ما تفسير سورة البقرة في الجزء الأول من آية 38 إلى 40 وما معنى الهدى والخلود والعهد مع بني إسرائيل؟
تتناول آيات البقرة من 38 إلى 40 أمر الهبوط من الجنة وإنزال الهدى الإلهي رحمةً بالبشر، حيث يُنجّي الله من لم تبلغه الرسالة ويُعذّب من بلغته الحجة فكفر وكذّب. وتختتم هذه الآيات بخطاب بني إسرائيل وتذكيرهم بنعمة الله وميثاقه، في سياق يُرسّخ حقائق الكون والإيمان والبعث والحساب.
- •
هل من لم تبلغه رسالة الله يُعذَّب؟ القرآن يُجيب صراحةً بأن أهل الفترة في نجاة لأن الله لا يُعذّب حتى يبعث رسولًا.
- •
تكرار أمر الهبوط من الجنة في سورة البقرة جاء تأكيدًا على أن الصراع مكانه الأرض لا الجنة، وأن الله أنزل معنا الهدى رحمةً بنا.
- •
من اتبع هدى الله فلا خوف عليه ولا هو يحزن، ومن بلغته الحجة فكفر وكذّب بالآيات فهو من أصحاب النار خالدًا فيها مدةً طويلة.
- •
اختلف المعتزلة وأهل السنة في معنى الخلود في النار، فأهل السنة يرون أن كلمة أبدًا في القرآن تُفيد الدلالة على المكث المستمر لا الأبدية المطلقة للعاصي.
- •
خطاب بني إسرائيل في الآية 40 يفتح مرحلة جديدة بعد مقدمة إنسانية شاملة علّمت حقيقة الكون والخلق والتكليف والبعث والحساب.
- •
القرآن الكريم لا تنتهي عجائبه ولا يبلى من كثرة التلاوة، وهو متحرر من الزمان والمكان ويدعو إلى التأمل في كل حرف وكلمة.
- 0:00
تفسير سورة البقرة يبدأ بتأسيس أن فضل القرآن على كلام الناس كفضل الله على عباده، مما يستوجب التأمل في كل كلمة منه.
- 0:39
تكرار أمر الهبوط في الجزء الأول من سورة البقرة تأكيد على أن الصراع في الأرض، ودليل على رحمة الله التي تُيسّر مع كل تشديد.
- 1:49
تفسير سورة البقرة بشكل مبسط يُوضّح أن من لم يصله الهدى غير مكلّف، وأن الله أنزل الهداية رحمةً بعباده بعد إخراجهم من الجنة.
- 2:56
أهل الفترة الذين لم تأتهم الرسل في نجاة، لأن الله لا يُعذّب أحدًا بغير حجة، وهذا دليل على محبته لعباده.
- 3:46
الله يُؤاخذ عباده برفق ورحمة، وأنزل معهم الهداية، ولا يُعذّب أحدًا حتى يبعث رسولًا، وهذا من لطفه سبحانه.
- 4:24
من بلغته الحجة فكفر وكذّب بآيات الله وحيًا أو معجزةً فهو من أصحاب النار، أما من لم تبلغه فلا عذاب عليه.
- 5:37
أهل السنة يُفسّرون الخلود في النار بالمدة الطويلة لا الأبدية المطلقة، مستدلّين بأن كلمة أبدًا في القرآن لها فائدة مستقلة.
- 6:45
الجزء الأول من سورة البقرة قبل الآية 40 كان مدخلًا إنسانيًا شاملًا يُعلّم حقيقة الكون والإله والرسالة، ثم بدأ خطاب بني إسرائيل.
- 8:07
تفسير الجزء الأول من سورة البقرة يُوجب على المؤمن إصلاح علاقته بالله وبنفسه وبالكون استعدادًا للبعث والحساب يوم القيامة.
- 9:20
تكريم بني آدم بالعلم يُوجب التعلم للعبادة على بصيرة والدعوة بالحكمة وعمارة الأرض مع ربط كل ذلك بالله.
- 10:10
تفسير الجزء الأول من سورة البقرة يُقرّر وجوب الإيمان بأركان العقيدة وأن الكون مبني على التوازن والألفة لا على الصراع.
- 11:27
القرآن لا تنتهي عجائبه ومتحرر من الزمان والمكان، وينبغي التأمل فيه على مستوى الحرف والكلمة لبناء رؤية شاملة للكون.
ما فضل القرآن الكريم على سائر الكلام وما علاقة ذلك بتفسير سورة البقرة؟
فضل القرآن على كلام الناس كفضل الله سبحانه وتعالى على عباده؛ لأنه كلام رب العالمين لا كلام مخلوق. وهذا الفارق بين المخلوق والخالق هو الأساس الذي يجعل الوقوف عند كل آية بل كل كلمة من كتاب الله أمرًا واجبًا في تفسير سورة البقرة وسائر القرآن.
لماذا كرّر الله أمر الهبوط من الجنة في سورة البقرة وما دلالة ذلك على رحمته بعباده؟
كرّر الله أمر الهبوط تأكيدًا على أن الصراع مكانه الأرض لا الجنة. ومن رحمة الله أنه كلما جاء ما يُضيّق علينا فتح علينا، وكلما جاء ما يُشدّد علينا يسّر علينا، وهو ما يدل على أن الله يحبنا ويرحمنا، مصداقًا لقوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
ما حكم من لم يصله الهدى الإلهي وكيف يُبيّن تفسير سورة البقرة رحمة الله في هذه المسألة؟
من لم يصله الهدى الإلهي فهو غير مكلّف وفي نجاة، وهذا من رحمة الله التي تجلّت في أنه أنزل البشر عقوبةً للمعصية ثم رحمهم بإرسال الهدى إليهم. ومن لم تأته الهداية فالله يعفو عنه، مما يدل على أن الله لا يريد بعباده إلا الخير والرحمة.
ما حكم أهل الفترة الذين لم تأتهم الرسل وهل يدخلون النار؟
أهل الفترة هم الذين لم يأتهم رسول، وحكمهم النجاة؛ لأن الله لا يكتب على أحد الضلالة ويُدخله النار بغير حجة. فالذي يأتيه الهدى يدخل الجنة بفضل الله، والذي لا تأتيه الحجة لا يُعذَّب، لأن الله جعل لكل قوم رسولًا ولم يترك البشر بلا هداية.
كيف يُؤاخذ الله عباده برفق ورحمة وما دليل ذلك من القرآن الكريم؟
الله سبحانه وتعالى يُؤاخذ عباده برفق ولطف ورحمة وحب؛ فهو يُنزلهم ويُنزل معهم الهداية، ويجعل من لم تصله الهداية في نجاة. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، فمن لم تبلغه الرسالة فلا عذاب عليه لأن ذلك مبلغه من العلم.
ما جزاء من كفر وكذّب بآيات الله في سورة البقرة وما معنى كلمة آياتنا في الآية؟
من كفر وكذّب بآيات الله بعد أن بلغته الحجة فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. وكلمة «آياتنا» تحتمل معنيين: الوحي المنزل والمعجزة التي مع الرسول، وهي لفظ مشترك يحتمل الاثنين. والعذاب لا يقع إلا على من وصلت إليه الهداية فكفر بها، لا على من لم تبلغه الحجة أصلًا.
ما الفرق بين المعتزلة وأهل السنة في معنى الخلود في النار وما دلالة كلمة أبدًا في القرآن؟
المعتزلة يرون أن «خالدون» تعني إلى الأبد المطلق، بينما أهل السنة يرون أنها تعني المدة الطويلة. ودليل أهل السنة أن القرآن قال في موضع آخر ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، فلو كانت «خالدون» تعني الأبد أصلًا لكانت كلمة «أبدًا» لا فائدة لها، وليس في القرآن شيء بلا فائدة، فكل حرف وكل حركة لها توجيه للمعنى.
ما الذي علّمنا إياه الجزء الأول من سورة البقرة قبل بدء خطاب بني إسرائيل في الآية 40؟
الآيات السابقة للآية 40 كانت مدخلًا للإنسانية في بدايتها، علّمت فيها حقيقة الكون وأن هناك إلهًا خلقه وهو فعّال لما يريد. وعلّمت أن هذا الإله يُرسل الرسل ويُنزل الكتب ويأمر وينهى، وأن الإنسان مسؤول أمامه. وعند الآية 40 بدأ الله معنى جديدًا بخطاب بني إسرائيل وتذكيرهم بنعمته وعهده.
ما الذي يُوجبه الإيمان بالبعث والحساب على المسلم في حياته الدنيا وفق تفسير سورة البقرة؟
الإيمان بأن الله يُحيينا ويُميتنا ثم يُحيينا يوم القيامة يُوجب علينا امتثال أمره ونهيه والسير في طريقه. وفي هذه الدنيا علينا إصلاح ثلاث علاقات: علاقتنا بالله بعبادته وحده، وعلاقتنا بأنفسنا بصلة ما أمر الله بوصله، وعلاقتنا بالكون بعدم الإفساد في الأرض، وإلا كنّا من الخاسرين.
لماذا كرّم الله بني آدم وما علاقة العلم بالعبادة والدعوة إلى الله في سورة البقرة؟
الله كرّم بني آدم بالعلم، وهذا التكريم يُوجب على الإنسان أن يتعلم حتى يعبد الله على بصيرة وحتى يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. كما يجب أن يتعلم لعمارة الأرض، وألا يقف بعلمه عند السطح بل يربطه بالله رب العالمين.
ما أركان العقيدة التي يجب الإيمان بها وكيف يُقرّر تفسير سورة البقرة أن الكون مبني على التوازن لا الصراع؟
يجب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وإخلاص النية لله في كل ذلك. والكون قد بُني على التوازن والألفة لا على الصراع؛ فليس هناك صراع بين الرجل والمرأة ولا بين الحاكم والمحكوم ولا بين الغني والفقير ولا بين الإنسان والكون، خلافًا لما تقوله عقائد كثيرة. ويجب كذلك الإيمان بالتكليف والتشريف وقداسة القرآن والأنبياء والكعبة.
ما الذي يُميّز القرآن الكريم عن غيره وكيف ينبغي للمسلم أن يتعامل مع تفسير سورة البقرة وسائر القرآن؟
القرآن الكريم لا تنتهي عجائبه ولا يبلى من كثرة التلاوة، وهو متحرر من الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهو كلام رب العالمين إلى العالمين إلى يوم الدين. وينبغي للمسلم أن يتأمل فيه على مستوى الشكلة والحرف والكلمة، لأنه يبني في الإنسان رؤية شاملة للكون والحياة وما قبلها وما بعدها.
تفسير سورة البقرة في الجزء الأول يُرسّخ أن الله لا يُعذّب أحدًا حتى تبلغه الحجة، وأن القرآن رؤية شاملة للكون والحياة.
تفسير سورة البقرة في هذا الجزء الأول يكشف أن الله أنزل الهدى رحمةً بالبشر بعد إخراجهم من الجنة، وجعل من لم تصله الهداية في نجاة تامة، مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. أما من بلغته الحجة فكفر وكذّب بالآيات وحيًا كانت أم معجزة، فأولئك أصحاب النار خالدون فيها مدةً طويلة وفق ما أوضحه أهل السنة في تفسير لفظ الخلود.
يُلخّص تفسير الجزء الأول من سورة البقرة منظومةً عقدية متكاملة: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبناء الكون على التوازن والألفة لا الصراع، ووجوب التعلم لعبادة الله على بصيرة وعمارة الأرض. وتختتم هذه المرحلة بخطاب بني إسرائيل في الآية 40 الذي يفتح بابًا جديدًا بعد مقدمة إنسانية شاملة، مؤكدةً أن القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يبلى من كثرة التلاوة.
أبرز ما تستفيد منه
- الله لا يُعذّب أحدًا حتى تبلغه الرسالة، وأهل الفترة في نجاة.
- من اتبع الهدى فلا خوف عليه، ومن كفر بعد بلوغ الحجة فهو من أصحاب النار.
- الخلود في النار عند أهل السنة يعني المدة الطويلة لا الأبدية المطلقة للعاصي.
- القرآن رؤية شاملة للكون متحررة من الزمان والمكان تستوجب التأمل في كل حرف.
مقدمة الدرس وفضل القرآن الكريم على سائر الكلام
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نطلب منه الهداية، ونقف عند كل آية بل كل كلمة منه؛ فهو من كلام رب العالمين، وفضل القرآن على كلام الناس كفضل الله سبحانه وتعالى على عباده؛ فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.
تكرار أمر الهبوط من الجنة وتأكيد أن الصراع يكون في الأرض
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿قُلْنَا ٱهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: 38]
كرّر [الله تعالى] الهبوط مرة ثانية، و«جميعًا» تأكيد؛ لأنه ليس في الجنة صراع، وأنه إذا كان ثمة صراع فليكن في الأرض.
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38]
من رحمة الله [بعباده] أنه كلما جاء ما يُضيّق علينا فتح علينا، وكلما جاء ما يُشدّد علينا يسّر علينا؛ فتبيّن من هذا أن الله يحبنا.
﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]
رحمة الله بإنزال الهدى وإعفاء من لم يصله التكليف
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى﴾ [البقرة: 38]
حسنًا، وإذا ما جاء الهدى انظر [إلى رحمة الله]؛ يعني هو يُنزلنا في الأرض عقوبةً للمعصية، ثم يرحمنا بعد ذلك ويقول: إنني سأرسل إليكم الهدى، ثم يرحمنا بعد ذلك فيجعل من لم يصله الهدى غير مكلّف.
انتبه! يعني هو يُضيّق علينا — أخرجنا خارجًا [من الجنة] — أخرجنا قومٌ يحنّ علينا، قال: لكن سأبعث لكم هدًى لكي تستدلوا بها إلى طريق طيب، والذي لم تأته الهداية فسوف أعفو عنه أيضًا.
حكم من لم تبلغه الرسالة وأهل الفترة ونجاتهم
أي ليس الذي لم تأته الهداية يكون الله قد كتب عليه الضلالة ويدخله النار، لا! فجعل لكل قوم رسولًا.
طيب، والذي لم تأتهم الرسل لهم، ما حكمهم؟ فيكونون من أهل الفترة.
والفترة تعني ماذا؟ تعني أنه ليس لهم رسول.
وهؤلاء شأنهم ماذا؟ النجاة [لهم]؛ لو كان ربنا يكرهنا لكان تركنا ننزل [إلى الأرض] وليس هناك هداية نتصرف بها.
نحن إذن: الذي يأتيه الهدى يكون من فضل الله ويدخله الجنة، والذي لا يأتيه الهدى يدخله النار [إن بلغته الحجة وأعرض].
مؤاخذة الله للعباد برفق ورحمة وإنزال الهداية معهم
ولكن الله سبحانه وتعالى وهو يؤاخذ قومًا يؤاخذ برفق ولطف ورحمة وحب؛ فيُنزلنا ويُنزل معنا الهداية، ويُنزل الهداية ويجعل من لم تصله الهداية في نجاة.
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]
حسنًا، لنفترض أن [الله لم] يبعث رسولًا فلا يوجد عذاب إذن. لماذا؟
﴿ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ [النجم: 30]
ليس لهم [حجة] هكذا.
جزاء من اتبع الهدى ومن كفر وكذب بآيات الله
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38]
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِـَٔايَـٰتِنَآ﴾ [البقرة: 39]
سكت [الله تعالى]، قال: لا، بآياتنا. هذا [لفظ] الله وصلته آية.
«آياتنا» تعني ماذا؟ هل تعني الوحي المنزل أم المعجزة التي مع الرسول؟ الآية بمعنى المعجزة أم الاثنان؟ جائز ألا يحدث شيء [من التعارض]؛ ما هو هذا مشترك [اللفظ يحتمل المعنيين].
«والذين كفروا وكذبوا» — ما قال [كفروا] بالله حتى نقول الفطرة تدعو إلى الإيمان بالله ونعذبهم إذن، لا! دخل [العذاب] إلا الذي وصلت إليهم الهداية واتُّهموا [بالتكذيب]، ثم بعد ذلك كفروا بهذه الهداية التي هي في صورة وحي أو في صورة معجزة.
﴿أُولَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ [البقرة: 39]
معنى الخلود في النار بين المعتزلة وأهل السنة ودلالة كلمة أبدًا
قال لك: حسنًا، «خالدون» معناها المدة الطويلة أم معناها إلى الأبد؟
فالمعتزلة قالوا: لا، «خالدون» تعني إلى الأبد. أهل السنة قالوا: لا، «خالدون» تعني المدة الطويلة، أليس كذلك؟
قالوا: لأنه ورد في القرآن:
﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ [النساء: 57]
فلو كان «خالدون» هذا معناها دائمًا لكانت كلمة «أبدًا» لا فائدة لها، وليس في القرآن شيء لا فائدة له؛ فالحرف له فائدة، والحركة لها فائدة، وكل شيء له توجيه للمعنى الذي يؤدي بنا إلى معرفة مراد الله سبحانه وتعالى.
فكلمة «أبدًا» لها فائدة وهي الدلالة على المكث المستمر؛ فيجب أن تكون هذه المدة طويلة.
بداية خطاب بني إسرائيل وملخص ما سبق من حقائق الكون والإيمان
حسنًا، قال [الله تعالى]:
﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]
هنا بدأ [الله تعالى] في معنى جديد. إذن كل الآيات التي وردت سابقًا من بداية:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26]
إلى ذكر بني إسرائيل كان مدخلًا للإنسانية في بدايتها. علّمنا فيها ربنا سبحانه وتعالى حقيقة الكون؛ وأن هناك إلهًا قد خلقه، وأن هذا الإله فعّال لما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وأن هذا الإله يُرسل الرسل ويُنزل الكتب ويأمر وينهى.
وجوب امتثال أمر الله والإيمان بالبعث والحساب يوم القيامة
وعلينا إذن إذا أردنا النجاة والسعادة في الدنيا وفي الآخرة أن نمتثل لأمره ونهيه، وأن نسير في طريقه سبحانه وتعالى.
وأن هذا الإله يحيينا ويميتنا ثم يحيينا كما يشاء، وأننا سنعود إليه يوم القيامة، وأننا في هذه الدنيا ونعود إليه يوم القيامة ففيها حساب وعقاب أو ثواب، جنة أو نار.
وأن في هذه الدنيا هو ينهى عن الفساد في الأرض، وهو يأمر بعبادته وحده سبحانه، وهو يأمرنا ألا نكون من الخاسرين؛ فنُصلح العلاقة التي بيننا وبينه:
﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ﴾ [البقرة: 27]
وبيننا وبين أنفسنا:
﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِٓ أَن يُوصَلَ﴾ [البقرة: 27]
وبيننا وبين الكون:
﴿وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ أُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ [البقرة: 27]
تكريم بني آدم بالعلم ووجوب التعلم للعبادة والدعوة إلى الله
علّمنا ربنا هذه الصورة، وعلّمنا كيف بدأ الخلق، وأننا مكرّمون في هذا الكون:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
وأن سبب التكريم العلم، وأنه يجب عليك أن تتعلم حتى تعبد الله على بصيرة، وحتى تدعو إلى الله على بصيرة:
﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]
وأننا يجب أن نتعلم لعمارة الأرض، وإننا لا نقف بعلمنا عند حد السطح أو العمق، بل لا بد أن نربط ذلك بالله رب العالمين.
وجوب الإيمان بأركان العقيدة وبناء الكون على التوازن لا الصراع
وإننا يجب علينا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن نجعل كل ذلك في سبيل الله، وأن نُخلص النية لله.
وأن نعلم أن هذا الكون قد بُني على التوازن، وأنه قد بُني على الألفة وليس على الصراع؛ فليس هناك صراع بين الرجل والمرأة، ولا بين الحاكم والمحكوم، ولا بين الغني والفقير، ولا بين الإنسان والكون، كما هو موجود في عقائد كثير من خلق الله على الأرض الآن.
وأنه ينبغي علينا أن نؤمن بالتكليف وبالتشريف وبالقداسة، وأن نحترم القرآن والنبي والأنبياء والكعبة المقدسة.
خاتمة الدرس وبيان أن القرآن لا تنتهي عجائبه ووجوب التأمل فيه
ذكر الله لنا كل ذلك في كلمات واضحات بيّنات تبني في الإنسان رؤية شاملة للكون وللحياة، ولما قبل ذلك وبعد ذلك، وجعلها في أول سورة [البقرة] لنا.
نتعلم من هذا أن القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يَبلى من كثرة التلاوة، وأنه متحرر من الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وأنه كلام رب العالمين إلى العالمين إلى يوم الدين.
وأنه ينبغي علينا — وهو لا تنتهي عجائبه ولا يحيط بتفسيره أحد — أن نتأمل فيه على مستوى الشَّكلة، وعلى مستوى الحرف، وعلى مستوى الكلمة.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والحمد لله رب العالمين.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
لماذا كرّر الله أمر الهبوط من الجنة في سورة البقرة؟
تأكيدًا على أن الصراع مكانه الأرض لا الجنة
ما حكم من لم تبلغه الرسالة الإلهية وفق ما تُقرّره آيات سورة البقرة؟
هو في نجاة لأن الله لا يُعذّب بلا حجة
ما معنى «أهل الفترة» في علم العقيدة الإسلامية؟
الذين لم يأتهم رسول في زمانهم
ما الدليل القرآني الذي استند إليه أهل السنة لإثبات أن «خالدون» لا تعني الأبد المطلق؟
ورود كلمة «أبدًا» في آية أخرى مما يدل على أنها زيادة في المعنى
ما الذي تعنيه كلمة «آياتنا» في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؟
لفظ مشترك يحتمل الوحي والمعجزة معًا
ما الآية التي استدل بها على أن الله لا يُعذّب أحدًا حتى يبعث رسولًا؟
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
ما سبب تكريم الله لبني آدم وفق ما جاء في تفسير هذه الآيات؟
العلم
على ماذا بُني الكون وفق ما تُقرّره هذه الآيات من سورة البقرة؟
التوازن والألفة
ما العلاقات الثلاث التي يجب على المؤمن إصلاحها وفق آيات سورة البقرة؟
علاقته بالله وبنفسه وبالكون
ما الذي يُميّز القرآن الكريم عن سائر الكلام؟
أن فضله على كلام الناس كفضل الله على عباده
ما الذي تعلّمناه من الآيات السابقة للآية 40 من سورة البقرة؟
حقيقة الكون وأن الله فعّال لما يريد ويُرسل الرسل
ما فضل القرآن الكريم على كلام الناس؟
فضل القرآن على كلام الناس كفضل الله سبحانه وتعالى على عباده؛ لأنه كلام الخالق لا المخلوق.
ما دلالة تكرار أمر الهبوط من الجنة في سورة البقرة؟
التكرار جاء تأكيدًا على أن الصراع مكانه الأرض لا الجنة، وأن الله أنزل البشر ثم رحمهم بإنزال الهدى معهم.
كيف تجلّت رحمة الله في إنزال البشر من الجنة؟
رحمة الله تجلّت في أنه كلما جاء ما يُضيّق علينا فتح علينا، وكلما جاء ما يُشدّد علينا يسّر علينا، وأنزل معنا الهدى لنستدل به إلى طريق طيب.
ما حكم من لم تصله الهداية الإلهية؟
من لم تصله الهداية فهو غير مكلّف وفي نجاة، لأن الله لا يُعذّب أحدًا حتى تبلغه الحجة.
من هم أهل الفترة؟
أهل الفترة هم الذين لم يأتهم رسول في زمانهم، وحكمهم النجاة لأن الله لا يُعذّب بغير حجة.
ما الآية التي تُثبت أن الله لا يُعذّب بلا رسول؟
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15].
ما الفرق بين موقف المعتزلة وأهل السنة من معنى الخلود في النار؟
المعتزلة يرون أن الخلود يعني الأبد المطلق، بينما أهل السنة يرون أنه يعني المدة الطويلة، مستدلّين بأن كلمة «أبدًا» في القرآن لها فائدة مستقلة.
لماذا استدل أهل السنة بكلمة «أبدًا» على أن الخلود لا يعني الأبد المطلق؟
لأنه لو كانت «خالدون» تعني الأبد أصلًا لكانت كلمة «أبدًا» لا فائدة لها، وليس في القرآن شيء بلا فائدة، فكل حرف وكل حركة لها توجيه للمعنى.
ما المعنيان اللذان تحتملهما كلمة «آياتنا» في قوله تعالى ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؟
تحتمل الوحي المنزل، وتحتمل المعجزة التي مع الرسول، وهي لفظ مشترك يحتمل المعنيين معًا.
ما الذي علّمته الآيات السابقة للآية 40 من سورة البقرة للإنسانية؟
علّمتها حقيقة الكون وأن هناك إلهًا خلقه وهو فعّال لما يريد، وأنه يُرسل الرسل ويُنزل الكتب ويأمر وينهى، وأن الإنسان سيُحاسَب يوم القيامة.
ما سبب تكريم الله لبني آدم؟
سبب التكريم هو العلم، وهذا يُوجب على الإنسان أن يتعلم حتى يعبد الله على بصيرة ويدعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة.
على ماذا بُني الكون وفق هذه الآيات وما الذي نفته؟
بُني الكون على التوازن والألفة لا على الصراع؛ فليس هناك صراع بين الرجل والمرأة ولا بين الحاكم والمحكوم ولا بين الغني والفقير ولا بين الإنسان والكون.
ما أركان العقيدة التي يجب الإيمان بها وفق هذه الآيات؟
الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، مع إخلاص النية لله في كل ذلك.
ما الذي يُميّز القرآن الكريم من حيث علاقته بالزمان والمكان؟
القرآن متحرر من الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهو كلام رب العالمين إلى العالمين إلى يوم الدين، ولا تنتهي عجائبه ولا يبلى من كثرة التلاوة.
كيف ينبغي للمسلم أن يتعامل مع القرآن الكريم في التأمل والدراسة؟
ينبغي أن يتأمل فيه على مستوى الشكلة والحرف والكلمة، لأن كل شيء فيه له توجيه للمعنى، وهو يبني رؤية شاملة للكون والحياة.
