الحكم العطائية | من 249 - 264 | أ.د علي جمعة
- •دعاء مؤثر بالحفظ والحماية من الفتن، وطلب العفو والعافية والرحمة من الله تعالى.
- •لا يلزم من ثبوت الخصوصية لأولياء الله عدم وصف البشرية، فالكرامات نعمة إلهية تظهر عليهم وليست منهم.
- •الخصوصية كإشراق الشمس على الأفق، وليست منه، فتارة تظهر وتارة تغيب.
- •يوجد مراتب للسالكين: مجذوب سالك وسالك مجذوب، فالأول جذبه الله ثم سلك، والثاني سلك حتى انجذب.
- •نهاية السالكين بداية المجذوبين، فيلتقون في الطريق مع اختلاف الاتجاه.
- •ثمرات الطاعات عاجلة بشائر بقبول الأعمال.
- •الله أكرم العبد بثلاث كرامات: جعله ذاكراً له، ومذكوراً به، ومذكوراً عنده.
- •رب عمر قصير لكنه عظيم الأثر، كالإمام النووي والشافعي والسيوطي.
- •الفكرة سراج القلب، وهي نوعان: فكرة تصديق وإيمان لأرباب الاعتبار، وفكرة شهود وعيان لأرباب الاستبصار.
- •الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إلى الله.
الدعاء الافتتاحي بالثبات على الإسلام والحماية من الفتن
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا للإسلام وثبت قلوبنا على الإيمان، وأحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين.
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم عليك بالمؤذين من الجن والإنس. اللهم احم أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت. اللهم نوّر قلوبنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسّر غيوبنا، واقضِ حوائجنا وحوائج المسلمين، وارحم حيّنا وميتنا وحاضرنا وغائبنا، وانصر المظلومين وفُكّ أسر المأسورين.
تتمة الدعاء بالاستعاذة من العجز والكسل وطلب العفو والعافية
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأحسن خاتمتنا. اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل، ومن الهم والحزن، ومن الكفر والفقر، ومن غلبة الدين وقهر الرجال.
اللهم إنا نعوذ بك من كل ما استعاذ منه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعبادك الصالحون، ونسألك من كل خير سأله منك سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعبادك الصالحون.
اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم.
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
وأدخلنا الجنة مع الأبرار، واجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا، ولا تشغلنا إلا بذكرك يا أرحم يا أرحم الراحمين. أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
الدعاء بالعفو والعافية ومباعدة الخطايا ونصرة الإسلام
نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. باعد بيننا وبين خطايانا كما باعدت بين المشرق والمغرب، ونقّنا من خطايانا بالماء والثلج والبرد، ونقّنا من خطايانا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم يا أرحم الراحمين اجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة. اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأمددنا من عندك يا أرحم الراحمين بمددك.
اللهم يا رب العالمين رقّق قلوبنا لذكرك، اللهم ألّف بين قلوب أمة سيدنا محمد. اللهم حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومع القوم الصادقين، وانصرنا على القوم الكافرين، سدّد رمي المجاهدين.
اللهم يا أرحم الراحمين أنزل السكينة على قلوبنا وقلوب أمهات الشهداء. اللهم يا رب العالمين استجب دعاءنا ولا تردنا خائبين.
لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية عند الأولياء
قال [ابن عطاء الله السكندري] رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية، إنما مثل الخصوصية كإشراق شمس النهار؛ ظهرت في الأفق وليست منه.
تارةً تشرق شموس أوصافه [سبحانه وتعالى] على ليل وجودك، وتارةً يقبض ذلك عنك فيردّك إلى حدودك. فالنهار ليس منك وإليك، ولكنه وارد عليك.
إذا السالك في طريق الله يرى بعض الكرامة، حتى يصل العابد والسالك في طريق الله إلى مرحلة استجابة الدعاء، ثم إلى مرحلة استجابة التوجهات والهوى؛ فيسارع الله في هواه، فلا يتمنى شيئًا في ذهنه إلا أحدثه الله له.
خطأ الناس في رفع الأولياء فوق وصف البشرية وتحميلهم ما لا يطيقون
أي يتصور [السالك] هكذا في ذهنك، فما الذي يجعل الناس يرون هكذا؟ أي أنك عندما تصل إلى هذا [المقام] لا تعرف أن تخفيه؛ تدعو فيُستجاب للأول والثاني والثالث، تقول له نصيحة فتصدق، وهكذا.
وبعد ذلك الجماعة الذين حولك يعتقدون أنك واحد عظيم جدًّا من أولياء الله الصالحين الكبار، يبدؤون يحمّلونك ما لا تطيق. يقول لك: أأنت تأكل مثلنا؟ أأنت تشرب مثلنا؟ ويأتي يضربك على كتفك، حتى إنه يقبّل يديك ويلويها لك، يقول لك: أأنت تتألم مثلنا؟
فالرجل [الولي] هنا يعلّم الناس هؤلاء أن هذا كرم ربنا وليس منه [أي ليس من ذاته]، هذا شيء آتٍ إليك، ليس الأمر منك أنت.
تشبيه الخصوصية بالشمس التي تظهر في الأفق وليست من الأرض
مثل الشمس هكذا، تراها كأنها طالعة من هنا [من الأرض] هكذا. هل لها علاقة بهنا أو هناك أم ليس لها علاقة بالأرض أصلًا؟ هذه بينها وبين الأرض ملايين الكيلومترات، لكنها ظهرت أمامك كأنها طلعت من بطن الأرض، وهي موجودة في السماء، ضوؤها مسلّط عليك وحرارتها تدفئك.
لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية، أي ليس كل وليّ معناه أنه يصبح لا يأكل ولا يشرب ولا يمرض ولا يتألم ولا كذلك، وأوصاف البشرية هذه لا تذهب أبدًا.
من يظن أن الولي يعلم الغيب كالساحر فقد ضل عن الحقيقة
وبعد ذلك يأتي أحدهم ويقول لي: هيا قل لي الذي في ذهني. فأقول له: أقول ماذا؟ يقول لي: الذي في ذهني، الذي أفكر فيه الآن! يعني يظنني ساحرًا، يظنني ماذا؟ ساحرًا! دائمًا هو يريد هكذا ساحرًا، وهو لا يريد أكثر من ساحر. قل لي، قل لي فقط!
أقول له: أقول لك ماذا؟ الذي في ذهني، ألست كنت أفكر الآن؟ آه، إذن يجب أن تعرف! من الذي قال لك؟ ولا أعرفك ولا عرفت شيئًا ولا خلافه. يقول لي: أنت لست وليًّا!
قال له [الشيخ]: إنه لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية، حتى لو كنت وليًّا ماذا يعني؟ وهو هذا الذي ضلّ فيه كثير من الناس؛ انخدعوا في أمر مشايخهم وأخرجوهم من أوصاف البشرية.
الغلو في الشيخ يصنع فتنة والخصوصية نعمة واردة وليست من ذاته
حتى أن الإخوة ضاقوا منهم، الإخوة ضاقوا من الناس الذين يغالون في الشيخ حتى يرفعوه فوق وصف البشرية، وهذا يصنع فتنة.
قالوا: فوالله ما نحن آتون إليكم، هذا الشيخ فيه خصوصية، ولكن أيضًا فيه بقاء وصف البشرية. إنما مثل الخصوصية كمثل نعمة، كإشراق شمس النهار.
نعمة هذه أم لا؟ نعم، نعمة. ظهرت في الأفق ولكن هي لمّا ظهرت في الأفق ليست منه، ما هي من الأرض. هي في الأفق، ها هي ونصفها طالع ونصفها تحت الأرض، ولكن هي ليست من الأرض.
تارةً تشرق شموس أوصافه سبحانه على ليل وجودك كالنهار، وتارةً يقبض ذلك عنك فيردّك إلى حدودك؛ لتعلم إذن ما أنت عليه، أي أنك لا تساوي شيئًا عندما يسحب الشمس التي له منك. فالنهار ليس منك وإليك، ولكنه وارد عليك. واضح، هو واضح.
دلالة آثار الله في الكون على أسمائه وأوصافه وذاته سبحانه
ماذا قال [ابن عطاء الله] رضي الله تعالى عنه: دلّ بوجود آثاره على وجود أسمائه.
أسماؤه كلها ظاهرة في الكون؛ من اسمه الرحمن: قم تجد العصفور يجلس على البيضة الخاصة به بحنان كذلك ورحمة، أو يُطعم العصفور الصغير فلا يؤذيه برحمة طيبة.
واسمه أيضًا القهار المنتقم: تجد الأسد وهو يأكل، الولد الشبل ابنه يريد أن ينتزع قطعة لحم كذلك، يأتي فيضربه ضربة يطيّره فيميته وهو ابنه! ثم تأتي أمه أم الشبل هذا تحاول أن تنتقم أو تفعل شيئًا، خائفة مذعورة رعب شديد. ويقول لك ملك الغابة بسبب العلاقة الأسرية هذه: لا أحد يأكل معي! عندما انتهى تستطيعوا أن تأكلوا مثل السيد هكذا.
ويضرب الشبل إذا جاء بجانبه، والمرأة [اللبؤة] لا تعرف كيف تتكلم، تنظر إليه فقط هكذا بحقد؛ ما دام قتل ابنها ستموت وليست قادرة على أن تتكلم.
تسلسل الدلالة من الآثار إلى الأسماء إلى الأوصاف إلى الذات الإلهية
إذا الله أظهر أسماءه في الكائنات، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
يقول الرجل [ابن عطاء الله]: دلّت بوجود آثاره — هذه المخلوقات وهذه الأشياء — على وجود أسمائه. وبوجود أسمائه، فإذا كان رحمانًا وقهارًا، على ثبوت أوصافه؛ فهو ذو أوصاف الجمال والجلال.
وبثبوت أوصافه على وجود ذاته؛ فقد دلّ على الكمال. يكون إذا دلّت الآثار على الأوصاف، ودلّت الأوصاف على الجلال والجمال، ودلّ الجلال والجمال على الكمال وهو الذات.
إذ يستحيل أن يقوم الوصف بنفسه؛ هو في جمال هكذا من غير شيء جميل؟ ما هو لازم أن يكون شيء جميل [يقوم به الوصف].
أرباب الجذب يكشف لهم عن كمال الذات الإلهية فلا يرون سواه
فأرباب الجذب يُكشف لهم عن كمال ذاته [سبحانه وتعالى]. المنجذب إلى الله لا يرى سواه على الحقيقة، وأنه هو الفعّال لما يريد؛ يغيب عن ذاته وعن الأكوان فيرى كمال الله.
يرى أنه ليس هناك إلا الله في الحقيقة، وكلنا هكذا لا نقوم إلا بالله، وما ننفع بشيء إلا بالله.
ثم يردّهم إلى شهود صفاته؛ فقد فهموا الحقيقة هذه، ينزلون درجة هكذا يقولون: حسنًا، إن الله تعالى في هذا يعرّفهم صفات الجمال والجلال. فيكون مُنزِلًا إياهم في التنزلات — يسمونها التنزلات — نازلًا من الذات إلى الصفات.
مراتب التنزل من الذات إلى الصفات إلى الأسماء إلى الآثار عند المجذوب
ثم يرجعهم إلى التعلق بأسمائه؛ بعد الصفات بأسماء الرحمن والرحيم الدالة، فالأسماء دالّة والصفات مدلولة.
ثم يردّهم إلى شهود آثاره، وهؤلاء نازلون من فوق، قادمون من فوق ونازلون، ما في التسلسل من أعلى إلى أسفل. يكون ذلك اسمه المجذوب.
فالمجذوب يأتي من أين؟ من أعلى إلى أسفل. ووصلنا إلى الآثار، يبدأ إذن بالصلاة والصوم والتسبيح، ويقول: لا إله إلا الله، سبحان الله! هذا أمر غريب جدًّا، هذا ربنا حلو!
ويبتدئ، كلّا، المجذوب هذا لا يعرف الكلام، شيء لا يُعبَّر عنه بالكلام. وبعد ذلك هو نازل واحدة واحدة هكذا، نزل ورأى فقال: الله! من أنتم؟ آه، حسنًا، لا إله إلا الله. بدأ يتكلم إذن، سبحان الله هو الذي جاء بي إلى هنا، وهكذا.
الفرق بين المجذوب الحقيقي والمجنون ومراحل المجذوب السالك
فهل هذا مجذوب أم لا؟ آه، ولذلك قالوا إن الذي غاب عن عقله في الله هذا مجذوب. ولكننا نقول عن كل واحد مجنون مجذوب، هذا ليس مجنونًا!
هذا كان يتأمل في أمر الله فجذبه الله إلى كماله، ثم أنزله إلى جماله وجلاله، ثم إلى أسمائه، ثم إلى آثاره، فأفاق فسلك.
فهذا اسمه المجذوب السالك؛ الجذبة جعلته يسلك فيصلي وهو مسرور، وهو فرح، وهو فرح لأنه لقي ربه الآن.
الفرق بين السالك المجذوب والمجذوب السالك وكيف يلتقيان
والسالكون على عكس هذا؛ السالكون قد اتخذوها من تحت إلى فوق. أولًا يصلّون، وبعد أن يصلّوا يشرح الله صدورهم، فيبدؤون يرون الأشياء الجميلة، ثم يرون في هذه الأشياء الجميلة المعاني.
وبعدها يقولون: الله! هذا هو، لأن الله رحمن يعني، ولأنه جبار، ولأنه منتقم، ولأنه الله. هذا جمال وجلال، أليس كذلك؟ الله! هذا يكون ربنا يكون ماذا؟ في النهاية انجذب إذن.
في النهاية انجذب، يكون هذا السالك المجذوب. يكون عندنا نوعان من البشر: مجذوب سالك وسالك مجذوب. سلوك أدّى إلى الجذب يكون هذا سالك مجذوب، آتٍ من تحت لفوق. وجذبة أدّت إلى السلوك يبقى هذا مجذوب سالك.
فنهاية السالكين بداية المجذوبين؛ فما هو؟ طبعًا ما هو؟ هذا صعد إلى الله وهذا نزل، من البداية بدأ بالله ونزل على السلوك، وبداية السالكين نهاية المجذوبين، فتبقى دائرة.
تشبيه مسار المجذوب والسالك بالدائرة والتقاء القوسين
الدائرة، تعرف أين بدايتها؟ الدائرة تعرف نصفها اليمين أحسن ولا نصفها الشمال؟ ما أنت لو وضعت يدك هكذا وصعدت ونزلت ستكون قد عملت دائرة كاملة.
طيب، وأنت صاعد وأنت نازل، في فرق بين القوس هذا والقوس هذا؟ أبدًا ما يوجد فرق، لكن لا بمعنى واحد؛ هذا صاعد وهذا نازل.
فربما يلتقيان في الطريق، يلتقيان عند القطر؛ هذا صاعد هكذا، نازل هكذا، ملتقين في الطريق. يبدو شكلهم من الخارج واحدًا، لكن الله أعلم بما في الداخل؛ هذا في ترقّيه وهذا في تدلّيه، فأنت لا تعرف الاتجاه.
جميع السالكين والمجذوبين يلتمسون من نور رسول الله ﷺ
وكلهم من رسول الله ﷺ ملتمس غُرَفًا من البحر أو رشفًا من الديم، وواقفون لديه عند حدّهم من نقطة العلم أو من شكلة الحكم.
فهو الذي تمّ معناه وصورته، ثم اصطفاه حبيبًا بارئ النَّسَم.
أنوار القلوب لا تظهر إلا في غيب الملكوت كما ينتشر الضوء بالغلاف الجوي
لا يعلم قدر أنوار القلوب والأسرار إلا في غيب الملكوت، كما لا تظهر أنوار السماء إلا في شهادة الملك.
هو النور، الكهرباء هذه تعمل نورًا هنا وتنير الدنيا. لماذا؟ قال: بسبب انعكاس الضوء. فلنفترض أنه لا يوجد هواء، قال: لا يظهر الانعكاس هذا. يعني أن هناك نقطة مضيئة هكذا فقط، لكنها لا تنتشر.
فمن أين يأتي انتشار الضوء هذا؟ يأتي من الغلاف الجوي الذي نحن فيه، الذي نتنفس منه الهواء. لو لم يكن هناك هذا الغلاف الجوي لما حدث انكسار للضوء؛ لكنّا ننظر فنجد هذا المصباح مثل النجمة وكل العالم ظلام، كما النجوم في السماء لأنه لا يوجد غلاف جوي ينقلها من فوق.
فلما انتقلت إلى الغلاف الجوي الخاص بنا نقطة مثل نقطة، فرأيناها نجمة هكذا نقطة هكذا في السماء. ها هو، لو لا توجد هذه البيئة لما انتشر النور.
القلب يحتاج إلى بيئة الملكوت لانتشار أنواره كما يحتاج الضوء للغلاف الجوي
كذلك قلبك يحتاج إلى بيئة حتى لا تبقى الأنوار نقاطًا وإنما منتشرة. فانظر إلى هذا الرجل [ابن عطاء الله] يتحدث في الفيزياء وهو لا يعلم [أي في زمنه لم تكن هذه العلوم معروفة].
لا يعلم قدر أنوار القلوب والأسرار إلا في غيب الملكوت؛ بيئتها ما هي؟ غيب الملكوت. كما لا تظهر أنوار السماء إلا في شهادة الملك [أي عالم الشهادة المحسوس]. نعم.
ثمرات الطاعات العاجلة بشائر بقبول العمل وجزائه الآجل
قال رضي الله تعالى عنه: وجدان ثمرات الطاعات عاجلًا بشائر العاملين بوجود الجزاء عليها آجلًا.
يعني تأتي لتصلي فتجد فيها خشوعًا، أو تأتي لتصوم فتجد فيه خشوعًا، أو تأتي لتزكّي فتجد فيها توجّهًا، أو تأتي لتحجّ فتجد فيه شعورًا بالمغفرة، تجد نفسك [في حالة من الطمأنينة].
هذه بشائر، يعني أن الله أرسلها إليك بشرى أنه قد قبل عملك.
كيف تطلب العوض على عمل هو متصدق به عليك من الله
كيف تطلب العوض على عمل هو متصدّق به عليك؟ ولكن لا بدّ وأن تفعل هذا لله، وليس لطلب ثواب ولا لخوف عقاب.
أنت تقول له: أنا صليت فهاك أعطني! إذن أعطيك ماذا؟ أما أنا الذي جعلتك تصلي! سبحانك!
كيف تطلب العوض؟ هات إذن المقابل للصلاة التي صليتها والصيام الذي صمته، على عمل هو متفضّل به عليك. هو ما هو الذي وفّقك لأن تصلي وخلق صلاتك؟ فإذا لم تنسَ هذا الأمر، فكيف تطلب الجزاء على صدق هو هاديه إليك؟
المجذوب السالك تسبق أنواره أذكاره والسالك المجذوب تسبق أذكاره أنواره
قوم تسبق أنوارهم أذكارهم، وقوم تسبق أذكارهم أنوارهم: المجذوب السالك والسالك المجذوب.
المجذوب السالك: النور يسبق الذكر؛ يغلبه نور كذلك فيشتاق إلى الله وإلى الحضرة القدسية فيذكر.
والآخر [السالك المجذوب]: يذكر حتى ينفتح له فجّ النور. يقولون عليه ماذا؟ فجّ النور. فجّ النور يعني هكذا هو، تفجّأ النور هكذا هو مرة واحدة، وهذا نوع من الفتح.
فجّ النور هذا، وبعض الناس يسمّون أولادهم فجّ النور. لكن قديمًا من أين يأتون بها؟ من الطريق [أي من طريق التصوف]. فجّ النور: هو جالس يذكر ويذكر الله، وفجأة جاءته الأنوار، سيسمّي ابنه ماذا؟ فجّ النور. نعم والله، نعم، كانوا يفهمون.
الذكر مرتبط بالشهود والفكر ولا ينفصل أحدهما عن الآخر
نعم، الواقعة فينا نحن لا نفهم. قال: ذاكر ذكر ليستنير قلبه؛ يريد أن ينير قليلًا قلبه هكذا ويوصل إليه الكهرباء [أي النور]، فراح يذكر.
وذاكر استنار قلبه فكان ذاكرًا؛ هي هي، ما كان ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود وفكر.
الذكر لا بدّ أن يرتبط بالشهود والفكر. قالوا: طريقنا هذا مقيّد بالذكر والفكر، مقيّد بالذكر والفكر.
الله أشهدك عوالمه قبل أن يطلب منك الشهادة بألوهيته
قال رضي الله تعالى عنه: أشهدك من قبل أن يستشهدك؛ فنطقت بألوهيته الظواهر، وتحققت بأحديته القلوب والسرائر.
يبقى إذا أشهدك عوالمه العلوية والسفلية من قبل أن يطلب منك القيام بهذه الشهادة. يعني أظهرها الأول؛ لأنه عندما يطلب منك الشهادة يكون لم يطلب منك مجهولًا منك.
من هو؟ قد أراك! لك ما أنت رأيت، ما أنت ذقت. الذي قالوه ماذا؟ من ذاق عرف، ومن عرف اغترف. ما هي حلوة! ولا تسمن ولا تعمل شيئًا، تأكل فتأكل ما تشبع، نهمان لا يشبعان [طالب العلم وطالب المال].
الكرامات الثلاث: جعلك ذاكرًا لله بفضله لا بحولك ولا قوتك
أكرمك بكرامات ثلاث: جعلك ذاكرًا له. فإذا كان الذاكر مكرّمًا من عند الله سبحانه وتعالى بأنه قد كتبه في الذاكرين سبحانه وتعالى، ولولا فضله لم تكن أهلًا لجريان ذكره عليك.
فمن الذي جعلك تلهج بذكره؟ والله لا حول ولا قوة بك، وإنما الحول والقوة بالله.
ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز العرش»
انتبه! كنز يعني شيء مخفيّ، سرّ من الأسرار، لكن تعرفه.
العالم كله محتاج لنور الإسلام والشياطين يصدون عن تبليغه
انظروا معنا ماذا: العالم كله محتاج لهذا الآن، العالم كله في جهنم الآن، ولا يطيقون أنفسهم ولا يعرفون كيف يخرجون.
والشياطين الصهاينة يفهّمونهم أن هذا هو الإسلام، المسلمون متخلفون عقليًّا. لا تمنعونا من أن نبلّغ عن الله أنواره وأن نكشف لهم بعض أسراره.
فإنهم يسعون في الأرض فسادًا، كل ذلك لكي يوم القيامة عندما يدخلون النار يدخلونها بعدالتها.
الكرامات الثلاث: ذاكرًا له ومذكورًا به ومذكورًا عنده
أكرمك بكرامات ثلاث: جعلك ذاكرًا له، ولولا فضله لم تكن أهلًا لجريان ذكره عليك.
وجعلك مذكورًا به؛ إذ حقّق نسبته لديك. ما أنت لمّا تقول: لا إله إلا الله، ويا الله، ما أنت اعترفت بأنك لست الله؟ انتبه!
وجعلك مذكورًا عنده. ما هو هذا الجزاء؟
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
من ذكرني في ملأ ذكرته. فتمّم نعمته عليك؛ يبقى أكرمك بأن كنت ذاكرًا، ومذكورًا به، ومذكورًا عنده.
ربّ عمر قليل الأمد كثير المدد كالإمام النووي والشافعي
قال رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
ربّ عمر اتسعت آماده وقلّت آمداده، وربّ عمر قليلة آماده كثيرة آمداده.
الإمام النووي توفي وعنده خمس وأربعون سنة فقط، الإمام النووي ما زلنا ننتفع بعلمه حتى الآن.
الإمام الشافعي توفي وعنده أربع وخمسون سنة، ركن من الأركان وإمام من الأئمة، لم يعش تسعين ولا شيئًا، فهم بالكاد أربعة وخمسون سنة. وإذا به ما هو؟ ربنا أقام به الدنيا، عالم قريش يملأ الأرض طباق الأرض علمًا.
إذن القضية ليست بقضية الكمّ وإنما بالمدد.
الإمام السيوطي ألف كتابه الكبير في النحو وعمره سبعة عشر عامًا
تجد الولد صغيرًا لكن الله مبارك فيه. الإمام السيوطي كان هنا في مكاننا الذي نحن [فيه] هكذا، أكرمنا الله بأن نلتمس من بركاتهم من بعدهم، من غير حول منا ولا قوة ولا استحقاق.
ألّف كتابه الماتع الكبير في النحو وهو ابن سبعة عشر سنة، الذي هو حجتنا حتى الآن. الذي بعد ذلك قسّمه إلى حوالي سبعة كتب تقريبًا: الأشباه والنظائر في النحو، وبغية الوعاة، وهمع الهوامع، وهكذا إلى آخره.
كان كتابًا واحدًا كبيرًا، وبعد ذلك قال: حسنًا ومن الذي يقرأ كل هذا؟ فقسّموه إلى كتب، كل كتاب مجلدان أو ثلاثة مجلدات، والمزهر كله هذا كان كتابًا واحدًا، في سنّه سبعة عشر عامًا.
فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
من بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن ما لا يدخل تحت العبارة
ومن بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من مِنَن لله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة.
يعني يُفتح على السالك في لحظة ما لا يُفتح على الآخر في ثلاثين سنة. هذا كلام من؟ هذا سيدنا عبد القادر الجيلاني.
يعني في لحظة يُفتح عليه، وأخوك يعمل ثلاثين سنة كما هو، لا يتقدم شيئًا. هناك من يمشي وآخر يقول له: قف مكانك.
الخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إلى الله
الخذلان كل الخذلان أن تتفرغ من الشواغل ثم لا تتوجه إليه.
أحيانًا يملّ الإنسان فيقول: والله إنني لا أريد أن أذهب إلى العمل أو أي شيء، أريد أن أتفرغ هكذا ولكي يمنّ الله عليّ. وفعلًا لا يذهب إلى العمل، فيقوم وينام! وهذا هو كل الخذلان.
فلماذا لم يكن من الأفضل أن تذهب إلى العمل؟ فهكذا تعمر الأرض وتعمل شيئًا. ولكن لا، فلا عمل ولا توجّه إلى الله، ذهب نائمًا.
قالوا: لا، هذه خيبة. هكذا وصلنا إلى أي مرتبة؟ فهناك مراتب ودرجات، فأي مرتبة هذه؟ هذه مرتبة الخيبة.
وجوب التوجه إلى الله بعد قلة الشواغل وعدم التكاسل
لا بدّ لنا من أن لا نفعل هكذا؛ لا تتكاسل وتقلّ عوائقك. ربنا قلّل العوائق ثم لا ترحل إليه! يجب، لا، انتهى؛ ما دمت قلّت الشواغل فتوجّه بقلبك إليه.
الفكرة سير القلب في ميادين الأغيار والفرق بين سير القلب وسير العقل
الفكرة سير القلب في ميادين الأغيار، التي هي ماذا؟ الدنيا؛ كوادرها، هذا العمود والمسجد والبيت والطريق والمشاكل. أغيار يعني ماذا؟ جمع غير، من الله يعني الله، ثم بعد ذلك كل ما سوى الله هؤلاء أغيار.
فما معنى الفكرة؟ معنى الفكر أن تجلس لتفكر، ما معنى ذلك؟ سير القلب في ميادين الأغيار.
حسنًا، وسير القلب أم سير العقل؟ العقل ستجلس لتدبّر معاش الدنيا وهذا مقبول، لكن القلب سيذهب في الاعتبار.
الفكرة سراج القلب تنير العيوب وتكشف الشرك الخفي في القلب
انتبه! فالفكرة سراج القلب؛ النور سينير لك الحكاية كلها، وعندما سينيرها ستكتشف عيوبك.
وعندما ستكتشف عيوبك ستجد أنك قد تكون مشركًا بالله، واضعًا الدنيا في قلبك من الداخل. فعندما الله هو [في قلبك]، أنت هنا، اخرج خارجًا وتعال طاردها من الخارج.
اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا.
فإذا ذهبت [الفكرة] فلا إضاءة له؛ فإذا لا توجد فكرة فلا توجد إضاءة، فتكون الدنيا ظلمة. لا تعرف من الذي يجلس في هذا الركن ولا من الذي يجلس في ذلك الركن.
أما لو أنار القلب لعرف الإنسان من الذي يجلس في قلبه. فإذا عرف الإنسان ذلك اتخذ قرارًا واضحًا: إن سمحتِ اخرجي! وأنتِ أيضًا مطلّقة ثلاث طلقات.
طلاق الدنيا ثلاث مرات بينونة كبرى لا رجعة فيها
يعني أن الدنيا طُلّقت ثلاث مرات. ثلاثة يعني ماذا؟ طلاق الدنيا ثلاث مرات يعني بينونة كبرى؛ يعني لا ترجع إليه حتى تنكح زوجًا غيره، يعني وليس لها علاقة وليس له علاقة بهذه الحكاية. لا ينفع [أن ترجع الدنيا إلى قلبه].
الفكرة نوعان: فكرة تصديق وإيمان لأرباب الاعتبار وفكرة شهود وعيان لأرباب الاستبصار
الفكرة فكرتان: فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان. فالأولى لأرباب الاعتبار، والثانية لأرباب الشهود والاستبصار. درجات!
ما قلنا إنه مجذوب سالك وسالك مجذوب؟ فإذا كنت من السالك المجذوب فأنت من أهل الاعتبار.
لكن أرباب الشهود — أي شهود الحضرة القدسية — والاستبصار — أي استعمال البصيرة — أي التعلق بعالم الملكوت والتجاوز عن عالم الملك والشهادة الذي حولنا.
كما قالوا: تعلّق قلبه بالعرش. الذي قال له فيه: من ذاق فعرف، ومن عرف اغترف. قال له: عرفت فالزم، عرفت فالزم. هذا لمّا يكون متعلقًا قلبه بالملكوت.
الدعاء الختامي والترضي عن سلسلة المشايخ الشاذلية ودورهم في نصرة الإسلام
فاللهم يا ربنا اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وارضَ اللهم عن هذا العالم برضاك، عن شيخنا الشيخ ابن عطاء الله السكندري، من تلاميذ أبي العباس المرسي، من تلاميذ أبي الحسن الشاذلي، من تلاميذ عبد السلام بن بشيش أو مشيش، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وهي سلسلة كلها نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء. سلسلة إذا ما حُرّكت تحرّكت ذرات الكون بالخير والصلاح. كانت قلوبهم معلّقة بالله، أرشدوا الناس والخلق إلى دين الحق، ورفعوا راية الإسلام عالية.
ولمّا دخل المغول ديار المسلمين صدّوهم وأوقفوهم عند حدودهم، وانتصروا عليهم في ساحة المعركة، ثم إنهم [المغول] دخلوا في دين الله.
