من يتوكل على الله فهو حسبه | الحكم العطائية | حـ 25 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

من يتوكل على الله فهو حسبه | الحكم العطائية | حـ 25 | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • يقرر ابن عطاء الله حقيقة مهمة عن التوكل والدعاء في قوله: "ما توقف مطلب أنت طالبه بربك، ولا تيسر مطلب أن تطالبه بنفسك".
  • المطالب تتحقق بالاستعانة بالله وحده، كما في قوله تعالى: "إياك نعبد وإياك نستعين".
  • من يتوكل على الله فهو حسبه، فالنجاح في المطالب والرغبات يتحقق بطلبها من الله.
  • النبي صلى الله عليه وسلم علمنا أن نطلب الأمور بالله، وعمر رضي الله عنه كان يستجيب لمن يسأله بالله.
  • الدعاء قضية كبيرة تزيد الإيمان، لأن استجابة الله تثبت الإيمان وتحببه للعبد.
  • المؤمن له تجربة روحية مع الله، فيشعر بالراحة بالصلاة والذكر، وتتحقق مقاصده بالدعاء.
  • يزداد إيمان المؤمن يومياً بتجربته العملية ويشعر بصدق ما ورد في القرآن.
  • الله يستجيب للذاكرين قبل طلبهم، كما في الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج الحكم العطائية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات الحكم العطائية.

حكمة ابن عطاء الله في التوكل على الله والدعاء والالتجاء إليه وحده

يقول السيد ابن عطاء وهو يقرر حقيقة مهمة في حياة المسلم تتعلق بالتوكل على الله من ناحية، وبالدعاء له سبحانه وتعالى والالتجاء إليه وحده من ناحية أخرى، في تفسير قوله تعالى:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

أي نعبدك وحدك يا رب، ونستعين بك وحدك دون من سواك. يقول [ابن عطاء الله السكندري]:

«ما توقف مطلبٌ أنت طالبه بربك، ولا تيسر مطلبٌ أنت طالبه بنفسك.»

معنى التوكل على الله وطلب الحاجات بالله لا بالنفس

يعني أن من يتوكل على الله فهو حسبه، كما نصَّ ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم. يعني أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنك إذا أردت أن يُستجاب الدعاء وأن تصل إلى نجاح الطلب الذي تطلبه والرغبة التي ترغب فيها، فيجب عليك أن تطلبها بربك.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم دائمًا يقول:

«والذي نفس محمد بيده»

هو يعيش دائمًا تحت سلطان الله وتحت أمر الله سبحانه وتعالى، وهو يعلمنا صلى الله عليه وسلم، فهو سيد الخلق وهو المصطفى المختار، يعلمنا أن الأمور إنما نطلبها بالله رب العالمين.

التساؤل بالله وموقف سيدنا عمر ممن يسأله بالله

وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]

يعني عندما يسأل أحدنا أخاه في شيء من أمور الدنيا فيقول له: بالله عليك تفعل كذا. وكان سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] عندما يسمع هذا وعندما يأتيه شخص ويقول له: بالله عليك تفعل كذا، فإنه يفعله.

وكان بعضهم يقول له: يعني هذا يخادعك! فكان يقول: مرحبًا بمن خدعني في الله وخدعني بالله، يعني ما دام قال بالله عليك تفعل لي كذا، فإنه كان يبرُّ قسمه تعظيمًا لله سبحانه وتعالى.

القراءتان المتواترتان في كلمة الأرحام في آية سورة النساء

إذن الناس تعودت أن تسأل بالله، تتساءلون به والأرحام. هنا كلمة الأرحام في الآية فيها قراءتان:

  1. قراءة الجمهور بالنصب (والأرحامَ)، يعني ليست هي معطوفة على الضمير [في "به"].
  2. قراءة أخرى بالجر (والأرحامِ)، وهي قراءة سيدنا حمزة [الزيات]، أي: تسألون به وبالأرحام.

أو [أن المعنى أن] هذه التقوى التي طُلبت منا أيضًا أن نتقي الأرحام، ونتقي قطعها، ونصلها كما أمرنا الله سبحانه وتعالى. قراءتان وكلتاهما من المتواتر، وكلتاهما معناها صحيح، وكل قراءة منهما تضيف إلى الأخرى معنى واسعًا.

طلب الحاجات بالله من الله ومن البشر ومعنى إياك نعبد وإياك نستعين

إنك إذا أردت إنجاح مقاصدك ومطلوباتك في الدنيا فعليك أن تطلبها بالله. وهذا قد تطلب بالله من الله سبحانه وتعالى، وقد تطلب بالله من البشر.

فإذا طلبت بالله من الله سبحانه وتعالى فهذا معناه:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

إنك أفرغت وجعلت قلبك خاليًا من كل توجه وكل اعتماد على غيره سبحانه وتعالى. هذا كله يحتاج منا إلى تربية وإلى تدريب وإلى أن نعيش هذه المعاني؛ لأننا لو عشناها لوجدنا لها لذة ولوجدنا لها أثرًا في الدنيا.

الدعاء يزيد الإيمان واستجابة الله تثبت القلب وتقضي الحاجات

يعني قضية الدعاء هذه قضية كبيرة جدًا وتزيد من الإيمان؛ لأن ربنا عندما يستجيب دعائي تجد أنني قد ثبتني [الله] في الإيمان وحببني في الإيمان، ووجدتُ طريقةً هي طريقةٌ مهمةٌ في قضاء الحاجات في هذه الحياة الدنيا.

ما توقف مطلبٌ أنت طالبه بربك أبدًا، لا يتوقف ولا يتخلف. دائمًا عندما نسأل الله بذاته أو نسأل البشر بربنا سبحانه وتعالى أو حتى نستعين بذلك في أنفسنا، نجد أن الأعمال قد تحققت.

الرد على الملحدين بأن تجربة المؤمن مع الله دليل على وجوده سبحانه

هذا دليلٌ آخر على وجود الله. هذا دليل آخر يسألنا عنه الملحدون ويقولون: أنتم لماذا تؤمنون بالله كل هذا الإيمان ولماذا لا نؤمن نحن؟

وتأتي الإجابة بهذه الكلمة: إننا لنا تجربة مع الله سبحانه وتعالى؛ نصلي فنشعر براحة، نذكر الله فنشعر براحة، ندعو الله سبحانه وتعالى فإذا به يستجيب، نلتجئ إليه في مناجاة فإذا به يتمُّ المقصودُ ويتمُّ المقصودُ بصورةٍ غريبةٍ عجيبةٍ.

فهذا الذي يجعلُنا نتمسَّكُ كلَّ يومٍ ويزيدُ إيمانُنا كلَّ يومٍ.

الفرق بين المؤمن وغير المؤمن في التجربة الروحية والتوكل على الله

فيقولون [أي الملحدون]: نحنُ لم نُجرِّبْ هذا، لم نُصلِّ، لم نذكرْ، لم ندعُ، ولكنَّنا بعقولِنا هكذا، يعني نريدُ أن نتفلَّتَ، نريدُ أن لا يكونَ علينا تكليفٌ.

هذا هو الفرقُ بينَ المؤمنِ وبينَ غيرِ المؤمنِ؛ المؤمنُ توكل على الله ثم من تجربته الروحية ومن تجربته العملية كل يوم يرى الله سبحانه وتعالى [بقلبه]، وكل يوم يزداد إيمانًا مع إيمانه، وكل يوم يشعر بصدق هذا الوحي.

فعندما ينظر إلى قوله تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

فيجد قلبه فعلًا يطمئن بذكر الله.

حلاوة الإيمان في القلب من غض البصر والخشوع في الصلاة والذكر

عندما يجد أن الإيمان له حلاوة في القلب، عندما يجد أن غض البصر له حلاوة في القلب، وعندما يجد أن الخشوع في الصلاة له حلاوة في القلب، فإنه لا يستطيع أن يترك كل هذا من أجل قول قائل لم يجرب بعد هذه اللذة [لذة الإيمان والعبادة].

ولا تيسر مطلبٌ أنت طالبه بنفسك، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا:

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُٓ﴾ [الطلاق: 3]

فهي آية عظيمة جدًا. ومن يتوكل على الله فهو حسبه، يعني هو كفايته. حسبنا الله ونعم الوكيل، معناها: كفايتي ربي، ربنا كفاية.

الله هو الكافي المستجيب الذي يحقق المطلوب ويوصل إلى المقصود

فهو [الله] الذي يكفيني وهو الذي يستجيب دعائي، وهو الذي يحقق مطلوبي، وهو الذي يوصلني إلى مقصودي.

فهو سبحانه وتعالى قبل كل شيء ومع كل شيء وبعد كل شيء، كل شيء هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وبكل شيء محيط.

مبادرة الله بالاستجابة قبل الطلب وحال الذاكرين المعلقة قلوبهم بالله

ربنا سبحانه وتعالى عندما يستجيب دعائي وعندما أيضًا يسارع في هواي [أي يحقق مرادي]، هذا في الدرجة الثانية، وهو كما قالت السيدة عائشة [رضي الله عنها] عندما قالت لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:

«أرى الله يسارع في هواك»

أي ينفذ للإنسان الشيء قبل أن يطلبه أصلًا وقبل أن يدعوه أصلًا. وهذا حال الذاكرين المعلقة قلوبهم بالله رب العالمين، حال الذاكرين الذين يُقال عنهم في الحديث القدسي:

«من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»

هذه الحالة، حالة المبادرة من الله سبحانه وتعالى قبل الطلب، تتأتى بإخلاص العبادة.

خاتمة الحلقة والتأكيد على وجوب طلب الحاجات بالله رب العالمين

يجب أن نطلب من الله بالله رب العالمين. إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.