إشراق القلب | الحكم العطائية | حـ13 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

إشراق القلب | الحكم العطائية | حـ13 | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • الوصول إلى الله يعني أن يكون الله حاضراً في حياتنا، وأن نربط كل سلوكنا وأفعالنا به سبحانه وتعالى.
  • مراحل الوصول إلى الله أربع كما حددها ابن عطاء الله: إشراق القلب، والرحيل إلى الحضرة، والدخول إلى الحضرة، والتهيؤ لمعرفة دقائق الأسرار.
  • إشراق القلب يتحقق بتنقية مرآة القلب من صور الأكوان، وجعل الدنيا في اليد لا في القلب، فلا نفرح بالموجود ولا نحزن على المفقود.
  • الرحيل إلى الحضرة يكون بمقاومة الشهوات عبر الذكر والصلاة والصوم والصدقة وقراءة القرآن.
  • الدخول إلى الحضرة يتطلب اليقظة والتطهر من الغفلات التي تحجب العبد عن ربه.
  • التهيؤ لمعرفة دقائق الأسرار يستلزم التوبة من الهفوات لفهم مراد الله من كتابه وخلقه.
  • بهذه المراحل يثبت الإيمان في القلب ويزداد العبد قرباً من الله سبحانه وتعالى.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

معنى الوصول إلى الله وحضوره سبحانه في حياة المسلم

الله هو مقصود الكل حالًا ومآلًا، فأريد أن أسعى إلى الله، أن أسير في سبيل الله، وسبيل الله أي طريق الله. فكيف أكون كذلك؟ وكيف أصل إلى الله؟

وكلمة «أصل إلى الله» بعضهم يسأل عنها، يعني ماذا تقصد بالوصول إلى الله؟ أن يكون الله حاضرًا في حياتي، هذا معنى الوصول؛ أن أربط كل سلوكي بالإقدام والإحجام، بالفعل وبالترك، أربطه بالله سبحانه وتعالى، هذا معنى الوصول إلى الله.

وهذا يستلزم أن أذكر الله في كل وقت وحين، في كل نفس خارج ونفس داخل.

الوصول إلى الله يحتاج إلى يقظة دائمة وذكر مستمر

إذن هذا [الوصول إلى الله] يحتاج مني إلى عدم الغفلة وإلى يقظة قد لا يجدها كثير منا في نفسه؛ أن يكون هكذا مع الله ويذكر الله في كل لحظة، وفي كل نفس داخل وخارج منه، وفي كل حال من الأحوال.

فهذا هو معنى الوصول إلى الله سبحانه وتعالى؛ أن نصل إلى هذه الحالة، وهو أن يكون الله سبحانه وتعالى أمامنا، نعبده كأننا نراه وكأننا في حضرته سبحانه وتعالى.

الأسئلة الاستنكارية التي يرسم بها ابن عطاء الله الطريق إلى الله

فيقول [ابن عطاء الله السكندري] وهو يرسم الطريق إلى ذلك [الوصول إلى الله] أسئلة، وهذه الأسئلة نسميها في اللغة العربية أسئلة استنكارية. والسؤال الاستنكاري في قوة النفي، يعني كأنه ينهانا وينفي هذا الأمر الذي يستنكره، ولذلك سميت استنكارًا.

كيف يشرق قلبٌ صور الأكوان منطبعة في مرآته؟ بمعنى: لا يشرق قلبٌ صور الأكوان منطبعة في مرآته.

تشبيه القلب بالمرآة ومعنى انطباع صور الأكوان فيه

شبّه [ابن عطاء الله] القلب لأنه كالمرآة، وهذا الكون شغل هذه المرآة. المرآة أصبحت مشغولة بالصورة، فلا تتحمل أي صورة وراء هذا الكون الذي حجب كل ما وراءه.

إذا مرآة القلب إذا انطبعت فيها [صور الأكوان] وانطبعت فيها، الانطباع هنا معناه الالتصاق. ومن غريب اللغة العربية أن هذه المادة «طبع» فيها شيء من النقص والنجاسة؛ عندما تقول انطبع يعني تنجس، والتطبيع التنجيس.

كيف يشرق قلبٌ صور الأكوان منطبعة في مرآته؟ يعني لوثت مرآته وسدّتها، فأصبحت غير قابلة لتلقي أي صورة ثانية.

السؤال الثاني والثالث: الشهوات والغفلات حوائل بين العبد وربه

أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبّل بشهواته؟ وهذا السؤال الثاني: الشهوات مثل الحبل وهو مكبّل بها، يعني مربوط بها، وبعد ذلك قلنا له: امشِ! كيف يمشي؟ إنه يريد أن يسرع في طريق الله سبحانه وتعالى، ولكن الشهوات وقفت حائلًا بينه وبين الحركة.

أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته؟ الإنسان عندما يكون غير مغتسل وعليه جنابة فإنه لا يدخل المسجد ولا يستطيع أن يصلي، فكذلك الغفلات ونسيان ربنا سبحانه وتعالى يجعل الإنسان في حائل بينه وبين الله سبحانه وتعالى.

السؤال الرابع وخلاصة الأسئلة الاستنكارية الأربعة بمعنى النفي

أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب منها [من] فواته؟ أربع أسئلة كلها بمعنى النفي:

  1. لا يُشرق القلب الذي انطبعت في مرآته صور الأكوان.
  2. ولا يرحل إلى الله من كبّل نفسه بالشهوات.
  3. ولا يدخل حضرته سبحانه وتعالى وعليه جنابة الغفلات.
  4. ولا يرجو أن يفهم دقائق الأسرار عن الله ويفهم مراد الله سبحانه وتعالى وهو ليس تائبًا من الهفوات.

إذن هناك ما يمكن أن نرسم به الطريق المربّع على أربع مراحل، وهناك عوائق في كل مرحلة من المراحل.

المرحلة الأولى إشراق القلب بمحو صور الأكوان والدعاء بعدم التعلق بالدنيا

أنا أريد في المرحلة الأولى أن يشرق القلب، وذلك بمحو صور الأكوان منه. وهذا لا يتأتى إلا إذا دعونا الله سبحانه وتعالى أن يجعل الدنيا في أيدينا ولا يجعلها في قلوبنا، وهو من دعاء الصالحين: اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا.

وهذا عندهم بألا نفرح بالموجود ولا نحزن على المفقود. ندرّب أنفسنا، نربّي أنفسنا على أن الشيء إذا فُقد منا نقول:

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]

وأن الله إذا امتحننا بالعطاء وأفاض علينا من العطاء، حينئذٍ نشكر الله سبحانه وتعالى ولا نفرح فرحةً تلهينا عن شكر الله.

المرحلة الثانية الرحيل إلى الحضرة بمقاومة الشهوات بالعبادة والذكر

إشراق القلب هو المرحلة الأولى، والمرحلة الثانية الرحيل إلى الحضرة، وهذا يتأتى بمقاومة الشهوات. يا معشر الشباب:

قال رسول الله ﷺ: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء»

الشهوات نقاومها بذكر الله، بكثرة الصدقة، بكثرة الصلاة، بكثرة العبادة، بالتأمل والتدبر، بقراءة القرآن.

الشهوة لا تنتهي كما أن الأحوال القلبية لا تنتهي. ربنا قال:

﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]

إذن هناك غيظ وهناك غضب.

التعامل الصحيح مع الغضب والشهوات وحديث من عشق فعفّ

يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»

فأنا لا أريد أن أقضي على الغضب ولا الغيظ ولا كذا، إنما أريد أن أتعامل معه المعاملة الصحيحة.

ولذلك في الحديث وحسّنوه:

«من عشق فعفّ فكتم فمات، مات شهيدًا»

العشق جائز، ولكنه حكَمه بضوابط الشرع إلى أن حدث كمدٌ عنده فمات، فهو معدود له أجر الشهيد. لماذا؟ لأن هذا الشيء [من] الطبائع التي خلقها الله في القلب وهي الحب والعشق، لم تجعله يرتكب الحرام، وأمسك بنفسه وسيطر عليها، وخرج عن هذه الحالة.

المرحلة الثالثة والرابعة الدخول إلى الحضرة والتهيؤ لمعرفة دقائق الأسرار

إشراق القلب أولًا، ثم الرحيل إلى الحضرة، وثالثًا الدخول إلى الحضرة. والدخول إلى الحضرة يتطلب أن يكون الإنسان متيقظًا وبعيدًا عن الغفلات، وأن يغسل غفلاته هذه كما يغسل الجنابة التي تمنعه من الصلاة وتمنعه من دخول المسجد.

الرابعة: التهيؤ لمعرفة دقائق الأسرار حتى نفهم مراد الله سبحانه وتعالى. وفي دعاء الصالحين: اللهم فهّمنا مرادك من كتابك، اللهم فهّمنا مرادك من خلقك.

المراد أن أكون عند مراد الله سبحانه وتعالى، أريد أن أكون كذلك. فأول شيء هنا هو أنني أفهم مراد الله سبحانه وتعالى، ففي الاطلاع على دقائق الأسرار لا بد من أن يكون الإنسان مهيئًا لذلك.

خلاصة المراحل الأربع في حكمة ابن عطاء الله للوصول إلى الله

إذن هناك أربع مراحل يعالجها الشيخ ابن عطاء [الله السكندري] في هذه الحكمة:

  1. إشراق القلب بنفي صور الأكوان، فلا نفرح ولا نحزن على الموجود والمفقود.
  2. الرحيل إلى الحضرة بالتخلي عن الشهوات.
  3. الدخول في الحضرة بالتخلي عن الغفلات.
  4. التهيؤ للاطلاع على دقائق الأسرار.

وفي هذه الحالة نتهيأ لمعرفة مراد الله، فإذا بنا نزداد إيمانًا ويثبت الإيمان في قلوبنا.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.