اكتمل ✓
تفسير سورة المائدة قصة ابني آدم وحرمة النفس البشرية وإعجاز القرآن - تفسير, سورة المائدة

ما تفسير قصة ابني آدم في سورة المائدة وما دلالتها على حرمة النفس البشرية وإعجاز القرآن؟

قصة ابني آدم في سورة المائدة تُبيّن أن الله يتقبل من المتقين، وأن العدوان على النفس البشرية من أبشع الجرائم لأن الله أودع فيها روحًا وأمر الملائكة بالسجود لآدم تكريمًا لها. واستخدام صيغة ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ بأشد أدوات التأكيد دليل على الإعجاز البلاغي للقرآن، إذ عكست حالة الإنكار الشديد لجريمة لم تُعرف من قبل.

4 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن تكون صيغة قرآنية واحدة دليلًا على أن القرآن ليس من كلام البشر؟

  • قصة ابني آدم في سورة المائدة تُركّز على الهدف الأخلاقي وهو بشاعة العدوان على النفس، دون الخوض في تفاصيل كتب أهل الكتاب كأسماء الأبناء وطريقة قبول القربان.

  • حرمة النفس البشرية راسخة في الإسلام لدرجة أن النبي ﷺ وقف احترامًا لجنازة يهودي قائلًا: «أو ليست بنفس؟».

  • الفقهاء استنبطوا من تكريم الروح أنه لا يجوز العدوان على الجنين بعد نفخ الروح في الشهر الرابع، وأن قتل الرحمة محرم بإجماع العلماء.

  • صيغة ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ بأدوات التأكيد الثلاثة تعكس قاعدة بلاغية: كلما اشتد إنكار السامع وجب أشد التأكيد، وهو ما يعجز عنه أي إنسان في لحظة الإنشاء.

  • تدبر القرآن يكشف إعجازًا متجددًا عبر أربعة عشر قرنًا، إذ يظل فيه ما لم يُكتشف بعد.

افتتاح الدرس وتلاوة آية قصة ابني آدم من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]

هنا قرّبا قربانًا فتُقُبِّل من أحدهما.

منهج القرآن في عدم ذكر التفاصيل المأخوذة من كتب أهل الكتاب

لا يزال القرآن لا يذكر التفاصيل التي ذُكرت في التفاسير من كلام أخذناه من تفاصيل موجودة في كتب أهل الكتاب من قبلنا. فتذكر هذه الكتب أنه في ذلك الزمان كانوا إذا قرّبوا القربان فإن الله يتقبل ذلك القربان برفعه إلى السماء واحتراقه، وأن القربان الذي لم يُؤخذ ولم يُحرق فإنه يكون غير مقبول.

وأن اسمَي هذين الابنين هابيل وقابيل، وأن القاتل هو قابيل، وأن المقتول هو هابيل، وأنهما قد اختلفا على الزواج من أخت لهما.

تفاصيل الزواج بين أبناء آدم وكيفية انتشار البشرية في ذلك الزمان

وكان في هذا الزمن حواء تلد في كل بطن ذكرًا وأنثى، وكان قد حُرّم الزواج بين التوأمين من بطن واحدة، ولكن يجوز لهذا أن يتزوج من أخته وإن كانت أخته لكنها أخت غير محرمة عليه من بطن أخرى، وبأصل هذا [الحكم الشرعي] انتشرت البشرية.

كل هذا موجود في التفسير، ولكن الله لم يذكره، وإنما ذكر ما يوصلنا إلى الهدف من بشاعة العدوان على النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، بشاعة هذا العدوان وإنكاره واستنكاره.

وجوب التوبة من قتل النفس لأنه هدم لبنيان الرب الذي أودع فيه الروح

وموقف الإنسان إذا ما ابتُلي بهذا الذنب [ذنب القتل]، وأنه يجب عليه أن يتوب لأنه قد هدم بنيان الرب، وبنيان الرب هو الإنسان الذي أودع الله فيه روحًا من عنده ومن خلقه قامت به، وأن ذلك يستوجب الاحترام المزيد للإنسان.

فيعلمنا أن نحترم الإنسان كإنسان، ولذلك عندما كانت جنازة تمر على النبي صلى الله عليه وسلم فوقف، فقالوا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي، يعني مات على غير الإسلام.

قال [رسول الله ﷺ]: «أو ليست بنفس؟»

إذن الوقوف هنا احترامًا للنفس البشرية بغض النظر عن كينونتها أو عن إيمانها أو عن دخولها في إطار العقاب أو الثواب عند الله.

تكريم الله للنفس البشرية بسجود الملائكة لآدم بعد نفخ الروح فيه

ولكنه [سبحانه وتعالى] لما خلقها نفسًا بشرية فقد أضفى عليها من الاحترام ما أسجد الملائكة لأبيهم آدم من أجلها، فلما سوّاه ونفخ فيه من روحه أمر الملائكة:

﴿فَقَعُوا لَهُ سَـٰجِدِينَ﴾ [الحجر: 29]

aسجدوا لآدم، فسجد الملائكة كلهم أجمعون.

إذن القضية هي تعظيم هذا الشأن، شأن الروح في الجسد.

حكم العدوان على الجنين بعد نفخ الروح والفرق بين الحياة النباتية والروحية

ومن هنا أخذ الفقهاء أنه لا يجوز العدوان على الجنين بعد أربعة أشهر، وهي المدة التي حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفخ الروح في ذلك الجسد، وإن كان ناميًا متحركًا قبلها.

فيقول الفقهاء عن ذلك الحياة النباتية؛ فالجنين في بطن أمه قبل الشهور الأربعة التي تُنفخ عندها الروح كان حيًا حياة نباتية وليست حياة نُفخت فيها الروح، تستوجب بعد ذلك المؤاخذة وتستوجب بعد ذلك القصاص.

حرمة قتل الجنين المشوه وتحريم القتل الرحيم بإجماع العلماء

وهذا الجنين الذي نُفخت فيه الروح شأنه حتى مع تشوهه أو مع عجزه أو احتمال عجزه، شأن من أُصيب من بني الإنسان فقُطعت أطرافه أو أُصيب عقله أو مخه أو أُصيب بأي شيء، فلا بد عليه [أن يُحترم]، لا يمكن القول بأن نقتله رحمةً به أو نقتله حتى نتخلص منه أو هو يتخلص من آلامه.

ولذلك اتفقت كلمة العلماء على أنه لا يجوز قتل الرحمة لمريض ميؤوس من شفائه يتألم ويطلب أن يعطيه أحد حقنة تميته أو أي شيء، فهذا ممنوع احترامًا للنفس البشرية.

دلالة استخدام أدوات التأكيد في قوله لأقتلنك على أن الجريمة لم تُعرف من قبل

﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: 27]

وهنا نراه يستعمل أدوات التأكيد؛ لأن كلامه يعني لا يُصدق أولًا، لم تُرتكب مثل هذه الجريمة من قبل.

فماذا يعني أن تقتلني؟ أنني لا أفهم معناه أن تقتلني كما نقتل الحيوان ونذبحه، وقد سلّطنا الله عليه ومكّننا منه من أجل المنفعة والأكل والشرب. وتقتل [إنسانًا]؟! يعني لا أفهم! يعني لأن السامع منكر استعمل المتكلم صيغة التأكيد: لأقتلنك.

قاعدة بلاغية: إذا كان السامع منكرًا أشد الإنكار وجب أشد التأكيد

لو قال له سوف أقتلك، إن شاء الله أقتلك، هكذا فقط من غير اللام والنون والتأكيد، هذا ما كان صدقه، كان سيقول له: ماذا؟ أنت تمزح!

لكن نحن نقول إن المتكلم إذا رأى السامع منكرًا أشد الإنكار يؤكد أشد التأكيد، فلما تكلم بكلام فيه أشد التأكيد عرفنا أن السامع كان سينكر أشد الإنكار. لو لم يكن كذلك [لقال]: لقتلتك [بدون تأكيد].

الإعجاز البلاغي في القرآن ودلالته على أنه ليس من عند بشر

وهذا يدل على [إعجاز القرآن]، انظر، حسنًا، وهذا لو كان هذا القرآن من عند محمد [صلى الله عليه وسلم]، يعني كيف يفكر محمد في هذه المسألة؟ لا تصلح والله، هذه مشيئة من عند الله، هذه مشيئة من عند الله.

«سأقتلك» في هذا الموقف لماذا [لا تكفي]؟ لأنها أول مرة تحدث في العقل، ولأنها غير مصدقة، فالسامع ينكرها أشد الإنكار، فاستوجب ذلك أشد التأكيد.

هذا لو كان شخص يجلس يبحث ويتفلسف، لن يصل إليها. انتبه عند الإنشاء يعني أنني أكتب لا آتي بها، أما عند التفسير فأجلس وأتأمل فيها هكذا.

تدبر القرآن يكشف إعجازه المتجدد عبر القرون وتأكيد صيغة لأقتلنك

كيف أن هذا الكلام بعد أربعة عشر قرنًا، وربما الكلام الذي أقوله هذا لا تجده في التفسير، لم يخطر على بال أحد، وربما تجدها، لكنني لم أجدها، أي لم أرها من قبل.

لكن كل ما تتدبر القرآن كل ما تجده معجزًا، شيئًا يعجز عنه أن يقوم به فرد أو جماعة أو مجموعة أو غير ذلك.

﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ في هذا الموقف كان يكفي «لأقتلك» وحسب، أو «سوف أقتلك»، لا، بل لَأَقْتُلَنَّكَ استخدم أشد التأكيد.

رد هابيل على أخيه بأن الله إنما يتقبل من المتقين وسبب الخلاف بينهما

﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]

لماذا تقتلني؟ إن الله يتقبل من عباده من المتقين، ويُتَقَبَّل حينما يكون هناك تقوى.

وقال [المفسرون] إنه اختلف مع أخيه على أنه يريد أن يتزوج توأمته، والآخر يقول: هذا حرام وخطأ وممنوع، فاختلفوا على هذه المسألة، فقرَّب كل منهما قربانًا، فتُقُبِّل من أحدهما ولم يُتَقَبَّل من الآخر.

الحديث طويل مع كتاب الله سبحانه وتعالى، فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما الذي ركّز عليه القرآن في قصة ابني آدم دون ذكر التفاصيل الأخرى؟

بشاعة العدوان على النفس البشرية

ما القاعدة البلاغية التي تُفسّر استخدام أشد التأكيد في قوله ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾؟

كلما اشتد إنكار السامع وجب أشد التأكيد

ما المدة التي حددها النبي ﷺ لنفخ الروح في الجنين؟

أربعة أشهر

ما موقف العلماء من قتل الرحمة لمريض ميؤوس من شفائه؟

محرم بإجماع العلماء

لماذا وقف النبي ﷺ لجنازة اليهودي؟

احترامًا للنفس البشرية بغض النظر عن الدين

ما الذي تذكره كتب أهل الكتاب عن طريقة قبول القربان في قصة ابني آدم؟

القربان المقبول يُرفع إلى السماء ويحترق

ما الحكم الشرعي الذي أتاح انتشار البشرية من أبناء آدم؟

إباحة الزواج من الأخت من بطن أخرى

ما الآية القرآنية التي استشهد بها على تكريم الله للنفس البشرية بسجود الملائكة؟

﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾

ما الفرق بين الحياة النباتية والحياة الروحية للجنين وفق الفقهاء؟

الحياة النباتية هي حياة الجنين قبل نفخ الروح ولا تستوجب القصاص

ما سبب الخلاف بين ابني آدم الذي أدى إلى تقديم القربان؟

الخلاف على الزواج من التوأمة المحرّمة

ما الدلالة البلاغية لاستخدام صيغة ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ بدلًا من «سأقتلك»؟

تدل على أن السامع كان سينكر الكلام أشد الإنكار

ما الذي يكشفه تدبر القرآن الكريم عبر القرون؟

أن إعجازه يتجدد ويظل فيه ما لم يُكتشف بعد

ما اسما ابني آدم الواردان في كتب التفسير المأخوذة من أهل الكتاب؟

هابيل وقابيل، وقابيل هو القاتل وهابيل هو المقتول.

لماذا حُرّم الزواج بين التوأمين من بطن واحدة في زمن آدم؟

لأنهما أخوان من بطن واحدة، فحُرّم زواجهما، لكن أُبيح الزواج من الأخت من بطن أخرى لأنها غير محرمة.

ما معنى «هدم بنيان الرب» في سياق القتل؟

يعني أن القاتل هدم الإنسان الذي أودع الله فيه روحًا من عنده، وهذا يستوجب الاحترام المزيد والتوبة.

ما قول النبي ﷺ حين أُخبر بأن الجنازة التي وقف لها جنازة يهودي؟

قال ﷺ: «أو ليست بنفس؟» مؤكدًا أن الوقوف كان احترامًا للنفس البشرية بغض النظر عن الدين.

ما الأمر الإلهي الذي يُجسّد تكريم النفس البشرية منذ الخلق؟

أمر الله الملائكة بالسجود لآدم بعد نفخ الروح فيه، قال تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.

ما الحكم الفقهي المستنبط من تكريم الروح البشرية فيما يخص الجنين؟

لا يجوز العدوان على الجنين بعد أربعة أشهر وهي مدة نفخ الروح، وما قبلها حياة نباتية لا تستوجب القصاص.

هل يجوز قتل الجنين المشوّه أو العاجز؟

لا يجوز، فشأنه شأن الإنسان المصاب بقطع أطراف أو إصابة عقلية، يجب احترامه ولا يجوز قتله رحمةً به.

ما الفرق بين قول «سأقتلك» و﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ من الناحية البلاغية؟

«سأقتلك» بدون تأكيد لم يكن يُصدَّق في هذا الموقف، أما ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ فاستخدمت أشد التأكيد لأن السامع كان سينكر الكلام أشد الإنكار.

ما الفرق بين الإنشاء والتفسير في فهم الإعجاز البلاغي للقرآن؟

المفسّر يجلس ويتأمل ليصل إلى الإعجاز البلاغي، أما المنشئ فلن يصل إليه في لحظة الكتابة، مما يدل على أن القرآن من عند الله.

ما الهدف الأساسي الذي ركّز عليه القرآن من قصة ابني آدم؟

بيان بشاعة العدوان على النفس التي حرّم الله قتلها إلا بالحق، وإنكار هذا العدوان واستنكاره.

ما شرط قبول العمل عند الله وفق رد هابيل على أخيه؟

التقوى، قال هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، فالقبول مرتبط بالتقوى لا بمجرد الفعل الظاهر.

كيف يدل تجدد اكتشاف إعجاز القرآن بعد أربعة عشر قرنًا على ربانيته؟

لأن كلامًا بشريًا يُستنفد فهمه بمرور الزمن، أما القرآن فكلما تُدبّر وُجد فيه إعجاز جديد يعجز عنه الفرد والجماعة.

ما الحكم الشرعي لمن ابتُلي بذنب قتل النفس؟

يجب عليه التوبة لأنه هدم بنيان الرب الذي أودع فيه روحًا من عنده.

ما الذي كانت تفعله كتب أهل الكتاب لتمييز القربان المقبول من غير المقبول؟

كانت تذكر أن القربان المقبول يُرفع إلى السماء ويحترق، أما الذي لم يُحرق فهو غير مقبول.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!