موقفك من الأسباب | الحكم العطائية | حـ 2 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

موقفك من الأسباب | الحكم العطائية | حـ 2 | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • الحِكَم العطائية لابن عطاء الله السكندري تشرح حديث "لا حول ولا قوة إلا بالله" وتطبيقاته في الحياة.
  • الحكمة الأولى تنهى عن الاعتماد على العمل؛ فعلامة ذلك نقصان الرجاء عند وجود الزلل.
  • لا يدخل أحد الجنة بعمله بل بفضل الله ورحمته، حتى النبي صلى الله عليه وسلم.
  • الاعتماد على الأعمال يؤدي إلى الكِبر، وهو مرض قلبي خطير يمنع من دخول الجنة.
  • المعصية لا ينبغي أن تؤدي إلى فقدان الرجاء، بل تستدعي التوبة والعودة إلى الله.
  • الحكمة الثانية تتناول العلاقة مع الأسباب: الاعتماد عليها شرك وتركها جهل.
  • التجريد (ترك الأسباب) مع إقامة الله للعبد في الأسباب شهوة خفية.
  • طلب الأسباب مع إقامة الله للعبد في التجريد انحطاط عن الهمة العالية.
  • القاعدة النبوية: الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله، كالطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً.
  • الحِكَم تدعو إلى التبرؤ من الحول والقوة والتسليم لما يجريه الله على العبد.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الدرس والتعريف بالحكمة الأولى من الحكم العطائية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مع الحِكَم العطائية لسيدي ابن عطاء الله السكندري، وقد تكلم في أول حكمة عن ألّا نعتمد على الأعمال حتى يرضى الله سبحانه وتعالى عنا، وقال: من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل.

كيف أعرف أنني اعتمدت على عملي وعلاقة ذلك بالتوفيق والقدر

كيف أعرف أنني قد اعتمدتُ على عملي؟ أفرح عندما تحدث الطاعة، وأفقد الرجاء عندما تحدث المعصية. ولكنه [ابن عطاء الله] يريد أن يعلمنا أن طاعتي هذه كانت بتوفيق الله، وأن معصيتي هذه كانت بقدر الله.

وعلى ذلك فلا بد أن نؤمن بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز العرش»

والمتأمل في حِكَم ابن عطاء الله السكندري يجد كأنه يشرح هذا الحديث؛ يشرح كيف أنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

تطبيق لا حول ولا قوة إلا بالله في جميع أحوال الحياة

وكيف تُطبقها [لا حول ولا قوة إلا بالله] عندما تعمل، وعندما تعصي، وعندما تتوب، وعندما تتعامل مع الأسباب، وعندما تعتزل الناس، وعندما تخالطهم، وعندما تسير في الحياة.

دائمًا يكون ديدنك وعنوانك وكل شيء عندك هو لا حول ولا قوة إلا بالله. يشرح [ابن عطاء الله] هذا في صورة واضحة في كل الحكم.

حديث لا يدخل أحدكم الجنة بعمله وبيان أن الدخول بفضل الله

هنا يتكلم [ابن عطاء الله] عن حقيقة ذكرها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أنه:

قال النبي ﷺ: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله»، فقالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته»

فبيّن هذا الحديث أن أحدًا لن يدخل الجنة بموجب عمله، إنما في الحقيقة بفضل الله سبحانه وتعالى، فلا نعتمد على العمل.

وجوب التوبة الفورية من المعصية وعدم فقدان الرجاء في رحمة الله

ولذلك إذا قدّر الله علينا معصية، فلا بد علينا من اليقظة؛ لا بد علينا أن نرجع عن هذه المعصية، وأن نتوب، وأن نتناساها بعد ذلك، وأن نعزم على ألّا نعود إليها مرة أخرى.

ولكن لا نفقد الرجاء أبدًا في ربنا حتى لو تكاثرت المعاصي، حتى لو أنني قد كُتبت عليَّ معاصي الدنيا كلها؛ فإن الله سبحانه وتعالى قد قبل من المشركين إسلامهم وجعلهم خير جيل عرفته البشرية، وجعلهم دعاة هادين مهديين إلى يوم الدين.

سيدنا عمر وسيدنا عثمان كانوا معدودين من المشركين، كانوا يعبدون الوثن، ولكنهم أصبحوا خير الناس وأصبحوا أعلى الناس. لا تفقد الرجاء في ربك أبدًا من أجل مجموعة من المعاصي فعلتها.

الاعتماد على العمل يحجب فضل الله وهدايته عن دخول الجنة

هكذا تكون قد اعتمدتَ على العمل، كأنَّ عملك هو الذي سيُدخلك الجنة. فضلُ الله وهدايتُه هي التي ستُدخلك الجنة؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله. لا حول ولا قوة بك أيها الضعيف المسكين.

ولذلك تأمرنا هذه الحكمة ألّا نعتمد أبدًا على أعمالنا؛ لأن الاعتماد على الأعمال سيسبب مصائب، منها الكِبْر.

خطورة الكبر ولو بمقدار حبة خردل وأثره في منع دخول الجنة

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«لن يدخلَ الجنةَ من كان في قلبِهِ مثقالُ حبةٍ من خردلٍ من كِبْر»

هل تعرفون أن حبةَ الخردلِ ستةُ آلافٍ منها يساوي جرامًا واحدًا؟ هل تدرون أن هذا الجرامَ شيءٌ بسيطٌ جدًا، موجودٌ عند الصاغةِ في صورةِ صفيحةٍ صغيرةٍ جدًا؟ هذه الصفيحةُ وزنُها يساوي ستة آلاف حبة خردل.

فإذا كان الإنسان عنده واحد على ستة آلاف من الجرام من الكِبر، وأن هذا يمنعه من دخول الجنة، فما بالك لو تمكن الكِبر من القلب؟ إنه مرض من أمراض القلوب الشديدة.

عدم الاعتماد على الأعمال يحفظ الرجاء ويدفع إلى التوبة والتضرع

ولذلك الرجل [ابن عطاء الله] بدأ حكمه بهذا: ألّا تعتمد على الأعمال. عندما لا نعتمد أيضًا على الأعمال، لا نفقد الرجاء؛ فإذا ما وقعنا في الزلل فإننا نقول: الأمر كله بيد الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا ضعيف، اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني.

ونبكي ونتضرع ونخضع ونخشع لله رب العالمين، فتكون مساحة الرجاء واسعة.

ولذلك فالاعتماد على العمل كما أنه يؤدي إلى الكبر، فإنه يؤدي إلى فقد الرجاء. فكانت هذه الحكمة حكمة بليغة ينبغي علينا أن نكررها وأن نحفظها وأن نرجع إليها، خاصة عندما نصاب بذنب من الذنوب.

وجوب التوبة الفورية وعدم اليأس من رحمة الله عند الوقوع في الذنب

حدث الذنب أمس؟ لا بد من التوبة اليوم، وهيا بنا نبدأ صفحة جديدة. عدم اليأس من رحمة الله، عدم فقد الرجاء.

كثير من الناس عندما نتكلم معهم نقول له: يا أخي أنت مستمر في الذنب، فيقول: أنا داخل النار، داخل النار! هذا فقد الرجاء. هذا في حقيقته أنه اعتمد على العمل، ولما أن فقد العمل الصالح أصبح متكبرًا، ولكن مع هذا الكبر فقد أيضًا التوبة.

ولذلك فهذه الحكمة تؤدي بنا إلى الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى دائمًا وأبدًا.

معنى ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون وأن القبول بمحض فضل الله

نعم، قال تعالى:

﴿ٱدْخُلُوا ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 32]

العمل لا يكون معتبرًا مقبولًا، كما يقول الفضيل بن عياض، إلا إذا كان بالإخلاص والصواب، وإنما قبوله بمحض الفضل من عند الله.

إذن "بما كنتم تعملون" [أي] بفضل الله؛ يعني كأن الآية تتضمن: بفضل الله. فالعمل الذي نُوفَّق إليه لا نتكبر به على أحد.

الحكمة الثانية في بيان العلاقة مع الأسباب بين التجريد والاعتماد

الحكمة الثانية يقول فيها ابن عطاء [الله] رحمه الله تعالى: إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية.

هذه الحكمة تحاول أن تبين علاقتنا مع الأسباب. القاعدة المقررة لدى عباد الله سبحانه وتعالى أن الاعتماد على الأسباب شرك، وأن ترك الأسباب جهل. إذن لا نترك الأسباب ولا نعتمد عليها.

الاعتماد هذه صفة وعمل من صفات وأعمال القلوب؛ لا نعتمد على الأسباب. الفلاح يلقي الحب ثم يدعو فيقول: يا رب.

حديث التوكل على الله وأخذ الأسباب كما تفعل الطير

دائمًا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السبب الذي خلقه الله سبحانه وتعالى لا بد منه، ولذلك يقول:

قال النبي ﷺ: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا»

قال العلماء: إذن الطير تغدو وتروح، تذهب وتجيء. فلو جلس الطير في عشه لا يُرزق، بل إنه يخرج ويبحث عن الرزق، وربنا يرزقه، ثم يرجع وهو شبعان. يذهب ويأتي؛ هذا هو السبب [أي الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله].

أخذ النبي بالأسباب في الحرب والتداوي مع كمال توكله على الله

والنبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج إلى أُحُد خالف بين درعين [لبس درعين فوق بعضهما]، والله يقول:

﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: 67]

ولكن بالرغم من ذلك لم يترك الأسباب. والنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالتداوي وقال:

«تداووا فإن الله ما خلق داءً إلا وخلق له دواءً»

إذن الدين كله يأمرني بأن آخذ بالأسباب.

ترك الأسباب في غير محلها اختبار لله وشهوة خفية

ولذلك عندما أكون في مرحلة من المراحل البدائية التي لا بد فيها من الاعتماد على الأسباب، لا أترك هذه الأسباب وإلا أكون قد اختبرتُ الله.

ولذلك ورد في الروايات أن إبليس جاء إلى سيدنا عيسى عليه السلام وقال له: ألست روح الله وكلمته؟ طيب، ألقِ بنفسك من هنا وقل: يا رب نجني، وهو كان على الجبل. قال له [عيسى عليه السلام]: اذهب يا لعين، ما كان لي أن أختبر الله، هو الذي يمتحنني ويختبرني.

ولذلك ترك الأسباب وأنت في حالة ليست حالة التجرد، لماذا تفعل هكذا؟ [تقول:] المتوكل على الله! هذا الكلام شهوة خفية.

شرح الحكمة الثانية بين التجريد والأسباب وعلاقتها بلا حول ولا قوة إلا بالله

إرادتك التجريد مع إقامة الله لك في الأسباب من الشهوة الخفية. حسنًا، والعكس: أن الله سبحانه وتعالى أعطى إنسانًا قلبه [أي ملك قلبه بالتجريد] وجعله لا يحتاج إلى شيء، فإذا أراد أن يخالط الأسباب فهذا انحطاط عن الهمة العلية.

وهذه الحكمة بحالها تعود بنا إلى تفسير قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ بمعنى أننا نبرأ من حولنا ومن قوتنا، وأننا نسلم لله سبحانه وتعالى ما يجريه علينا في هذا الكون من أعمال ومن أسباب.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.