برنامج السراج المنير: خاتم الأنبياء والمرسلين
- •الأنبياء مبشرون ومنذرون، وهذا أسلوب حصر في القرآن "وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين".
- •التبشير والإنذار وظيفتان أساسيتان للرسل، فهم يبشرون بالجنة والثواب وينذرون من النار والعقاب.
- •خلق الله العالم للعبادة "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وأرسل الرسل ليبينوا للناس أحكامه وشرعه.
- •اختص النبي محمد صلى الله عليه وسلم بوصف "السراج المنير" لأنه خاتم النبيين وصاحب العهد الأخير.
- •ورد وصف "السراج المنير" في سياق ختم النبوة "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين".
- •النبي كالشمس يضيء للعالم ويهدي الناس، فهو رحمة للعالمين وأرسل للناس كافة.
- •بُعث النبي في مجتمع مشرك يعبد الأصنام، بخلاف موسى وعيسى اللذين أرسلا إلى بني إسرائيل الذين يعرفون الله.
- •منهج النبي في التعامل مع المشركين اتسم بسعة الصدر والرحمة، وهو ما يعرف اليوم بالتعايش مع الآخر.
افتتاح البرنامج والتعريف بموضوع الأنبياء مبشرين ومنذرين
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامج السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا أهلًا وسهلًا بكم، أهلًا بك يا سيدنا.
[المذيع]: الحق تبارك وتعالى يقول - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم -:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-46]
نريد يا مولانا أولًا أن نعرف ما هي الحكمة من أن الأنبياء مبشرين ومنذرين، ونتطرق لوصف النبي صلى الله عليه وسلم بالسراج المنير.
معنى الحصر في الآية وأن التبشير والإنذار وظيفة كل رسول
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وعلى أنبياء الله وإخوانه من المرسلين عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه أجمعين.
ربنا سبحانه وتعالى يذكر في القرآن ويقول:
﴿وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الكهف: 56]
وهذا أسلوب يسمى بأسلوب الحصر والقصر؛ «ما... إلا» يعني هناك نفي ثم هناك أداة الاستثناء، وهذا شبيه بكلمة التوحيد لا إله إلا الله، فكأنه قصر الألوهية الحق والمعبودية الصحيحة الواقعية على الله سبحانه وتعالى، فلا رب سواه.
﴿وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الكهف: 56]
إذن فليس هناك أي رسول إلا وهو مبشر وهو منذر.
الفرق بين المبشِّر والمنذِر من حيث اسم الفاعل واسم المفعول
نعم، والمبشِّر اسم فاعل، واسم المفعول مُبَشَّر، والمُنذِر اسم فاعل لأنه يقوم بعملية الإنذار، لكن المُنذَر اسم مفعول.
ولذلك نجد من وظائف المرسلين ماذا يفعلون؟ يفعلون بأنهم يقومون بأداء البشرى ويقومون بأداء الإنذار.
﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [البقرة: 25]
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يقوم بعملية التبشير للذين آمنوا وعملوا الصالحات، فهو مُبَشِّر.
﴿وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِ﴾ [الأنعام: 19]
إذن فالنبي صلى الله عليه وسلم سوف يقوم بعملية الإنذار، فهو منذر عليه الصلاة والسلام.
حقيقة الإرسال الإلهي وغاية خلق الإنسان في الأرض
هذا يبين لنا حقيقة الإرسال الإلهي والبعث الرباني لهذه الصفوة من البشر؛ الله سبحانه وتعالى يخبرنا أنه قد خلق هذا العالم من أجل عبادته.
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
الله سبحانه وتعالى بيّن لنا أنه ما خلق هذا العالم إلا وقد جعلنا خلفاء فيه نتلقى أوامره فنطبقها.
﴿ٱهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ﴾ [البقرة: 38]
إلى آخر الآيات: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوٓا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]
ويقول: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، يعني طلب منكم عمارتها، فالله سبحانه وتعالى أمرنا بذلك.
طريقة تكليم الله للبشر وضرورة إرسال المرسلين مبشرين ومنذرين
لكن كيف أعلم أحكامه؟
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: 51]
فإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يكلم كل البشر مباشرةً، وإنما يرسل المرسلين مبشرين ومنذرين كما شاء الله، فإن التبشير والإنذار هما وظيفة أساسية من وظائف الرسل، وليس هناك رسول إلا وهو مبشر ومنذر؛ حتى نعلم مراد الله، حتى نعلم أحكام الله، حتى نطبق هذه الهداية في واقع الناس، حتى يكون كلام الله سبحانه وتعالى قد انعكس بهدايته وأنواره على الكون.
لأن ما صدر من الله سبحانه وتعالى من كلامه إنما صدر من عالم الأمر، وهذا الكون صدر منه من عالم الخلق، وكلاهما من عند الله سبحانه وتعالى.
كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور وعلاقة الأمر بالخلق
فما صدر من عالم الأمر وهو كلام الله يجب أن ينعكس على ما صدر منه من عالم الخلق وهو الكون، وهذا ما يسمونه بـكتاب الله المسطور وهو كلامه غير مخلوق، وكتاب الله المنظور وهو الكون وهو منظور، وكلاهما من عند الله.
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]
[المذيع]: ونعم بالله، يعني يا سيدنا تكون بشرى وإنذار، لا ينفع البشرى وحدها فقط أو الإنذار فقط، ما هو الأمر بين الترغيب والترهيب؟
[الشيخ]: نعم، والأمر بين الجنة والنار، والأمر في الحساب بين الثواب والعقاب، أي ذلك يخوف الله به عباده:
﴿يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزمر: 16]
إذن فالقضية بين الطاعات والمعاصي، بين الامتثال للأوامر والنواهي أو مخالفة الأوامر والنواهي، ولذلك كانت البشرى والإنذار كلاهما يكمل بعضه بعضًا.
الإنسان بين الطاعة والمعصية وحقيقة الإرسال النبوي
الإنسان يطيع، بل إنه عندما يطيع يجد فطرته التي خلق الله الناس عليها، لكنه يعصي أيضًا، وكل ابن آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون.
من هنا جاءت حقيقة الإرسال وهي بيان مراد الله سبحانه وتعالى من خلقه، وكيفية عبادته، وما يرضيه من طاعات، وما يغضبه سبحانه وتعالى من معاصٍ.
ومن هنا كانت وظيفة التبشير وكانت وظيفة الإنذار هي حقيقة الإرسال التي أرسل الله سبحانه وتعالى بها المرسلين.
نلاحظ في القرآن أنه استعمل طريقتين: مبشرين ومنذرين، واستعمل أيضًا بشيرًا ونذيرًا، أي بشير على وزن فعيل تصلح للدلالة على اسم الفاعل واسم المفعول في نفس الوقت، ونذير كذلك.
وزن فعيل في اللغة العربية بين اسم الفاعل واسم المفعول
نعم، لكن طبعًا هذا الوزن في اللغة العربية في بعض الأحيان يُستعمل لاسم الفاعل، وفي بعض الأحيان يُستعمل لاسم المفعول، وفي بعض الأحيان يُستعمل للأمرين معًا.
- •جريح يعني مجروح.
- •قتيل يعني مقتول.
- •حبيب يعني محبوب.
لكن:
- •جبيرة يعني جابرة، فقيرة يعني مفتقرة؛ اسم فاعل، ولا تصلح جبيرة أن تكون اسم مفعول، وليس جريح أن يكون اسم فاعل جارح مثلًا.
جريح يعني مجروح، لكن في بعض الأحيان تأتي كلمة وتصلح للأمرين، فهنا عندما تأتي مثلًا كلمة بديل، بديل معناها إما مبدِل أو مبدَل في نفس الوقت.
بشير يعني مبشِر أو مبشَر أو مبشَّر في نفس الوقت، ولذلك فهو مبشِر من عند الله وهو يبشر عباد الله بالجنة وبثواب الطاعة إلى آخره.
الفرق بين كلمتي بشير ومبشر وبماذا بُشِّر النبي صلى الله عليه وسلم
فالفرق بين كلمتي بشير ومبشر هو أن بشير تصلح لاسم الفاعل واسم المفعول، لكن مبشر هي اسم فاعل فقط.
[المذيع]: حسنًا، بماذا هو مبشَّر؟
[الشيخ]: هو مبشَّر بالدرجات العُلى، وهو مبشَّر برضا الله، وهو مبشَّر إلى آخره.
نبي، وطبعًا في قراءة تقول لك نبيء على وزن فعيل أيضًا، يعني أنبأه الله بالوحي، ومنبئ يعني هو ينقل إلى الناس النبأ ويخبرهم به، فهو مُخبَر من عند الله ومُخبِر في علاقته مع البشر، فهو واسطة في الأداء بين الحق والخلق.
[المذيع]: جميل، حسنًا سيدنا فاصل ثم نرجع لنستكمل هذا الحوار الشيق ونعرف لماذا سُمِّي النبي أو وُصِف بأنه سراجًا منيرًا، فاصل، نعود إليكم فابقوا معنا.
لماذا اختص النبي صلى الله عليه وسلم بوصف السراج المنير
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامج السراج المنير مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار، مولانا، قبل أن نخرج إلى الفاصل كنا نتحدث عن أن الأنبياء مبشرين ومنذرين، نريد أن نعرف يا سيدنا لماذا اختص النبي صلى الله عليه وسلم بوصف السراج المنير؟
[الشيخ]: سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم للعالم كالشمس في ضيائه للأبدان في ضيائها وحرارتها واحتياج الناس إليها، النبي صلى الله عليه وسلم كان علامة فارقة، ولذلك هذا الوصف جاء في سياق آيات:
﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـنَ﴾ [الأحزاب: 40]
وخاتم النبيين هذه هي العلامة الفارقة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت رسالته هي العهد الأخير.
النبي خاتم النبيين وصاحب العهد الأخير في سياق آيات الأحزاب
لدينا سيدنا موسى نزل عليه العهد القديم، وسيدنا عيسى عليه السلام نزل عليه العهد الجديد، النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي نزل عليه العهد الأخير، العهد الأخير لا يوجد نبي بعده، لا يوجد شيء بعده، انتهى الأمر، لأنه قال: وخاتم النبيين.
ففي هذا السياق:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱذْكُرُوا ٱللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ ٱلَّذِى يُصَلِّى عَلَيْكُمْ وَمَلَـٰٓئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا * يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ شَـٰهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: 41-46]
عليه الصلاة والسلام، جاء سراج منير في سياق ختم النبوة، فهو سراج للعالم.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
النبي نبي للناس كافة وأوصافه الخمسة في الآية الكريمة
وهو تميَّز بأنه هو نبي للناس كافة عليه الصلاة والسلام.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ: 28]
إذن هنا أرسل الله سبحانه وتعالى هذا النبي شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله وسراجًا منيرًا، في خمسة أوصاف ما شاء الله.
وهذا من أجل أنه كان علامة فارقة في تاريخ البشرية وفي تاريخ اتصال السماء بالأرض إن صحَّ التعبير، حيث أنه كان خاتمًا للنبيين.
سبب أنه سوف يكون سراجًا للعالمين ورحمة للعالمين وأُرسل للناس كافة هو أنه ختم النبوة، وهو أنه صاحب العهد الأخير وهو القرآن.
هداية النبي إلى يوم الجمعة والفطرة واختيار اللبن على الخمر
ولذلك هُدي النبي صلى الله عليه وسلم مع أمته إلى أمور، منها أنه هُدي إلى يوم الجمعة، ومنها أنه هُدِيَ إلى الفطرة؛ عُرِضَ عليه مرة الخمر واللبن فاختار اللبن، فهُدِيَ إلى الفطرة.
الخمر قد تكون قد أُبيحت في بعض الشرائع، بعض الناس تقول إنها محرمة في كل دين، لكن مثلًا اليهود إلى الآن يشربون الخمر ويتوغلون فيها إلى مرحلة السكر.
بعض الناس قالوا يمكن أن نشربها لكن لا يسكرون، هذا عند إخواننا المسيحيين، لكن اليهود يشربون ولا بأس، ويتوغلون في السكر، ويذهب عقله يعني من جراء هذا الشرب.
لكن في الإسلام لا، حُرِّمت الخمر وحُفِظ العقل بطريقة تجعل الإنسان أهلًا للتكليف ولتنفيذ افعل ولا تفعل؛ إن العقل مناط التكليف، لأن العقل مناط التكليف.
النبي سراج منير لأنه نجم الحضرة القدسية ودليل الهداية للعالم
يكون إذن النبي صلى الله عليه وسلم أُطلق عليه السراج المنير لأنه كما يقول ربنا:
﴿وَعَلَـٰمَـٰتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16]
فهو نجم الحضرة القدسية، وهو القمر، وهو الشمس، وهو الضياء، وهو الدليل والمرشد، كل هذه الأشياء جعلها الله سبحانه وتعالى من شأن القمر، من شأن الشمس، من شأن النجم.
تجد القمر كما قالوا:
وفي الليلة الظلماء يُفتَقَدُ البدرُ
طبعًا تكون ليلة المحاق فلا يوجد بدرٌ أصلًا، البدر يكون في الوسط، ولكن عندما يكون هناك بدر يضيء المسالك ويضيء الطريق ويجعل الإنسان يسير على هدى.
أكثر من هذا الشمس، الشمس تُفَرِّجُ الأزمات، يقول ابن التوزري النحوي:
اشتدي أزمة تنفرجي، قد أذِنَ ليلكِ بالبلج
الليل أذن له أو جاء وقته حتى تنفرج أزمته بالضياء، قد أذن ليلك بالبلج، وظلام الليل له سُرُج حتى يغشاه أبو السرج التي هي الشمس.
النبي شمس العالم ووصف السراج المنير في سياق ختم النبوة
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان أبا السرج عليه الصلاة والسلام، لأنه أبو السرج هذا الذي هو الشمس، فهو شمس للعالم.
فهذا الوصف كان وصفًا قد وُصف به سيدنا صلى الله عليه وسلم من أجل أنه يمثل لحظة فارقة في تاريخ البشرية من ختم النبوة، فوجدناه في القرآن عندما تكلم عن ختم النبوة وصفه بأنه هو السراج المنير عليه الصلاة والسلام.
[المذيع]: فضيلتك أوضحت لنا يا مولانا أن السراج المنير هو السراج الذي هو الشمس والمنير هو القمر، فالنبي عليه الصلاة والسلام مثل الشمس والقمر يضيء للمسلم ولغير المسلم، هذا يدخلنا إلى مدخل للتعامل مع غير المسلمين أو للاحتكاك بهم أو التعايش معهم، وهذا موضوع حلقاتنا إن شاء الله من برنامج السراج المنير، لنأخذ نبذة هكذا يا مولانا عما سنتحدث عنه في البرنامج.
النبي أُرسل في مجتمع مشرك وكيف تعامل مع الآخر المختلف
[الشيخ]: القضية أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أُرسل، أُرسل في مجتمع غير مؤمن وغير مؤمن بالمرة؛ يعني عندما جاء مثلًا سيدنا موسى، أُرسل إلى بني إسرائيل، بنو إسرائيل يعني بنو يعقوب، يعني أناس يعرفون الله أصلًا، وقصتهم في سورة البقرة واضحة عندما جلسوا وعبدوا الله سبحانه وتعالى وعبدوا ما كان يعبد آباؤهم سيدنا إسحاق وسيدنا إسماعيل وسيدنا إبراهيم.
وهكذا جاء موسى لقوم عرفوا الإيمان، جاءهم من أجل تصحيح العقيدة، من أجل البدء معهم إلى مكان آخر وما إلى ذلك.
وعندما جاء سيدنا عيسى، جاء في وسط بني إسرائيل هؤلاء من أجل أن يعيدهم مرة أخرى إلى الطريق القويم الذي يعرفونه.
النبي جاء إلى قوم مشركين في الجاهلية وشاعرهم يفتخر بالجهل
لكن سيدنا النبي عندما جاء، جاء إلى قوم مشركين أصحاب وثن يعبدون الأصنام، وحالتهم سيئة جدًا حتى سُمِّيت الفترة التي كانوا فيها بـالجاهلية، الجهل هذا شيء سيء جدًا.
لكن شاعرهم يفتخر بأنه جاهل ويقول:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين
فوق جهل الجاهلين، ماذا يعني؟ أي أنك تفتخر بالجهل، أي أنك تقول إن هؤلاء الناس جهلة ولكني أجهل منهم، تخيل أن هذه تكون معلقة ويفتخر بها العرب.
وفي وسط هذه المفاهيم يأتي النبي، فالنبي عليه الصلاة والسلام عندما أُرسل، منحه الله سعة الصدر والرحمة بهؤلاء الناس، انتبه لذلك.
النبي أُرسل لتبشير المشركين وإنذارهم ومنهم أقاربه كأبي لهب
إنهم هؤلاء الزبائن الخاصون بنا، صحيح نريدهم أن يسلموا، هؤلاء الذين سنبشرهم وننذرهم، هؤلاء الذين سنبشرهم وننذرهم، هؤلاء قومي، هؤلاء أهلي، وكلهم كانوا مشركين.
حتى أن:
﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]
من هم الأقربون؟ أبو لهب الذي نزلت فيه سورة نتلوها في المحاريب إلى يوم القيامة، وهو عم النبي، وكان يسمى بأبي لَهَب لأن وجهه كان أبيض فيه حُمرة فكانوا يسمونه أبا لهب.
كلمة لهب يظن الناس أنها تشير إلى لهب جهنم، لكن لا، فأبو لهب كان يعني الجميل الذي وجهه منير، نعم، أبيض محمر هكذا، أبيض محمر مثل اللهب الذي للنار، والنار هذه كانت تعطي حرارة وتعطي ضوءًا.
النبي جاء بمنهج التعايش مع الآخر في وسط مجتمع الجاهلية
ضوء، ويقول: علم في رأسه نار، العلم الذي هو الجبل وفي رأسه نار ترشد الناس، ونحن نقولها الآن علم في رأسه نور.
فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء في وسط هؤلاء، فجاء بمنهج، هذا المنهج نحن نسميه الآن في أدبيات عصرنا التعايش، التعايش، التعايش مع الآخر.
[المذيع]: يا سيدنا انتهى وقت الحلقة، والوقت يجري بسرعة، سنتحدث في الحلقة القادمة إن شاء الله عن التعايش مع الآخر.
[الشيخ]: موضوع التعايش يحتاج إلى حلقات متعددة، ويتطلب منا أن نتعمق في سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهديه ورحمته، حتى نستخرج نموذجًا وبرنامجًا لنا في حياتنا الدنيا، خاصة وقد اختلط الحابل بالنابل وعشنا سويًا في قرية واحدة اتساعها العالم، فيجب أن نرجع إليه صلى الله عليه وسلم حتى ينفعنا الله به.
ختام الحلقة والتشويق للحلقات القادمة عن التعايش مع الآخر
[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعده باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم السراج المنير.
فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
