برنامج السراج المنير: عالمية الدعوة الإسلامية ج1 - السراج المنير, السيرة, سيدنا محمد

برنامج السراج المنير: عالمية الدعوة الإسلامية ج1

21 دقيقة
  • استضاف النبي صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران في مسجده، وسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية داخله.
  • احترم النبي حرية المعتقد ولم يجبرهم على اعتناق الإسلام، عملاً بمبدأ "لا إكراه في الدين".
  • رفض النبي بشدة أن يُعبد كما تعبد النصارى عيسى، قائلاً: "معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر أحداً بعبادة غيره".
  • نزلت الثمانون آية الأولى من سورة آل عمران في قصة هذا الوفد ومجادلتهم.
  • كتب النبي للوفد عهداً يضمن حماية أنفسهم وممتلكاتهم وكنائسهم، وألا يتدخل في شؤونهم الدينية.
  • أعفى النبي كنائسهم من الضرائب لتمكينهم من أداء دورهم الاجتماعي.
  • دعا النبي وفد نجران للمباهلة لكنهم رفضوا خوفاً من صدق النبي وقوة إيمانه.
  • توافدت على المدينة وفود كثيرة من مختلف البلاد، منها من أسلم ومنها من لم يسلم.
  • كان النبي يستقبل جميع الوفود ويخاطب كلاً منها حسب عقولهم وثقافتهم.
محتويات الفيديو(23 أقسام)

مقدمة الحلقة وسؤال عن تصرف النبي مع وفد نصارى نجران

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى المَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ،

[المذيع]: فَسَلَامُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ، حَلْقَةٌ جَدِيدَةٌ مِنْ حَلَقَاتِ بَرْنَامَجِكُمْ السِّرَاجُ المُنِيرُ مَعَ فَضِيلَةِ الإِمَامِ الْعَلَّامَةِ الدُّكْتُورِ عَلِي جُمْعَةَ مُفْتِي الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ. أَهْلًا وَمَرْحَبًا بِكُمْ يَا مَوْلَانَا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: في الحلقات السابقة يا مولانا لا زلنا في برنامج السراج المنير نتعرف على كيفية التعايش مع الآخر. نريد أن نعرف في حلقة اليوم يا مولانا: كيف تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وفد نصارى نجران؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. وضع الله سبحانه وتعالى لنبيه معالم الطريق، قال له:

﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125]

أي أنه أخلى مسؤوليته البشرية، أخلى عنه مسؤولية الهداية:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

معالم الطريق النبوي في التعامل مع الآخر من البر والعدل وعدم الإكراه

رسم الله له معالم الطريق بأن الأمر قد يقوم على شيء من البر:

﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]

والقسط هو العدل:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]

رسم له معالم الطريق وهو يتعامل مع الآخر، فقال له:

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

حوار الله مع أهل الكتاب حول إبراهيم عليه السلام ونسبته للإسلام

الله سبحانه وتعالى مع أهل الكتاب بالذات يقول:

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 65-68]

إذا كنتم تريدون الديانة الإبراهيمية فهذا النبي هو خير من يمثلها، وهو من أبناء إبراهيم من طريق سيدنا إسماعيل.

سؤال الأحبار والنصارى للنبي عن العبادة ورده عليه الصلاة والسلام

ابن سعد يُخرج في [طبقاته] أن رجلًا من الأحبار قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، أتريد منا أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فهناك إذن نموذج هو نموذج النصارى الذين رأوا الخلاص في سيدنا عيسى باعتباره - كما قالوا عنه - أنه ابن الله. فهذا نموذج أمام اليهود، فيقولون: ماذا تريد أنت الجديد؟ هل تريدنا أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟

وقال رجل من نصارى نجران: يا محمد، هل تريد أن نعبدك؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر أحدًا بعبادة غيره، ما بذلك بعثني» عليه الصلاة والسلام.

نزول آية تنزيه الأنبياء عن دعوة الناس لعبادتهم

أنزل الله سبحانه وتعالى في هذا الشأن قوله:

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُوا رَبَّـٰنِيِّـنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 79-80]

وفي هذا الشأن نزلت الثمانون آية الأولى من سورة آل عمران في هذا الوفد [وفد نصارى نجران] الذي استضافه النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، ولم يمنعه من الدخول فيه.

استضافة النبي لوفد نجران في المسجد وعلانية الدين الإسلامي

فهم ضيوفه، فأكلوا وشربوا وجلسوا ورأوا. أظهر لهم أنه ليس في دين الإسلام أسرار، ولذلك فنحن ما نكتبه هو ما هو موجود في القرآن، هو ما في خطبة الجمعة. ليس هناك حياة خاصة.

بل ما نقوله وما نعتقده هو معلن من قِبَلنا أمام العالم. فلا، ليس عندنا دين سري ولا دين مخصوص بحيث أنه يعلمه بعضنا ولا يعلمه الآخرون، كما في بعض الأديان تجد أنهم هناك طائفة من الحكماء تعلم وهناك طائفة لا تعلم، هناك طائفة من الكهنة تعلم وهناك طائفة من الشعب لا تعلم أبدًا.

المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم.

ميثاق الله مع النبيين وتصديق النبي محمد لما قبله من الرسل

ربنا سبحانه وتعالى يقول بعد هذه الحكاية التي حكاها عن قصة الجدال الذي حصل بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين وفد نجران:

﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيِّـنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى قَالُوٓا أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]

مصالحة النبي لنصارى نجران وإقامتهم في المسجد لأداء شعائرهم

صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم نصارى نجران وأقامهم في شطر مسجده يؤدون شعائر دينهم داخل المسجد الخاص بسيدنا ومولانا، داخل المسجد نفسه.

وكتب لهم عهدًا جاء فيه: «ولنجران وحاشيتهم جوار الله». نجران وحاشيتهم يعني مَن تبعهم من القبائل العربية الأخرى، فلهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله عليه الصلاة والسلام، على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبِيَعهم.

حماية الحرية الدينية والإدارية لنصارى نجران في عهد النبي

لا يُغيَّر أسقف عن مكانه ولا راهب عن رهبانيته، لا يتدخل [الإسلام] في العبادة ولا يتدخل في التَّرتيب حتى الإداري [منه]؛ الأساقفة والمطارنة وما إلى ذلك.

ولا واقفٌ عن وقفانيته، وهو المسؤول، هذا الذي هو ناظر الوقف أو ناظر البيت أو من يُطلِقون عليه القيِّم؛ لأنه يقوم بشؤون هذا البيت الذي فيه صليب النصارى.

إذن العلاقة التي كانت بينه [النبي ﷺ] وبين الآخر هي احترام العقائد وعدم ازدراء الأديان في حريتها، وكذلك إلى آخره.

نصوص طبقات ابن سعد في إعفاء أملاك الكنائس من الضرائب

أيضًا في [طبقات] ابن سعد في نصوص غريبة عجيبة يمكن تتبعها والتمتع بها - أنا أستعمل هذه الكلمة التمتع بها؛ لأن المرء وهو يقرأ يكون مسرورًا.

يعني في طبقات ابن سعد أنه نصَّ صلى الله عليه وسلم في معاهدته معهم [نصارى نجران] أن لهم ما تحت أيديهم من قليلٍ وكثيرٍ من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم.

لا يُحشرون ولا يُعشرون، يعني لا أحد يأخذ منهم ضرائب. هذه الأملاك التابعة للكنيسة ليس عليها ضرائب؛ لكي نتيح فرصة العبادة، ولكي لا يأتي الشعب المسيحي بعد ذلك ويقولوا: أنتم منعتمونا من العبادة بفرض ضرائب علينا. لا، هذه معفاة من الضرائب.

الحكمة من إعفاء دور العبادة من الضرائب ودورها الاجتماعي

لماذا [أُعفيت من الضرائب]؟ لأنها تقوم بمهمة اجتماعية. ما هي؟ هي أن تجعلك متديّنًا. وما معنى كونك متديّنًا؟ أن تعمل وأنت تعرف الحلال والحرام، وأنه خطأ أن تقتل الناس، وخطأ أن تكذب، وخطأ أن تسرق، وخطأ أن تزني، وخطأ أن تفسد في الأرض.

هذا أيضًا سينتج لي المواطن الصالح، فأنا أعفيها من الضرائب لكي تقوم بدورها الاجتماعي هذا.

[المذيع]: حسنًا، دعنا نخرج يا مولانا إلى فاصل بعد إذن فضيلتك.

[الشيخ]: نعم.

[المذيع]: نعود لنستكمل موضوع الإعفاء من الضرائب. والله إن كلام سيدنا [رسول الله ﷺ] كله عبر ومواعظ ومليء بالفوائد، ما شاء الله. فاصل، نعود إليكم فابقوا معنا.

عودة بعد الفاصل واستكمال الحديث عن روايات طبقات ابن سعد ووفد نجران

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. قبل أن ننتقل إلى الفصل [التالي]، يا مولانا، كنت تخبرنا عما ورد في طبقات ابن سعد عن إعفاء الكنائس من الضرائب.

[الشيخ]: في طبقات ابن سعد توجد روايات كثيرة تصف حال النبي صلى الله عليه وسلم ومن حوله من القوانين، ومنها الجدال الذي تم مع وفد نجران.

الفصل بين الجدل العقدي والمعاملة العادلة مع وفد نجران

النبي عليه الصلاة والسلام، لو قرأت الثمانين آية الأولى من سورة آل عمران ستجد أنها تحكي هذا الجدل، ولكن بالرغم من هذا الجدل العلمي الأكاديمي فإنه مفصول تمامًا عن كيفية المعاملة العادلة معهم.

يعني نعم نختلف اختلافًا في العقيدة واختلافًا بيّنًا واختلافًا واضحًا، لكنه في المجال الأكاديمي. أما في المعيشة فيدعهم يصلون في المسجد، ويأكلون ويشربون ويذهبون ويأتون، ولا يظلمهم في بلادهم، ولا يرسل إليهم جيشًا يضربهم ولا غير ذلك إلى آخره، ويتفق معهم اتفاقات عادلة ترضي الجميع.

الشقان الأكاديمي والمدني في العلاقة مع وفد نجران وآية المباهلة

هذا هو الذي نأخذه، الذي تم بين النبي صلى الله عليه وسلم ووفد نجران يكون له شقان: شق نستطيع أن نسميه الشق الأكاديمي الديني، وشق آخر هو الشق المدني وكيفية التعامل معه.

الشق الأكاديمي الديني وصل الأمر فيه إلى قوله تعالى:

﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]

هنا رفض وفد نجران المباهلة.

رفض وفد نجران للمباهلة واستعداد النبي لها بأهل بيته

يعني تصور أن الجدل الديني يصل إلى حد ما يمكن أن يكون دعاءً إلى الله: هيا بنا نذهب إلى الله حتى يُظهر آياته فينا، إذا كانت الحجج قد انتهت في الجدل وانتهت، وإن كنتم لا تريدون ذلك، فهيا نذهب إلى الله. وهذا ما يُسمى بالمباهلة.

هذه المباهلة في الحقيقة رفضها وفد نجران، إذ خافوا وكانوا يستشعرون صدق النبي وقوة إيمانه، واستشعروا هذه الحالة التي كانت قلوبهم فيها شيء من الإيمان، والأمر مخيف يخشونه، فخافوا ولم يدخلوا في هذه المباهلة.

استعد سيدنا النبي للمباهلة وأحضر الحسن والحسين وفاطمة وعليًّا وبسط الكساء وقال لهم: تعالوا تعالوا، إذا كنا سنرفع الأمر إلى الله، سنرفع الأمر إلى الله. فهذا كان يعني جزءًا مهمًا في قضية وفد نجران.

سنة الوفود ووفد الصين الذي رسم النبي صلى الله عليه وسلم

وفي الحقيقة، توجد سنة تُسمى بسنة الوفود.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: جاءت إلى سيدنا رسول الله وفود كثيرة جدًا. من الطريف في هذا أنه في وفد من الصين جاء من الصين من إمبراطور الصين.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: ويُذكر في بعض الأدبيات أن هذا الوفد رسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام لكي يُروه للإمبراطور في الصين.

هذا الكلام ليس عندنا وليس في مصادرنا، لكنه موجود في أدبيات أخرى في الشرق، أنه وفد الصين رسم النبي صلى الله عليه وسلم. طبعًا هذا الرسم غير موجود الآن.

وفد المجر الذي أسلم في حياة النبي وعالمية الدعوة الإسلامية

من ضمن الأدبيات الموجودة أيضًا أن هناك وفدًا من المجر من بلاد المجر أتوا إلى النبي وأسلموا.

[المذيع]: سبحان الله.

[الشيخ]: من ضمن هذا يعني هنا بدأنا في النموذج الرابع الذي يعطينا عالمية الدعوة والذي يعطينا مركزية الإدارة، يعني أصبح أن المدينة صارت مع المسلمين، لكن أيضًا بدأ الإسلام ينتشر في كل العالم حتى في سنة الوفود هذه.

كان هناك رجل في الأزهر في الستينيات اسمه الدكتور إسماعيل من المجر، وذكر أن هناك عقائد عندهم بأنهم أبناء الصحابة؛ لأن أجدادهم الكبار جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا ورجعوا إلى المجر.

توثيق إسلام أهل المجر في حياة النبي ومحاضرة الأزهر التاريخية

[المذيع]: ما شاء الله.

[الشيخ]: وأنهم لا يعرفون متى دخل المسلمون المجر؛ لأنهم دخلوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وطُبعت هذه المحاضرة من ضمن الأعمال الثقافية أو الموسم الثقافي للأزهر، وأنا عندي نسخة منها. يعني هذا للتوثيق وللتاريخ أو ما إلى ذلك.

[المذيع]: معلومة لم يعرفها كثير من الناس يا مولانا.

[الشيخ]: نعم، فكان الصحابة موجودين بأولادهم في الحبشة، وكان الصحابة موجودين في الجزيرة العربية، وكان الصحابة موجودين في المجر. كان الصحابة لا، الصحابة انتشروا، وهم الذين رأوا النبي وأسلموا به.

عام الوفود ووفود لم تُذكر منها وفد الصين والمجر ووفد عبد القيس

وهذا العام الذي سُمي بعام الوفود يوجد وفود كثيرة لم تُذكر، منها وفد الصين الذي نقول عنه، ومنها وفد المجر. لم يقولوا أنه وفد المجر أو البلغار أو كذا أتوا، لكنهم كانوا يذكرون ما يعرفونه.

فجاء وفد عبد القيس. وفد عبد القيس هذا يعني من ضمن الأشياء أنهم حين دخلوا على النبي عليه الصلاة والسلام قبّلوا فوق يديه ورجليه، أي أنه كانت لديهم عادة تقبيل اليد وتقبيل الرجل.

حكم تقبيل اليد والرجل في الإسلام وشروطه الشرعية

طبعًا تقبيل اليد والرجل أخرجه أبو داود، وهذا كان لرسول الله عليه الصلاة والسلام. إذن تقبيل اليد ليس فيه شيء، وتقبيل الرجل أيضًا ليس فيه شيء، ويفعلها الأبناء مع الآباء والأجداد وغيرهم إلى آخره.

بشرط أن يكون التقبيل ليس إلا لوجه الله، يعني تعظيمًا للنبي، حبًّا للنبي، وليس لأجل الدنيا. فالذي يُقبِّل من أجل الدنيا يكون مكروهًا، لكن الذي يُقبِّل من أجل الآخرة أو إظهارًا للحب والاحترام كالوالدين أو كالعلماء أو ككبار السن أو شيء من هذا القبيل فلا بأس بذلك.

وألَّف الأعرابي كتابًا اسمه [القُبَل]، وألف شيخنا رحمه الله تعالى الشيخ عبد الله بن صديق الغماري كتاب [إعلام النبيل بجواز التقبيل].

استقبال النبي للوفود المختلفة ودعاؤه لمن رغب في الإسلام

بدأت الوفود تأتي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لبعضهم عندما يرى فيهم رغبة في الإسلام وهكذا إلى آخره، فيقول:

«مرحبًا بالقوم غير خزايا ولا ندامى»

[المذيع]: وبعض الوفود يا مولانا كانت تتحدى، يعني ليس كل الوفود كانت تأتي لتقبل اليد.

[الشيخ]: طبعًا، هناك وفود جاءت وعادت وهي كارهة، وجاءت وعادت وهي مسرورة لكنها لم تسلم، وجاءت وأسلمت ورجعت مرة ثانية، وجاءت فأسلمت فجلست في المدينة، وجاءت وأسلم بعضهم ولم يسلم بعض. وهكذا يعني هو كل الحالات وُجدت.

تنوع أحوال الوفود واستقبال النبي للجميع ومخاطبتهم على قدر عقولهم

نعم، هناك وفود أسلمت ووفود لم تسلم، هناك وفود رضيت ووفود لم ترضَ، هناك وفود أحسنت وفادتها وهناك وفود جادلت وأظهرت غضبها إلى آخره. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل الجميع ويخاطب الناس على قدر عقولهم عليه الصلاة والسلام.

مرة مثلًا بنو تميم الذين كانوا ساكنين في الرياض وما إلى ذلك، جاؤوا ينادون بطريقتهم هكذا: يا محمد، اخرج إلينا، فإن مدحنا زين وإن سبّنا شين. يعني أتوا كأنهم يتخاصمون.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: لا، ماذا؟ طريقتهم هكذا.

[المذيع]: يعني انتبه أن كل شخص له طريقته.

[الشيخ]: ليسوا يتخاصمون، هم أتوا لأنهم وفد يزور سيدنا النبي. اخرج إلينا، يعني طريقتهم هكذا، هذا بروتوكولهم هكذا.

ختام الحلقة والوعد باستكمال قصة وفد بني تميم في الحلقة القادمة

[المذيع]: حسنًا، هل يمكن يا مولانا أن نخرج بعد إذنك؛ لأن وقت الحلقة قد انتهى؟ وسنستكمل قصة وفد بني تميم عندما جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام في الحلقة القادمة إن شاء الله.

[الشيخ]: نعم بالطبع، إن شاء الله.

[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور [علي جمعة]، مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله. فإلى ذلك الحين نستودع الله جليلكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.