قدره في نفسك | الحكم العطائية | حـ 22 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

قدره في نفسك | الحكم العطائية | حـ 22 | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • قول ابن عطاء: "ما من نفس تُبديه إلا وله قدر فيك يمضيه" يعني أن قدر الله مستمر باستمرار أنفاسنا.
  • يشمل قدر الله كل شيء في جسدنا وقلبنا وعقلنا وأعمالنا وعلاقاتنا مع الآخرين.
  • معرفة هذه الحقيقة وتصديقها والعيش بها تمر بمراحل: الفهم ثم التصديق ثم العيش.
  • تترتب على العيش بمفهوم قدر الله أخلاق عديدة أهمها التسليم والهدوء النفسي.
  • الهدوء يؤدي إلى التأمل والتدبر، ومنه ينتج الرضا والتسليم والتوكل على الله.
  • من ثمار هذا المقام: عدم التبرم، وكظم الغيظ، والعفو، والرحمة، والرفق، والصدقة.
  • يُسمي الصوفية من وصل إلى هذا المقام "أهل العنايات" لأن الله اعتنى بهم ووفقهم إليه.
  • عيش القدر يواجه اختبارات في البداية، لكن من تجاوزها يجد لذة في قلبه لا تعادلها لذة.
  • الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يخرج منها أبداً.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

افتتاح الحلقة والتعريف بالحكمة العطائية عن جريان القدر مع الأنفاس

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات الحكم العطائية.

يقول سيدي ابن عطاء [الله السكندري]: ما من نفسٍ تُبديه -أي تُخرجه- إلا وله قدرٌ فيك يمضيه. إذن فقدر الله سبحانه وتعالى مستمر؛ لأن أنفاسك مستمرة، لا يستطيع الإنسان أن يعيش بلا تنفس، وقدر الله سبحانه وتعالى مع كل نفسٍ فيك، فهو مستمر باستمرار أنفاسك.

شمول قدر الله تعالى لكل شيء في الجسد والقلب والعقل والأعمال

قدر الله سبحانه وتعالى في كل شيء: في جسدك، في قلبك، في عقلك، في أعمالك، سواء كانت أعمال الجوارح أو كانت أعمال القلوب أو كانت أعمال العقول؛ هناك قدر. ولذلك [قال الله تعالى]:

﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]

فأنت وأفعالك مخلوقة لله سبحانه وتعالى.

هناك أيضًا العلاقات التي بينك وبين الآخرين، فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقها. هذه العلاقات قد تجد أحدهم يحبك، وتجد آخر يكرهك، وتجد آخر لا يعتني بك ولا يعرفك، وتجد آخر وكأنه يضحي بنفسه من أجلك. سبحان الله، كونٌ خلقه الله، ولله قدرٌ فيك، في كل نفسٍ تُبديه لله قدرٌ فيك يمضيه.

مراحل التعامل مع حقيقة القدر من الفهم إلى التصديق إلى المعايشة

لو أن الإنسان عرف هذه الحقيقة ثم صدّقها ثم عاشها -وهذه مراحل مختلفة- أنت الآن تسمع هذه الحقيقة: أن الله له قدرٌ يمضي فيك باستمرار مع دخول كل نفسٍ وخروجه، ولكن قد لا يصدّق أحدٌ من الناس هذا، ويرى أن الله قد خلقنا وتركنا.

الذي يصدّق هذا قد يغفل عن معناه وعمّا يستلزمه، وقد يعيش في هذا المعنى. فنحن نريد من المؤمن أن يفهم ثم يصدّق ثم يعيش هذا المعنى في حياته.

ثمرات معايشة القدر من تصحيح العقيدة والأدب مع الله والنفع للخلق

لو عشت هذا المعنى في حياتك فسوف تصل إلى مجموعة الأخلاق التي تصحح بها عقيدتك، وتكون مؤدبًا مع ربك، وتكون نافعًا لكونك ونفسك.

إذا فهمت وصدّقت وعشت هذا المعنى، فما الأخلاق التي تترتب على أن تعيش قدر الله سبحانه وتعالى؟

هذا منها كما كررنا وقلنا: التسليم. فإنك إذا عرفت وعشت أن ما أنت فيه الآن من صحة أو من علم أو من نسيان أو من تقصير أو من قصور أو من طاعة أو من مرض أو من فقر أو من غنى أو من نجاح أو من فشل أو من توفيق أو من عكسه، هو من عند الله سبحانه وتعالى.

تسلسل مقامات الهدوء والتأمل والرضا والتسليم والتوكل على الله

فإن أول شيء تتقبل به هذا [القدر] هو الهدوء، فنفسك تكون هادئة، وهذا الهادئ يتأمل؛ فإن الهدوء يتولّد منه التأمل والتدبر.

هذا من عند الله، إذن ففيه رضا. هذا من عند الله سلّمنا، ففيه تسليم. هذا من عند الله وأنا راضٍ ومسلّم، إذن فقد توكلت على الله حق توكله.

هذا من عند الله وأنا راضٍ به ومسلّم وهادئ النفس، إذن فلا أتبرّم ولا أتفاعل مع الأحداث الخارجية، وأُنفّذ بذلك كل أوامر الله وكل أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم.

الأحاديث النبوية في الرفق والرحمة والإحسان المترتبة على التسليم لقدر الله

قال الله تعالى: ﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]

قال رسول الله ﷺ: «لا تغضب ولك الجنة»

إلى آخر ما هنالك من أحاديث وأخلاق فيها رحمة.

قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»

وقال ﷺ: «من لا يَرحم لا يُرحم»

وقال ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

وقال ﷺ: «أعطِ السائل ولو أن يأتيك على فرس»

الأوامر النبوية في الصدقة والإحسان وارتباطها بالهدوء والتسليم والرضا

أوامر كثيرة متشعبة: اتقِ الله.

قال رسول الله ﷺ: «اتقِ النار ولو بشقّ تمرة»

وقال ﷺ: «الصدقة تُطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار»

وقال ﷺ: «والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع»

أحاديث كثيرة، سلوكيات وأخلاق كلها تتأتّى مع الهدوء ومع التسليم ومع الرضا ومع التوكل ومع التبرؤ من الحول والقوة. كلها تأتي إذا ما عشت هذا المعنى: ما من نفسٍ تُبديه إلا وله قدرٌ فيك يمضيه.

مقام أهل العنايات عند الصوفية ومعنى العيش في جريان القدر الإلهي

ربنا سبحانه وتعالى جعل هذا المقام مقامًا شريفًا، ولذلك الصوفية يسمّون هذا المقام -إذا ما عاش الإنسان في مفهوم جريان قدر الله سبحانه وتعالى في صورة مستمرة- يسمّون من وصل إلى هذا أهل العنايات؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد اعتنى بهم ووفّقهم إلى هذا.

وأهل العنايات العناية فيها نوع من أنواع التربية، ونوع من أنواع الرعاية، ونوع من أنواع الكنف؛ أن تكون في كنف الله سبحانه وتعالى. فسُمّي من يعيش في مفهوم استمرار قدر الله علينا بهذا الاسم.

الاختبارات في بداية الطريق واللذة القلبية التي يجدها أهل العنايات

هذه الأخلاق الحقيقة عندما تبدأ في تنفيذها ترى في البداية أن بعض مصالحك تذهب، ولذلك تكون هناك اختبارات وامتحانات في بداية الطريق.

إذا صبرت عليها واستطعت أن تتجاوزها ولم تلتفت إليها وتمكّنت من الاستمرار في أن تعيش في القدَر، وجدت لذة في قلبك لا تستطيع بعدها أبدًا أن تخرج من هذه الحالة ولو أعطوك ملك الدنيا.

ولذلك قال بعض الصوفية: إننا نشعر بلذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف.

مرتبة أهل العنايات ولذة الإيمان التي لا تخرج من القلب كحديث هرقل

أن تعيش في القدر هي مرتبة أهل العنايات، وأهل العنايات يشعرون بلذة في القلب إذا دخلت لا تخرج أبدًا.

ولذلك في حديث هرقل عندما سأل أبا سفيان قبل أن يُسلم:

أيزيدون أم ينقصون أتباع النبي صلى الله عليه وسلم؟

قال: بل يزيدون. فلما فسّر له [هرقل] سبب هذا السؤال قال: وسألتك هل يزيدون أم ينقصون، قلت بل يزيدون، هكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب. فالإيمان عندما يدخل القلب فإنه في النهاية لا يخرج أبدًا.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وأن يجعلنا من أهل العنايات، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.