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه﴾. فالخطاب وإن وُجِّه لبني إسرائيل فهو يشمل البشرية جمعاء.
كيف يُبيّن القرآن الكريم استقلال المسؤولية الفردية بين الأقارب في الإيمان والكفر؟
يضرب القرآن أمثلة واضحة على أن إيمان الشخص أو كفره لا يتأثر بقريبه: فرعون كان كافرًا وزوجته مؤمنة، ونوح عليه السلام نبي وابنه كافر، وإبراهيم أبو الأنبياء مؤمن وأبوه كافر. وهذا يؤكد أن لا فعل أخيك يضرك ولا أنت في فعلك تضر أخاك.
ما الأمثلة القرآنية على تنوع أحوال الصلاح والفساد بين الأزواج والأبناء وكيف يبقى الإنسان بعمله؟
يذكر القرآن أن لوطًا عليه السلام نبي وامرأته غير صالحة، كما أن امرأة نوح كذلك. والابن قد يكون صالحًا وأبوه فاسدًا والعكس صحيح. وخلاصة ذلك كله أن كل واحد يبقى بمفرده يوم القيامة وفق قوله ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئًا﴾ فالإنسان يبقى بعمله.
كيف يحرر مبدأ المسؤولية الفردية في القرآن العقلَ البشري من الأوهام ومن إلقاء التبعة على الغير؟
مبدأ المسؤولية الفردية يحرر العقل البشري من وهم توريث الخطيئة من جيل إلى جيل، ومن مؤاخذة الناس بجريرة بعضهم. وهو يقف ضد القتل العشوائي الذي يمارسه المفسدون، إذ يؤكد القرآن ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فكل واحد مسؤول عن عمله دون سواه.
ما الحديث النبوي الذي يحذر من الخروج على الأمة وقتل برها وفاجرها وكيف يرتبط بمبدأ المسؤولية الفردية؟
أخبر النبي ﷺ أنه سيأتي من يخرج على أمة الإسلام فيقتل برها وفاجرها دون تمييز. وهذا يتعارض مع المبدأ القرآني ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ الذي يؤكد أن كل واحد مسؤول عن عمله فقط. فمن لم يتكوّن عقله على هذا المبدأ وقع في التعدي على حقوق الآخرين.
هل تُقبل الشفاعة أو الفداء يوم القيامة وما معنى ﴿ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل﴾؟
يوم القيامة لا يستطيع أحد إنقاذ غيره مما كتبه الله عليه. فالشفاعة لا تُقبل إلا بإذن الله سبحانه وتعالى كما في قوله ﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾. والفداء بالمال كذلك لا ينفع كما في قوله ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾، فلا أحد يستطيع أن يفتدي نفسه أو غيره بشيء من متاع الدنيا.
لماذا لا تنفع الأموال والذهب فداءً يوم القيامة وما الدليل على ذلك؟
الأموال لا تنفع يوم القيامة لأن الكفن لا جيوب له ولا يمكن حمل شيء معك. وحتى لو دُفن الذهب والفضة مع الميت كما كان يفعل الأقدمون فإنها لا قيمة لها في يوم الحشر إذ لا بضاعة تُشترى ولا سوق تُعقد. فالإنسان يخرج أمام ربه حافيًا عاريًا لا يملك شيئًا.
ما معنى ﴿ولا هم ينصرون﴾ في سياق يوم القيامة وكيف يرتبط النصر الإلهي بنصرة الله في الدنيا؟
قوله ﴿ولا هم ينصرون﴾ يعني أن من لم ينصر الله في الدنيا لن ينصره الله يوم القيامة. وقد ربط القرآن النصر بالعمل في قوله ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾، فالنصر الإلهي مشروط بنصرة دينه. وفوات وقت الفداء بالمال يؤكد أن لا سبيل للنجاة إلا بالعمل الصالح في الدنيا.
ما سعة معنى النصر الإلهي في الدنيا والآخرة وكيف ينتقل السياق إلى تعداد نعم الله على بني إسرائيل؟
النصر الإلهي واسع المعنى يشمل النصر في الدنيا والآخرة وعلى النفس وفي الجهاد والقتال. وبعد تقرير مبدأ المسؤولية الفردية ينتقل السياق القرآني إلى تعداد النعم على بني إسرائيل لتنبيههم وتنبيهنا على كيفية قراءة الأحداث وشكر الله على نعمه.
ما تفسير قوله تعالى ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب﴾ وما طبيعة هذا العذاب؟
الآية تذكّر بني إسرائيل بنعمة إنجائهم من آل فرعون الذين كانوا يسومونهم سوء العذاب لا العذاب فحسب. وكان هذا العذاب يتمثل في ذبح الأبناء واستحياء النساء لاستخدامهن في الخدمة. وهذا يدل على تسلط فرعون الكامل عليهم وإحاطته بهم من كل جانب.
ما دلالة ذبح الأطفال على قسوة القلب والإفساد في الأرض وما أثره النفسي على الأمهات؟
ذبح الأطفال الأبرياء دليل صريح على قسوة القلب والإفساد في الأرض وانعدام الرحمة. والألم الذي تشعر به الأم وهي ترى ابنها يُذبح أمامها بالغ الشدة حتى يكاد يُجنّها. وبلوغ الإرهاب حدًّا يجعل الناس مذهولين حتى عن أبنائهم يصف أقصى درجات القهر والاستبداد.
على ماذا يدل سوء العذاب الذي مارسه فرعون على بني إسرائيل من حيث موازين القوى؟
سوء العذاب الشديد يدل على قوة المعذِّب وسلطانه وإحاطته الكاملة بالمستضعفين. ويدل في الوقت ذاته على ضعف بني إسرائيل وعجزهم التام، إذ كانوا محصورين معلومين تحت السيطرة الكاملة لفرعون وجنوده. وهذا التفاوت الهائل في القوة جعلهم لا يستطيعون فعل شيء.
لماذا كان إنقاذ بني إسرائيل من فرعون مستحيلًا بالحسابات الدنيوية وكيف يُفهم ذلك؟
بني إسرائيل لم يكن معهم سلاح ولا عدد ولا عدة ولا تخطيط ولا أي إمكانية مادية للمقاومة، بينما كان فرعون يسومهم سوء العذاب. فبالحسابات الدنيوية كان إنقاذهم مستحيلًا تمامًا. وهذا يجعل إنجاءهم الإلهي أعظم وأدل على قدرة الله سبحانه وتعالى.
ما نفسية العبيد التي تنشأ من طول العذاب وكيف تجعل الإنسان غير قادر على المقاومة؟
طول العذاب لسنوات أو عقود أو قرون يُفرز ما يُسمى نفسية العبيد، وهي نفسية فيها الهوان وقابلية الاستعمار. صاحب هذه النفسية لا يستطيع أن يقول لا ويتمسك بالدنيا تمسكًا شديدًا ولا يستطيع الثورة على الظلم. وهذه النفسية تجعله عاجزًا عن أي فعل إيجابي أو تغيير.
هل يُرجى خير من أصحاب نفسية العبيد وكيف يكون تغييرهم معجزة إلهية تستوجب شكر النعمة؟
أصحاب نفسية العبيد ليس مرجوًّا منهم خير بالأسباب الطبيعية ولا يستطيع أحد تحريكهم. فإذا جاء من يغيّرهم بإذن الله ويصنع بهم شيئًا كان ذلك معجزة حقيقية. وهذا التغيير الإلهي يستوجب أن يتذكروا نعمة الله عليهم ويشكروه عليها.
ما معنى ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ في ختام الآية 49 من سورة البقرة؟
قوله ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ يشير إلى أن ما مرّ به بنو إسرائيل من عذاب فرعون ثم الإنجاء منه كان ابتلاءً عظيمًا من الله. وهذا التذكير يهدف إلى أن يستحضروا نعمة الله عليهم ويشكروه. والقرآن يحكي هذه الأحداث بدقة لنستهدي بها في فهم سنن الله في الكون.
تفسير سورة البقرة آية 48 يؤكد أن المسؤولية يوم القيامة فردية مطلقة لا تنفع فيها شفاعة ولا فداء إلا بإذن الله.
تفسير سورة البقرة في قوله تعالى ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ يرسي مبدأ جوهريًا: كل إنسان مسؤول عن عمله وحده يوم القيامة. فلا شفاعة تُقبل إلا بإذن الله، ولا فداء بالمال ينفع لأن وقت السداد قد فات، ولا نصر لمن لم ينصر الله في الدنيا. والقرآن يضرب أمثلة حية على ذلك: فرعون الكافر وزوجته المؤمنة، ونوح النبي وابنه الكافر، وإبراهيم أبو الأنبياء وأبوه الكافر.
أما الآية 49 فتذكّر بنعمة إنجاء بني إسرائيل من آل فرعون الذين كانوا يسومونهم سوء العذاب بذبح الأبناء واستحياء النساء. وقد أفرز هذا العذاب الطويل نفسية العبيد وقابلية الاستعمار، مما جعل إنقاذهم بالحسابات الدنيوية مستحيلًا. فكان إنجاؤهم معجزة إلهية خالصة تستوجب تذكر نعمة الله والشكر عليها.
أبرز ما تستفيد منه
- لا تجزي نفس عن نفس شيئًا يوم القيامة والمسؤولية فردية مطلقة.
- الشفاعة لا تُقبل يوم القيامة إلا بإذن الله سبحانه وتعالى.
- الفداء بالمال يوم القيامة مستحيل لأن وقت السداد قد انتهى.
- طول العذاب يُفرز نفسية العبيد وإنقاذهم لا يكون إلا بمعجزة إلهية.
مقدمة تلاوة آية اتقاء يوم القيامة والمسؤولية الفردية أمام الله
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى، ومع قوله تعالى في سورة البقرة، يخاطب بني إسرائيل وهو يخاطبنا جميعًا من خلالهم:
﴿وَٱتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا﴾ [البقرة: 48]
فإذن:
﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا * ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14]
ليس "اقرأ كتاب غيرك"، بل اقرأ كتابك أنت.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَـٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]
المسؤولية مسؤولية شخصية.
أمثلة قرآنية على استقلال المسؤولية بين الأقارب في الإيمان والكفر
﴿لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: 233]
ولا أيُّ شيءٍ في أيِّ شيء؛ لا فعلُ أخيك يضرُّك، ولا أنت في فعلك تضرُّ أخاك.
ولذلك نرى الأمثلة [في القرآن الكريم]: أنَّ فرعون كان كافرًا، ولكنَّ زوجته التي في بيته كانت مؤمنة. وأنَّ نوحًا عليه السلام كان مؤمنًا ونبيًّا من أولي العزم من الرسل، ولكنَّ ابنه كان كافرًا.
وأنَّ إبراهيم أبا الأنبياء عليه السلام، الذي سمَّانا المسلمين من قبل، الحجةُ الأسوةُ، هو ومن اتَّبعوه، كان مؤمنًا بلا شك، ولكنَّ أباه كان كافرًا.
تنوع أحوال الصلاح والفساد بين الأزواج والأبناء والآباء
وهكذا فنرى: الزوجة صالحة والزوج فاسد، والزوج صالح والزوجة فاسدة؛ مثل لوط عليه السلام، فإنَّ لوطًا نبيٌّ، وامرأته وامرأة نوح ليستا صالحتين.
والابن صالح والأب فاسد، والأب صالح والابن فاسد. كلُّ واحدٍ بمفرده يبقى في هذا اليوم:
﴿لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا﴾ [البقرة: 48]
يبقى إذن الإنسان بعمله.
تحرير العقل البشري من الأوهام وتأكيد المسؤولية الفردية عن العمل
هذا يحرِّر العقل البشري من الأوهام، هذا يحرِّر العقل البشري من إلقاء المسؤولية على الغير، ويعتبر أنَّ المسؤولية هي مسؤولية فردية، وأنَّك ستُؤاخَذ بعملك دون سواك.
عملية مهمة جدًّا؛ لأنَّ هذا ضدَّ أن تُورَث الخطيئة من جيلٍ إلى جيل، وضدَّ أن يُؤاخَذ الناس بعضُهم بجريرة بعض كما هو في بعض أذهان البشر، وضدَّ أن يُقتَل الناس بهذه الطريقة العشوائية كما يفعله المفسدون الآن؛ يقتلون عشوائيًّا هكذا.
التحذير النبوي ممن يخرج على الأمة فيقتل برها وفاجرها
وهو [النبي ﷺ قد أخبر]:
قال رسول الله ﷺ: «ومن خرج على أمتي يقتل بَرَّها وفاجرها»
هذا في الحديث هكذا، أنه سيأتي من يقوم على الناس، يخرجون على أمة الإسلام فيقتلون بَرَّها وفاجرها، ولا يُعرَف من يُقتَل أيضًا وفاجرها.
يعني إذا لم يتكوَّن عقله [عقل الإنسان] كما أراد الله، ربُّنا يقول لك: انتبه أنه:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
انتبه أنَّ كلَّ واحدٍ مسؤولٌ عن عمله، وبهذا إيَّاك أن تتعدَّى هذا المبدأ.
يوم القيامة لا شفاعة ولا فداء ولا نصرة بدون إذن الله
هناك في يوم القيامة لن يستطيع أحدٌ من الناس أن ينقذك مما كتبه الله عليك في الحياة الدنيا.
طيب، أنا أُنقِذ نفسي إذن، أو غيري ينقذني؟ عندما يأتي الإثم، هذا:
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ﴾ [البقرة: 48]
قال:
﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ﴾ [البقرة: 48]
لا يرضى [الله سبحانه وتعالى] أن يتركك تتشفَّع في غيرك إلا بإذنه.
﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: 48]
يقول: طيب، أنا أريد أن أفدي هذا، معي أموالٌ كثيرة جدًّا دفنتُها معي.
بطلان الفداء بالمال يوم القيامة وعدم نفع الأموال في الآخرة
فقد كان الناس قديمًا يدفنون معهم الأموال، فأنا دفنتُها معي في الكفن. ها نحن المسلمون نقول لك: الكفن لا جيوب له، فأين ستأخذه؟
ولو أخذتَ الأوراق النقدية الخاصة بنا في هذه الأيام، فإنَّ الصراصير تأكلها والعثّ، وماذا ستفعل؟ الرطوبة تأكلها. لكن كان قديمًا ذهبًا وفضةً، فكانوا يدفنونها مع أنفسهم.
فيخرج هكذا يوم القيامة ويتذكَّر أنَّ هذا ماذا [ينفعه]، وهو لا قيمة له. الذهب والفضة هذا تشتري به الأشياء، فهل توجد أشياء هنا في يوم الحشر العظيم؟ أنت خارجٌ مع ربِّك هكذا حفاةً عراةً، لا يوجد شيء.
استحالة الفداء والعدل يوم القيامة وفوات وقت السداد
عدلٌ يعني شيءٌ مساوٍ تفتدي به، تقول: يا ربِّ، فما الذي حدث؟ أكلتُ أموالًا على هذا، فخُذِ الأموالَ ها هي. قالوا: لا يصلح الآن، فقد فات وقت السداد، فماذا سيفعل بها؟ الأموال!
مسكينٌ كان في الدنيا يعمل.
﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 48]
ما من نصرٍ أيضًا، ربُّنا لا ينصرهم [يوم القيامة إن لم ينصروه في الدنيا].
﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]
قال: ينصركم في الدنيا والآخرة، ولذلك جاء وقال: ويثبِّت أقدامكم؛ لكي يجعله ينصركم أيضًا في القتال في سبيله.
سعة معنى النصر الإلهي في الدنيا والآخرة وتعداد النعم
فـ"ينصركم" هذه واسعة؛ لأنه قد يكون [النصر] في الدنيا وقد يكون في الآخرة، قد يكون على النفس وقد يكون في الجهاد والقتال.
ويعدِّد لهم [لبني إسرائيل] إذن النِّعَم، وينبِّهنا نحن على مثل هذه النعم، وكيف نقرأ الأحداث.
نعمة إنجاء بني إسرائيل من آل فرعون وسوء العذاب
قال [الله تعالى]:
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: 49]
فهذه نعمة. كانوا هناك في مصر، كانوا مع فرعون متسلِّطٌ عليهم بالعذاب، متسلِّطٌ عليهم بأنه يقتل أطفالهم ويستبقي نساءهم أحياءً حتى يستخدمهم في الخدمة.
فيقول:
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾ [البقرة: 49]
ليس يسومونهم العذاب فحسب، بل سوء العذاب.
﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ [البقرة: 49]
بشاعة ذبح الأطفال ودلالته على قسوة القلب والإفساد في الأرض
تخيَّلوا أنَّ الطفل يُذبَح! هذا دليلٌ على ماذا؟ على قسوة القلب والإفساد في الأرض، وعدم مراعاة الطفولة البريئة التي لم تفعل شيئًا في الحياة الدنيا.
فما هذا الألم الذي تشعر به المرأة وهي ترى ابنها يُذبَح أمامها! هذا جزءٌ منها، وهذا يجعلها تجنّ.
فإذا لم نسمح لها [بأن تعبِّر عن ألمها حتى] إنها تجنّ، يا إلهي! يعني ظلَلْنا نُرعِبها حتى لم تعد تستطيع أن تجنّ، يعني غير مسموحٍ لها أن تجنّ.
طيب، وهل الجنون بيدها أم بقلبها؟ تخيَّل أنني سأُنشئ جوًّا كهذا، أجعل الناس مذهولين حتى عن أبنائهم.
دلالة سوء العذاب على قوة المعذِّب وضعف المستضعفين وإحاطته بهم
أيكون هذا سوء العذاب أم لا؟ هذا عذابٌ شديد، هذا عذابٌ مُهين.
هذا العذاب الشديد يدلُّ على ماذا؟ على قوة المعذِّب، ويدلُّ على ضعف هؤلاء [المستضعفين]، على إحاطته بهم وأنهم تحت السيطرة، لدرجة أنه استطاع أن يفعل بهم ما يشاء.
فيبقون محصورين معلومين، وهو لديه من القوة والسلطان والجنود ما يسيطر به عليهم، ويجعلهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا.
انعدام الحول والقوة عند المستضعفين واستحالة الإنقاذ بالحسابات الدنيوية
حسنًا، فهل لهؤلاء حولٌ أو قوة؟ ليس لهم حولٌ ولا قوة.
فكيف يُنقَذون؟ بالحسابات الدنيوية لا يمكن أن يُنقَذوا. كيف ستُنقِذونهم وهم ليس معهم سلاح، ولا معهم عَدَد، ولا معهم عُدَّة، ولا معهم تخطيط، ولا معهم شيءٌ على الإطلاق، والآخرون يسومونهم سوء العذاب؟
نشوء نفسية العبيد من طول العذاب وقابلية الاستعمار
فماذا [يحدث]؟ وهذا عندما يستمر قليلًا هكذا: شهرين، ثلاثة، سنتين، ثلاث، عشرًا أو عشرين، سبعين أو مائة أو مائة سنة، ماذا يحدث؟
أناسٌ يقعدون يتعذَّبون، فيحدث ما يُسمَّى بـنفسية العبيد؛ نفسيةٌ غير قادرة على أن تفعل شيئًا، نفسيةٌ فيها الهوان وقابلية الاستعمار.
لا يقول: "لا"، يتمسَّك بالدنيا تمسُّكًا شديدًا، لدرجة أنه لا يستطيع أن يثور على الظلم، حتى ولا أن يقول أبدًا لسيِّده: "لا أستطيع أن أفعل".
هل يُرجى خير من أصحاب نفسية العبيد وكيف يتغيرون
وهل هؤلاء مرجوٌّ منهم خير؟ هذا الصنف من الناس مرجوٌّ منه خير؟ سننجح في جعلهم يفكِّرون ويُعمِّرون ويعملون شيئًا ويتحرَّكون؟ حتى لا، ليس مرجوًّا منهم خيرٌ ولا يستطيع أحدٌ أن يحرِّكهم.
فإذا كانوا بهذه الصفة، فماذا يفعلون؟ هو في الحقيقة ليس هناك خطةٌ لإخراجهم من هذا، ولا شيءٌ يغيِّرهم عن هذا.
فلمَّا يأتي أحدٌ ويغيِّرهم، أليست هذه معجزة؟ لمَّا يأتي أحدٌ ويغيِّرهم بإذن الله ويصنع بهم شيئًا، ألا يكون الذي فعله نعمةً وفضلًا يستوجب أن يتذكَّروا نعمة الله عليهم؟
تذكير بنعمة الإنجاء من آل فرعون والبلاء العظيم من الله
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 49]
وفي حلقةٍ أخرى نُكمِل هذا التصوُّر الذي يتولَّد من القرآن الكريم، وهو يحكي بكلِّ دقةٍ ما كان لنا حتى نستهدي به.
فإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
إلى من يتوجه الخطاب في قوله تعالى ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ في سورة البقرة؟
بني إسرائيل والبشرية جمعاء من خلالهم
أيٌّ من الأمثلة التالية يضربه القرآن على استقلال المسؤولية الفردية في الإيمان؟
فرعون كافر وزوجته مؤمنة
ما الذي يدل عليه مبدأ ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ فيما يخص توريث الخطيئة؟
الخطيئة لا تورث من جيل إلى جيل
ما الذي يحدث للأموال والذهب التي يحاول الإنسان أن يفتدي بها يوم القيامة؟
لا قيمة لها لأن وقت السداد قد فات
ما شرط النصر الإلهي في الدنيا والآخرة وفق قوله تعالى ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾؟
نصرة دين الله في الدنيا
ما الذي كان يفعله آل فرعون ببني إسرائيل وفق الآية 49 من سورة البقرة؟
يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم
ما الذي يُفرزه طول العذاب في نفوس المستضعفين وفق ما جاء في التفسير؟
نفسية العبيد والهوان وقابلية الاستعمار
لماذا كان إنقاذ بني إسرائيل من فرعون مستحيلًا بالحسابات الدنيوية؟
لأنهم لم يكن معهم سلاح ولا عدة ولا تخطيط
ما الذي يدل عليه ذبح الأطفال الأبرياء في سياق تفسير الآية؟
قسوة القلب والإفساد في الأرض
ما معنى ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ في ختام الآية 49 من سورة البقرة؟
أن ما مرّ بهم من عذاب وإنجاء كان ابتلاءً عظيمًا يستوجب الشكر
ما الحديث النبوي الذي يرتبط بمبدأ عدم مؤاخذة الناس بجريرة بعضهم؟
من خرج على أمتي يقتل برها وفاجرها
ما المبدأ الأساسي الذي تقرره آية ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾؟
تقرر أن المسؤولية يوم القيامة فردية مطلقة، فكل إنسان يحاسَب على عمله وحده ولا تحمل نفس وزر أخرى.
ما الآية القرآنية التي تؤكد أن كل إنسان يقرأ كتاب عمله بنفسه يوم القيامة؟
قوله تعالى ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾ من سورة الإسراء.
ما مثال القرآن على أن الكفر لا يورَث من الزوج إلى الزوجة؟
فرعون كان كافرًا وزوجته التي في بيته كانت مؤمنة، مما يدل على استقلال المسؤولية الفردية.
ما مثال القرآن على أن الإيمان لا ينتقل من الأب النبي إلى ابنه؟
نوح عليه السلام كان نبيًّا من أولي العزم وابنه كان كافرًا، دليلًا على أن الإيمان مسؤولية فردية.
ما الذي يعنيه قوله تعالى ﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾ في سياق يوم القيامة؟
يعني أن الشفاعة لا تُقبل يوم القيامة إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، فلا أحد يستطيع التشفع لغيره بدون إذنه.
لماذا قال التفسير إن الكفن لا جيوب له في سياق الفداء يوم القيامة؟
للدلالة على أن الإنسان لا يستطيع حمل أمواله معه إلى الآخرة، فالفداء بالمال يوم القيامة مستحيل.
ما معنى قوله تعالى ﴿ولا هم ينصرون﴾ في الآية 48 من سورة البقرة؟
يعني أن من لم ينصر الله في الدنيا لن ينصره الله يوم القيامة، والنصر مشروط بنصرة دين الله.
ما الآية التي تربط النصر الإلهي بنصرة الدين وتثبيت الأقدام؟
قوله تعالى ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ من سورة محمد.
ما طبيعة العذاب الذي كان يمارسه آل فرعون على بني إسرائيل؟
كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم لاستخدامهن في الخدمة، وهو ما وصفه القرآن بسوء العذاب.
على ماذا يدل سوء العذاب الذي مارسه فرعون من حيث موازين القوى؟
يدل على قوة المعذِّب وسلطانه الكامل وإحاطته بالمستضعفين، وعلى ضعف بني إسرائيل وعجزهم التام.
ما نفسية العبيد وكيف تنشأ؟
هي نفسية تنشأ من طول العذاب وتتسم بالهوان وقابلية الاستعمار وعدم القدرة على قول لا أو الثورة على الظلم.
لماذا يُعدّ تغيير أصحاب نفسية العبيد معجزة إلهية؟
لأنهم ليس مرجوًّا منهم خير بالأسباب الطبيعية ولا يستطيع أحد تحريكهم، فإذا تغيّروا بإذن الله كان ذلك معجزة.
ما الهدف من تذكير بني إسرائيل بنعمة الإنجاء من آل فرعون في سورة البقرة؟
الهدف أن يستحضروا نعمة الله عليهم ويشكروه، وأن يفهموا كيف يقرؤون الأحداث ويستهدون بها.
ما الآية القرآنية التي تنص على أن لا أحد يحمل وزر غيره؟
قوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ من سورة الأنعام، وهي تؤكد مبدأ المسؤولية الفردية الكاملة.
كيف يرتبط مبدأ المسؤولية الفردية بالنهي عن القتل العشوائي؟
مبدأ ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ يحرم قتل الأبرياء بسبب ذنوب غيرهم، وهو ما يتعارض مع الخروج على الأمة وقتل برها وفاجرها.
