حقيقة الطلب | الحكم العطائية | حـ 21 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

حقيقة الطلب | الحكم العطائية | حـ 21 | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • ابن عطاء الله السكندري يحذر من الالتفات في طريق السير إلى الله، فيجب جعل الله مقصود الكل.
  • العبادة ليست للذة العبادة ذاتها أو آثارها كالكرامات، فأولياء الله يستحيون من الكرامات ويكتمونها.
  • ظهور الكشف للسالك قد يكشف له أحوال الآخرين، وهذا ليس مقصوداً بل يبكي الأولياء عند حدوثه ويطلبون الستر.
  • سيدنا عبد القادر الجيلاني نجا من تلبيس إبليس بنور العلم عندما ادعى أنه الله وأحل له الحرام.
  • المنقذ من الالتفات هو العلم، والتوكل على الله يجعلنا مستمرين وراضين ومسلمين لأمره.
  • قال ابن عطاء: "طلبك منه اتهام له، وطلبك له غيبة منك عنه".
  • مقصود السالك هو رضا الله لا الاتحاد به، وطلب القرب منه يتطلب التطهر من الغفلة.
  • التوكل على الله حق توكله هو السبيل، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج الحكم العطائية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات الحكم العطائية لسيدي ابن عطاء الله السكندري.

تحذير ابن عطاء الله من الالتفات في الطريق إلى الله تعالى

سيدي ابن عطاء الله [السكندري] يحذر من أن نلتفت في الطريق إلى الله، جلس يبين لنا ما هو الطريق إلى الله وكيف يسير فيه السالك، وحقائق وشروط الوصول إلى الله وتحقيق المقصود، وأنه يجب علينا أن نجعل الله هو مقصود الكل، ولذلك لا نلتفت [عن هذا المقصود].

ويسأل سائل عن هذا الالتفات: كيف يكون؟ نحن بمعنى في معنى قولنا: الله مقصود العابد وهو مقصودنا، بل هو مقصود الكل، نعني أننا لا نعبد من أجل أن نجد لذة العبادة في أنفسنا ولا آثار هذه العبادة.

موقف أولياء الله من الكرامات واستحياؤهم منها وكتمانها

عندما نعبد الله سبحانه وتعالى قد تحدث لنا ما يسمى بالكرامات، [وهي] خوارق للعادات. أهل الله يقولون: كنا نستحي من الكرامات كاستحياء البكر من دم حيضها، يعني هم لا يتشوفون إلى أن تخرج هذه الكرامات، كما أنهم لا يراءون بها الناس.

بل إنهم يكتمونها على أنفسهم ويستحيون بينهم وبين الله سبحانه وتعالى. هناك حياء [بينهم وبين ربهم]، يا ربي أنا لا أستحق هذا، كأنه يقول هكذا. هناك حياء بينه وبين الله، وهناك تواضع يمنعه من أن يتفاخر بخوارق العادات التي جرت على يديه، بل أنه يزداد [تواضعًا] ويذوب كما يذوب الملح في الماء.

الكشف في طريق العبادة وموقف أولياء الله من انكشاف البصيرة

كذلك هناك في طريق العبادة إلى الله سبحانه وتعالى ما يسمى بالكشف، فيجد الإنسان نفسه قد انكشفت له بعض الأشياء؛ يعرف مثلًا أخبار من هو بعيد عنه، أو يعرف حالة آخر موجود أمامه، فيبكي لأنه هذه [الأمور] كانكشاف العورات.

مثل ما إذا نظرت من نافذة بيتي فرأيت الجيران يفتحون النافذة أيضًا وقد أرى عورة، فحينئذ يجب عليّ أن أغض بصري. فكذلك هنا إذا انكشفت البصيرة وانكشف لها شيء فإنه يبكي ويقول: يا رب أنا مالي؟ يعني أنا ما الذي ينفعني الاطلاع على أن فلانًا قد أذنب أو أن فلانًا قد حدث له في بيته كذا أو في عمله كذا.

ولذلك عندما يحدث مثل هذا الكشف فإن أولياء الله يبكون ويدعون الله سبحانه وتعالى بالستر عليهم.

خطورة الاغترار بالكشف والكرامات والانشغال بها عن الله تعالى

بعض الناس يضل في هذا ويعتبر أن الكشف هذا معناه أنه قد وصل، وهذه مصيبة كبرى؛ لأنه لا يكون حينئذ الله هو مقصوده، لأن الله باقٍ، ولذلك لا بد عليه أن يسير وأن يعبد وأن يستمر، لا أن ينشغل بالكرامة أو بالكشف.

بعض الناس يحدث لهم أحوال، هذه الأحوال عندما تكتنف الإنسان فإنه دائمًا ما يبكي ويقول: يا رب، إنني لست أهلًا لذلك، ويضبط كل ذلك العلم.

قصة عبد القادر الجيلاني مع الشيطان في الخلوة وكيف نجاه العلم

ويُروى عن سيدي عبد القادر الجيلاني أنه كان في الخلوة ويتحدث عن نفسه، وعبد القادر الجيلاني كان من كبار العلماء وكان مذهبه حنبليًا، وكان عبد القادر الجيلاني عنده عبادة شديدة.

فقال: كنت في الخلوة وإذ بها امتلأت نورًا، شيء غريب! الخلوة مظلمة وليس هناك مصدر للنور، وإذ بها تمتلئ نورًا وأشعر برهبة شديدة وكأنني أسبح في هذه الأنوار، شيء عجيب! وسمعت صوتًا ما سمعت أحلى منه قط وهو يقول: يا عبد القادر، فإذا بقلبي يخفق ويقشعر جلدي.

وقلت: لبيك، من أنت؟ فقال: يا عبد القادر أنا ربك. قال: فذبت كما يذوب الملح في الماء، كأنه يقول: يا أرض انشقي وابلعيني! يعني ربنا سيكلمني؟ لماذا؟ إنها حالة غريبة.

فسمعته يقول: لقد أحببناك. قال: لبيك ربي - يعني الحمد لله - وقربناك يا عبد القادر. وعبد القادر في شدة الحال والوجد لا يعلمه إلا الله. وأحللنا لك الحرام، فبمجرد ما قال لعبد القادر: وأحللنا لك الحرام، قال: اذهب يا لعين! عرف أنه الشيطان، فانطفأ النور.

وسمعت صوتًا ما سمعت أقبح منه قط وهو يقول: علمك نجاك يا عبد القادر.

العلم هو المنقذ من فتن الطريق إلى الله والالتفات عن المقصود

السلوك في طريق الله قد يواجهنا مثل هذا الحال، والمنقذ منه هو العلم. ولذلك هذا تفسير قولنا: ملتفت لا يصل [إلى الله].

التوكل على الله وجعل الله هو المقصود يجعلنا مستمرين، ويجعلنا راضين ومسلمين بما أمر الله؛ لأن هذا كان حال الأنبياء.

حكمة ابن عطاء الله في معاني الطلب من الله ومن غيره

يقول سيدي ابن عطاء الله السكندري: طلبك منه اتهام له، وطلبك له غيبة منك عنه، وطلبك لغيره لقلة حيائك منه، وطلبك من غيره لوجود بعدك عنه. قمة في التسليم، قمة في التوكل، قمة في الرضا، قمة في اطمئنان القلب.

يقول: طلبك منه اتهام له، ولذلك في الحديث:

«من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»

يريد سيدي ابن عطاء أن نصل إلى هذه الدرجة، أن ننشغل بالذكر وأن نرضى بما قسمه الله لنا، ولذلك فكل ما يأتي به الله خير، وننشغل بالذكر طوال أيامنا.

معنى طلبك له غيبة منك عنه وحقيقة العبادة لله وحده

وطلبك له: أنا أريد أن أصل إلى الله، أصل إلى الله، أصل إلى الله، يعني إذا أنت تعمل من أجل شيء معين، إذن فأنت غائب عن حقيقة المسألة وعن الله سبحانه وتعالى. طلبك له غيبة منك عنه سبحانه وتعالى.

ولذلك نحن نعبد لأن الله أرادنا أن نعبد، ونذكر لأن الله أرادنا أن نذكر. ولذلك ونحن متأكدون أن سيرنا في الطريق إلى الله من غير التفات سنصل به إلى الهدف وهو رضا الله، وليس إلى الاتحاد بالله.

فمن أراد قضية أنني سأسير في الطريق حتى وكأنني سأحل بالله، هذا غيبة لأنه غيَّبه منك عنه، يعني أنت لا تعرف حقيقة ربنا ولا تعرف ما الحكاية أصلًا.

طلبك لغيره قلة حياء وطلبك من غيره دليل بعدك عن الله

وطلبك لغيره لقلة حيائك منه: إذا أمّلت في غيره من الخلق فأنت قليل الحياء مع الله سبحانه وتعالى، ولا تعلم أنه هو الذي خلقهم وهو الذي بيده أمرهم وهو الذي يقول للشيء كن فيكون.

وطلبك من غيره يعني اطلب من الخلق لوجود بعدك عنه، تكون أنت غافلًا. والغفلات هي كما قال [ابن عطاء الله] قبل ذلك: جنابة تمنعك من دخول الحضرة الإلهية.

فغفلات القلب هذه مثل الجنابة التي تمنع من دخول المسجد وتمنع من دخول الصلاة، وليس هناك صلاة إلا بعد الطهارة. فلا بد أن نتطهر من البعد عن الله سبحانه وتعالى ونطلب قربه سبحانه وتعالى.

خاتمة الحلقة والتأكيد على التوكل على الله حق توكله

ونفهم هذه الحقيقة أننا لا بد أن نتوكل على الله حق توكله؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.