الحكم العطائية | من 221 - 230 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

الحكم العطائية | من 221 - 230 | أ.د علي جمعة

33 دقيقة
  • السالك في طريق الله يسير إليه بالذكر والتربية والخلوة، فالذكر أصله قوله تعالى "فاذكروني"، والتربية أصلها الحمد لله رب العالمين.
  • الخلوة أساسها اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم وتعبده في غار حراء، ومن خلالها يقطع العبد علائقه مع الدنيا ليتوجه بقلبه إلى الله.
  • يحذر السالك من التعلق بالواردات وهي إلهامات وصفاء في النفس يتبعها معانٍ حسنة أو دعاء أو ذكر.
  • لا ينبغي للسالك أن يطلب بقاء الواردات بعد أن بسطت أنوارها وأودعت أسرارها، فله في الله غنى عن كل شيء.
  • تعلق القلب بالواردات دليل على عدم وجدان الله، واشتياق السالك لها عند فقدانها دليل على عدم اتصاله بالله.
  • ينبغي أن يدرب السالك نفسه على عدم التعلق بالواردات وألا يستوحش شيئاً ليصل إلى الله ولا يبقى في قلبه سواه.
  • النعيم الحقيقي هو بشهود الله واقترابه، وسبب العذاب هو وجود الحجاب.
محتويات الفيديو(41 أقسام)

دعاء افتتاحي بطلب المغفرة والهداية وصلاح الحال

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ذنوبنا ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا، واهدنا واهدِ بنا وأصلح حالنا، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

نوِّر قلوبنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسِّر أمورنا، واجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا وتفرُّقنا من بعده تفرُّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا، وكن لنا ولا تكن علينا.

اللهم وحِّد كلمة المسلمين وأيِّد بتأييدك كلمة الحق والدين، وألِّف بين قلوب المؤمنين، وأعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، اللهم ارزقنا تقواك.

دعاء بأن يكون القرآن ربيع القلوب والاستعاذة من العجز والكسل

اللهم يا أرحم الراحمين اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همِّنا وحزننا، واجعله حجةً لنا ولا تجعله حجةً علينا. علِّمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا، وأقمنا بالحق وأقم الحق بنا.

اللهم نعوذ بك من العجز والكسل، اللهم نعوذ بك من الخطأ والخطيئة، اللهم نعوذ بعفوك من عقوبتك وبرضاك من سخطك، وبك منك، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

حكمة ابن عطاء الله في عدم طلب بقاء الواردات بعد بسط أنوارها

قال [ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:

«لا تطلبنَّ بقاء الواردات بعد أن بسطت أنوارها وأودعت أسرارها، فلك في الله غنًى عن كل شيء وليس يغنيك عنه شيء.»

السالك في طريق الله يسلك إليه سبحانه وتعالى بثلاثة أسس: الذكر، والتربية، والخلوة.

أصل الذكر في القرآن الكريم وأدلته من الآيات القرآنية

الذكر أصله من كتاب الله تعالى:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

أصل التربية من اسم الرب وأحاديث مكارم الأخلاق

أما أصل التربية فمن قوله تعالى:

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]

لأنه سبحانه يربِّي عباده. والتربية يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال النبي ﷺ: «إنما بُعثتُ لأتمِّم مكارم الأخلاق»

ويقول:

«يا معاذ، عليك بحسن الخُلُق»

وروى الحسن عن أبي الحسن عن جدِّ الحسن صلى الله عليه وآله وسلم قال:

«أحسن الأشياء الخُلُق الحسن»

وهو يُسمَّى المسلسل بالحسن؛ لأن في إسناده: قال حدَّثنا شيخنا وكان صوته حسنًا، حدَّثنا شيخنا وكان ثوبه حسنًا، حدَّثنا شيخنا وكان وجهه حسنًا. أي يُلتمس الحسن من أي جهة كانت في السند.

المسلسلات في الحديث وأخذها في مكارم الأخلاق وإن كان فيها ضعف

مسلسل [في علم الحديث]: قُل ما على وصفٍ أتى، مثل: أما والله أنبئني الفتى، كذاك قد حدَّثنيه قائمًا، أو بعد أن حدَّثني تبسَّمَا.

هذه المسلسلات حتى ولو كان في سندها ضعف، إلا أنها يُؤخذ بها في مكارم الأخلاق، كشأن حديث الحسن هذا: «أحسن الحسن الخُلُق الحسن».

فالأخلاق الحسنة منصوص عليها في القرآن الكريم:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [البقرة: 83]

أي أن القول بالحسنى يكون قبل الصلاة [في ترتيب الآية]؛ فالتربية أساس من أسس طريق الله.

أصل الخلوة من تعبد النبي في غار حراء ومشروعية الاعتكاف

والخلوة أساسها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعبَّد الليالي ذوات العدد في غار حراء؛ فأخذوا منها الخلوة. وأصل ذلك أيضًا الاعتكاف؛ فالله سبحانه وتعالى شرع أن نعتكف في البيت الحرام وفي مساجده، خاصةً في العشر الأواخر من رمضان.

إلا أن الاعتكاف مشروع ومطلوب في سائر السنة، ومنه الخلوة؛ حتى يقطع أو يساعد ذلك العبدَ على أن يقطع العلائق مع الدنيا ويتوجَّه بقلبه إلى الله، فيملأ قلبه إيمانًا ونورًا، ثم يعود لعمارة الدنيا ومخالطة الناس بعد ذلك على ما أراد الله.

مجالس الذكر وحديث أُبيّ في الصلاة على النبي ورياض الجنة

فالذكر والتربية والخلوة هي أساس الطريق. عندما يذكر الإنسان ويذكر الله كثيرًا ويجلس في مجالس الذكر — والنبي صلى الله عليه وسلم أكَّد على مجالس الذكر — حتى أن أُبيًّا [بن كعب] كان له مجلس للذكر، فجاءه [النبي ﷺ] وقال له:

يا رسول الله، أجعل لك ثلث مجلسي أم أجعل لك نصف مجلسي أم أجعل لك مجلسي كله؟ قال [النبي ﷺ]:

«إذن كُفيتَ ووُقيت»

يعني [جعل مجلسه كله] في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فكانوا يجلسون للذكر فرادى وجماعات.

ومرَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقال:

«إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: «حِلَق الذكر»

رطوبة اللسان بذكر الله وتشبيهها بخلوف فم الصائم ودم الشهيد

إذن المسلم إذا ذكر ربه وأكثر من الذكر فإن لسانه يجفُّ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك الجفاف:

«لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

يعني الجفاف هذا جفاف في الظاهر فقط، لكن حقيقته عند ربك أنه من الرطوبة. كخلوف فم الصائم:

«أحبُّ عند الله من ريح المسك»

هو الخلوف رائحته كريهة، لكنه عند الله هو أطيب من ريح المسك.

ودم الشهيد أحبُّ عند الله من ريح المسك؛ الدم يتغيَّر ورائحته تتغيَّر وتصبح كريهة، لكن هذا كريه في أنوفكم فقط. لكن عند الله هذا الذي جاد بنفسه في سبيل الله هو في الجنة، ليس بينه وبين الجنة إلا خروج الروح.

الفرق بين الظاهر والحقيقة وموقف الإمام الشافعي من السواك بعد الزوال للصائم

إذن في ظاهر [الأمر] وفي حقيقة عند الله: هذه الحقيقة أن لسانك إذا جفَّ فهو رطوبة [عند الله]. إذن هل تزيل هذه الرطوبة ولا تبقيها؟

فالإمام الشافعي يقول لك: أن تبقيها؛ فلا تتسوَّك بعد الزوال وأنت صائم. عند الشافعية هكذا مكروه أن تزيل ذلك الخَلوف — أو الخُلوف، لغتان — بالسواك.

هكذا هو، لماذا؟ قال: لأنه من ريح المسك؛ كأنك إذا أبقيته أبقيت ما هو حبيب عند الله أكثر من ريح المسك.

قياس أهل الله جفاف الحلق بعد الذكر على خلوف الصائم والفرق بين الحديث وفهمه

كذلك قال أهل الله في الريق الناشف بعد الذكر: انتظر قليلًا ولا تشرب لمدة ثلث ساعة.

يأتي إليك أحد من الإخوة يقول لك: من أين جئت بهذا وما دليلك؟ وما هذا؟ حتى يقول لك: من أين هذا الحديث وأين دليلك؟ دليلي هنا، افهم الكلام.

فهناك فرق بين — لقد قاله له — نحن الأطباء وأنتم الصيادلة؛ يعني أنت ائتني بالحديث فقط وأنا أفهمه. هناك فرق بين الحديث وبين فهمه وما يترتب عليه.

انظر كيف فهم سيدنا الإمام الشافعي [هذا المعنى]؛ فهذا هو السلف الصالح.

كل الخير في اتباع السلف وكيف أبقى أهل الله جفاف الحلق بعد الذكر

كل الخير في اتباع من سلف، والشر كل الشر في ابتداع من خلف. وليت هذا الخلف ابتدع! هذا جهل أيضًا ليس ابتداعًا فحسب.

يفكِّر كيف الإمام الشافعي أبقى الخلوف [للصائم]، ويفكِّر كيف أهل الله أبقوا جفاف الحلق [بعد الذكر]. هذا لماذا؟

«لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

يقول له: حاضر يا سيدنا رسول الله، لا يزال لساني [رطبًا بذكر الله]. كم من الوقت؟ سنأخذ ثلث ساعة أخرى [بعد الذكر].

اتباع العابدين الأتقياء الذين يسيرون على سنة رسول الله حذو القذة بالقذة

قوم عندما فعلنا ذلك أطعنا الناس المجرِّبين العابدين الأتقياء الأنقياء، الذين يسيرون وراء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حذو القذَّة بالقذَّة، لا يحيدون عنها قيد أنملة.

قوم وجدنا أنفسنا جاءت واردات. ماذا حدث إذن؟ جاءت واردات. ما هي الواردات هذه؟ حاجة كالإلهامات؛ صفاء في النفس يتبعه واردات: عبارة حسنة، دعاء، ذكر، اسم من أسماء الله تعالى لم تكن منتبهًا إليه.

بيان معنى الواردات وأنها قد تكون اسمًا من أسماء الله أو معنى لطيفًا

هو [الوارد يكون] في اسم من أسماء الله تعالى ما الإنسان يكون غير منتبه إليه. آه!

«اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك أنزلته في كتابك أو علَّمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك»

يبقى فيه: «أم علَّمته أحدًا من خلقك»؛ في [هذا الدعاء] فيأتي اسم كذلك تذكر به الله، أو معنى اسم أنت لم نكن منتبهين [إليه]. يا واسع! لم نكن منتبهين. يا واسع يعني ماذا؟ فجاء لك معنى حلو هكذا. هذه الواردات.

خطورة تعلق القلب بالواردات بدلًا من التعلق بالله وحده

هذه الواردات عندما تجرِّبها تستلذُّها، تقول: والله هذه حاجة حلوة صافية لطيفة موافقة للشريعة منوِّرة للقلب. فتبدأ نفسك المسكينة تتعلَّق بالواردات، ونحن لا نريد ذلك.

نحن نريد أن يكون قلبك معلَّقًا بالله وليس بالواردات. الواردات هذه ما هي؟ الجائزة، الثمرة الخاصة بالذكر.

تذكر وعينك على الوارد، وقلبك ابتدأ يتعلَّق بالوارد لأنه أصله حلو جدًّا لذيذ جدًّا. تريد من هذا مثل الأطفال؛ فأنت لو تأمَّلت في نفسك تجدك في داخلك طفل: أنا أريد من هذا!

النفس كالطفل إن تهمله شبّ على حب الرضاع وتحذير من اتباع النفس والشيطان

ولذلك أهل الله يقولون ماذا؟ لم يبلغ مبلغ الرجال من [لا يزال يتعلَّق بالواردات]. هذا رجل عنده سبعون سنة تقول عليه لم يبلغ مبلغ الرجال! كيف؟ الرجال الذي يعني ليس طفلًا [في سلوكه الروحي].

والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على حبِّ الرضاع، وإن تفطمه ينفطم. فحاذر النفس والشيطان واعصِهما، وإن هما محَّضاك النصح فاتَّهم، ولا تطع منهما خصمًا ولا حكمًا، فأنت تعلم كيد الخصم والحكم.

إذن النفس بداخلنا كالطفل؛ يتعلَّق قلبك بماذا؟ بالوارد. لا أريدك هكذا! دع عنك هذا الأمر وتعلَّق بذكر الله، وحرِّر قلبك لذكر الله؛ فإن الله هو هو.

معنى الضمير هو في النحو وعلاقته بمعرفة الله وسورة الإخلاص

بعض الناس أيضًا يقولون لي: لا أعرف ماذا يعني «هو»؟ لا أعرف كيف [أفهمها].

انظر إلى النحاة؛ العلماء قالوا عن الضمير ماذا؟ أعرف المعارف. ها! الضمير في النحو يقولون ماذا؟ أعرف المعارف.

عندما تقول «هو» فيكون: من هو؟ الله. انظر إلى الجمال:

﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]

التحذير من تعلق القلب بالوارد والتنبيه على أن الذكر يكون لله لا لغرض

إذن وأنت سائر هكذا [في طريق الله] بدأ قلبك يتعلَّق بهذا الوارد. أجيد أم سيِّئ؟ سيِّئ. وإن كانت نفسك تقول: هذا شيء جميل، هذه لذَّة أنا أريد هذه اللذَّة.

بدأنا ننحرف ونذكر لغرض [الحصول على الوارد]، والذي يحبُّ يذكر لغير غرض؛ لأنه [الله] مستحقٌّ سبحانه لكل العبادة.

«لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»

انظر إلى الكلام النبوي الجميل: قال له [النبي ﷺ لربه]: أنا عاجز عن شكرك، لست قادرًا على الشكر. أشكر على ماذا؟ فلو شكرتُ فسأحتاج إلى الشكر لأنني شكرت، ولن ننتهي! فأنت اشكر نفسك. ما لي ولهذا العجز! ولكنه عجز محمود [وليس] مقدوحًا، محمود.

قطع الواردات كعلامة على الترقي الروحي والفرق بين الطفل والرجل في ذلك

فلمَّا الرجل [المربِّي] هنا ينصحك فيقول لك: احذر! انتبه! وأنت تتعبَّد ستأتيك واردات ستستلذُّ بها.

من ضمن الترقِّي: لمَّا الله يحبُّ أن يرقِّيك يقطع الوارد عنك ليرى هل ستتضايق أم ستستمر؟

الطفل الصغير يتضايق ويبكي لأنه لم يُعطَ الشوكولاتة الخاصة به. الرجل الكبير يفهم أنه نعم، هذا ترقٍّ؛ فيذكر الله كعادته ما دام لا يقطع، ويذكر الله لا لغرض الوارد.

قصة الشيخ الذي لم يرَ رؤيا منذ أربعين سنة كدليل على الترقي الروحي

كان مشايخنا يخبروننا بأشياء نفهمها بعد ذلك. يقول لك: هذا [الشيخ] أنا لم أرَ رؤية منذ أربعين سنة! منذ أربعين سنة لم يرَ رؤى؛ يعني لم يأته وارد ولا إلهام ولا أي شيء.

لماذا؟ يبقى ربنا رقَّاه؛ ليس يحتاجها [بعد ذلك].

مفهوم القطب الغوث وأنه أفضل واحد في الأمة وامتناع الكرامات عنه عند الترقي

قالوا: القطب الغوث الذي هو أحسن واحد في الدنيا. القطب الغوث هذا من؟ هذا ليس خيالًا. لو أن الستة مليارات من البشر وقفوا أمام ربنا، أحسن واحد فيهم من هو؟ هذا الذي يُسمَّى قطب الغوث.

شخص الله راضٍ عنه، شخص أحسن واحد في الستة مليارات، رقم واحد طبعًا. كلما سيموت وسيصبح في القائمة واحدًا، والذي يأتي بعده، هكذا هي الحال. فلا بدَّ من وجود أفضل واحد.

فهذا القطب قال لك: إذا ترقَّى القطب إلى القطبانية امتنعت عنه الكرامات. لم تعد تظهر كرامات ولا شيء، مثل إنسان عادي هكذا.

صفة الولي الحقيقي الذي لا يدّعي علم الغيب وينسب كل شيء لله

هو منَّا، ذهب وعاد. ذهب إلى البحر ورأى الشاطئ الآخر فيه وعاد كما هو، فبقي واقفًا معنا.

واحد يأتي ليقول له [شيئًا] فيقول: الله يحفظك، أنا أفكِّر في ماذا؟ فيقول له: لا أعرف، فأنا مثلكم هكذا.

وآخر يقول: فماذا حدث لي أمس؟ والله! هل أنا حاوٍ؟ هل أنا ساحر؟ هل أنا أعمل ثلاث حارجة ثلاثة دارجة؟!

الناس تريد واحدًا حاويًا، تريد شيخًا حاويًا يقول له: نعم يعني ماذا، قل لي هكذا ما عليها. أنا فقط فاهم أنك تعرف كل شيء. لا! لست تعرف شيئًا. أنا مثلك، أنا مثلي مثلك هكذا، عبد ضعيف.

الكشف توفيق من الله وليس من الولي والولي الحقيقي ينسب الفضل لله

كيف بالأمس كشفتني؟ [يسأل المريد شيخه]. وقلت: هذا توفيق من الله ليس مني. هذا أنا أقول شيئًا فربنا أرسلها إليك وليس أنا، ولا أعرف ما في ذهنك ولا أعرف أي شيء. إنه [الله] أرسلها إليك ليعلِّمك، فأنا لا شأن لي بشيء.

فيقول لك: القطب إذا وصل إلى القطبانية امتنعت عنه الكرامات. فهذه الكرامات إذن من يراها؟ الأطفال الصغار ذوو الثلاث ساغ [أي الأولياء المبتدئون]، أي الأولياء ذوو الثلاث ساغ في سوق الولاية.

الكرامات علامة أول السلم في ديوان الرجال واستحياء الأولياء منها

يعني طبعًا الولاية هذا أبو ثلاثة ساغ، هذا بثلاثة مليارات دولار! آه، هذا شيء آخر. وليٌّ بقي، لكن الولي هذا الذي يرى الكرامات هذا عندنا في الأمر هذا هو في ديوان الرجال لا يزال أول السُّلَّم.

قالوا: كنَّا نستحيي من الكرامة كاستحياء البكر من دم حيضها. حدث كشف له فقال: اللهم استر عني!

افترض أنك فتحت النافذة ووجدت ابنة الجيران عارية. إذا كنت فاسقًا فستبقى تتفرَّج، وإذا كنت تقيًّا فماذا ستفعل؟ ستغضُّ بصرك وتغلق النافذة وتقول: أستغفر الله.

غض البصر عن الكشف كغض البصر عن المحرمات وفضل الابتلاء في البصر

هكذا غضُّوا من أبصارهم:

﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ﴾ [النور: 30]

حسنًا، هو كلما نقول غضُّوا من أبصارهم، الشيخ سيد يقول: الحمد لله. ماشي يا مولانا، نعلم أنك في نعمة ما بعدها نعمة. اللهم متِّعنا بأبصارنا.

الشيخ سيد مجاهد [رحمه الله]، أنا لا شأن لي. طيب.

قال النبي ﷺ: «واجعل حبيبتيه قرَّة عين له في الجنة، من ابتلاه الله في حبيبتيه [عينيه] فصبر دخل الجنة»

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأغلق النافذة ولا تنظر إلى الناس.

موقف الولي الحقيقي من الكشف وبكاؤه واستغفاره وتعلق قلبه بالله دون عورات الناس

كذلك الكشف: أنا ربي كشف لي أنك فعلت وفعلت. لو كنت أنا تقيًّا حقًّا أقول له: يا رب أنا ما لي! أنا ما لي! أنا أغلق [هذا الباب].

ويبكي الولي من هؤلاء، لا يقول: نعم ما أنا كشفتك! ها هو، ما هي لعبة؟! هذا ابتلاء.

قوم يدعون الله، هذا ينتهي نهائيًّا. نعم، هذا يكون هذا قلبه. انظر: قلبه معلَّق بالله في جميع الأحوال، في جميع الأحوال قلبه معلَّق بالله.

وما لي بعورات الناس! هو أفضل مني. أنت بهذا [الكشف] تُفتن. أنا أريد أن تفهمني أنني أفضل منه؟ أبدًا! هذا هو أفضل مني أيضًا.

تحذير الشيطان من الاغترار بالكشف وضرورة إغلاق باب الفتنة

يقول الشيطان يقول: أفضل منك! كيف تعني؟ أنت تقول إن هذه المعصية [التي كُشفت لك] لن تكون معصية [بل] ستدخلني في مشاكل. فالأفضل أن أغلق النافذة.

وهكذا فالرجل [ابن عطاء الله] هنا ينبِّهنا رضي الله عنه عن هذه الأشياء، فيقول ماذا؟ لا تطلبنَّ بقاء الواردات. قلبك لا يتعلَّق بالوارد.

شرح الحكمة: لا تطلب بقاء الواردات بعد بسط أنوارها وإيداع أسرارها

بعد أن بسطت أنوارها: أليس أنت ذقتها وأحسست حلاوتها ونورها دخل في قلبك بما فيه الكفاية؟ وأودعت أسرارها: وفهمت ما معنى الواردات وانتهى الأمر.

فلك في الله غنًى عن كل شيء. انظر إلى كلام هذا الرجل المجرِّب الذي يعيش [هذه المعاني]؛ لأنه يأتي لنا بالكلام الصحيح بطريقة سلسة وسهلة.

فلك في الله غنًى عن كل شيء، وليس يغنيك عنه شيء. لا واردات ولا إشارات.

رؤيا الجنيد بعد وفاته وأن العمل الباقي هو الركعات لا الإشارات والعبارات

ولذلك سيدنا الجنيد يقول لك: رُئي في المنام بعد وفاته، فقال له الرائي: ما فعل الله بك؟ قال ماذا يا شيخ محمد؟

ذهبت الإشارات وضلَّت العبارات، وبقيت ركعات كنَّا نقوم بها في الليل.

يعني كل الأشياء — الجوائز والثمار — هذه ذهبت؛ إنها جائزة ستبقى في ميزانك. كيف هذا؟ بالعكس! هذه تبقى عليك [في الميزان]. أما العمل فبقي على ما عليه: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الباقي. وبقيت تلك الركعات التي كنَّا نقوم بها في جوف الليل، وكله [ما سواها] ذهب.

تعلق القلب بالواردات دليل على عدم الوصول إلى الله والحجاب عنه

قال رضي الله تعالى عنه: تطلُّعك إلى بقاء غيره — كون أن قلبك يريد الواردات تستمر — دليل على عدم وجدانك له. أنت إذن لم تجد ربك بعد، ولم تفهم أن بينك وبينه حجابًا. أنت محجوب.

واشتياقك لفقدان ما سواه: لو الواردات ذهبت تشتاق إليها، لو كنت أنت قلبك مملوء بالله ما اشتقت إلى شيء. تصبح عائشًا تملأ في معيَّته، ومعيَّة الله شيء آخر.

واشتياقك لفقدان ما سواه دليل على عدم اتصالك [بالله].

تدريب النفس على عدم التعلق بالواردات للوصول إلى الله وحده

عندما أدرِّب نفسي على ألَّا أتعلَّق بالواردات — وهذا أمر صعب أيضًا يستغرق وقتًا — وأن لا أستوحش شيئًا، فهذا يدرِّبني على أن أصل إلى الله ولا يبقى في قلبي إلا هو.

والنعيم وإن تنوَّعت مظاهره إنما هو بشهوده واقترابه [سبحانه]؛ بشهود ربنا واقترابه إلينا. يبقى هو أقرب إلينا من حبل الوريد.

قال النبي ﷺ: «أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد»

فيبقى القرب هنا: قرب مكان أم قرب وصال؟ لا، القرب وصال وليس قرب مكان؛ لأن الله سبحانه وتعالى منزَّه عن المكان، منزَّه عن الزمان؛ لأنه هو الذي خلق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان.

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]

سبب العذاب وجود الحجاب وإتمام النعيم بالنظر إلى وجه الله الكريم

تنوَّعت مظاهره [النعيم]، إنما هو بوجود حجابه؛ فسبب العذاب وجود الحجاب، وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهه الكريم.

اللهم متِّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنة الخلد يا أرحم الراحمين.

قال النبي ﷺ: «هل تُضارُّون في رؤية البدر ليلة التمام؟ إنكم ترون ربكم يوم القيامة هكذا»

يعني رؤية واضحة:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]

هموم القلوب سببها عدم مشاهدة الحضرة القدسية والفرق بين الهم والهمة

ما تجده القلوب من الهموم والأحزان فلأجل ما مُنعت من وجود العيان. يبقى ما شاهدت الحضرة القدسية، وما دام لم تشهد الحضرة القدسية بعين بصيرتك فتجده [القلب] مملوءًا بالهموم والغموم والتعب.

إذا شاهدت الحضرة القدسية ولا شيء يحدث [في الظاهر]، الذي يحدث: لا تنقلب الدنيا على من فيها. ليس تبلُّدًا! هناك أناس أيضًا بلداء تنقلب الدنيا على من فيها وهم بلداء. هذا ليس تقوى على الإطلاق. هذا كأن يقول لك: وأنا ما شأني! خطأ! كيف قال ما تحترق؟ هذا بليد هذا، أغلق باب الله وباب الناس.

لا! نحن نريد أن تفتح باب الله وترى الله، وتُحدث هذه الرؤية في قلبك همَّة، لكن لا يحدث لك همّ.

الفرق بين الهم والهمة وأن الهمم توصل إلى القمم والهموم توصل إلى الغموم

انظر إلى الفرق بين الهمِّ والهمَّة: الهمُّ جمعها هموم، أي أحزان وكآبة. والهمَّة [جمعها] همم مثل قمم.

انظر كيف أن الهمم توصلك إلى القمم، لكن الهموم توصلك إلى الغموم. فالهموم والغموم شيء واحد.

أي قلِّل ما تفرح به؛ لا تفرح كثيرًا جدًّا هكذا بالأشياء والأشخاص والأحداث [التي تشغلك] ولاه عن ذكر الله. ما هو كله هذه حُجُب!

يقلُّ ما تحزن عليه. اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا؛ فإنه لمَّا يجعلها في قلوبنا وفُقدت منَّا [نكون] في داهية ولا يحصل شيء [من الخير]. لا يفرح بالموجود ولا يحزن على المفقود.

من تمام النعمة أن يرزقك الله ما يكفيك ويمنعك ما يطغيك

قال رضي الله تعالى عنه: من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك ويمنعك ما يطغيك. يبقى كفافًا هكذا لكي لا تحزن على شيء.

على الحاجة جرِّبها مع نفسك هكذا وقل: حسنًا يا فتى، أنا الآن امتلكت ثلاثة مليارات دولار، ماذا أفعل بها؟ ستسهر طوال الليل تفكِّر ماذا تفعل بها! وأنت ليس معك ثلاثة قروش والحمد لله.

قصة الرجل الذي لم يملك إلا عنزة وسهولة حسابه يوم القيامة

مثل الرجل الذي جاء يسألونه يوم القيامة — يقول لك في الروايات هكذا الإسرائيليات أو الخرافات — صنعوا صاجة كبيرة هكذا ووقفوا، كل واحد يحاسبونه على الأشياء التي يملكها في الدنيا، والصاجة هذه تحتها شعلة نار لكي تبقى ملتهبة.

فالذي يملك طبعًا ثلاثة مليارات هذا سيجلس كثيرًا في التحقيقات: من أين جئت بهذه العمارة؟ وهذه الضيعة من أين؟ والسيارة هذه من أين؟ والأشياء هذه من أين؟ وهو يجيب يرفع رجله وهكذا يتألَّم.

فواحد خرج، قالوا له: ماذا كان عندك؟ قال: عنزة وماتت! عنزة وماتت! يعني اختصر. فيقول لك إنه يعني قلَّة الموجود لا تغضب منه كثيرًا.

الفقراء يضحكون من قلوبهم والأغنياء يحزنون على ما سيتركونه

نعم يبقى إذن نعم. انظر: الفقراء يضحكون من قلوبهم، والأغنياء يقول لك: الله! كل هذا سأتركه أيضًا، لا توجد فائدة.

إن أردت أن لا تُعزل فلا تتولَّ ولاية لا تدوم لك. يبقى عندما يولِّيك ربنا منصبًا تبقى تحسب حسابك أنك ستُعزل من المنصب. لو دام لغيرك ما وصل إليك.

قصة الشيخ الشعراوي حين وضع مكتبه بجانب الباب استعدادًا للرحيل عن الوزارة

عندما تولَّى الشيخ الشعراوي رضي الله عنه الوزارة، فأحضر المكتب ووضعه بجانب ماذا؟ بجانب الباب!

فيقولون له: لماذا؟ قال: فقط لأنه عندما أمشي أكون قريبًا، أخرج مباشرة هكذا. هل أنا سأمشي كل هذا؟ هو من الباب حتى هنا! هاته هنا يا مولانا.

هذا باب الوزراء جميعهم منذ أول ما جاء حتى [الآن]، ما قال أبدًا [أحدهم]: دعوني فقط هنا بجانب الباب، لكي الذي يؤذيني ولا يحدث شيء، آخذ نفسي وأذهب من هنا دون أن ينتبه أحد.

الرغبة في البدايات تزهدك في النهايات والواردات والكرامات مرحلة مؤقتة

نعم، إن رغبتك في البدايات زهَّدتك في النهايات. فهو في البداية الواردات تأتي إليك فترغِّبك، والكرامات تعمل فترغِّبك.

وبعد ذلك عندما تعرف الحقيقة وأن هذه الأشياء كلها زائلة، وأن الأمر إنما هو لله، فيها قلت له: أنا ماذا أعمل بها؟ كل هذا شاغل! هذا ربنا يكون في عوني.

إن دعاك إليها ظاهر، نهاك عنها باطن. اللذَّة الخاصة بالواردات والكرامات تدعوك في الظاهر، والفهم الصحيح للقضية أنه لا يبقى إلا وجه الله:

﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26]

إلا أن تفهم هكذا وتفهم أن الله هو الأساس والأصل لكل شيء، فيكون ذلك هو الباطن وهو الحقيقة. ولذلك ستزهد في كل هذه المظاهر.

الدنيا محل للأغيار ومعدن للأكدار لا تدوم على حال

إنما جعلها محلًّا للأغيار. إذ يقول: جعلها [أي الدنيا]، فتكون الدنيا يعني جعلها. من هذه؟ جعلها أي جعلها يعني الدنيا التي نحن فيها محلًّا للأغيار.

الأغيار على وزن غبار، والأشياء المتغيِّرة تتغيَّر وتتقلَّب. والأشياء ما سوى الله — لأن ما سوى الله هالك — تبقى الأشياء هالكة، لها بداية ولها نهاية، لا تدوم على حال.

ومعدن للأكدار: يموت واحد عزيز علينا نبكي، وأحيانًا يصرخون، وأحيانًا يلطمون. وفعلًا مصيبة! يأتيني واحد يقول لي: هذا وعدني أنه سيعطيني، ما [الفائدة] لقد مات! وأخذ ما وعدني به من الميراث. لا بالطبع لا، لقد مات فأصابتكم مصيبة الموت.

الابتلاء بالمصائب لتزهيد العبد في الدنيا لأنه لا يقبل النصح المجرد

علم [الله] أنك لا تقبل النصح تزهيدًا لك فيها؛ أي لكي تزهدوا في الدنيا وتعلموا أنها ليست محلًّا للاستقرار بل هي للأغيار، وأنها ليست محلًّا للأنوار بل هي للأكدار.

علم أنك لا تقبل النصح المجرَّد؛ عندما يجلس لينصحك مجرَّد ذلك تقتنع من هنا وتخرج لتعمل أيضًا الشيء المعكوس الذي تفعله.

فذوقُك من ذواقها ما يسهِّل عليك وجود فراقها. فجاء وابتلاك ببعض المصائب هكذا لكي تتعلَّم، لكي تتأدَّب؛ لأنك لن تشتغل بعقلك على الدوام.

أين المثال؟ تُقرص قليلًا في المال، تُقرص قليلًا في الحياة، تُقرص قليلًا في [أمور أخرى]. قوم تزهد فيها، تملُّ منها، تقول: أفٍّ! ولكن ليس للوالدين، وإنما أفٍّ هنا للدنيا.