من علامات البصيرة | الحكم العطائية | حـ 5 | أ.د علي جمعة - الحكم العطائية, تصوف

من علامات البصيرة | الحكم العطائية | حـ 5 | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • يشرح ابن عطاء الله السكندري في حكمته: "اجتهادك فيما ضمِن لك، وتقصيرك فيما طُلِب منك دليلٌ على انطماس البصيرة منك".
  • ضمن الله للإنسان رزقه وأجله وشفاءه وهدايته، لكنه طلب منه العبادة.
  • اجتهاد الإنسان في طلب ما ضُمن له وتقصيره فيما طُلب منه يدل على عدم فهمه لمراد الله وانطماس بصيرته.
  • البصر في العين والبصيرة في القلب، وانطماس البصيرة يعني عدم رؤية الحقيقة.
  • الحكمة مرتبطة بسابقتها "أرح نفسك من التدبير"، مبينة أن الحكم متسلسلة ومترابطة.
  • روى الشيخ قصة عن محمد أمين البغدادي الذي تصدق على رجل سكران، فكانت صدقته سبباً في هدايته وتوبته.
  • عندما تاب الرجل انخفض دخله، فأوضح له الشيخ أن الزيادة كانت لينفقها على المعصية.
  • اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم يأتي بالعجائب ويكون سبباً في هداية الناس.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

افتتاح الحلقة والتعريف بالحكمة العطائية عن انطماس البصيرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وأهلًا بكم في حلقة جديدة من الحكم العطائية لسيدي ابن عطاء الله السكندري، وهو يقول في حكمتنا اليوم:

«اجتهادك فيما ضُمِنَ لك، وتقصيرك فيما طُلِبَ منك، دليلٌ على انطماس البصيرة منك»

ما ضمنه الله للإنسان من الرزق والأجل والشفاء والهداية

فالإنسان وهو في الطريق إلى الله يجتهد في الحياة في شيءٍ ضُمِنَ له؛ ضمِنَ الله لك أجلك، وضمِنَ الله لك رزقك، وضمِنَ الله لك أنه هو الذي يشفيك، وضمِنَ الله لك أنه هو الذي يهديك، وضمِنَ الله لك الحياة؛ لأنه هو الذي خلقك.

ولكن طلب منك عبادته:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

طلب منك فقال:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: 21]

اعبدوا ربكم، فطلب منك العبادة وشرح لك هذه العبادة.

الفرق بين ما ضمنه الله من الرزق وما طلبه من العبادة

لكنه سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]

فالذي ضمنه لك هو الرزق، والذي طلبه منك هو العبادة. فعندما تعكس الأمر وتجتهد في طلب الرزق وتترك ما طلبه منك من العبادة، فإن هذا دليل على عدم فهمك لربك، دليل على انطماس بصيرتك، دليل على أن عين قلبك قد عميت أو أُغلقت عين قلبك.

الفرق بين البصيرة في القلب والبصر في العين الجارحة

فالقلب فيه عين تسمى بالبصيرة، والعين فيها جارحة تسمى بالبصر. هذا البصر بالعينين بالجارحة، وهذه البصيرة بالقلب بعين القلب.

فإذا اختل فهمك ولم تعلم مراد الله سبحانه وتعالى من خلقه، وما الذي طلبه وما الذي ضمنه، فإنك تكون غير راءٍ للحقيقة. ولذلك فعين البصيرة قد أُغمضت أو عميت، وهذا هو الذي يسمى بانطماس البصيرة والعياذ بالله تعالى.

إعراب كلمة دليل على وزن فعيل واستواء المفرد والمثنى والجمع فيها

«اجتهادك فيما ضُمِنَ لك وتقصيرك فيما طُلِبَ منك دليل»، كلمة «دليل» في اللغة العربية على وزن فَعِيل، وهذا الوزن يستوي فيه المفرد وغيره. ولذلك لم يقل «دليلان» بل قال «دليل»، وهذا من ناحية العربية سليم.

«تقصيرك واجتهادك» دليلان، لكنه قال عليهما «دليل»؛ وذلك لأنه استعمل كلمة على وزن فَعِيل. و«فَعِيل» يستوي فيه المفرد ويستوي فيه المثنى ويستوي فيه الجمع، يعني «دليلان» أو «أدلة» كلها، لكن كلمة «دليل» يجوز استعمالها هنا: «دليل على انطماس البصيرة منك».

ترابط الحكم العطائية وعلاقة كل حكمة بما قبلها وما بعدها

لا حول ولا قوة إلا بالله. لا بد أن نتأملها من وراء هذه الحكمة. هذه الحكمة أتت بعد قوله:

«أرِح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك»

«اجتهادك فيما ضُمِنَ لك وتقصيرك فيما طُلِبَ منك دليل على انطماس البصيرة منك». هذه الحكم في تتاليها لها حكمة أيضًا، ولذلك كثير من الشراح نعى على المتقي الهندي عندما صنفها، أو عندما جعلها بعضهم على حروف الهجاء كأنه فهرس لها. قالوا: أبدًا، إن كل حكمة لها علاقة مع ما قبلها وما بعدها.

فهو هنا يتكلم عن الآجال وعن الأرزاق وعن أن الإنسان لا بد أن يفهم عن الله ومراد الله.

قصة الشيخ محمد أمين البغدادي مع الرجل السكران وإعطائه الصدقة

وهكذا يروي لنا مشايخنا قصة عن الشيخ محمد أمين البغدادي، والشيخ محمد أمين البغدادي كان من علماء الأكراد العاملين والسالكين في طريق الله، وكان شافعي المذهب، وأتى مصر ومات فيها سنة ألف وتسعمائة وأربعين، وكانت له مجموعة كبيرة من تلاميذه من علماء الأزهر الشريف.

الشيخ محمد أمين البغدادي وهو يسير إلى المسجد الذي كان يلازمه ويصلي فيه وكذلك يدرس فيه، وهو مسجد الظاهر جاشنكير، لاقى أحد الناس وهو في حالة سكر.

الرجل السكران يطلب من الشيخ صدقة والشيخ يعطيه عشرة صاغ

وهذا الرجل السكران طلب منه شيئًا، تعرض له هكذا وقال له: هات شيئًا، أعطني شيئًا. فوجده رجلًا محترمًا، ولكن لأنه سكران غير واعٍ، يعني كأنه يطلب منه ويستجدي منه.

فأخرج الشيخ عشرة صاغ، وهذه العشرة صاغ كانت ذات قيمة في ذلك الوقت، وأعطاها لهذا الرجل.

فلامه أحد التلاميذ، كان السائرون معه قالوا له: هذا رجل سكران يا سيدنا، كيف تعطيه عشرة قروش؟ سيذهب ليشرب بها!

هكذا قال لهم: ندعو الله سبحانه وتعالى له بالهداية، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نعطي الناس ولو جاءت على فرس، وهذا الرجل أنا لا أفتش في أنه سكران أو غير سكران، أنا أنفّذ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطيه لأنه سألني وأنا معي في جيبي، أعطيه العشرة صاغ.

توبة الرجل السكران بعد أن حدث له قيء من الخمر ورجوعه إلى الله

وفجأة وبعد عدة أيام أتى هذا الرجل إلى المسجد يبحث عن ذلك الشيخ الذي قابله في هذه المنطقة. أين الشيخ هذا؟ قالوا له: تريد ماذا؟ قال: أبدًا، لا لا بد أن ألتقي به.

فدخل عليه وقبّل يديه وهو يبكي. قال له: ما الأمر؟ ما الخبر؟ قال له: يا سيدنا، العشرة قروش الفضية التي أعطيتني إياها ذهبت لأشرب بها خمرًا، فلما شربت الخمر حدث لي قيء، وبعد ذلك بقي منها مبلغ فشربت ثانيةً فحدث لي قيء، ومرة ثالثة فحدث لي قيء ثالث.

وعلى ذلك أنني حدث لي نفور من الخمر وتبت إلى الله وصممت على أنني لا أشرب هذه النجاسات مرة أخرى، وأنني أرجع إلى الله وأصلي وأصوم وأنا ألازمك.

نقصان دخل الرجل بعد التوبة وتفسير الشيخ أن المال كان رزق الخمّار

فلما لازمه [الرجلُ الشيخَ]، كان دخل هذا الرجل ستة جنيهات، وبعد ذلك عندما لازم الشيخ وصلى وصام واستقام وهكذا، أصبح دخله أربعة جنيهات.

فذهب إلى [الشيخ] قال الشيخ له: يا مولانا، هل الذي يسير معكم تُخسف به الأرض هكذا؟ يعني أنا كنت ستة جنيهات، وبعدما صليت وصمت أصبحت أربعة جنيهات!

فقال له: حسنًا، لنبحثها بهدوء. أنت كنت تعطي لهذا الخمّار، وكان الخمّار يأتي من اليونان وإيطاليا وغيرهما إلى آخره، يعني يقولون عليه [أي الخمر المستورد]، يعني بتعطي [للخمّار] كم؟ قال له: كنت أعطي له اثنين جنيه.

قال له: حسنًا، إذن لم يكن رزقك، كان رزق [الخمّار]. يعني ثم طهرك الله من الخمر، والاثنين جنيه الذين كانوا يذهبون [للخمّار] سيذهبون له من طريق آخر عن طريق حكمة الله سبحانه وتعالى وتدبيره للكون.

العبرة من القصة في اتباع سنة النبي وأن الهداية بيد الله وحده

الرجل تاب وحسنت توبته، رحمه الله تعالى. والحقيقة أنه لم يُنقص [الله] رزقه؛ لأن هذا [المال الزائد] كان يأتيه ويفعل بها المعصية، فلما ذهبت المعصية لم يكن له حاجة فيها، وأصبح هنا معنى في هذه القصة جليل.

وهو أننا كلما اتبعنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأينا عجائب وغرائب وهدى الله الناس بها. فلما قال [النبي ﷺ]: أعطِ الصدقة، أعطِ الصدقة، فإذا بها تكون سببًا في هداية هذا الرجل، ليس بيدي ولا بيد الشيخ ولا بيد التلميذ الذي اعترض، إنما هي بيد الله؛ هو الذي يهدي وهو الذي يُحدِث كل ذلك في الكون.

فتنبَّه، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.