الإسلام كتاب مفتوح - قضية العراق- قضية الوحدة
- •يشرح الدكتور علي جمعة تعقيد الوضع العراقي بسبب الاحتلال الأمريكي الذي فتت النسيج الاجتماعي وأحدث انقسامات متعددة.
- •استعرض الانقسامات المركبة من عرقية (عرب، أكراد، تركمان) ومذهبية (سنة، شيعة) وسياسية (بعث، ضد البعث) وتدخلات خارجية.
- •أشار إلى أن هذه الانقسامات تسببت في صراع دموي ممتد أدى إلى استنزاف الشعب العراقي وقتل المئات من العلماء والصحفيين.
- •تناول أسباب تفرق الأمة الإسلامية رغم عوامل وحدتها المتعددة، مقسماً الأسباب إلى خارجية وداخلية.
- •أكد أن العوامل الداخلية للفرقة مفتعلة ويمكن تجاوزها بالإرادة والتكامل الاقتصادي.
- •دعا إلى تجاوز عقبات الوحدة من خلال الحلول الوسط والتدرج، مستشهداً بنماذج كالاتحاد الأوروبي والنظام الفيدرالي.
- •أبدى تفاؤله بوحدة الأمة لأن عوامل وحدتها أكبر من عوامل فرقتها.
مقدمة الحلقة واستكمال الحديث عن الكارثة في العراق
[المذيع]: أعزائي المشاهدين، مساء الخير. نلتقي اليوم ونتواصل مع فضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة. أهلًا بحضرتك.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: كنا قد تحدثنا بالأمس عن المقاومة اللبنانية وما يحدث في لبنان، واليوم نستكمل الحديث. يعني ما يحدث أيضًا في العراق كارثة في الأمة الإسلامية، كارثة على الأمة الإسلامية، يعني كارثة كبيرة. ماذا عمّا يُرتكب من أفعال فردية تحت ستار الجهاد؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الحقيقة أن الشأن العراقي في غاية التعقيد، والذي سبّب تعقيده تصرفات الإدارة الأمريكية وتصرفات الإدارة الإنجليزية، وتحريكهم للجيوش من أقصى الأرض من أجل أن تتدخل في بلد فتزيد من مشكلاته بدلًا من أن تنهي مشكلته.
تشبيه الوضع العراقي بالسير على الحبل وخطورة الاحتلال
نحن الآن في موقف في العراق في غاية التعقيد والتركيب، وأصبح كمن يسير على الحبل؛ إذا اختلّ يمينًا وقع، وإذا اختلّ شمالًا وقع، وإذا وقف فإنه يكون في خطورة، وإذا استمر في المشي فهو في خطورة أكثر. يعني هذا وضع شاذ لا تستقيم معه الحياة.
سبب هذا هو أنه بذلك التدخل وهذا الاحتلال - وهو الأساس في القضية كلها - وهو الذي أوصلنا إلى حالة غريبة عجيبة الآن. ونحن أصبحنا في وسط اللجة، في وسط البحر.
تعدد عناصر التعقيد في العراق من طائفية وعرقية ومذهبية
تركب هذا الشأن ليس من عنصر واحد بل من عناصر كثيرة. أولها كما ذكرنا - وهو أبو البلاوي - الاحتلال الخارجي، هو السبب في وجود طائفية متجذرة في العراق. هذه الطائفية عرقية؛ نعم، عرب وتركمان وكرد، ثلاث فصائل مختلفة.
ثم يزيد من هذا التعقيد عنصر ثالث وهو المذهبية؛ فالعرقية شيء والمذهبية شيء آخر، لأنه يوجد سنة وشيعة. أضفنا عنصرًا رابعًا للقضية في التركيبة الثلاثية: فئات العرب والتركمان والأكراد.
وبعد ذلك تأتيني أيضًا: لا، هذا فيه خلاف آخر تمامًا ما بين الشيعة والسنة. فأصبحنا كأننا ستة على فكرة. الآن التركيبة معقدة للغاية، ستة وليس أربعة، لقد أصبحت ستة، اثنان في ثلاثة في ثلاثة، صرنا ستة.
التعقيد الحزبي والتدخلات الخارجية وتضاعف الفصائل المتصارعة
ثم يأتي تعقيد أكثر من هذا، وهو تعقيد سياسي. نعم، فهناك مذاهب عرقية ومذهبية وحزبية. ماذا فعلت الحزبية؟ أصبح هناك بعث وضد البعث، فالستة في اثنين أصبحنا اثني عشر.
ثم تأتيني تدخلات خارجية من تنظيم اسمه القاعدة، ومن تنظيم اسمه الجهاد الإسلامي، ومن تنظيم لا أعرف اسمه، فرسان مَنْ؟ وهكذا. وعلى عدد هذه الطوائف، اضربها في الاثني عشر تجدهم مثلًا أربعة أو خمسة أو ستة عشر فصيلًا، وهذه الفصائل في الاثني عشر تصبح مائة وعشرين.
ثم تأتيني اختلافات رهيبة ومصالح أخرى لدول مجاورة. وبعد ذلك، انظر كم عدد هذه الدول المجاورة: هناك تركيا وإيران والكويت والسعودية وسوريا وغيرها. فاضرب المائة والعشرين في خمسة، يكون إذن أصبحنا ستمائة. كم؟ مائة وعشرون في خمسة يكون ستمائة.
تشبيه الوضع العراقي بلعبة البازل ذات الستمائة قطعة
تخيل أن البازل الخاص بك، لعبة البازل التي هي خاصة بالأطفال هذه، أنها ستمائة قطعة! إن البازل يكون كله من أوله إلى آخره عشرون قطعة، ويقضي الولد فيها وقتًا ليحلها. وعندما تكون هناك بازل معقدة جدًا تكون ثلاثة وأربعين قطعة، لكن هذه ستمائة! ستمائة هذه يعني ستتعبني.
نعم، طبعًا مهم من أجل العراق؛ لأنه أي كلام حول شيء يجب أن تعرف واقعه. تخيل أن هناك ستمائة قطعة في العراق تتصادم مع بعضها البعض. كارثة!
استحالة وقف الدم مع تعدد الفصائل المتصارعة في العراق
تخيل أنه لو أن ثلاثين أو أربعين أو خمسين أو ستين أو سبعين أو ثمانين فصيلًا من هؤلاء قرروا إيقاف الدم، فإن هناك ما زال خمسمائة لم يقرروا إيقاف الدم.
تخيَّل مَنْ يضرب مَنْ؛ فـالمقاومة المشروعة تقاوم الاحتلال، وهناك حكومة تقاوم قوى البعث المنحلة. هناك قوى بعث منحلة، بعضها طائفي وبعضها قومي وبعضها وطني.
الاحتلال هو الذي فجّر الأوضاع وكسر اللوحة المتكاملة في العراق
إذن، ما الذي فجَّر كل هذا وكسر هذا البازل (اللغز)؟ إنه الاحتلال. نعم، ما هذه؟ كانت لوحة متكاملة، وكنا نشكو من صدام ومن حكومة صدام ومن قهر صدام للشعب. تفتتت كلها وكانوا مجتمعين.
نعم، وكان لا أحد يُقتل بهذه الصورة، وليس كاليوم حيث في كل خبر يقولون لك: قُتل أربعون، كأن هؤلاء الأربعين شيء، كأنهم دجاج يعني! نحن إنفلونزا الطيور لم نعدم أربعين منهم! هذا استنزاف أمة، استنزاف أمة بحق!
حيرة الاحتلال بين البقاء والخروج وموقف الشيخ من ذلك
فاليوم عندما آتي وأقول له: حسنًا، أنا أريد أن أُخرج الأمريكيين. نعم، وأقول لهم اخرجوا. هل تتصور أن هذه تحتاج أيضًا إلى تفكير؟ يجب أن يقول لنا الخبراء العسكريون والساسة: هل خروجها الآن سيزيد من هذه المسألة أم سينقصها؟
طبعًا أنا ضد الاحتلال، أكره الاحتلال. طبعًا أنسب إلى الاحتلال كل مساءة. نعم، الاحتلال غير مبرر بأي حال من الأحوال ولا في أي زمن من الأزمان.
لكن أتصور أن هذا الاحتلال قد أوصلني إلى الحيرة التي أقول فيها أنني لا أعرف هل يخرج الآن أم لا. يعني كأنني أقول: الله يخرب بيوتكم هذه، أنتم هكذا حيرتموني!
ألم الشأن العراقي وحضارة العراق العريقة عبر التاريخ
فأنا يعني في الحقيقة، نحن نرى أن الشأن العراقي في غاية الألم، مؤلم للعراقيين جدًا. عندما نجلس معهم ساعات، لا يعرفون كيف يتكلمون.
العراق هذا أهل حضارة، العراق هذا كان فيه فكر عبر التاريخ. العراق كان حضارة الرافدين، هو المنافس لمصر. طبعًا مصر هذه قائدة ورائدة الأمم كلها، كانت العراق المنافس لها. دولة قوية، دولة ذات تاريخ.
طبعًا دولة الجينات الخاصة بالناس الذين فيها جينات حضارة منذ زمن بعيد، منذ قديم الزمن. وجاء الإسلام وأصبحوا على هذه الهيئة.
تفتت الدولة العراقية وظهور أفكار غريبة كالفيدرالية والاستقلال الذاتي
لكن يا أخي ابتُلوا بهذه الحال. تفتتت الدولة وتفرقت إلى أنه الآن أفكار غريبة مثل الفيدرالية، أفكار غريبة مثل الاستقلال الذاتي والحكم الذاتي وغير مُدرَك ما هو، أشياء غريبة جدًا.
وأجّج هذا كله تاريخ طويل من النزاعات العرقية، وتاريخ طويل من الظلم السياسي، وتاريخ طويل من الأوضاع المعوجة والتوزيع غير العادل للثروة، وتاريخ طويل من الاحتقان المذهبي والطائفي.
إذن أنا أمام حالة، الحقيقة، الله يكون في عون الدارس لها، الله يكون في عون المتابع لها. شيء يقطع القلب، وهذا غاية ما أستطيع أن أقول.
الفتنة العراقية والاحتلال كمغتصب للأرض ووجوب خروجه بلا ضرر أكبر
لكن ما الذي نفعله في الشأن العراقي؟ إنها فتنة لا يزال الحليم فيها حيران، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل في الاحتلال وفي بقاء الاحتلال.
هذا كمن اغتصب أرضًا ثم ظل فيها، فأخذ الله ينزل عليه من ويلاته وإثمه وذنوبه ما دام فيها. فـالاحتلال يجب أن يخرج، ويجب أن يخرج بصورة لا تُحدث ضررًا أكبر.
لو فكرنا في طلب تعويضات، فهذا الاحتلال يجب أن يدفع تعويضات. طبعًا تعويضات تهدئ البال، تعويضات تعيد البنية الأساسية لهذا البلد. تعويضات - لا أعرف - لا أستطيع أن أتصور أربعين شخصًا يُقتلون وكل يوم! ما معنى ذلك؟ هذه إبادة جسدية، هذه إبادة، هذا دمار لشعب بأكمله.
مقتل الصحفيين والعلماء في العراق واستنزاف النخب
هل تتصور حضرتك أن تسعين صحفيًا قد قُتلوا؟ تسعون صحفيًا! أي صحفي يتكلم كلمة هنا أو هناك، ويقدم خبرًا أو معلومة، سيقتلونه؛ سيقتلونه لأن هناك خلافات.
هل تتصور أن هناك أربعمائة عالم من العلماء قُتلوا؟ وبعد ذلك يأتي شخص ليقول لي: لا، هؤلاء أربعة آلاف! انظر كيف يتردد الخبر بين أربعمائة إلى أربعة آلاف.
نابليون وقتل علماء الأزهر للقضاء على النهضة المصرية
حسنًا، عندما دخل نابليون مصر وأراد القضاء على نهضة مصر، قتل ألفًا وخمسمائة عالم من علماء الأزهر، فقضى على النهضة ورحل بعدها.
وكتب هذا في مذكراته أن هؤلاء الناس لا تصلح معهم إلا الذبح، وأنا كنت أذبح خمسة كل يوم وأمضي. هو مكث سنة إلا قليلًا، وخلال هذه المدة قتل فيها ألفًا وخمسمائة. والجبرتي يقول فأجملها في نصف سطر: وكان يقتل خمسة كل يوم من علماء الأزهر.
لكن يعني نابليون ذكره في مذكراته، ذكره في مذكراته. نعم، نعم، واضحة يعني.
الجبرتي لم يدرك خطة نابليون في القضاء على النهضة بقتل العلماء
طبعًا، نعم، نعم. فالجبرتي يعني في شيء مختصر هكذا جدًا جدًا لم يلتفت إليها، لم يفهم لماذا يفعل هكذا. ربما ينتقم أو شيء من هذا القبيل.
لكن لا، لقد قضى على النهضة. هؤلاء أبناء عبد القادر البغدادي وأولاد المرتضى الزبيدي وكانوا قائمين بنهضة، فقال: لا، لن ننتظر لتعود النهضة من هنا، اقتلوهم.
الرد على من يرى أن الاحتلال بداية الثقافة وتأكيد أن الأمة أهل حضارة
هذا أيضًا ردًا على من انبهر بالغرب وانبهر بالثقافة الفرنسية ورأى أن الاحتلال لأوطاننا هو بداية الثقافة. كيف يكون هذا! الاحتلال لأي وطن من الأوطان مسألة مذمومة ومسألة مردودة على أصحابها.
ونحن أهل حضارة طوال تاريخنا من الفراعنة وحتى يومنا هذا. نحن أهل حضارة، نحن رجال حضارة، ونحن شعب إنساني بالطبع.
سؤال عن أسباب تفرق الأمة الإسلامية رغم عوامل الوحدة الحتمية
[المذيع]: ربما هذا يدعونا لسؤال حضرتك وهو سؤال ملح: لماذا تفرقت الأمة الإسلامية رغم أن عوامل جمعها مؤكدة وحتمية؟ هل أهملنا ديننا قرآنًا وسنةً وشريعةً وعقيدةً؟
[الشيخ]: هناك عوامل داخلية وهناك عوامل خارجية. والعوامل الداخلية الراجعة إلينا أكثر وأهم وأعمق من العوامل الخارجية.
فإذا كان الخارج يريدنا هكذا ويعمل على هذه الفرقة، فإن هذا يمثل عشرين في المائة من القضية. يعني لو أن هذا الخارج كله هلك ولم يبقَ منه شيء، فسنظل متفرقين بهذا الشكل. إذا كان الخارج ليس لديه القوة التي تجعل هناك استمرارًا للبلاء الذي نحن فيه.
العوامل الخارجية للفرقة ومصالح الدول في تفتيت الأمة
لكن العوامل الداخلية - والعوامل الخارجية سهلة - مصالحهم تتعارض مع وحدتنا. حسنًا، من حقهم أن يفتتوني؛ لو كنت مكانهم وأنا إذا اتحدت فلن أشتري منه وسأرفع عليه سعر حاجتي.
إذن من الطبيعي أن يفتتني لكي يستفيد، ولكي يجعلني سوقًا استهلاكية دائمًا، ولكي يحرمني من النو هاو [المعرفة التقنية] والمعرفة. هذا حقه.
لكن أين أنا؟ أين أنا؟ يعني لماذا أستسلم لهذا الحال وأُسلِّم نفسي له؟ لماذا إذن؟
العوامل الداخلية للوحدة التي منحها الله للأمة الإسلامية
فلا بد من النظر إلى العوامل الداخلية. عندما أرجع إلى العوامل الداخلية أجد أن الله سبحانه وتعالى قد منحنا كل أسباب الوحدة، كل أسباب الوحدة. والوَحدة بالفتح وليس فيها كسر أبدًا ما، لا توجد وِحدة، هي وَحدة.
أعطانا، أعطانا الأرض، أعطانا البشر، أعطانا الإمكانيات في صورة مواد خام، أعطانا الاتساع والاتصال الجغرافي، أعطانا التاريخ، أعطانا القواعد الفكرية، أعطانا، أعطانا كل شيء.
أسباب الفرقة مفتعلة وقابلة للزوال بالإرادة
إذن فأنا أستطيع أن أقول إن أسباب الفرقة - اسمح لي أن أقول لك - مفتعلة. نعم، أسباب الفرقة مفتعلة. وكلمة مفتعلة حتى أحدد معناها؛ نعم، أننا نقدر على إزالتها.
كلمة مفتعلة كيف؟ بالإرادة. نعم، لو أنا أرى مع هذه الانقسامية التي حدثت معنا الآن، كل الناس تشك في بعضها. نعم، هذا صحيح.
التجارب السيئة والماضي المرير يكبّلان الأمة عن الانطلاق
ثانيًا، نحن لدينا تجارب سيئة مع بعضنا. فكلما نمد أيدينا من أجل التعاون يقول [أحدهم]: الله، بلا تعمل! كما قُدم هذا المشروع نفسه في سنة كذا وسبعين، وقُدم في سنة كذا وستين، وقُدم في كذا وخمسين، وحدث وحدث وحدث.
في تجربة سيئة وماضٍ مرير في التعامل مع بعضنا جعلتنا مكبلين. نعم، جعلتنا غير قادرين على الانطلاق، مجمدين لا نستطيع تحقيق خطوات التقدم. هذه نقطة أولى.
مفهوم الدولة القومية وتعارض المصالح الإقليمية كعائق أمام الوحدة
ونقطة ثانية: مفهوم الدولة القومية الذي تغلغل فينا، فأصبحت هناك مصالح متعارضة. فقد تكون مصلحة بلدي تختلف عن مصلحة البلد الآخر.
أي أننا في مصر، ومجلس الوزراء يجلس ويفكر، قد يكون هناك تعارض بين خدمة الصعيد وخدمة وجه بحري. وقد يكون هناك تعارض بين خدمة مرفق السكة الحديد ومرفق آخر مثلًا. أيهما نختار له الأولوية؟ التعليم؟ نعم، أيهما له الأولوية في هذا؟
نعم، وبعد ذلك قد أريد أن أرقى بالتعليم وما شابه. حسنًا، أليست السكك الحديدية في منتهى الخطورة على حياة الناس مباشرة؟ والأسبقية لمن؟ حسنًا، هل أنا مهدد أم غير مهدد؟ كيف حال جيشي؟ هل أقلل الإنفاق في الدفاع أم أزيده حسب الأحوال وهذا؟
تعارض المصالح داخل الجسد الواحد وترسخ الشعور القومي الإقليمي
هو مجلس الوزراء وهو يجلس ليبحث في الميزانية، فتحدث تعارضات للمصالح في داخل البطن الواحدة، في داخل الجسد الواحد. يحدث هذا، فما بالك في منطقتين مختلفتين!
وما بالك أنه قد ترسخ في الأذهان أنه بدون ضوضاء نحن نريد أن نكون صرحاء ونعمل بسرعة. فأنا لن أنتظرك، أنا سأعمل لمصلحة منطقتي وبلدي بغض النظر عن أي مصالح أخرى تتعارض أو لا تتعارض. كل واحد يعمل لمصلحته.
فمع التفتت ومع الشعور القومي بالدولة الإقليمية ومع كم القوانين الهائل الذي تحوصلنا فيه هنا وهناك، حدثت تلك العوامل التي تعد عوامل للفرقة.
الأمل في الأجيال القادمة والدعوة إلى التدرج والتهيئة لتحقيق الوحدة
ولكن الأمل معقود في همة، إذا لم تكن في جيلنا فلتكن في من بعدنا من أبنائنا. ونحن نسلمهم الراية: أن اتفقوا وأن لا تختلفوا فتختلف قلوبكم، وأنكم أزيلوا كل هذه العقبات.
وعليكم بـالحلول الوسط، وعليكم بـالتدرج، وعليكم بفعل التهيئة؛ لأنه لكي أعمل شيئًا مثل ما فعله الاتحاد الأوروبي - لا، إنها صعبة - فتوحيد العملة وحدها صعب. بالطبع لأنك تريد توحيد العملة بين خمس وعشرين دولة، فيجب أن يكون اقتصاد هذه الدول متقاربًا. نعم، فلا تكون دولة غنية جدًا، وأخرى أقل كثيرًا، كي تحقق الهدف. وبدون ذلك لا تستطيع توحيد العملة.
مقومات الوحدة الجاهزة من الطريق السريع إلى التكامل الاقتصادي
حسنًا، لدي الطريق السريع من طنجة إلى جاكرتا. على فكرة، هذا الطريق يكاد يكون موجودًا، لكنه يحتاج إلى إيصال بعض المناطق به، يحتاج إلى الإيصال. نعم.
ورائي رفع الحدود في هذه المنطقة الشاسعة، ورائي رفع الحدود في هذه المنطقة الشاسعة. ورائي التكافل أو التكامل الاقتصادي.
السودان هذه تُزرع قمحًا يغطي العالم الإسلامي، وهي سلة العالم العربي كله، سلة والعالم الإسلامي الكل. والمملكة العربية السعودية تعطي بترولًا، ومصر تعطي بشرًا. في تكامل، في تكامل، أنا جاهز.
النماذج الفيدرالية موجودة والأمة تحتاج إلى همة وإرادة سياسية
ورائي شيء مثل حتى النظام الفيدرالي أو الاتحاد الفيدرالي. الاتحاد الفيدرالي لم يعد موجودًا الآن كما كان، لكن الفيدرالية فقط هي الموجودة. كل ولاية من ولايات أمريكا لها قانونها الخاص، ولكن يوجد قانون فيدرالي.
يا أخي، النماذج موجودة، الفكر موجود، ويمكننا أن نبدع فكرًا. يحتاج إلى همة وإرادة سياسية.
فهل سيرسل الله من يوحد هذه الأمة؟ وهل سيرسل الله هذا الشخص فيلقي في قلوب الجميع هذه الهمة وهذه الإرادة وهذه الرغبة في الوحدة التي يريدها كل الناس؟
الشعوب تتوحد على رموزها الدينية والثقافية من المغرب إلى إندونيسيا
عندما نجلس مع كل الشعوب في كل أمر - تاكسي في المغرب، مثلما تركب تاكسي في الأردن وتتحدث مع السائق - يقول لك: نريد أن نتوحد، فما هذه القصة؟
يعني الناس يتوحدون على من يتصلون بهم. فمثلًا، إذا تحدثوا عن الشيخ الشعراوي، تجد أن الشيخ الشعراوي هذا يستمعون إليه من المغرب حتى إندونيسيا. وكذلك أم كلثوم وعبد الوهاب.
يعني أريد أن أقول لك إنه أي شخص يتصل بـالشيخ رفعت مثلًا، لا مشكلة في ذلك. أنا أمثلتي دينية بعض الشيء وأنت أمثلتك في الفن والأشياء التي مثل هذه. لا مشكلة في ذلك. لا، هذا جميل يعني في كل مناحي الحياة، أي لا مشكلة. يعني أقول لك أنا أتركها لك، مع أنك أنت من أكبر المستمعين يعني لأم كلثوم وعبد الوهاب يعني. لا بأس، سأتركها لك.
الاتصال الروحي بين الشعوب وعوامل الوحدة أكبر من عوامل الفرقة
سنتناول هذا الأمر لاحقًا. سنجعل الحوار مستمرًا وسنقول هكذا: انظر عندما - يعني انظر - الناس في الشرق والغرب، هل يوجد أحد يكره الشيخ رفعت؟ بالطبع لا، لا أحد. أجمل صوت أذان، ليس مجرد موهبة، إنه شيء فوق الطاقة، ومقرئ رائع.
إذن هناك اتصال يا أخي بين الناس وهناك وحدة. والسبب بسيط، كنا نتلقاه ونحن صغار في مادة اسمها التربية الوطنية والتربية القومية. يقولون لك ما هي: وحدة الآلام، وحدة الآمال، وحدة اللغة، وحدة الهدف.
ما هذا؟ ما معنى وحدة وحدة؟ نعم، نحن هكذا فعلًا. وحدة الأرض، وحدة. ويقول لديك خمس أو ست أو ثمان وحدات هكذا، أي أننا في وحدة ولسنا في فرقة.
استشراف مستقبل الأمة وأن عوامل الوحدة حتمية من عند الله
ولذلك لديّ أمل كبير وأستشرف الغيب أن هذه الأمة مهما طال بها الزمن في قضية الفرقة، فإن عوامل وحدتها أكبر بكثير من عوامل فرقتها؛ لأن عوامل الوحدة هي عوامل مؤكدة وحتمية ومن عند الله.
نعم، مَن الذي أعطانا الأرض، ومَن الذي أعطانا الناس، ومَن الذي أعطانا شيئًا من عند الله؟ لا توجد بيننا فواصل حقيقية. نعم.
والباقي افتعالي. نعم، افتعالي يعني من فعلنا، وافتعالي يعني قابل للزوال، وافتعالي يعني أنه ليس عقبة لا تزول، وليس عقبة لا يمكن السيطرة عليها أبدًا.
الدعوة إلى الاقتناع والهمة والصبر للخروج من حالة الفرقة
هذا الكلام إذا أخذنا الأمر بعين الاعتبار مرجعه إلى الاقتناع والهمة، والاقتناع والهمة.
ندعو الله سبحانه وتعالى بدعواتنا وبـالثقافة السائدة وبعدم اليأس وبطول البال والصبر على هذه الحالة أن نخرج منها إلى أحسن حال بإذن الله، بإذن الله.
[المذيع]: فضيلة المفتي، أنا أشكر حضرتك، وعلى وعد باستمرار الحوار غدًا بإذن الله تعالى.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: أعزائي المشاهدين، نستكمل مع فضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة الحوار غدًا من خلال الإسلام كتاب مفتوح. إلى اللقاء.
