برنامج السراج المنير: التعايش مع الآخر منهج إسلامي - السراج المنير, السيرة, سيدنا محمد

برنامج السراج المنير: التعايش مع الآخر منهج إسلامي

22 دقيقة
  • التعايش مع الآخر أساس في الإسلام حيث أُرسل النبي محمد للناس كافة، وله أمتان: أمة الدعوة وهم جميع البشر، وأمة الإجابة وهم المسلمون.
  • يقوم الإسلام على مبادئ أساسية منها عدم الإكراه في الدين وحرية العقيدة، فمهمة الرسول البلاغ فقط والهداية بيد الله.
  • أمر الله بالتعايش في قوله: "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم".
  • كان النبي يقدر حسن الخلق حتى من غير المسلمين، كما ظهر في موقفه من عبد الله بن جدعان والمطعم بن عدي رغم أنهما ماتا على الشرك.
  • النسخ في القرآن والسنة محدود جداً ولا يتعارض مع الاستفادة من كل مواقف النبي، فهو أسوة حسنة في كل لحظة.
  • التعايش يقوم على القيم العليا كالعدل والرحمة وحسن الخلق، وهذا ما ينبغي نقله إلى عصرنا والعصور القادمة.
محتويات الفيديو(29 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بفضيلة الإمام الدكتور علي جمعة

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: أهلًا بك يا سيدنا، مرحبًا. في حلقة المقدمة السابقة يا مولانا تحدثنا عن أن النبي صلى الله عليه وسلم هو السراج المنير، ووصلنا في نهاية الحلقة إلى مفهوم التعايش مع الآخر. نريد أن نتعرف مع فضيلتك على هذا المفهوم؟

النبي خاتم الأنبياء والإسلام العهد الأخير بين الله وعباده

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. النبي صلى الله عليه وسلم أرسله ربه إلى العالمين وجعله خاتمًا للنبيين والمرسلين، فلا نبي بعده ولا رسول.

وبذلك كان الإسلام هو العهد الأخير بين الله سبحانه وتعالى وبين عباده. ومن هنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أُرسل للناس كافة، وتكوَّن من ذلك أمتان كما يشير إلى ذلك الإمام الرازي، وينقل هذا الإمام شيخ الإسلام الباجوري في حاشيته التوحيدية: أمة تسمى بـأمة الدعوة، وأمة تسمى بـأمة الإجابة.

الفرق بين أمة الدعوة وأمة الإجابة في الإسلام

أمة الدعوة هي أمة محمد عليه الصلاة والسلام. حتى نتفهم، فإنهم الستة مليار أو السبعة مليار الذين موجودون الآن، جميع البشر، كل البشر. الرسول يدعوهم على مر العصور. أنا أقول ستة أو سبعة مليارات الذين هم موجودون الآن، لكن أيضًا من عاش من الناس قبل ذلك منذ مبعث وإرسال النبي إلى الآن هو من أمة محمد، سبحان الله.

إنما هناك أمة إجابة آمنوا به وصدقوه، ما شاء الله، هؤلاء هم المسلمون.

نسبة المسلمين في العالم وأمتا الدعوة والإجابة

[المذيع]: المسلمون، نعم.

[الشيخ]: من الستة - يقول لك واحد ونصف [مليار].

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: من السبعة ربما أصبحوا اثنين [مليار] أو شيء من هذا القبيل، شيء كهذا. من الستة واحد ونصف، يعني هذا الربع، يعني كل أربعة من البشر فيهم واحد مسلم وفيهم ثلاثة ليسوا مسلمين.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فسيدنا الرسول أُرسل وله أمتان: أمة الدعوة وأمة الإجابة. إذن فدينه في أساسه مبني على هذه الحقيقة أنه مطالب بالتبليغ، هذه واحدة.

حرية العقيدة في الإسلام ورفض الإكراه والنفاق

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]

أنه ليس هو الهادي، بل الهادي هو الله.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

أن الإسلام يكره المنافقين، أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، فلا ينشئهم ولا يرضى بهم.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: بل يكرههم.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: لأجل ذلك لا إكراه في الدين، لقد جاء أنه:

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ [البقرة: 256]

﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الغاشية: 22]

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

وهكذا مجموعة هذه القيم التي بُني عليها الإسلام.

الإسلام يؤيد حرية العقيدة ويؤسس لكيفية التعامل مع غير المسلمين

جعلت الإسلام مع هذه الحقائق - أنه الخاتم، أنه لا يرضى بالنفاق على الدوام - أيَّد حرية العقيدة لأنه لا يرضى بالنفاق. أيَّد أيضًا كيفية تعاملنا مع الثلاثة غير المسلمين؛ إذ إنه من كل أربعة أشخاص في العالم يوجد واحد مسلم يتعامل مع ثلاثة غير مسلمين على اختلاف دياناتهم ومعتقداتهم.

والله تعالى يقول:

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]

ويقول أيضًا:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]

الكثرة ليست لها معنى.

حديث النبي عن الأنبياء يوم القيامة والقضية قضية عقيدة لا كثرة

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «يأتي النبي يوم القيامة ومعه الرهط من قومه، ويأتي النبي ومعه تسعة أو عشرة، ويأتي النبي ومعه الاثنان، ويأتي النبي وليس معه أحد»

نبي لا يوجد أحد اتبعه إطلاقًا، مع أن هذا النبي كان على الحق. هذا النبي الذي يأتي وليس معه أحد، أي القضية قضية عقيدة ومبادئ وأوامر وطاعات ومعاصٍ؛ أمر الله بالطاعات ونهى عن المعاصي.

ولذلك الأدوات التي استعملها الإسلام كانت يمكن أن نطلق عليها التعايش.

مفهوم التعايش في القرآن من خلال آية ادفع بالتي هي أحسن

تعايش، هذا نجده في قوله تعالى:

﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]

ادفع بالتي هي أحسن، هذه حكمة، أو قل عنها إنها فلسفة، أو قل عنها إنها شيء:

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

ادفع بالتي هي أحسن.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فإذا الذي بينك وبينه عداوة، الله! هذه في حالة عداوة، ليست في حالة رضا، ليست في أنني على وفاق، وكذلك لكنني أسعى لإنشاء ذلك الوفاق. هذه هي حقيقة التعايش.

قراءة سيرة النبي بعين التعايش والتعامل مع الآخر

هيا بنا نقرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن قد وضعنا على أعيننا النظارة المكبرة الكاشفة عن مواقف سيدنا، عن أوامره، عن نواهيه، عن حياته، عن علاقاته، وكيف أن كل ذلك يترجم لنا منهاجًا واضحًا للتعايش الجميل.

[المذيع]: إذن يا مولانا، التعايش هذا مع بداية الدعوة الإسلامية ليس شيئًا حديثًا، ولا كما يقول بعض الناس من المستشرقين أنهم يطالبوننا بالتعايش. نحن مأمورون بالتعايش منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة.

[الشيخ]: يعني إذا دعانا أحد لأن نتعايش فتلك بضاعتنا رُدَّت إلينا.

آية البر والقسط مع غير المسلمين وأصل التعايش في القرآن

جميل، إذا دعانا أحد أن نتعايش، رجعنا إلى كتاب ربنا حتى نرى:

﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]

جميل، تبروهم آتية من البر، مثلما يُقال بر الوالدين.

[المذيع]: طبعًا، البر هو...

[الشيخ]: أيوه.

حلف الفضول في دار عبد الله بن جدعان وموقف النبي منه

النبي صلى الله عليه وسلم في سيرة ابن هشام كان يقول:

قال رسول الله ﷺ: «شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دُعيت إليه في الإسلام لأجبت»

عبد الله بن جدعان هذا رجل كان من المشركين، كان في مكة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أخلاقه. والله، وعلى فكرة، عاش مشركًا ومات مشركًا. إنما سيدنا يعلمنا أن:

قال رسول الله ﷺ: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا»

هذا يعني أن هناك خيارًا في الجاهلية.

[المذيع]: نعم، هناك خيار في الجاهلية.

[الشيخ]: من الشهامة والمروءة وما إلى ذلك.

حمر النعم وقيمتها وقصة عنترة بن شداد مع كسرى

يقول [النبي ﷺ]: شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم. حمر النعم هي الإبل الحمراء، وهذه تكون نادرة وغالية، الواحدة منها تساوي عشرة من التي ليست حمر النعم، هذه الحمر.

وكان يتميز المرء عندما يكون لديه حمر النعم بأنه غني. ولذلك في قصة عنترة بن شداد ذهب ليأتي بمائة من إبل حمر النعم من كسرى. كسرى كان لديه الكثير من حمر النعم؛ لأنه حريص على أن يُظهر القوة والفخامة وما إلى ذلك.

حلف الفضول وموقف النبي لو دُعي إليه في الإسلام

ولو دُعيت إليه في الإسلام لأجبت. لأجبت، يعني هذا الحلف الذي كان عند عبد الله بن جدعان، لو كان في وقت الإسلام، لو كان في الإسلام لشاركت فيه.

وهذا الحلف هو حلف الفضول، كان في دار عبد الله بن جدعان. وكان سيدنا صلى الله عليه وسلم كلما ذُكر ابن جدعان تبسَّم.

[المذيع]: تبسَّم، آه.

[الشيخ]: يقول: عبد الله بن جدعان، ويأتي يعني مثل هذا، يحصل له حالة من السرور عليه الصلاة والسلام.

قصعة ابن جدعان الكبيرة وكرمه في إطعام الضيوف

فالسيدة عائشة قالت: يا رسول الله، كلما ذُكر ابن جدعان رأيتك تتبسم. قال:

قال رسول الله ﷺ: «كان عنده قصعة يصعد إليها بالسلالم»

ما شاء الله! يثرد فيها الثريد، يُلقي فيها الفتوت باللحم، كل هذا هو لضيوف الرحمن.

[المذيع]: ما شاء الله، كريم.

[الشيخ]: كان سيدنا النبي يحب هذه الأخلاق.

[المذيع]: طيب.

[الشيخ]: والشرك أمر متعلق بالآخرة، متعلق بالله [سبحانه وتعالى].

المطعم بن عدي ومواقفه النبيلة مع المسلمين رغم شركه

كان عندنا المطعم بن عدي، والمطعم بن عدي هذا كان يقف مع المسلمين كثيرًا، ويقول للمشركين أثناء إيذائهم للمسلمين: استحوا، عيب عليكم! وكان يُجير من المسلمين كثيرًا، كان يقف مع النبي كثيرًا.

ومات قبل بدر.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: في السنة الأولى للهجرة مات المطعم بن عدي، كان عن تسعين سنة.

موقف النبي من أسرى بدر وتقديره للمطعم بن عدي

فلما حصلت بدر في السنة الثانية والمسلمون منَّ الله عليهم بالنصر، وأسر النبي مجموعة من الأسرى من قريش، قال:

قال رسول الله ﷺ: «والله لو أن المطعم بن عدي حيًّا فكلمني في هؤلاء النتنى لأعطيتهم له»

إنه غاضب منهم جدًا، هؤلاء النتنى الذين هم الأسرى، الذين جاؤوا ليضربوا المسلمين في ديارهم، الذين يريدون قتل النبي وإخراجه، الذين يعني افتراؤهم زاد عن حده عدوانًا وطغيانًا.

والله لو أن المطعم بن عدي كان حيًّا وكلمني في هؤلاء النتنى لأعطيتهم له. يعني رغم البغض لهم كان سيعطيهم للمطعم بن عدي يعتقهم من أجل المطعم بن عدي.

المطعم بن عدي مشرك شهم والشرك حسابه عند الله يوم القيامة

وهذا المطعم، له يعني، هذا المطعم مشرك.

[المذيع]: نعم، نعم.

[الشيخ]: كان مشركًا ومات مشركًا على دين آبائه، لكنه كان رجلًا ما شاء الله، كان شهمًا، كان وقّافًا مع الحق، ناصرًا للمظلومين. كان النبي يحب هذه الأمور عليه الصلاة والسلام، يحبها.

حسنًا، والشرك الخاص به، الشرك الخاص به عند ربه في حساب يوم القيامة مع الله. أما نحن في الدنيا ماذا نفعل؟ نُهينه؟ والله لو أن المطعم جاءني لأعطيه هؤلاء السفهاء.

ما شاء الله، عليه الصلاة والسلام، عليه الصلاة والسلام، يعلمنا نحن إذن.

التعايش مع الآخرين قائم على مبادئ العدل والمساواة والرحمة

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: كيف نتعايش مع الآخرين؟ كيف نجعل العلاقة بيننا وبينهم هي المبادئ العليا: من العدل، من المساواة، من الرحمة، من عمارة الدنيا، من كذا إلى كذا؟

[المذيع]: حسنًا، سنذهب إلى فاصل يا سيدنا ونعود لنستكمل الحوار.

[الشيخ]: نعم.

[المذيع]: فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا.

عودة من الفاصل وسؤال عن تطبيق التعايش مع الآخر على الواقع المعاش

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عُدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.

مولانا، قبل أن نذهب إلى الفاصل، كانت فضيلتكم تحدثنا عن المطعم بن عدي وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتقبل حسن الخلق من الآخر حتى ولو كان مشركًا. نريد أن نطبق ذلك على الواقع المعاش يا مولانا؟

[الشيخ]: هو في الحقيقة إننا نريد أن نقرأ السيرة النبوية قراءة واعية مبنية على أسس.

هل مفهوم النسخ يقدح في مفهوم الهداية من السيرة النبوية

أول هذه الأسس هي قضية النسخ. هل مفهوم النسخ يقدح في مفهوم الهداية؟ هذا هو السؤال الأول الذي ننطلق منه في تطبيق ما نقرأه في السنة على واقعنا، بل ويفيد أبناءنا وأحفادنا في كل واقع يعيشون فيه.

[المذيع]: نعم، النسخ يا سيدنا، الذي هو الناسخ والمنسوخ.

[الشيخ]: النسخ والمنسوخ.

[المذيع]: أعني الأحكام؟

[الشيخ]: نعم، جميل. ربنا يقول:

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106]

التدرج في النسخ والاستفادة من كل لحظات بعثة النبي

فهل فكرة أن آية تأتي مكان آية من أجل التدرج، من أجل التطوير، من أجل كذا إلى آخره، ما موقف هذا من الاستفادة بالثلاثة والعشرين سنة التي كان النبي عليه الصلاة والسلام قد أُرسل فيها؟

عليه الصلاة والسلام، ربنا يقول لنا:

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

قالها مطلقة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: ومن هنا فإن الاستفادة من كل لحظة وكل موقف وكل علاقة وكل قرار وكل تصرف فعله النبي ينبغي أن يندرج في هدايتنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في كل لحظة من لحظات حياته، وفي كل لحظة من لحظات بعثته صلى الله عليه وسلم.

النسخ خلاف الأصل وقاعدة الأصوليين في التعامل معه

وأن قضية النسخ إنما يكتنفها أمور، منها أنها خلاف الأصل. الأصل هو أنه ليس هناك نسخ. فيقول الأصوليون أن النسخ خلاف الأصل، وبنوا على ذلك قاعدة جليلة وهي أن الأمر إذا تردد بين نسخين ونسخ، حُمل على النسخ [مرة واحدة]؛ لأنه خلاف الأصل.

هل هذا الأمر نُسخ مرتين أم نُسخ مرة واحدة؟ يكون قد نُسخ مرة واحدة. لماذا؟ لأن النسخ خلاف الأصل.

[المذيع]: نعم، نقترب من الأصل قدر المستطاع.

[الشيخ]: هذا خلاف الأصل.

بحث عبد المتعال الجبري ومصطفى زيد في محدودية النسخ في القرآن

يقول الأستاذ عبد المتعال الجبري بعد بحث ماتع له - والبحث منشور - النسخ في القرآن: أنه ما من آية ذُكر أنها منسوخة إلا وذُكر أيضًا أنها ليست منسوخة من العلماء.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وهذا واقع، حرره أيضًا الدكتور مصطفى زيد في رسائله، إلا أنه ذهب إلى أن النسخ والمنسوخ لا يتعدى ست آيات فقط.

النسخ في القرآن عند مصطفى زيد بعد بحث طويل أصبح ست آيات. يعطي نفس الفكرة وهي أن النسخ هذا كان قليلًا، كان خلاف الأصل، كان شيئًا محدودًا.

الرد على المبالغة في النسخ وآية السيف لا تنسخ مائة وثلاثين آية

ولا يقدح في كل شيء. يقول لك: لا، هذا نُسخ. لا، ما هو أصل آخر الأمرين كان كذا. لا، هذا في بعض الأحكام القليلة.

ولما ذهبنا إلى السنة ربما لم نجد أكثر من إحدى عشرة حديثًا أو شيئًا من هذا القبيل. طبعًا الناس بالغت في هذا الأمر كثيرًا وجعلت آية السيف تنسخ مائة وثلاثين آية. هذا الكلام غير سليم.

وهذا هو مذهب كثيرين جدًا من المحدثين، منهم فضيلة الشيخ الغزالي رحمه الله، ومنهم كثير جدًا من العلماء المحدثين الذين يرون كما كان يرى كثير من الأئمة أن النسخ هو خلاف الأصل، وأنه محدود، وأنه لا يعود على الهداية بالبطلان.

الهداية تستفيد من كل الآيات والأحاديث وهذا أساس التعايش

وأن الهداية إنما نستفيد فيها بكل الآيات وبكل الأحاديث وبكل المواقف وبكل السيرة. هذا أساس التعايش، وهذا أساس الاستفادة من السيرة النبوية الشريفة.

إذ النبي صلى الله عليه وسلم لما أُرسل بشيرًا ونذيرًا ومبشرًا ومنذرًا، الحقيقة أنه أُكرم من عند الله سبحانه وتعالى.

[المذيع]: نعم، عليه الصلاة والسلام.

شهادة السيدة خديجة بأخلاق النبي عند نزول الوحي عليه

في البخاري ومسلم عن السيدة خديجة عندما أتاها [النبي ﷺ] يخبرها بأمر نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم، قالت:

قالت السيدة خديجة: «أبشر، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا»

عليه الصلاة والسلام.

«فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق في الحديث، وتحمل الكَلَّ»

الشخص المتعب تساعده، أنت ذو أخلاق عالية جدًا.

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، تكرم الضيف، وتعين على نوائب الحق.

نقل حسن الخلق النبوي إلى عصرنا ووصية معاذ بن جبل

أي أن يبدو من ذلك أنه ممن أكرمه الله. سيدنا النبي كان هكذا، فحين كان بهذه الصفات حسن الخلق، فنريد أن ننقل هذا إلى عصرنا الحاضر.

حسن الخلق وهو يوصي معاذًا [بن جبل] وهو ذاهب، قال له:

قال رسول الله ﷺ: «عليك بحسن الخلق»

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وفي الأحاديث المسلسلة عندما أرسل معاذًا إلى اليمن.

[المذيع]: إلى اليمن، نعم.

الأحاديث المسلسلة وأهمية فهم الحديث بالدراية لا بالإسناد فقط

في الأحاديث المسلسلة عندنا شيء اسمه الأحاديث المسلسلة، أشياء طريفة هكذا. يقول لك: عن الحسن عن أبي الحسن عن جد الحسن: أحسن الحسن الخلق الحسن.

إخواننا ربنا يعافيهم يقولون: هذا ضعيف! هو ليس منتبهًا، يعني مسلسل. قل ما على وصف أتى، مثل: أما والله انبان الفتى، كذاك قد حدثنيه قائمًا، أو بعد أن حدثني تبسم، هو مع يا للعجب!

حصر نفسه في صحة الإسناد وهو ليس له علاقة بالدراية والمعنى وغير ذلك. فقط هذا ضعيف وهذا قوي وهذا ضعيف، وعاش في هذا الدور دون أن ينتبه إلى أن هذه الأحاديث مؤيدة بشواهد ومؤيدة ولها صناعة أخرى.

ختام الحلقة والوعد بتطبيق مفهوم التعايش من السيرة في الحلقات القادمة

لكن على كل حال، كيف نفهم التعايش من سيرة سيدنا؟ ثم ننقله إلى عصرنا الحاضر بل والعصور القادمة.

[المذيع]: هذا يا مولانا ما سنقدمه مع فضيلتك إن شاء الله في الحلقات القادمة.

[الشيخ]: الحلقات القادمة إن شاء الله.

[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم أن أشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعده باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم السراج المنير. إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.