لا تنتظر فراغ الأغيار | الحكم العطائية | حـ 23 | أ.د علي جمعة
- •للقلب بابان: باب على الخلق وباب على الحق سبحانه وتعالى.
- •باب الحق ينفتح بالذكر والإخلاص، فتدخل منه الأنوار التي قد تغلق باب الخلق.
- •الكمال أن ينفتح البابان معاً، فيعمر الإنسان الأرض مع تلقي الأنوار الإلهية.
- •إذا انسد باب الحق، انغمس الإنسان في الدنيا وحُجب عن الله.
- •فسّر أبو الحسن الشاذلي حديث "ليغان على قلبي" بأنه "غين أنوار لا غين أغيار".
- •النبي صلى الله عليه وسلم لم يغفل عن ربه، بل كانت الأنوار تغلق باب الخلق عنده.
- •كان يستغفر الله سبعين مرة ليس لغفلته، بل ليبقى باب الخلق مفتوحاً ليتمم رسالته.
- •لا ينبغي انتظار انتفاء الأغيار تماماً، بل العمل مع الخلق لله.
- •على المسلم أن يحترم ما أقامه الله فيه، فيراقب ربه مع استمرار تعامله مع الخلق.
- •سهو النبي في الصلاة كان تعليماً للأمة وانشغالاً بالله حتى عن رسوم الصلاة.
تصور القلب وبابيه: باب الخلق وباب الحق سبحانه وتعالى
هذا القلب له بابان: باب على الخلق، وباب على الحق سبحانه وتعالى. فتصوروا أن هناك قلبًا، وأن هذا القلب له باب، وأن هذا الباب مفتوح على الخلق، على الكائنات، على العالم، على هذه الصور المحيطة بنا.
وأن له بابًا آخر مفتوحًا على وحي الله عند الأنبياء، ووحي الله عند الموفقين كأم موسى والسيدة مريم، والإلهام كأولياء الله الصالحين، والأنوار وانكشاف الأسرار. كل هذه الأشياء تدخل قلب الإنسان من باب الحق.
انفتاح باب الحق بالذكر والإخلاص ودخول الأنوار إلى القلب
ولذلك فإن الإنسان كلما ذكر ربه وتأمل في هذا الذكر وأخلص فيه واستدعاه واستحضره وكان حاضر القلب فيه، فإن باب الحق ينفتح. وعندما ينفتح باب الحق تدخل منه أنوار شديدة، فإنها يمكن أن تُغلق هذه الأنوار باب الخَلق.
ومعنى إغلاق باب الخَلق أنني أكون سائمًا ومالًّا ومتضايقًا، ولا أطيق ما حولي من هذه الكائنات، أريد أن أخلو بربي، أريد أن أقطع العلائق [مع الخلق].
الغاية من الخلق بين العبادة وعمارة الكون وتزكية النفس
ربنا عندما خلقني، خلقني من أجل العبادة ومن أجل عمارة الكون.
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
يعني طلب منكم عمارها. وعندما قال [الله] للملائكة:
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
إذن هو استعمرنا في هذه الأرض وطلب منا عمارها. فأحد الأسباب الأساسية لهذا الخلق هو عمارة الدنيا، وطلب منا تزكية النفس أيضًا.
خطر إغلاق باب الخلق وحالة الكمال في انفتاح البابين معًا
ولذلك فعندما تُغلق الأنوار باب الخلق، فإننا نُصاب بهذه الحالة من حب العزلة، وبهذه الحالة من اليأس من الخلق أو كراهية الاتصال بهم، وهذا يُحدث خللًا في العمارة [عمارة الكون].
ولذلك فإن الكمال هو أن ينفتح باب الخلق وباب الحق معًا، فيكون الإنسان منفتحًا على هذا العالم، متصلًا به، عاملًا على عمارته، من خلال تلقيه هذه الأوامر الإلهية وهذه الأنوار الإلهية، وهذه حالة الكمال.
انسداد باب الحق وانطباع صور الكائنات في القلب يحجب عن الله
وإذا انسد باب الحق فإن الإنسان يشعر بأنه قد توغل في الدنيا، وأصبحت صور الكائنات منطبعة في قلبه، وأصبح هناك حجاب يحجبه عن الله سبحانه وتعالى.
فكرة طيبة وتصور طيب: قضية أن للقلب بابين: باب للخلق وباب للحق.
أبو الحسن الشاذلي واستشكاله حديث الغين على قلب النبي ﷺ
وهذا الكلام [عن بابي القلب] ورد على لسان أبي الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه، حيث استشكل حديثًا في صحيح مسلم وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «إنه ليُغان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة»
الغين والغيم متقاربان في معنى سحابة تأتي على قلبي، ولذلك أنا أستغفر ربنا سبعين مرة.
تعجب أبي الحسن الشاذلي ورؤيته للنبي ﷺ في المنام وتفسير الغين
يعني أبو الحسن الشاذلي تعجب من هذا الحديث: سيدنا رسول الله وهو سيد الخلق، غفل عن ربه؟ أو هناك محاولة تأتي باعتبار البشرية تجعله غافلًا عن الله فيستغفر الله ويتذكره سبعين مرة؟ أو أن الحديث له معنى آخر؟
فرأى في المنام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: يا علي أبا الحسن - وكان اسمه عليًّا وكنيته أبا الحسن - يا علي، غين أنوار لا غين أغيار.
فهم أبي الحسن أن الأنوار كانت تسد باب الخلق لا باب الحق على قلب النبي ﷺ
ومن هنا فَهِمَ أبو الحسن رضي الله تعالى عنه أن الأنوار كانت تتوالى على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسد باب الخلق وليس باب الحق. هو [النبي ﷺ] لم يغفل عن ربه أبدًا.
بل إن الملائكة وصفته فقالت:
«تنام عيناه ولا ينام قلبه»
فهو أبدًا لم يتخلف عن ذكر الله والتعلق بالله.
استغفار النبي ﷺ لانفتاح باب الخلق وإتمام الرسالة لا عن غفلة
إنما لما دخلت الأنوار وأُغلقت أو كادت أن تُغلق باب الخلق، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُكلف بالاتصال بالخلق، ومُكلف بألا ينعزل عنهم، ومُكلف بأن يبلغهم الرسالة على أحسن ما يكون، فإنه كان يستغفر الله من أجل أن ينفتح باب الخلق، من أجل أن يتمم الرسالة.
وليس هذا من باب الغفلة التي تصيب أحدنا وتسد باب الحق.
النهي عن ترقب فراغ الأغيار والعمل مع الخلق لله تعالى
ولذلك لا تترقب فراغ الأغيار. بعض الناس يقول: حسنًا، لا بد لي من هذه الحالة، إذن أن الأنوار تدخل والأغيار تنتفي تمامًا. لن يحدث ذلك؛ لأن هذه الأغيار هي الكون الذي هو محيط بنا.
فإن ذلك يقطعك عن وجود المراقبة له [لله تعالى]. عندما تقول إنني أحتاج أن تنتفي الأغيار، يعني أنك تقول إنك تحتاج أن يُغلق باب الخلق، وهذا خطأ. وهذا يجعلك تنتظر حالة نادرة.
ضياع الوقت بانتظار إغلاق باب الخلق ووجوب العمل فيما أقامك الله فيه
ومعنى ذلك أنك بهذا الانتظار وباب الخلق غير راضٍ أن يُغلق، فإنك تضيع وقتك ويضيع عليك مراقبة نفسك لربك فيما هو مقيمك فيه. أنت الآن قد أقامك الله وفتح باب خلقه، يجب أن تعمل مع الخلق لله، فتراقبه وتتذكره وتجعل هذا العمل لله رب العالمين.
ولا تنسَ أنه:
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»
ولكنك غفلت عما أقامك الله فيه. فتح [الله] باب الخلق فإذا بك تريد أن تغلقه، ووارَبَ [الله] باب الحق فإذا بك تريد أن تجعله هو وحده المفتوح.
غين أنوار لا غين أغيار وسهو النبي ﷺ في الصلاة كان انشغالًا بالله
وهكذا غين أنوار لا غين أغيار. ولذلك قالوا:
يا سائلي عن رسول الله كيف سها ... والسهو من كل قلب غافل؟
الله رد عليه وقال له: قد غاب عن كل شيء سره، فسها عما سوى الله، فالتعظيم لله.
فلما سها النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، كان سهوه هذا كان نوعًا من أنواع التعليم للأمة، وفي نفس الوقت الانشغال بالله سبحانه وتعالى حتى عن رسوم الصلاة وعن أركانها.
قلب النبي ﷺ لم يُغلق أبدًا ووجوب احترام ما أقامنا الله فيه
فإن قلبه صلى الله عليه وسلم وهو في قمة الأنبياء والأولياء والصالحين والصديقين والشهداء، وهو المصطفى المختار صلى الله عليه وسلم، لم يُغلق أبدًا.
فلا بد علينا أن لا نترقب فراغًا [من] الأغيار، بل علينا أن نحترم ما أقامنا الله فيه، كحكمة [أبي مدين] ابن عطاء [الله السكندري]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
