برنامج السراج المنير: إفشاء السلام - السراج المنير, السيرة, سيدنا محمد

برنامج السراج المنير: إفشاء السلام

22 دقيقة
  • السلام في الإسلام قيمة عظيمة وعنوان للتحية، وهو اسم من أسماء الله تعالى واسم الجنة.
  • يختتم المسلم صلاته بالسلام على من حوله حتى لو كان وحده، ويسلم على الملائكة.
  • أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإفشاء السلام، وكان الصحابة يسلمون على بعضهم حتى بعد الافتراق عند شجرة.
  • أساس الأخلاق في الإسلام هو الرحمة، وقد وصف الله نبيه بالخلق العظيم.
  • سُئل سفيان بن عيينة عن السلام على الكافر فأجاز ذلك مستشهدًا بقوله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين".
  • الحديث "لا تبدؤوهم بالسلام" ورد في سياق خاص مع اليهود الذين كانوا يغيظون الصحابة ويتعمدون الإساءة بقولهم "السام عليكم".
  • سلّم كثير من السلف على غير المسلمين مثل ابن مسعود والحسن البصري.
  • أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالأخذ بظاهر الأمور، وعدم التنقيب عما في القلوب.
محتويات الفيديو(24 أقسام)

مقدمة الحلقة وسؤال عن حكم إفشاء السلام على المسلم وغير المسلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

[المذيع]: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بكم يا مولانا.

[الشيخ]: مرحبًا بكم، أهلًا وسهلًا، أهلًا بك.

[المذيع]: يا مولانا، في الحلقة الماضية تحدثنا في نهاية الحلقة، كنا نتحدث عن حسن الجوار، وفضيلتك قلت لنا عن موضوع اليهود والسلام. نريد أن نعرف حكم الإسلام في إفشاء السلام على المسلم وعلى غير المسلم؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. جعل الإسلام عنوانه السلام، فنرى أن السلام هذا هو الذي يواجه به المؤمن العالَمَ بعد الانتهاء من الصلاة.

الصلاة تبدأ بالتكبير وتنتهي بالسلام حتى لو كان المصلي وحده

فصلاة المسلم تبدأ بالتكبير — الله أكبر — على كل ما في الدنيا، ولذلك لا يصلح فيها من كلام الناس شيء، إنما هي تكبير وتهليل وتحميد.

ثم بعد ذلك ينتهي منها فإذا به يقول: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، حتى لو كان وحده. ما شاء الله! هو لا يسلم فقط على من هم عن يمينه وعن شماله من المسلمين، لا؛ لأنه لو كان وحده لسلَّم.

حتى قال العلماء: فما حاجتنا إلى السلام وهو يصلي في الصحراء؟ قال: يسلم على الملائكة. ما شاء الله! فكان السلام هذا فلسفة كبيرة جدًا يواجه بها المؤمن عند الانتهاء من الصلاة الكونَ بالسلام.

السلام تحية المسلم واسم من أسماء الله وضد الحرب

السلام أيضًا هو التحية، عنوان التحية. السلام اسم من أسماء الله، السلام سُمِّيت به الجنة دار السلام، السلام ضد الحرب.

إذن، فعندما يجعل المسلم قيمة السلام هكذا — نهايةً للصلاة، مواجهةً للكون، عنوانًا للتحية، اسمًا من أسمائه تعالى، عنوانًا واسمًا من أسماء الجنة التي يدخلها المؤمن في الآخرة والتي هي مبتغاه، عنوانًا للسِّلم ما بين الناس — إذن هو يربي نفسية من نوعية معينة.

حديث إفشاء السلام وتطبيق الصحابة له عند افتراقهم عند الشجرة

النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم:

قال رسول الله ﷺ: «أفشوا السلام بينكم»

وكان الصحابة يحوِّلون هذا إلى أشياء عجيبة قد يستغربها الناس الآن. منها أن الصحابة كانوا إذا افترقوا عند شجرة فإنهم يُلقون السلام بعضهم على بعض مرة أخرى. ما شاء الله!

لماذا؟ لأن كلمة «السلام عليكم» فيها ذكر لله؛ لأن السلام اسم من أسماء الله. السلام فيه نوع من أنواع الطمأنينة بين الخلق، هم كانوا يعيشون بهذا.

السلام ينتمي إلى مجموعة الخلق العظيم وأساسها الرحمة

إذن فالسلام ينتمي إلى مجموعة أكبر منه وهي مجموعة الخلق العظيم الذي وصف الله به نبيه وقال:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

هذه المجموعة من الأخلاق أساسها ومبتدؤها الرحمة:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]

هذه الرحمة هي التي بدأ الله بها كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم.

العلاقة بين المسلم وغير المسلم ومنهج الرد بالسلام على الجاهلين

العلاقة بين المسلم وغير المسلم، عندما ننظر، هناك:

﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا سَلَـٰمًا﴾ [الفرقان: 63]

قالوا سلامًا. إذن هذا منهج أننا لا نعتدي ولا نكثر الكلام. فما بالك إذا كان الجاهلون جهلوا علينا فنرد بالسلام، فما بالك أن نبدأ نحن بالجهل!

ولذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَإِذَا سَمِعُوا ٱللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [القصص: 55]

يعني إن هذه تربية عظيمة جدًا أفادت هذا النموذج، نموذج التعدد الذي نستحضره نحن الآن في عصرنا.

تأسيس الإسلام للسلام والرحمة وفتوى سفيان بن عيينة في السلام على الكافر

ولكن بعد أن حطَّم الناس الأخلاق، بعد أن ابتعدوا عن العلم، بعد ما جهلوا دينهم، والله سبحانه وتعالى أسَّس السلام وأسَّس الرحمة وأسَّس مجموعة الأخلاق التي حولها.

انظر ما ذكره القرطبي مثلًا أنه قيل لسفيان بن عيينة — وهو من كبار المجتهدين والعلماء الكبار —: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال: نعم، قال الله تعالى:

﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]

يعني يحب أن تفعلوا ذلك [البر والقسط مع غير المحاربين].

الجهل بالدين يحول المسلم إلى شخص قاسٍ يرفض السلام على غير المسلم

فانظر إلى هذا [الفهم الصحيح للسلام]، وانظر إلى ما يحدث الآن. هل يجوز أن نسلم على الكافر؟ يريد أن يتشاجر! لماذا؟ ما الذي أوصل أخانا هذا إلى هذا الحال؟ إذا كان يعني الإسلام — ما شاء الله — فيه كل هذه الأوامر وكل هذه المواقف وكل هذه الأحكام، فما الذي جعل هذا المسكين يتحول إلى ذلك الشخص القاسي؟

إنه الجهل، بمعنى أنه يقرأ فلا يفهم. وأنا أضرب مثالًا ولعله أن يصل إلى القلوب، وهو يعني قصة نضربها ولكنها تدل على غفلة، إنما هذا هو الذي يحدث مثله تمامًا أمام أعيننا.

قصة الرجل الذي مشى على الدواء بقدميه بدلاً من تناوله

يُقال إن أحدهم ذهب إلى الطبيب فقال له: امشِ على هذا الدواء لمدة شهر، ثلاث مرات في اليوم. فذهب واشترى الدواء، وطلب أفضل ماركة وأفضل دواء يكون من أفضل شركة تُنتج هذا الدواء.

ثم وضعه وسار عليه بقدميه؛ لأن الطبيب قال له: امشِ عليه! وكان ملتزمًا، فظل يسير على الدواء ثلاث مرات في اليوم، ليس مرتين ولا يترك يومًا. الحمد لله!

فرآه أحدهم فقال له: ما هذا؟ أنت تمشي على الدواء، معناه تشربه! قال له: والعياذ بالله، الطبيب يقول امشِ على الدواء وأنت تقول لي اشربه! لو كان الطبيب يريد ذلك لقال لي اشربه وانتهينا.

تشبيه سوء فهم النصوص الشرعية بقصة المشي على الدواء

إن هذه القصة المضحكة التي ضحكت عليها حضرتك ويمكن أن يضحك عليها المستمعون الآن، هي ما يفعله كثير من الناس مع النصوص الشرعية للأسف، مع كل أسف.

يذهبون فيجتزئون ويفهمون خطأً من غير أي تأنٍّ ولا تدبر ولا أي شيء. هذا الشخص الذي يمشي على الدواء كان معه آخر فقال له: ألم تسمع؟ قال لي امشِ ولا تشرب؟ قال له: لا. قال له: قال لك امشِ. قال له: ها هو شخص آخر، ألم تسمع؟ قال له: نعم، أنا سمعت، كنت حاضرًا.

شخص ثالث قال له: أنا عندما جئت ماذا قلت لك؟ قال: أنت قلت لي هكذا. شخص رابع قال له: أنت كنتُ مشغِّلًا المسجل، شغِّله مرةً أخرى. فقال الدكتور له فعلًا: امشِ على الدواء ثلاث مرات في اليوم وما إلى آخره.

قسوة القلب ناتجة عن الجهل بالدين وسوء فهم النصوص الشرعية

نحن في ورطة مع هؤلاء، متى يفهمون ويتبصرون؟ من هنا قسا القلب من هذا الجهل.

[المذيع]: أين الخطأ؟ بعد إذنك يا مولانا، سنعرف أين الخطأ ولكن بعد الفاصل، وهو كذلك فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا. السلام عليكم ورحمة الله.

ثلاثة أخطاء في فهم حكم السلام على غير المسلمين: تعميم الخاص وجهل أسباب النزول وتقاطعات الأحكام

[المذيع]: عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. قبل أن نذهب إلى الفاصل يا مولانا، كانت فضيلتكم تقول لنا عن مثال الرجل الذي قال له الدكتور امشِ على الدواء فأخذها بحرفيتها. فضيلتك قلت لنا أن هناك خطأً في موضوع السلام على أهل الكتاب أو على غير المسلمين، فأين الخطأ؟

[الشيخ]: والخطأ ينشأ من أمور:

  • الأمر الأول: أن نعمِّم الخاص.
  • الأمر الثاني: ألا نعلم أسباب النزول.
  • الأمر الثالث: هو ألا نفهم تقاطعات الأحكام.

ألا نفهم تقاطعات الأحكام، نعم.

سبب نهي النبي عن بدء اليهود بالسلام وسياقه الخاص بإغاظة الصحابة

فلما النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أفشوا السلام»، هذا أمر وهو عام. فيأتي اليهود لإغاظة الصحابة، وعندما يغيظون الصحابة يشتبك الصحابة معهم ويتخاصمون معهم، فيجرُّون شكلهم كما يقولون بالعامية.

والنبي عليه الصلاة والسلام ليس متفرغًا، فالنبي يبني أمة ويبني دولة، فقال لهم: لا تبدؤوهم بالسلام. نعم؛ لأنه كان عندما يسلمون عليهم [أي اليهود] يردون عليهم بما يؤذيهم، فقال لهم: حسنًا، لا داعي للسلام، لا داعي للسلام.

هذا عند الشخص المتحفز العدواني الذي يريد أن يصطنع المشاكل. كما يقولون: لا تحتكَّ به لا بالطيب ولا بالردي، حتى ننتهي. نحن لا نريد مشاكل، أنا لا أريد مشاكل.

تعميم النص الخاص خطأ والنبي كان يتعامل مع اليهود بقوة لا بضعف

جميل، ما شاء الله. فإذا بهذا النص يصبح هو الأصل، أي ويصبح أننا لا نبدأهم بالسلام، لا نبدأهم بالسلام [وهذا تعميم خاطئ للنص الخاص].

النبي عليه الصلاة والسلام كان يتعامل مع اليهود بقوة وليس بضعف. كان يمدحهم أنهم أهل كتاب، فلما رأى أنهم ينكثون وأنهم كذا إلى آخره، فيقول: «واضطروهم إلى أضيق الطرق»، امشِ أنت أولًا.

أي لكي يشعر المسلم بأنه ليس مقهورًا في بلده، وبأنه لن يضعف أمام جبروت وطغيان وعدوان الخصم. إنه يربي أولاده على القوة وفي نفس الوقت على الأدب والمسامحة والصبر، لكن من غير ذلة.

فقال: «لا تبدؤوهم بالسلام واضطروهم إلى أضيق الطرق»، لكنه قال أيضًا: «أفشوا السلام»، نعم، فيما بينكم.

الطبري ينقل عن السلف وابن مسعود أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب

عندما نأتي لنرى المفاهيم كما قلنا، سفيان بن عيينة فعل ماذا؟ [أجاز السلام على الكافر]. إذا أخذنا مثلًا، الطبري يقول: وروي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب، وفعله ابن مسعود، نعم.

مع دهقان صاحبه في طريقه وهو يمشي، والدهقان قادم وصاحبه في طريقه. قال علقمة — تلميذ ابن مسعود — فقلت له: يا أبا عبد الرحمن، أليس يُكره أن يُبدأ بالسلام [على غير المسلم] بسبب الحديث الفلاني؟

فقال له: ولكن حق الصحبة — التي هي تقاطعات الأحكام — هذا الذي تتحدث عنه ينطبق على الشخص الذي كان يطعن فينا والذي كان كذا إلى آخره، لكن هذا هو حق الصحبة. يعني يضع النصَّ في موضعه بفهمٍ دقيقٍ جميلٍ. «امشِ عليه» يعني تناوله ثلاث مرات في اليوم لمدة شهر.

أبو أسامة كان يسلم على كل من يمر به مسلماً أو غير مسلم امتثالاً لأمر إفشاء السلام

وكان أبو أسامة إذا انصرف إلى بيته لا يمرُّ بمسلمٍ ولا نصرانيٍّ ولا صغيرٍ ولا كبيرٍ إلا سلَّم عليه. فقيل له في ذلك: أنت في كل لحظةٍ أثناء سيرك تقول السلام عليكم والسلام عليكم، ألا تعلم على من تسلم؟ فقال: أُمِرنا أن نُفشي السلام. فهمٌ صحيح.

وأيضًا أورد القرطبي في تفسيره أنه قد سُئِل الأوزاعي — وهو إمام مثل مالك والشافعي وغيرهم، وصاحب مذهب — عن مسلم مرَّ بكافر فسلَّم عليه، فقال: إن سلَّمت فقد سلَّم الصالحون قبلك.

فتوى الأوزاعي في السلام على غير المسلم والتفريق بين أحوال الصحبة والعداوة

جميل! الأوزاعي يقول: إن سلَّمت فقد سلَّم الصالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك. يعني في أحوال: هذا صديقي وجاري وصاحبي ورفيقي في الطريق يكون له حكم آخر [وهو جواز السلام عليه].

هذا [الآخر] يعتدي علينا ويصنع مشاكل ويجلب لنا القلق، فمن الممكن أن أغضب معه هكذا ولا أسلم عليه؛ لكي أبيِّن له أن أنا حزين من ما يفعله في المجتمع.

ولكنه [الجاهل بالدين] يأتي فيغيِّر هذا ويحذفه من سياقه ويفسره على غير وجهه الصحيح. هذا هو الذي يُقسي القلوب.

الحسن البصري سلم على مجلس فيه مسلمون وكفار وسياق حديث لا تبدؤوهم بالسلام

وأيضًا الحسن البصري مرَّ على مجلس فيه مسلمون وكفار فسلَّم عليهم، إلى آخر ما هنالك من تطبيقات السلف الصالح الفاهمين.

أما هذه القضية التي كانت محاطة بـ«السَّامُ عليكَ يا محمد»، محاطةٌ باختلاق المواقف، نعم، هذه قضية صعبة وقضية تُذهِب بالأمن الاجتماعي وقضية ستؤدي إلى الفتنة والنزاع.

ولذلك كان هناك طريقة لأن نحلَّها وهي: أبعِدْ هذا عن ذاك فيرتاح هذا من ذاك، أو أبعِدْ هذا عن ذاك فيرتاح هذا من ذاك. يعني إذا أنا أمام فهمٍ صحيح وفهمٍ مغلوط، هذا الفهم المغلوط عندما يتكاثر وعندما يصمِّم الناس على اختياره تقسو قلوبهم وينحرفون عن الحق.

توضيح أن نهي النبي عن بدء اليهود بالسلام كان حالة خاصة وليس حكماً عاماً

[المذيع]: يعني إذا يا مولانا، الرسول عندما قال للصحابة: «لا تبدؤوهم بالسلام»، عندما هم يسلمون قولوا مثل ما قالوا: «عليكم مثل ما قلتم»؛ لأجل مسألة «السَّام عليكم»، السَّام عليكم [أي الموت عليكم]. نعم. لكن هذه ليست معناها أننا لا نسلم على غير مسلم؟

[الشيخ]: نعم، هذه حالة خاصة، حالة خاصة.

الانتقال إلى موضوع الحكم بظاهر الأشياء وعدم شق القلوب

[المذيع]: جميل. حسنًا يا سيدنا، نريد أن ندخل أو نتطرق إلى موضوع الحكم بظاهر الأشياء.

[الشيخ]: نعم، إننا لا نحاول أن نشق القلوب.

[المذيع]: نريد أن نبدأ في هذا الموضوع حتى نستكمله في الحلقة القادمة إن شاء الله.

[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم أُمِرنا أن نأخذ بالظاهر وأن الله سبحانه وتعالى يتولى السرائر. ليس هذا نص حديث، وإنما هو فعله صلى الله عليه وسلم هكذا دائمًا، أنه كان يأخذ بالظاهر.

حديث النبي عن الحكم بالظاهر وتحذيره من أخذ حق الغير بلحن الحجة

ويقول [النبي ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: «وربما أن يأتي أحدكم فيكون ألحنَ بالحجة من أخيه فأقضي له، فمن أخذ قطعةً من الأرض أو شبرًا من الأرض طوَّقه به سبعين أرضًا يوم القيامة»

إذا كان كذلك فهو يسمع ويحكم بالظاهر.

قصة أسامة بن زيد وقتل من نطق بالشهادة وتأكيد النبي على الأخذ بالظاهر

ولما أمر [النبي ﷺ] الصحابة قال:

قال رسول الله ﷺ: «فمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فكُفُّوا عنه»

فجاء واحد من الصحابة وقتل [من نطق بالشهادة]. نعم، سيدنا أسامة لما قتل من قال لا إله إلا الله، آه، بعد ما قال [الشهادة].

فقال [أسامة]: يا رسول الله، قالها تعوُّذًا، يعني أنه قالها ليتقي السيف. قال [النبي ﷺ]: «هلّا شققت عن قلبه، هلّا شققت عن قلبه، هلّا شققت عن قلبه»، قالها ثلاثًا.

قال سيدنا أسامة: حتى وددت أني لم أُسلم إلا الآن. يعني ليتني ما أسلمت ولا ذهبت ولا جئت، وكنت أسلمت الآن، من شدة ما حدث. كررها رسول الله ﷺ، يعني لم يكررها ثلاث مرات [فحسب]، نعم، لا، ظل وراءه حتى يعني اختنق.

لا يوصف أحد بالنفاق بعد النبي لأن الوحي انقطع والحكم يكون بالظاهر

لماذا؟ لأنه يأمرنا أن نأخذ بالظاهر. فقضية الأخذ بالظاهر هذه جعلت العلماء تقول إن المنافقين كانوا في عهد رسول الله يعلمهم بالوحي.

أي لا يُوصف أحد من المسلمين بالنفاق ولو كان كذلك بعد النبي. يعني إنه الآن يوجد شخص بينه وبين الله هو منافق، لكنني لا أستطيع أن أقول عنه أنه منافق. نعم؛ لأنه ليس عندي وحيٌ يخبرني بذلك، ليس عندي وحي.

أما أنا فسأقول عنه منافق، ما المبرر؟ نعم، هل كشفت عما في قلبه؟ ولذلك أُمِرنا أن نأخذ بالظاهر.

علامات النفاق العملي وختام الحلقة بالوعد باستكمال الموضوع

ولذلك العلامات التي وضعها النبي ﷺ ما هي؟

قال رسول الله ﷺ: «آية المنافق ثلاثة: إذا حدَّث كذب، وإذا اؤتُمِن خان، وإذا خاصم فجر»

[المذيع]: سيدنا، هل يمكن أن ننهي الحلقة الآن؟

[الشيخ]: نعم، فيمكن أن نستكمل آيات المنافق وكيفية الحكم على الظاهر في الحلقة القادمة إن شاء الله.

[المذيع]: إن شاء الله. هذا من قبيل النفاق العملي وليس الاعتقادي.

[الشيخ]: نعم، إن شاء الله.

[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعده باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم السراج المنير، فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.